إسلام ويب

شرح العقيدة الطحاوية [101]للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أغلب الكرامات التي تقع للناس تكون في حال ضرورة ولجوء إلى الله سبحانه وتعالى، وقد يكون منها ما يدفع الله به عن المسلم سوءاً، أو يجلب له خيراً، وقسم من هذه الكرامات يكون من باب إقامة الحجة، أو الاستدراج لعبد من العباد، أو طائفة من الناس، فيبتليهم الله بما يشبه الكرامات فلا يشكرونه، فتحل عليهم نتيجة ذلك العقوبة، وليس كل إنسان يحصل له شيء من هذه الكرامات، ولا يكون عدم حصولها لعبد من العباد دليلاً على نقصه عند ربه، وبعده عن جنابه.

    1.   

    أقسام الناس في خوارق العادات

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ولهذا كان الناس في هذه الأمور ثلاثة أقسام:

    قسم ترتفع درجتهم بخرق العادة.

    وقسم يتعرضون بها لعذاب الله.

    وقسم يكون في حقهم بمنزلة المباحات كما تقدم ].

    هذه مسألة مهمة، وسبق الإشارة إليها، لكن التأكيد عليها مهم في هذا المقام؛ لأن كثيراً من الناس لا يعرف ضوابط الكرامة والخوارق، ولا يميز بين الكرامة التي تكون بمثابة البشارة للإنسان برفع درجته، وبين الكرامة التي تكون من باب سد حاجة الإنسان، فهي مباحات، وبين الخارقة التي تشبه الكرامات وهي ابتلاء.

    فالكرامة إذا حدثت على يد شخص من أهل الخير والاستقامة، فإنها غالباً تكون بإكرام الله له، وربما يدله الله عز وجل فيها إلى خير ينفعه في دينه ودنياه، وأحياناً تكون الكرامة للرجل الصالح ولغير الرجل الصالح من الناس، من باب النفع العاجل، يفرج الله بها كربة، أو يشفي بها مرضاً، أو يدل فيها على أمر فيه حيرة.. ونحو ذلك، فهذه من الأمور التي تدخل في باب المباحات، وقد يكون جزءاً منها من باب الكرامة التي ترتفع بها الدرجة.

    فأغلب الكرامات التي يطلبها الناس تكون في حال ضرورة ولجوء إلى الله عز وجل، من فعل الأسباب التي شرعها الله وأباحها، كالدعاء أو الرقية أو الأدوية.. ونحو ذلك، فقد يكون الأمر الخارق للعادة الذي يدفع الله به عن المسلم سوءاً، أو يجلب له خيراً من باب الأمور المباحة، فإن شكر الله على ذلك وحمد الله ارتفعت بها درجته ولقي أجراً، وإن غفل ربما لا يظهر، لكن تبقى من صنف المباحات.

    وقسم آخر يكون من الأمور المضرة، أو من باب إقامة الحجة، سواء كان إنساناً أو جماعة أو أمة، قد تحدث لبعض الجماعات التي عندها شيء من البدع خوارق فيظنونها كرامات، وهي تصرفهم عن السنة إلى الوقوع في البدعة أو التمادي فيها، فيظنون أن هذه الخوارق دليل على أنهم على حق، في حين أنها من إملاء الله لهم، ومن العقوبة العاجلة، والتي ربما يترتب عليها الإثم في الدنيا والآخرة، وأغلب ما يحدث لأهل البدع وأهل الفجور من هذه الخوارق هو من هذا النوع، وأحياناً تكون من الاستدراج لعبد من العباد، أو لطائفة من الناس، فيبتليهم الله عز وجل بما يشبه الكرامات والخوارق، فلا يشكرون الله عز وجل، فتحل عليهم العقوبة بسبب ذلك.

    1.   

    كلمات الله نوعان: كونية، ودينية

    قال رحمه الله تعالى: [ وتنوع الكشف والتأثير باعتبار تنوع كلمات الله، وكلمات الله نوعان: كونية، ودينية.

    فكلماته الكونية: هي التي استعاذ بها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر) قال تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82].

    وقال تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ [الأنعام:115] والكون كله داخل تحت هذه الكلمات وسائر الخوارق ].

