إسلام ويب

دورة تدريبية في مصطلح الحديث [3]للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ينقسم الحديث أقساماً كثيرة باعتبارات مختلفة، فهو ينقسم باعتبار طرقه إلى متواتر وآحاد، فالمتواتر قطعي الورود، ويشترط لاعتباره متواتراً عدة شروط، ولكن لا تعتبر الثقة في رواته لكثرتهم، وذلك بخلاف الآحاد.

    1.   

    تعريف الحديث والأثر والخبر

    باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله؛ صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله.

    وبعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    الحديث لغة: الجديد أو الكلام.

    واصطلاحاً: هو ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أقواله، وأفعاله، وتقريراته، وصفاته الخلقية والخُلُقية.

    والمتن: هو ما انتهى إليه السند.

    والسنة ترادف الحديث على بعض آراء أهل العلم.

    وبعض العلماء يزيدون في تعريفها ويقولون: هي ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أقواله وأفعاله وتقريراته والصفات الخلقية والخلقية، وما أضيف إلى الصحابي والتابعي، وكذلك ما روي من أخباره صلى الله عليه وسلم قبل بعثته، وكذا مغازيه وأيامه وغير ذلك.

    وهي في اللغة: الطريقة، وعند الإطلاق يراد بها الطريقة المستقيمة، فإذا قُيّدت خرجت عن هذا الإطلاق، مثل قوله صلى الله عليه وسلم (من سن في الإسلام سنة حسنة). وقوله: (من سن في الإسلام سنة سيئة).

    وتطلق السنة عند الفقهاء على ما يقابل البدعة، فيقال: هذا سني في مقابلة البدعي، وهذا أمر مسنون في مقابلة أمر آخر غير مسنون.

    تعريف الأثر

    الأثر في اللغة هو: بقية الشيء، وهو العلامة الفرعية التي تدل على أصل الشيء وحقيقته، مثل أثر الرجل في الطين، فهو فرع للأصل الحقيقي الذي هو القدم، أو هو أثر للمؤثر الحقيقي وهو القدم، فالأثر يدل على المسير، والبعرة تدل على البعير، فلو وجدت بعراً في طريق فإنك تعرف أنه قد مر من هذا الطريق بعير.

    وأما في الاصطلاح فقد اختلف أهل العلم اختلافاً عظيماً، فمنهم من يقول: الأثر اسم مفعول بمعنى المأثور، وكل مأثور يطلق عليه اصطلاحاً أثر، وهذا المأثور إما أن يكون مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو موقوفاً على الصحابي، أو مقطوعاً على التابعي. وهذا قول المحدثين.

    وهو بهذا المعنى مرادف للحديث والسنة؛ لأن جمهور المحدثين يرون أن السنة والأثر والحديث بمعنى واحد.

    وخالفهم طائفة قليلة من المحدثين والأصوليين والفقهاء، فقالوا: إنهما متغايران، أي: متباينان ومختلفان:

    فالحديث: هو ما كان من قول النبي صلى الله عليه وسلم وحده دون سواه. والأثر: ما أضيف إلى الصحابي من قوله أو فعله. أي: أن الحديث هو المرفوع من قول النبي صلى الله عليه وسلم، والأثر هو الموقوف من قول الصحابة.

    والاختلاف بين العلماء في الحديث والأثر، وهل معناهما واحد أو مختلف خلاف لفظي ليس له أثر في الواقع، مثل الاختلاف في الفرض والواجب بين الجمهور والأحناف، فالأحناف انفردوا عن الجمهور بقولهم: إن الواجب ما ثبت بدليل ظني، والفرض ما ثبت بدليل قطعي، ثم تجد الأحناف أنفسهم عند التطبيق العملي يمثّلون للفرض بالوتر، ويقولون في كتب فروعهم عن الوتر: إنه فرض، وعن السنن: إنها واجبة.

    وممن فرق بين الحديث والأثر الإمام الطحاوي ، ولكنه خالف هذا المبدأ في كتبه، ففي كتابيه مشكل الآثار وشرح معاني الآثار أورد المرفوع والموقوف، مع أنه عنون لهما بالآثار، ولو كان الأثر ما كان موقوفاً لكان يجب عليه ألا يورد في هذا الكتاب إلا ما كان موقوفاً فقط، ولكنه خالف ذلك وأورد في كتابيه الحديث المرفوع والأثر الموقوف، وتنازل عن مصطلحاته، وأهل العلم عند العمل يخالفون مصطلحاتهم، فينبغي علينا أن نكون على دراية وعلم بمصطلحات أهل العلم حتى لا نقع في محذور.

    تعريف الخبر

    الخبر في اللغة: هو النبأ، قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا [التحريم:3]، أي: من أخبرك بهذا؟

    وفي الاصطلاح: اختلف العلماء في تعريفه إلى ثلاثة أقوال:

    الأول: أنه مرادف للحديث، وأن معناهما واحد، وهذا رأي جمهور المحدثين.

    الثاني: الحديث ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، والخبر ما جاء عن غيره. أي: أن الخبر هنا يطلق على الأثر بالمعنى الثاني، أي: ما جاء عن الصحابة والتابعين ومن دونهم، أي: أن هناك فرقاً بين الحديث وبين الخبر، فالحديث ما كان مرفوعاً، والخبر ما كان موقوفاً أو مقطوعاً أو دون لك.

    الثالث: الخبر أعم من الحديث، فالحديث هو ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، والخبر ما جاء عنه أو عن غيره. فالحديث هنا يدخل ضمن الخبر. فالحديث ما كان مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والخبر ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن غيره صلى الله عليه وسلم.

    وهذا هو ما رجّحه الحافظ ابن حجر في نزهة النظر، فقد قال: والخبر إما أن يروى بطرق بلا حصر عدد معين، أو بحصر بما فوق الاثنين أو بهما أو بواحد، فالأول هو المتواتر المفيد للعلم اليقيني، والثاني هو المشهور، والثالث العزيز، والرابع الغريب.

    العلاقة بين الخبر والأثر

    قال بعض العلماء: الخبر والأثر بمعنى واحد، أي: مترادفان، وقال بعضهم: الأثر يطلق على الأثري، أي: المشتغل بعلم الأثر، والخبر يطلق على الرجل الإخباري، أي: الذي يهتم بأيام الناس وسيرهم ومغازيهم وأحوالهم، فنقول لمن يتكلم عن التاريخ الإسلامي من حيث المغازي والسير والأيام والغزوات وغير ذلك: هذا رجل إخباري، وأما من يهتم بالحديث رواية ودراية فنقول عنه: رجل أثري، فهم يخالفون بين المصطلحين.