    الكون بما فيه، والإنسان في أعماله أو فيما يقدره الله عز وجل له وعليه في سائر الأمور غير الشرعية، هو داخل في كلمات الله الكونية، سواء في نفس الإنسان وفي جسمه وفي أحواله، أو في جميع أمور المخلوقات، فجميع المخلوقات تسير بتدبير الله عز وجل، فالجميع داخل في آيات الله الكونية الصغير منها والكبير، ليس المقصود بالآيات الكونية فقط السنن الكونية الكبرى كجريان الشمس، ودوران الأفلاك.. ونحو ذلك، لا، حتى الأمور الدقيقة جداً التي يقدر فيها الله مقادير الخلق الصغير والكبير كلها داخلة في آيات الله الكونية.

    أما النوع الثاني: وهو الكلمات الدينية، فهي الأوامر الشرعية، والوحي بشتى أنواعه يتمثل كلمات الله الدينية.

    قال رحمه الله تعالى: [ والنوع الثاني: الكلمات الدينية، وهي القرآن وشرع الله الذي بعث به رسوله صلى الله عليه وسلم، وهي أمره ونهيه وخبره، وحظ العبد منها العلم بها والعمل، والأمر بما أمر الله به، كما أن حظ العباد عموماً وخصوصاً العلم بالكونيات والتأثير فيها، أي: بموجبها، فالأولى: تدبيرية كونية، والثانية: شرعية دينية، فكشف الأولى: العلم بالحوادث الكونية، وكشف الثانية: العلم بالمأمورات الشرعية ].

    يعني: موقف العبد من الأمور الكونية بذل الأسباب، من خلال مقادير الله عز وجل التي أقدره الله عليها، وجعل له فيها الإرادة والحرية والقدرة، فالعباد لهم قدرة معينة داخلة في قدرة الله الكونية العامة، وعلى العباد أن يعملوا بما وهبه الله لهم من الأسباب، التي هي داخلة في الأسباب الكونية، وهي بذل الأسباب المادية من طلب الرزق.. ونحو ذلك، فهذه داخلة في الأمور الكونية العامة، وهي أيضاً مطلوبة من العباد.

    أما موقف العبد من كلمات الله الشرعية فالمطلوب منه أولاً: العلم بها، ثم امتثال ما فيها من أوامر، واجتناب ما فيها من نواه.

    إذاً: فالعبد مطلوب منه أن يعمل بالأمرين، وهذا هو التوازن والاعتدال والوسطية التي خالفها أهل الأهواء بشتى أصنافها، فأهل السنة والجماعة يعملون بالأسباب، ومن هنا فهم عاملون بما أمر الله به من الاستفادة من آيات الله الكونية، ثم إنهم أيضاً يمتثلون لأوامر الله وآياته الشرعية.

    الملقي: [ وقدرة الأولى: التأثير في الكونيات، إما في نفسه، كمشيه على الماء، وطيرانه في الهواء، وجلوسه في النار، وإما في غيره بإصحاح وإهلاك وإغناء وإفقار.

    وقدرة الثانية: التأثير في الشرعيات، إما في نفسه، بطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم باطناً وظاهراً، وإما في غيره بأن يأمر بطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فيُطاع في ذلك طاعة شرعية ].

    قدرة الأولى: هي التأثير في الكونيات، تشمل النوعين: الأول: تشمل عمل الخوارق بما لا يجوز شرعاً كعمل السحرة، فإن الله عز وجل قد يبتليهم بهذه الخوارق، ويكون ذلك سبباً لهلاكهم بوقوعهم في الكفر، أو في الكبائر التي تهلكهم في الدنيا والآخرة.

    النوع الآخر: تشمل آيات الله الكونية المتعلقة بالكرامات، فإنها داخلة في التأثير في الكونيات، فإن الله عز وجل قد يسخّر لعباده من الآيات الكونية ما يكون كرامة.

    إذاً: فالقدرة الأولى التي هي التأثير في الكونيات يدخل فيها الجائز والممنوع، يدخل فيها المشروع وغير المشروع.