    1.   

    أقسام الحديث

    أقسام الحديث باعتبار طرقه

    الحديث ينقسم باعتبارات عدة، فينقسم باعتبار عدد الطرق إلى قسمين: قسم روي بطرق بلا حصر عدد معين، وقسم روي بطرق محصورة.

    ومعنى الطريق: السند الذي روي به الحديث، فإذا قال الإمام البخاري : عن فلان عن فلان عن فلان عن ابن عمر فهذا يسمى سنداً وإسناداً وطريقاً ووجهاً.

    ولو روي الحديث من وجهين فإنا نقول: هذا الحديث روي بإسنادين، ومن طريقين، وبسندين. والوجه هو: السند والطريق الموصلة إلى المتن.

    وهذه الطرق إن كانت كثيرة جداً -أي: إن كان هذا الحديث رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم عشرون من الصحابة أو ثلاثون أو أكثر، وكل صحابي أخذ عنه واحد أو اثنين أو ثلاثة، وكل واحد من هؤلاء الثلاثة أخذ عنه خمسة أو ستة أو سبعة أو عشرة، ثم في الطبقة الرابعة عدد أكثر من ذلك، وفي الخامسة أكثر إلى أن بلغ المصنفين الذين أوردوا هذا الحديث في مصنفاتهم فنقول: إن هذا الحديث قد روي بلا حصر عدد معين، ونقول: إن هذا الحديث قد روي بطرق كثيرة.

    والحديث الذي على هذه الصفة نقول عنه: إنه حديث روي بلا حصر عدد معين.

    وإذا أتى الحديث من طريق واحد أو طريقين أو ثلاثة، فالمسألة سهلة؛ لأن طرقه محصورة، والعبرة بأقل طبقة، فإذا كان في طبقة من طبقات الحديث واحد فقط كـعبادة بن الصامت إذا كان هو يروي الحديث وحده عن النبي عليه الصلاة والسلام، أو معاذ بن جبل أو أبي ذر -ولا يمنع ذلك أن يكون سمعه كثرة من الصحابة ولم يرووه- فهذا الحديث قد روي في هذه الحالة بطرق محصورة، ولو أخذه عن هذا الصحابي ألف تابعي؛ لأن إحدى طبقات الإسناد قليلة جداً، وليس فيها إلا صحابي واحد، وكذلك لو رواه اثنان من الصحابة فهو أيضاً محصور باثنين، وكذلك بثلاثة فقط.

    وما روي بطرق بلا حصر عدد معين فهو المتواتر، وأما ما روي بحصر عدد معيّن فهو الآحاد.

    أقسام الحديث باعتبار قبوله ورده

    التقسيم الثاني: باعتبار القبول والرد، ينقسم إلى مقبول ومردود.

    والمقبول أربعة أنواع: صحيح لذاته، أو لغيره، وحسن لذاته، أو لغيره.

    وأما المردود فهو: الضعيف بجميع أنواعه.

    أقسام الحديث باعتبار صحته وضعفه

    التقسيم الثالث: باعتبار الصحة والضعف، فينقسم إلى ثلاثة أقسام: صحيح، وحسن، وضعيف.

    1.   

    الحديث المتواتر

    التواتر لغة: التتابع، يقال: تواتر القوم: أي جاء بعضهم إثر بعض، وتواتر الأنبياء أي: خلف بعضهم بعضاً في دعوة الناس إلى الله، وتواتر المطر: أي نزل بغزارة بعضه إثر بعض.

    وفي الاصطلاح: ما رواه عدد كثير في كل طبقة من طبقاته، بحيث تحيل العادة تواطؤهم على الكذب.

    شروط الحديث المتواتر

    وشروط التواتر أولاً: كثرة العدد، أي: أن يرويه عدد كثير في كل طبقة من طبقاته.

    الشرط الثاني: أن تكون هذه الكثرة في كل طبقة من طبقات السند.

    الشرط الثالث: أن تحيل العادة تواطؤهم على الكذب.

    الشرط الرابع: أن يكون مستند روايتهم الحس لا العقل.

    وهذه الشروط أخذت من الحد، والشرط الرابع أخذ من كلمة (روي) في الحد، وهي تفيد الحس لا العقل، كقول الراوي: سمعت أو أنبأني فلان أو أخبرني فلان.

    اختلاف العلماء في العدد الذي يقع به التواتر

    فأما الشرط الأول أن يرويه عدد كثير فقد اختلفوا في تحديد مسألة الكثرة، واختلافهم كله مردود.

    فمنهم من يقول: لا بد أن يكونوا سبعين في كل طبقة على الأقل، ويستشهدون على شرطهم هذا بقول الله عز وجل: وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا [الأعراف:155].

    والدليل المراد الاحتجاج به لابد فيه من شرطين:

    الشرط الأول: أن يكون صحيحاً.

    الشرط الثاني: أن يكون صريحاً.

    فلا تحتج على مسألة من المسائل التي بينك وبين الخصم بدليل ضعيف أو موضوع؛ لأنه لا ينفع في الاحتجاج؛ لأنه ضعيف، ولا بدليل غير صريح، مثل أن يستدل بهذه الآية على تحديد شرط التواتر بسبعين؛ لأنا نقول: إن الآية تتكلم عن مسألة أخرى، وليست شرطاً في مسألة.

    فالآية لا تدل صراحة على ما استدلوا به، وليس فيها تصريح بأن أقل عدد التواتر سبعون، فالاستدلال بهذه الآية مرفوض تماماً، وليس فيها حجة على هذا الشرط؛ لأنه غير صريح، وهو وإن كان قرآناً متواتراً، إلا أنه ليس حجة هنا في محل النزاع.

    إذاً: شرط الحجة أن تكون صحيحة وصريحة، فإن كانت صريحة دون أن تكون صحيحة فلا ينفع الاستشهاد بها، وإن كانت صحيحة دون أن تكون صريحة لم ينفع الاستشهاد بها أيضاً، بل لابد أن تكون صريحة وصحيحة في الوقت نفسه.

    ومنهم من اشترط أقل من هذا العدد، ومنهم من اشترط أكثر من ذلك، فمنهم من اشترط مائة وعشرين، ومنهم من نزل إلى اثني عشر، ومنهم من قال عشرة، ومنهم من قال أقل من ذلك، ومنهم من قال أكثر، وكل منهم استند إلى دليل ليس له أي علاقة بالمسألة، وأدلتهم صحيحة غير صريحة، فلما فقد الدليل أحد شرطيه رددناه لعدم صلاحيته للاحتجاج في المسألة المتنازع فيها.

    و السيوطي رحمه الله اختار أن أقل عدد التواتر عشرة، واختياره أيضاً ليس عليه دليل، وهو مردود.

    ثم أتى علماء التنقيب والبحث والترجيح وقالوا: إن العدد الذي يفيد التواتر هو العدد المشعر يقيناً بصحة الرواية، وبإفادتها العلم اليقيني الضروري الذي يضطر الإنسان إلى تصديقه دون بحث أو نظر فيه، وذلك مثل أن يتفق مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل على الاستدلال بحديث على مسألة فقهية، فنعلم يقيناً على أن هذا الحديث صحيح، وهذا أمر مشعر بأنه صحيح، فإتيانه من طريق كبار المحدثين وعظمائهم يشعر بثبوت هذا الحديث يقيناً، وإفادته العلم اليقيني الضروري الذي يضطر الإنسان إلى تصديقه دون نظر أو بحث فيه.

    والحديث المتواتر يفيد العلم اليقيني الضروري عند الخاصة والعامة، ولا يحتاج إلى بحث أو نظر لا من قبل العامة ولا الخاصة.

    والقول الراجح في اشتراط العدد في التواتر هو قول المحققين، وهو أن يأتي الحديث من طرق مشعرة بثبوته يقيناً، وتفيد العلم اليقيني الضروري الذي يضطر الناظر فيه أن يصدقه ويقبله، ويفيد العلم اليقيني عنده دون نظر أو استدلال أو بحث فيه، وهذه الطرق لم تنزل في أي طبقة عن حد الحصر.

    العبرة في كثرة الرواة بأقل طبقة من طبقات الإسناد

    العبرة في الحديث بأقل طبقة، فلو كانت أقل طبقة من طبقات الحديث فيها راو واحد فقط، كأن يروى من طريق صحابي واحد فهو الغريب، وهو أحد أقسام الآحاد، وإن كان أقل طبقاته اثنين فهو العزيز، أو ثلاثة فهو المشهور، وهما من قسم الآحاد.

    فلو روى الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام مائة صحابي، ثم أخذه عن مائة مائتان، وعن مائتين ثلاثمائة، ثم رواه عنهم واحد فقط، ثم أخذه عنه عدد كثير فهو آحاد، ولا يمكن الجزم بصحته؛ لأن الراوي الواحد يجري عليه الخطأ والنسيان والسهو، ولو كان راوياً صادقاً وحافظاً متقناً وضابطاً لكل ما يتكلم به فيمكن أن يخطئ أو يخيّل إليه أو ينسى ولو مرة، فلا يمكن الجزم أن خبره صدق؛ لأنه يعتريه الخطأ والنسيان ولو كان صحابياً.

    وكون الصحابي عدلاً فهذه المسألة متعلقة بديانة الصحابي، فالصحابة في دينهم غير متهمين قطعاً، ومن اتهمهم فهو المتهم، ولكن الصحابي بشر يخطئ ويصيب، وينسى ويحفظ، فمثله مثل غيره من الأمة في مسألة الضبط والنسيان، فهما يجوزان عليه كما يجوزان على غيره، وهو أعدل ممن أتى بعده؛ هذا هو ديننا، وهو عقيدة أهل السنة والجماعة.

    ويمكن أن يسمع الحديث الجمع الكثير ولا يرويه منهم إلا واحد، فقد كان عدد المسلمين في حجة الوداع مائة وأربعة عشر ألفاً، وخطب فيهم صلى الله عليه وسلم خطبة الحاج المعروفة التي أوصى فيها بالدماء والأموال والأعراض، وقال فيها: (يا معشر المسلمين! في أي يوم أنتم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أليس هذا يوم النحر؟ في أي شهر أنتم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم). ثم قال: فإني أوصيكم بكذا وكذا وكذا، فأوصاهم بالدماء والأموال والنساء وغير ذلك، فهل يتصور أنه لم يحضر هذه الخطبة غير جابر بن عبد الله الأنصاري ؟ فهو الذي رواها في صحيح مسلم ، والصحابة كلهم لم يكتبوها ولا رووها، وإنما رواها جابر بن عبد الله فقط، فهذه الخطبة من حيث السماع حصل لها التواتر في درجة الصحابي، وأما في الرواية فلم يحصل لها تواتر.

    وكذلك حديث: (إنما الأعمال بالنيات) على افتراض أنه لم يسمعه من النبي عليه الصلاة والسلام إلا عمر بن الخطاب ، فإذا كان عمر قد قال هذا الحديث على المنبر في الخطبة يوم الجمعة في خلافته فهل يتصور أنه لم يكن في المسجد غير علقمة بن وقاص الليثي ؟ فقد كان المسجد ممتلئاً، ولكن لم يروه عن عمر إلا ابن وقاص الليثي ، ولم يروه عن الليثي إلا محمد بن إبراهيم التيمي ، ولم يروه عن التيمي إلا يحيى بن سعيد الأنصاري ، ثم أخذه عن يحيى ما بين المائتين إلى السبعمائة نفر على اختلاف الروايات.

    وهذا الحديث رغم أنه مشهور جداً إلا أننا لا نستطيع أن تقول عنه: إنه متواتر، فهو آحاد؛ لأن التفرد حصل له في أربع طبقات، في طبقة عمر رضي الله عنه، وطبقة الليثي ، وطبقة التيمي ، وطبقة يحيى بن سعيد الأنصاري ، ثم حصل له التواتر في الطبقة الخامسة. فالحديث آحاد؛ لأنه فقد الشرط الأول -الذي هو كثرة الطرق- في الطبقة الأولى والثانية والثالثة والرابعة، فإن حصل له بعد ذلك ألف تواتر فلا يخرج عن كونه حديث آحاد؛ لأن العبرة بأقل الطبقات.