    أما قدرة التأثير الثانية فلا تكون إلا لمن وفقه الله عز وجل بطاعة الله عز وجل، والتمسك بالكتاب والسنة ظاهراً وباطناً، وهذا لا يكون إلا على وجه الاستقامة، لا يتهيأ للإنسان أن تتوافر فيه الطاعة لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم، والاستقامة والتقوى والتوفيق في هذا الأمر إلا على الوجه المشروع، وإن حدث لأحد من الناس ظاهره الصلاح أن حدثت له ما يظن أنها كرامات، فهو إما ابتلاء، وإما من المخارق والدجل الذي يظنه من باب الكرامة، وهو ليس من باب الكرامة، فإن صاحب البدعة قد يدعو عند الكرب، والدعاء في حد ذاته مشروع، لكن يدعو بدعاء غير مشروع، فيحصل له نفع، أو يندفع عنه ضر، فهذا بذل وسيلة، إذ هي ظاهرة شرعية، لكن ليست على الاستقامة، وربما تسخر له الآيات الكونية، لكن من باب الابتلاء والفتنة والإملاء له، وهذا ليس دليلاً على الخير، وهذا يعرف بقرائن الأحوال، لا يمكن أن يعمى على الناس الحق، وأهل الاستقامة أهل السنة يدركون الفرق واضحاً، بل عامة أهل السنة يدركون ذلك، ولذلك تجدون بعض العوام ممن عايشوا بعض أهل البدع والفجور.. وغيرهم، تجد عندهم تمييزاً واضحاً بين ما يحدث من الكرامات لأهل الاستقامة، وبين ما يحدث من الخوارق لأهل الدجل والبدعة، مما لا تنطلي عليهم، أو لا يختلط عليهم الفرق بين الحق والباطل في هذه المسألة.

    1.   

    عدم نقصان العبد عند ربه إذا لم تظهر على يديه الكرامات والخوارق

    قال رحمه الله تعالى: [ فإذا تقرر ذلك فاعلم أن عدم الخوارق علماً وقدرة لا تضر المسلم في دينه ].

    هذه مسألة مهمة جداً؛ لأن الناس لما كثر إعراضهم عن العقيدة السليمة، وعن التمسك بالسنة، وابتعدوا عن مناهج السلف، وتعلق بعضهم بالكرامات، وظنها من علامات الاستقامة، وأنه إذا لم تحصل له كرامة كأنه محروم من الخير، خاصة عند الأحداث الكبرى، عندما يكون هناك جهاد، أو يكون هناك نوع من المواجهة أو الفتن أو المواقف الصعبة.. أو نحوها، بعض الناس تتعلق نفسه بالكرامة، ظناً منه أنه إذا لم تحدث له كرامة، فإنه ليس على شيء! وهذا غلط، ووجد هذا الهاجس عند كثير من الشباب المتدين، الذين لا يلمّون بعقيدة السلف، ولا عندهم إدراك لهذه الأمور، تجد أن نفوسهم تتعلق بالكرامة من خلال الدعوة إلى الله عز وجل، أو من خلال ما تتعرض لهم من مشاكل وأحداث، تجد الواحد منهم يظن أنه إذا لم تحدث له كرامة، فإنه مقصر في حق الله عز وجل أو في دين الله، مع أن هذا ليس من الموازين الشرعية، الكرامة قد تحدث وقد لا تحدث، وإذا لم تحدث كرامة لبعض الناس، أو أمر خارق للعادة يفتن به قد يكون هذا في حد ذاته من علامات التوفيق له.

    قال رحمه الله تعالى: [ فمن لم ينكشف له شيء من المغيبات، ولم يسخّر له شيئاً من الكونيات، لا ينقصه ذلك في مرتبته عند الله، بل قد يكون عدم ذلك أنفع له، فإنه إن اقترن به الدين وإلا هلك صاحبه في الدنيا والآخرة، فإن الخارق قد يكون مع الدين، وقد يكون مع عدمه أو فساده أو نقصه ].

    يعني: أن الكرامات أحياناً تكون من باب الجزاء العاجل، وخير للمسلم أن يكون له الجزاء في الآخرة من أن يكون له في الدنيا.