    وكل طريق بمفرده آحاد، وبجمع هذه الطرق من كتب السنة ستجد أن كل طريق غير الطريق الآخر، ثم بالاجتهاد وجمع طرق وروايات الحديث من كتب السنة نعرف أن الحديث متواتر أم غير متواتر، لا أن نذهب إلى كتاب البخاري فقط ونظن أننا سنجد للحديث فيه خمسين طريقاً أو مائة أو مائتين في مكان واحد، فالمسألة ليست هكذا، ولا يمكن أن تكون هكذا.

    فمثلاً حديث: (من كذب علي متعمداً) يمكن أن يرويه البخاري مرة واحدة، ومسلم مرة واحدة من طريق ثان، وأبو داود من طريق ثالث، والترمذي من طريق رابع، والنسائي من طريق خامس، وابن ماجة من طريق سادس، والبيهقي وغيره من المصنفين كل واحد يرويه من وجه آخر، ومن طريق صحابي لم يروه عنه المصنف الآخر، فحين نجمع طرق الحديث من هذه الكتب سنجد أن الحديث رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم خمسة أو ستة وعشرون صحابياً مثلاً، وأخذ عنهم أربعون أو ستون أو أكثر من ذلك.

    وإذا كان للحديث ثلاث طرق صحيحة وبقية الطرق ضعيفة، فلا اعتبار بهذه الطرق؛ لأنها غير مشعرة بتواتره في هذه الحالة.

    اشتراط استحالة تواطؤ الرواة على الكذب في الحديث المتواتر

    الشرط الثالث: أن تحيل العادة تواطؤهم على الكذب.

    وعندما فتحت الفتوحات بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومن أتى بعده من الخلفاء والملوك والرؤساء؛ أرسل الصحابة والعلماء إلى جميع الأمصار يعلمونهم أمر دينهم، فنزل كل صحابي في قرية أو مدينة وبث فيها ما عنده من علم، مثل عبد الله بن مسعود نزل الكوفة، ومعاذ بن جبل ذهب إلى اليمن، ودخل الأسود والأبيض في الإسلام، وسمع الحديث والفقه والعلم، وظهر المحدثون والرواة من العبيد والأحرار، بل والنساء، ففي هذا الوقت كان إذا أتى من طريق المدينة برواية المدنيين حديث: (من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)، ثم أتى بلفظه ومعناه من طريق المكيين، وطريق الأندلسيين مع اختلاف الناس في ألسنتهم وطول المسافات بين بلدانهم دل على أن الحديث أصل، وأنه لا يمكن أبداً أن يجتمع هؤلاء الناس على كثرتهم على الكذب أبداً.

    ونحن المحصورين في المسجد لا يمكن أن نجتمع على الكذب، فكيف بالقرون الأولى -القرون الخيرية- التي يغلب عليها الصدق، وأحدهم مغربي والآخر شامي، وهذا شمالي وهذا جنوبي، وكلهم يروون الحديث على هيئة واحدة؟ فلا يمكن للأمة أن تتفق على الكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم.

    ولا يمكن عقلاً ولا عادة للأمة أن تتفق على مسألة واحدة إلا إذا كانت حقاً وصدقاً، وأما أن يتواطئوا ويتكاتفوا ويتفقوا على الكذب على رسول الله فهذا أمر لا يمكن؛ لأن العادة والعقل يقولان: إنه لا يمكن للناس أن يتفقوا على شر فيما بينهم.

    اشتراط استناد رواة الحديث المتواتر إلى الحس

    الشرط الرابع: أن يكون مستند روايتهم الحس.

    والحس غير العقل، فإذا قال شخص: حدثني فلان من عقله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار). وهو لم يسمعه منه وإنما قال: العقل يشهد بذلك، فهذه ليست من طرق الرواية.

    فلابد أن يكون مستند الروايات الحس، كأن يقول الراوي: سمعت، أو أخبرني فلان، أو حدثني فلان، أو سمعنا فلاناً، أو عن فلان.

    والحس غير العقل.

    ومع كثرة هذه الطرق يثبت الحديث يقيناً، ويفيد العلم اليقيني الضروري.

    1.   

    علاقة الحديث المتواتر بمباحث علم مصطلح الحديث

    وإذا كان الحديث المتواتر صحيحاً قطعاً، ويفيد العلم اليقيني الضروري حكماً، فهو ليس من مباحث علم المصطلح؛ لأن علم المصطلح هو: القواعد الكلية التي تنطبق على السند والمتن، فيُعرف منهما المقبول والمردود، يعني: القواعد التي قعّدها العلماء، والأصول التي أصّلوها لمعرفة ما إذا كان هذا الحديث مقبولاً أو مردوداً، فإذا كان هذا الحديث المتواتر مقبولاً يقيناً فإنه لا يحتاج إلى تطبيق قواعد؛ لأنه صحيح قطعاً، ويفيد العلم اليقيني الضروري حكماً.

    1.   

    أنواع الحديث المتواتر

    الحديث المتواتر ينقسم إلى قسمين:

    المتواتر اللفظي

    القسم الأول: ما تواتر لفظه ومعناه، وهو المتواتر اللفظي.

    وذلك مثل حديث: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)، وحديث حوض النبي صلى الله عليه وسلم، وأحاديث أخرى تواترت بلفظها، أي: أنها جاءت من طرق كثيرة كما ذكرنا في الشرط الأول والثاني من شروط الحديث المتواتر، وجاءت بلفظ واحد أو بألفاظ متعددة، ولكن معناها واحد، فإذا كان اللفظ الواحد قد روي من عدة طرق بلغت حد التواتر فهو المتواتر اللفظي، كحديث: (من كذب علي). فهذا الحديث رواه أكثر من سبعين من الصحابة بلفظ: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار). ثم أخذه عن السبعين عدد كثير، وعن العدد الكثير عدد أكثر، وعن العدد الأكثر عدد أكثر وأكثر، وفي كل طبقة تتأخر عن سابقتها يكون العدد فيها أكثر من سابقتها.

    وإذا نظرنا إلى اللفظ الذي روي بهذا العدد لوجدناه لفظاً واحداً، فكل صحابي يرويه بلفظ: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)، وفي هذه الحالة أقول: إن هذا الحديث قد تواتر لفظه، أي: أن هذا اللفظ بعينه قد أتى من طرق كثيرة بلغت حد التواتر.

    فالمتواتر اللفظي: هو ما تواتر لفظه ومعناه، وليس ما تواتر لفظه فقط؛ لأن المتواتر لفظاً لا بد وأن يتواتر معناه؛ لأن اللفظ يدل على معنى، فلما كان اللفظ متواتراً دل ذلك على أن المعنى أيضاً متواتر؛ لأن المعنى المستفاد من الطريق الأول هو المعنى المستفاد من الطريق رقم سبعين.

    فإن اختلفت الألفاظ واستفيد منها معنى واحد فهو أيضاً متواتر لفظاً ومعنى؛ لأن الخلاف الوارد في الألفاظ لا يدل على أن هناك خلافاً كبيراً بحيث يتعدد المعنى أو يتجزأ، وإنما المعنى واحد.

    المتواتر المعنوي

    القسم الثاني: ما تواتر معناه دون لفظه، وهو المتواتر المعنوي. وهو يختلف عن النوع الأول، وليس هناك قصة بعينها حدث لها التواتر.

    ومثال ما تواتر معنوياً: رفع اليدين في الدعاء، فلم يرد حديث واحد متواتر دل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه في الدعاء، وليس هناك وصف متواتر بأن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه في الدعاء في مناسبة من المناسبات، وإنما أخذ من عدة مناسبات أن النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه في الدعاء، ولذلك قال السيوطي رحمه الله: قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه في الدعاء في أكثر من سبعين موطناً، وقيل: في أكثر من مائة موطن، وكل موطن ومناسبة تختلف عن الأخرى، مثل قصة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأهل البقيع، وهو من حديث عائشة عند البخاري حينما فقدته في الفراش ليلاً فتبعت النبي صلى الله عليه وسلم حتى وصل إلى البقيع فرفع يديه ودعا لأهل البقيع، والحديث معروف، وهو طويل.

    فهذه القصة بعينها لم يحدث لها التواتر، ولكنها قصة صحيحة، وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه في دعاء الاستسقاء على المنبر وغير المنبر، وغير ذلك من المناسبات التي ثبت فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا رفع يديه.

    وهذا الدعاء وقع في مناسبات مختلفة، وليس فيها مناسبة تشابه أختها، فهذا التواتر حصل في مناسبات مختلفة، فهو من باب التواتر المعنوي، فإذا أخذنا الأحاديث التي دعا النبي صلى الله عليه وسلم فيها ورفع يديه لوجدناها أكثر من مائة حديث، وكل حديث يختلف عن الآخر، ولكنها كلها تذكر أنه صلى الله عليه وسلم دعا ورفع يديه، فالقدر المشترك بين جميع هذه الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا رفع يديه.

    فليست كل رواية متواترة تواتراً معنوياً، وإنما المتواتر هنا هو رفع اليدين عند الدعاء، وهذا ما يسميه أهل العلم المتواتر تواتراً معنوياً.

    وأما مسألة المسح على الوجه فهي مسألة فرعية وليست داخلة في التواتر، فقد ورد من طريقين أو ثلاثة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا مسح وجهه بيديه بعد أن يفرغ من دعائه، وهذه الأحاديث حسّنها الحافظ ابن حجر في كتاب بلوغ المرام في أحاديث الأحكام، فثبت سنيتها عند الحافظ ، وأما جمهور أهل العلم فيضعفون هذه الأحاديث، ويقولون: إن كثرة الروايات ترفع الحديث من الضعف إلى الحسن.

    فمن حسّن الحديث أثبت سنية المسح، ومن ضعّف الحديث نفى سنية المسح.

    وهذه المسألة كغيرها من المسائل المختلف فيها بين أهل العلم، لا ينكر فيها على من مسح أو لم يمسح.

    1.   

    فوائد في أدب الخلاف بين العلماء وما يترتب عليه

    المسائل المختلف فيها خلافاً معتبراً ليس فيها إنكار، وهذا أصل من أصول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فالمسائل التي اختلف فيها أهل العلم اختلافاً سائغاً ليس فيها إنكار، وليس معنى ذلك أن تقول كما يقول شيخنا الحافظ ناصر الدين الألباني في مسألة مسح الوجه بعد الدعاء: إن الحديث بكثرة طرقه ضعيف، وبناء عليه قال ببدعية مسح الوجه باليدين بعد الدعاء، فإذا تبنيت رأي الشيخ ناصر الدين الألباني فلك أن تقول: إن الأمر ليس مسنوناً، وأما كونه بدعة فلا؛ لوجود الرأي الآخر المستند إلى نفس الدليل، ومسألة التضعيف والتحسين مسألة اجتهادية، والمجتهد يخطئ ويصيب، وربما يكون المخطئ من ضعّف وربما يكون من حسّن.

    فإذا احتملت المسألة التأويل والاحتمال فلا شك أن من العدل والإنصاف أن يتحمل كل طرف الطرف الآخر، أي: أن يستسيغ رأيه، وكما يقول الشافعي : رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.

    وليس معناه: أنك إذا اقتنعت برأي أنه لزاماً عليك أن تعتبر رأي الغير خطأ، فربما يكون ما تيقنته أنت الآن صواباً هو الخطأ بعينه، فالمسألة التي فيها خلاف معتبر مستند إلى دليل لا يمكن إلغاؤه، مثل مسألة الحجاب والنقاب، فالراجح النقاب، ولكن لا ننكر على من يقول بكشف الوجه واليدين -وإن كنا نتمنى أن يرجع كل من يقول بهذا القول عن رأيه- لرجحان دليل القول بالستر.

    لا يمكن بحال أن تكون طالباً للعلم إذا تربيت على أن تسمع رأي عالم واحد دون الآخر، ولا يمكن أن تفلح ولا تنجح في حياتك العلمية مطلقاً، بل لا بد أن يتّسع صدرك للمخالف، وأن يكون النقاش بينكما بمنتهى الأدب والحب والعطف، وأن يخلو الأمر عن الهوى، وكل منا متعبد بأن يعبد ربه بما صح عنده، لا بما صح عند غيره، وإذا كنت طالباً للعلم لك نظر واستدلال، وتستطيع أن تنظر في أقوال أهل العلم والترجيح بينها، فتعبد ربك بما ترجح عندك، وإذا سُئلت فمن باب الإنصاف في العلم -الذي هو شرط من شروط العلم- ذكر الخلاف، ثم رجّح الراجح عندك، فإن لم تفعل هذا فأنت عند أهل العلم من الخائنين للعلم.

    1.   