    أيضاً قد تكون الكرامة من باب النعمة التي لا يقدر على شكرها، قد يكرم الله بعض العباد بكرامة عظيمة قد لا يقدر على شكرها، فيقصر في حق الله عز وجل.

    فإذاً: لا ينبغي للمسلم أن تتعلق نفسه بالكرامة، إن حدثت فهذا خير، والكرامة مبشرات، ومن منهج السلف ألا تتعلق نفس المسلم بالكرامة أو يتطلع إليها، أو يلتمسها، أو يتكلف في حصولها.. أو نحو ذلك.

    1.   

    الخوارق النافعة تابعة للدين خادمة له

    قال رحمه الله تعالى: [ فالخوارق النافعة تابعة للدين خادمة له ].

    أي: أن الخوارق والكرامات التي تحدث للمسلمين، من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم، هي جزء من تأييد النبي صلى الله عليه وسلم، ومن الآيات والدلائل على نبوته صلى الله عليه وسلم، وإقامة الحجة على الخلق؛ لأن المسلم المستقيم إنما تحصل له الكرامة باتّباعه للسنة، فهذا الأمر ينعكس على قوة الحجة على نبوته صلى الله عليه وسلم.

    قال رحمه الله تعالى: [ كما أن الرياسة النافعة هي التابعة للدين، وكذلك المال النافع، كما كان السلطان والمال النافع بيد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر ، فمن جعلها هي المقصودة، وجعل الدين تابعاً لها ووسيلة إليها لا لأجل الدين في الأصل، فهو شبيه بمن يأكل الدنيا بالدين، وليس حاله كحال من تدين خوف العذاب أو رجاء الجنة، فإن ذلك مأمور به، وهو على سبيل نجاة، وشريعة صحيحة.

    والعجب أن كثيراً ممن يزعم أن همّه قد ارتفع عن أن يكون خوفاً من النار، أو طلباً للجنة، يجعل همّه بدينه أدنى خارق من خوارق الدنيا!

    ثم إن الدين إذا صح علماً وعملاً، فلا بد أن يوجب خرق العادة إذا احتاج إلى ذلك صاحبه، قال تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3].

    وقال تعالى: إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا [الأنفال:29].

    وقال تعالى: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [النساء:66-68].

    وقال تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [يونس:62-64].

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور الله، ثم قرأ قوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ [الحجر:75]) رواه الترمذي من رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

    وقال تعالى فيما يروي عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بمثل ما افترضت عليه، ولا يزال عبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بد له منه).

    فظهر أن الاستقامة حظ الرب، وطلب الكرامة حظ النفس، وبالله التوفيق.

    1.   

    بطلان إنكار المعتزلة للكرامة

    وقول المعتزلة في إنكار الكرامة: ظاهر البطلان، فإنه بمنزلة إنكار المحسوسات.

    وقولهم: لو صحت لاشتبهت بالمعجزة، فيؤدي إلى التباس النبي صلى الله عليه وسلم بالولي، وذلك لا يجوز! وهذه الدعوى إنما تصح إذا كان الولي يأتي بالخارق ويدّعي النبوة، وهذا لا يقع، ولو ادعى النبوة لم يكن ولياً، بل كان متنبئاً كذاباً، وقد تقدم الكلام في الفرق بين النبي والمتنبئ، عند قول الشيخ: (وأن محمداً عبده المجتبى، ونبيه المصطفى) ].

    هذه مسألة مهمة يحسن التنبيه عليها في هذا المقام، وهي من أسباب وقوع اللبس في مسألة المعجزة والكرامة، وهي أن المعتزلة وغير المعتزلة من الفلاسفة وبعض العقلانيين قديماً وحديثاً، وأكثر المتكلمين الذين أشكل عليهم الخلط بين المعجزة والكرامة، جعل بعضهم الدلائل الوحيدة على النبوة هي المعجزات، ومن هنا أدى هذا إلى إنكار الكرامات وإنكار الخوارق وإنكار السحر.. إلى آخره من الأمور التي لزمتهم، وهي ليست مستقيمة، حتى مع قواعدهم العقلية، وهم استندوا على دلالات العقول، والعقول لا تدرك ما وراء عالم الشهادة.