    عدد الأحاديث المتواترة وما صنف فيها

    لو عقدنا مقارنة عددية بين الأحاديث المتواترة وأحاديث الآحاد لوجدنا أن نسبة الأحاديث المتواترة إلى أحاديث الآحاد قليلة جداً، فمنهم من قال: إن الأحاديث المتواترة ثمانون حديثاً فقط، ومنهم من بلغ بها ثلاثمائة وعشرين حديثاً على أكثر الأحوال. وهذه الأحاديث بالنسبة للألوف المؤلفة من أحاديث الآحاد لا شك أنها عدد قليل ونادر وعزيز جداً، ولكن إذا نظرت إلى التواتر وإلى صفته لكانت هذه الثمانون حديثاً ليست قليلة، فأنت لو أتاك خبر واحد من أخبار الدنيا بعدد كثير في كل طبقة لاستكثرت هذا الخبر الواحد.

    ولما كانت الأحاديث المتواترة قليلة استدعى ذلك أن يصنف فيها بعض الناس، وأن يجتهدوا في مسألة إثبات التواتر في حديث ما، أو عدم إثبات التواتر له.

    وقد صنف الإمام السيوطي رحمه الله كتاباً في الحديث المتواتر سماه: الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة، ثم لخّص هذا الكتاب في كتاب سماه: قطف الأزهار.

    ثم جاء محمد بن جعفر الكتاني وصنّف كتاباً آخر في التواتر سماه: نظم المتناثر في الحديث المتواتر.

    هذا كلام موجز وبسيط في الحديث المتواتر، أردنا لفت الأنظار إليه دون الخوض في معانيه؛ لأنه ليس من مباحث علم الإسناد؛ لأنه صحيح قطعاً.

    1.   

    الحديث المشهور

    النوع الثاني: حديث الآحاد.

    معنى الآحاد في اللغة: جمع أحد، بمعنى الواحد.

    وهو: ما رواه عدد ولم يبلغ حد التواتر، فإن كان بثلاثة فهو المشهور، وإن كان باثنين فهو العزيز، وإن كان بواحد فهو الغريب.

    أول قسم من أقسام الآحاد هو المشهور، وهو أعلى طبقات الآحاد ودرجاته وأقسامه.

    وهو في اللغة هو اسم مفعول من شهرت الأمر إذا أعلنته وأظهرته، والأمر المشهور هو الأمر الظاهر المعلن.

    رد المعتزلة الاحتجاج بحديث الآحاد

    وقد رد المعتزلة الاحتجاج بخبر الواحد في العقائد، وهذه مسألة طويلة جداً، وتحتاج إلى بحث عظيم، وهناك من يقول: إن حديث الواحد لا يؤخذ به في العقائد، ومنهم من يقول: لا يؤخذ به لا في العقائد ولا في الأحكام، كـإبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الضبي الأسدي المعروف بـابن علية، فقد كان يقول: الحديث الواحد لا يؤخذ به لا في العقائد ولا في الأحكام.

    وإذا كان الحديث المتواتر يبلغ على أعلى فرض (320) حديثاً، فهل عقيدة المسلمين لا تدخل إلا تحت هذه الأحاديث فقط؟ وسنرد عليهم بعشرات من مسائل الاعتقاد التي يجب على كل مسلم أن يعتقدها وإلا لكان مسلماً بلا عقيدة، وهذه المسائل في العقائد لم تثبت إلا من طريق الآحاد، فإما أن يقبلها وبذلك تسقط دعواه، وإما أن يردها وبذلك يرد عقيدته.

    والعبرة بأقل طبقة، فإذا كان أقل طبقة في الإسناد ثلاثة فهذا هو المشهور والمستفيض، وإذا كان اثنين فهو العزيز، وإن كان واحداً فهو الغريب.

    والفارق بين المتواتر والآحاد كما يقول ابن حجر: اطمئنان النفس بإفادة العلم، فإن كان الأمر كذلك فهو متواتر، وإن لم يكن كذلك فهو آحاد، وإن زاد عن ثلاثة.

    الفرق بين المشهور والمستفيض

    بعض العلماء يقول: إن المشهور نفس المستفيض، وبعضهم يقول: إن المستفيض شيء والمشهور شيء آخر.

    وأصحاب مصطلح المستفيض هم الفقهاء في الدرجة الأولى ثم الأصوليون، وليس هو مصطلحاً حديثياً، وإنما هو مصطلح فقهي أصولي.

    فمنهم من يقول: إن المستفيض كالمشهور، وهذا هو قول المحدثين، وعندما ظهر هذا المصطلح رده المحدثون وقالوا: المستفيض مثله مثل المشهور، من استفاض بمعنى انتشر وذاع، كالمشهور بمعنى انتشر واشتهر وظهر، فالمستفيض عندهم كالمشهور، ومنهم من قال: إن المستفيض أعم من المشهور، ومنهم من قال: بل هو أخص من المشهور، والخلاف فيه خلاف لا ينبغي الخوض فيه.

    والمشهور في الاصطلاح: هو أن تكون أقل طبقة من طبقاته ثلاثة أو أكثر، ولا يعني أنه لا بد من توفر الثلاثة في كل طبقة، فيمكن أن يرويه ثلاثة من الصحابة عن النبي عليه الصلاة والسلام، ثم عن هؤلاء الثلاثة ثلاثين، ثم عن الثلاثين ثلاثة، وعن الثلاثة ثلاثين آخرين، ففي هذه الحالة يكون حديثاً مشهوراً في طبقتين، طبقة الصحابة وطبقة أتباع التابعين.

    أنواع الحديث المشهور

    والمشهور نوعان: مشهور اصطلاحي، ومشهور غير اصطلاحي.

    الحديث المشهور بين العامة

    فالمشهور غير الاصطلاحي هو المشهور على ألسنة الناس على اختلاف فئاتهم وطبقاتهم، وسواء كان له إسناد واحد أو أكثر أو ليس له إسناد البتة، ولا يشترط فيه توفر الشروط أو عدم توفرها، كالمشهور عند العامة: (العجلة من الشيطان), وهذا الحديث ليس له إلا إسناد واحد ضعيف، ولكنه مشهور، وهذه الشهرة غير اصطلاحية؛ لأنه ليس له إلا إسناد واحد، فهو غريب وليس مشهوراً اصطلاحاً، ولكنه لما اشتهر على ألسنة الناس كان لزاماً على العلماء أن يفرقوا بين ما هو مشهور على ألسنة الناس الذي لا تتوفر فيه شروط المشهور اصطلاحاً، وبين المشهور الاصطلاحي.

    فالمشهور الاصطلاحي له قواعد وأصول وضوابط، فإذا توفرت أُطلق عليه أنه مشهور حتى وإن لم يكن يعلمه جميع الناس.

    الحديث المشهور بين الفقهاء

    والمشهور غير الاصطلاحي: هو ما اشتهر بين الناس سواء توفرت فيه الشروط أو لم تتوفر، مثل حديث (أبغض الحلال إلى الله الطلاق). فهذا الحديث روي من أكثر من وجه، وهو حديث ضعيف في الجملة بجميع طرقه، وإن صححه الحاكم واعتمد تصحيحه الذهبي ولكنهما خولفا، فهذا الحديث حديث ضعيف ومتنه في غاية النكارة؛ لأن الله تعالى ما كان ليحل أمراً ثم ينكره أو يبغضه، فالحلال يحبه الله، والحرام يبغضه الله، فلما كان الطلاق حلالاً من عند الله ما كان ينبغي أن يكون هذا الحلال مبغّضاً ولا مكروهاً عند الله. وهذا الحديث مشهور عند الفقهاء.

    وهناك حديث مشهور عند النحاة يذكرونه في أساليب المدح والذم، وهو: (نِعم العبد صهيب لو لم يخش الله لم يتقه). وهذا الحديث لا أصل له البتة في كتب السنة، ولكنه مشهور عند النحاة.

    ومثل حديث: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)، فهو حديث مشهور جداً، وكل الناس يحفظونه، وهو حديث صحيح رواه البخاري ومسلم ، ولكنه لم تتوفر فيه شروط الحديث المشهور اصطلاحاً في إسناده؛ لأن الحديث يمكن أن يكون عزيزاً صحيحاً، أو غريباً صحيحاً، ولا يستلزم من كونه صحيحاً أن يكون مشهوراً، فربما يكون الحديث مشهوراً ضعيفاً أو موضوعاً، ويمكن أن يكون الحديث الغريب في أعلى درجات الصحة، كحديث: (إنما الأعمال بالنيات).

    فلا يلزم من الشهرة الصحة، كما لا يلزم من الغرابة الضعف.

    والأمر متعلق باجتهاد أهل العلم ومدى استنباطهم لإفادة الحديث أو عدم إفادته.

    والحديث إذا لم يكن في رواته من اتهم بالكذب لا نقول: إنه مكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه ليس في الرواة من يتهم بهذه التهمة، ولكن الحديث لا يرد لأجل الكذب فقط، بل يرد لأجل الوهم والنسيان والخطأ وغير ذلك، فربما يهم أو ينسي أو يخطئ فيه بعض الرواة.

    الحديث المشهور بين الأصوليين

    وقد اشتهر عند الأصوليين حديث معاذ حينما أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال: (بم تحكم يا معاذ ؟).

    وقصة بعث معاذ إلى اليمن جاء فيها حديثان: أحدهما في غاية الصحة والآخر في غاية النكارة:

    فأما الصحيح منهما فهو أنه لما أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال: (يا معاذ! إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض على أغنيائهم زكاة تؤخذ من أموالهم فترد على فقرائهم).

    وأما المنكر فهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (بم تحكم إذا عرض لك قضاء؟ قال: أحكم بكتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو -أي: ولا أقصر- فضرب النبي صلى الله عليه وسلم صدري بيده وقال: الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله إلى ما يحبه الله ورسوله). فهذا الحديث قال عنه إمام الأئمة الإمام البخاري وسيد المحدثين: حديث منكر، ولو نظرت إلى الإسناد لما وجدت فيه نكارة، وإنما ستجد فيه ضعفاً، فأصحاب معاذ مبهمين، كما أن في الإسناد إلى أصحاب معاذ من هو ضعيف، فهذا الحديث من حيث الإسناد لا يصح.

    وما في إسناده راو مبهم أو ضعيف لا يقال عنه: حديث منكر، فإطلاق البخاري القول بأنه حديث منكر هذا ينصب على المتن دون الإسناد؛ إذ إنه من المعلوم قطعاً أنك إذا بحثت في أي مسألة من مسائل الشرع فلا بد أن تبحث في الأدلة الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على حد سواء، ولا تقل: سأبحث المسألة في كتاب الله، فإن وجدتها اكتفيت بها عن السنة، وإن لم أجدها ذهبت إلى السنة، ومن هنا أتت النكارة؛ لأن الحكم على المسائل الشرعية لا بد وأن يكون نابعاً من الكتاب والسنة على حد سواء، فلما أخّر السنة واعتبرها ليست بلازمة ولا ملزمة إلا بعد عدم العثور على البغية من كتاب الله كانت هذه نكارة في الحديث؛ لأنه يجب البحث أولاً في الكتاب والسنة على حد سواء.

    والفاء في لفظ الحديث تفيد الترتيب والتعقيب، كما هو معلوم في الأصول. وقد تتابع أهل العلم إلى يومنا هذا على أن هذا الحديث غير صحيح، وشذ بعض الناس الذين ليس لهم أي باع في الحديث فصححوه وعملوا به، لا من باب أنه حديث صحيح، ولكن من باب أنهم أدخلوا أنفسهم في باب لا يحسنون الدخول منه، ثم بعد ذلك شنوا حرباً شعواء على أهل الحديث.

    وهناك رجل في جامعة القاهرة صحح هذا الحديث، وهو ليس محدثاً ولا شبه محدث، بل ولا فقيه ولا أصولي، وهذا غالب وضع الأساتذة، وقال لي أحد الإخوة الذين استمعوا إليه: إن فلاناً يقول: إن هذا الحديث حديث صحيح، ومن قال عنه منكر فإنما هو منكر، وأن هذا الأخ قال له: يا أستاذ! البخاري يقول عن هذا الحديث: إنه منكر، قال: ومن هو البخاري ؟ إنما البخاري أحد طلاب العلم! فقال له: والألباني يقول عنه: إنه منكر، فقال: ومن الألباني هذا؟ ولم يُذكَر له عالم من علماء الحديث إلا وقال: ومن فلان؟ ومن فلان؟ وهذا طريق المغتر، ولا عبرة بالتعويل عليه.

    فأتيت بالبحث الذي كتبه شيخنا الألباني في الضعيفة، وهو اثنتا عشرة ورقة، وقلت لهذا الأخ: انسخ هذا الكلام بخطك وخذه وادفعه إلى ذلك الأستاذ، فأعطاه للأستاذ فقرأه وسر به جداً، وفي محاضرة أخرى قال: هناك أحد الطلاب كتب بحثاً طيباً جداً، ويبدو أنه مجتهد، ومن الواضح أنه يفهم كثيراً في الحديث، وظل يثني ويمدح على هذا الطالب الذي كتب هذا البحث، وقرأ بعض الصفحات منه على الطلاب، فسمعه طالب متنبه وقال له: هذا كلام الشيخ الألباني في الضعيفة، فقال: ولهذا أنا أقول: إن هذا الحديث صحيح.

    ونحن لا نحب تقليد الشيخ ناصر ولا غيره، فالتقليد مكروه ومبغّض، ونحن نخالف الألباني إذا خالف أهل العلم، ونوافقه إذا وافق أهل العلم، والتقليد منقصة ومعيبة، وهو ليس مدحاً، وعلينا اتباع الحق سواء كان عند الألباني أو من عند غيره.

    وقد حمل هذا الأستاذ شنآنه على أهل السنة فدفع كل ما يأتي من طريقهم، وهم أهل التخصص، وهم أهل الفتوى حقاً في هذا الفن.

    فهذا الحديث حديث منكر رغم شهرته عند الأصوليين.

    توقف الحكم في أحاديث الآحاد على النظر في أسانيدها

    والمشهور والعزيز والغريب لا يوصف أحدها بأنه صحيح أو حسن أو ضعيف إلا بعد البحث والنظر في إسناده.

    ولا يلزم من الشهرة الصحة كما لا يلزم من الغرابة الضعف، فهذه الأنواع خاضعة للبحث، فما كان منها موافقاً لشروط أهل العلم فهو صحيح، وما كان منها مخالفاً أو اختل أحد شروطه فهو ضعيف.

    أشهر المصنفات في الحديث المشهور

    ومن أشهر المصنفات في الحديث المشهور: المقاصد الحسنة في المشهور على الألسنة للإمام السخاوي.

    وكذلك: كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس للعجلوني.

    وكذلك: تمييز الطيب من الخبيث مما يدور على ألسنة الناس من الحديث لـابن الديبع الشيباني.

    1.   

    الحديث العزيز

    وأما العزيز فهو: ما كان في أقل طبقاته اثنان. ولم يصنف فيه أحد، فالعزيز يعني: القليل والنادر جداً، وهو مشتق من عز يعَزُ، أو عزّ يعِزُ، والمعنى: إما نادر وإما غال وعزيز.

    1.   

    الحديث الغريب

    وهو أكثر أقسام الآحاد، وهو ما ينفرد بروايته راو واحد، وبعض العلماء يطلق عليه الفرد.

    والغريب في اللغة هو: الفرد والوحيد، فالإنسان الغريب هو الوحيد والفرد.

    وهو إما أن تكون غرابته مطلقة أو نسبية، وكذلك الفرد إما أن يكون فرداً مطلقاً أو نسبياً.

    فالغرابة المطلقة هي: أن يحصل التفرد في أصل السند -أي: طبقة الصحابة- فلا يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا صحابي واحد.

    والغرابة النسبية هي: أن تكون في أثناء السند لا في أصله، وذلك مثل حديث: مالك عن الزهري عن أنس رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعلى رأسه المغفر). والمغفر هو الخوذة. فهذا الحديث تفرد به مالك عن الزهري ، أي: لم يروه عن الزهري غير مالك ، وهذا التفرد في طبقة أتباع التابعين.

    والغريب النسبي أو الفرد النسبي له أنواع كثيرة، فقد تكون هذه الغرابة بالنسبة إلى شخص معين، أو إلى صفة معينة، ففي الحديث السابق حديث مالك عن الزهري عن أنس حصل التفرد في طبقة مالك ؛ لأن مالكاً هو الوحيد الذي روى عن الزهري هذا الحديث، ولو روى مع مالك عشرة عن الزهري هذا الحديث، ولكن العشرة ضعاف ومالك هو الثقة فقط فنقول: إن هذا الحديث غريب غرابة نسبية، ولا نقصد الغرابة العددية وإنما الغرابة بالنسبة إلى صفة، فهو لم يروه ثقة عن الزهري إلا مالك.

    وقد تكون الغرابة عن أهل بلد بأكمله، كأن يكون الحديث لا يروى إلا عن المدنيين كما في صحيح مسلم تجد أن بعض الأسانيد رواتها كلهم مدنيون أو كوفيون أو بصريون أو غير ذلك.

    وعندما نقول: إن هذا الحديث أصله مدني، أي: إن أول طبقة فيه مدنيون، فأصل السند -أي: الصحابة الذين رووا هذا الحديث- مدنيون، فإذا أخذه في الطبقة الثانية أهل مكة، وفي الطبقة الثالثة أهل بغداد، وفي الطبقة الرابعة أهل مصر فنقول أيضاً: إن هذا الحديث حديث غريب؛ لتفرد أهل مصر عن أهل بغداد، ولتفرد أهل بغداد عن أهل مكة، ولتفرد أهل مكة عن أهل المدينة.

    فالتفرد إما أن يكون تفرد ثقة عن راو، أو تفرد راو معيّن عن راو معيّن، أو تفرد أهل بلد أو أهل جهة بحديث وحدهم، أو تفرد أهل بلد أو أهل جهة عن أهل بلد آخر أو أهل جهة أخرى.

    والغرابة إما أن تلحق السند والمتن وإما أن تلحق المتن فقط، وهذا الكلام لا يُعلم إلا بالممارسة العملية.

    أشهر المصنفات في الحديث الغريب

    من الكتب التي صنفت في الغريب مسند البزار والمعجم الأوسط للطبراني ، وهناك أناس صنفوا في الغريب على حدة، منهم الإمام الدارقطني صنّف كتاباً سماه: غرائب مالك، وكتاباً آخر سمّاه: الأفراد، وهذا يدل على أن الدارقطني كان يطلق الغريب على الفرد والفرد على الغريب.

    وكتاب ثالث للإمام أبي داود السجستاني سماه: السنن التي تفرد بكل سنة منها أهل بلدة.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصل اللهم على النبي محمد، وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليماً كثيراً.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2710592773

    عدد مرات الحفظ

    683314489