    لكن الذي يهمنا في هذا المقام أن أكثر اللبس وارد من معنى المعجزة وكونها دلالة على النبوة، فإطلاق المعجزات على آيات الأنبياء هذا يترتب عليه خطأ في المفهوم، وخطأ في اللوازم، وخطأ في النظرة إلى المعجزة والكرامة والخوارق، فالصحيح أن ما يحدث للأنبياء هو آيات، سواء كانت معجزات ظاهرة أو معجزات غير ظاهرة، سواء كانت خوارق عادية أو خوارق معنوية، أو كانت قرائن أحوال، وغالب ما يكون للأنبياء قرائن أحوال.

    إذاً: فدلائل الأنبياء هي آيات، وتسميتها معجزات أوجد اللبس، وهو ظنهم أنه لا يمكن أن تكون للنبي آية إلا أن تكون بمعنى الإعجاز بالظاهر الصريح، مع أن هناك آيات إعجازها غير ظاهر ولا صريح، لكن عند بذل الهمم وعند التفكير وصرف الجهود العقلية إليها يتبين أنها آية من آيات الله عز وجل، فمثلاً: إعجاز القرآن إعجاز أكيد يعترف به جميع العقلاء، لكن العامي لا يُدرك لأول وهلة إلا عندما يُفهّم ويُبين له أن القرآن معجزة.

    إذاً: الإعجاز هو جزء من آيات الأنبياء، وليس هو وصف لكل آيات الأنبياء، فدلالات النبوة هي آيات بعضها معجزات بالمعنى الاصطلاحي، وبعضها قد لا تسمى معجزات، إلا بعد بذل جهد وتبين، وقد تكون المعجزة معنوية لا تدرك إلا بجهود أجيال.

    فهذه المسألة هي راجعة في نظري إلى عدم تحقيق مناط الأمر، وعدم الاتفاق على موطن الخلاف، والصحيح أن دلائل النبوة هي آيات متنوعة، منها: المعجزات الظاهرة، ومنها: المعجزات غير الظاهرة، ومنها: قرائن الأحوال، وقرائن الأحوال هي ما يحدث للناس من الأمور التي تدل على الصدق والأمانة والأخلاق الفاضلة أو على العكس، فالأنبياء كلهم تميزوا بقرائن أحوال في سلوكهم، وهي تدل على أنهم لا يمكن أن يكذبوا على الله عز وجل في دعوى النبوة، وأنهم صادقون، وأنهم مشفقون، وأنهم أمناء.. إلى آخره.

    ولذلك لا نجد النبوة تكون في إنسان مغمور يخرج من كهف أو يخرج من أدغال الغابات.. أو غيرها، وإنما يخرج من بين قومه يعرفونه سلفاً، فتكون قرائن الأحوال هي أعظم آيات الأنبياء، وهي ليست معجزات، بل عند التحقيق أن الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يؤمن الناس كرهاً بقوة السيف، أو بالرعب الذي أوجده الله عز وجل للإسلام بقوته، حينما قام الإسلام على الأرض، أقول: إن الذين آمنوا اختياراً آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم لقرائن أحواله، والذين نزلت عليهم الآيات العظمى التي تسمى معجزات ما آمنوا، الذين نزلت بناء على طلبهم، مثل: انشقاق القمر، فلما انشق وصفوا ذلك بالسحر، وطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يرقى إلى السماء، فلما عُرج به إلى السماء وجاء بخبر الرقي كذّبوه.

    إذاً: ما نفعت ما يسميه المعتزلة: معجزات وهي آيات، ما نفعت الآيات الكونية الصريحة المنظورة، إنما أقامت الحجة عليهم، لكن لم يهتد بها أولئك الذين طلبوها، وهي زادت المؤمنين إيماناً، وقد يكون هناك من أسلم بعض الأفراد، لكن أصحاب التحدي -الذين كتب الله عليهم الضلالة- لم تنفعهم هذه الأمور.

    1.   

    أنواع الفراسة

    قال رحمه الله تعالى: [ ومما ينبغي التنبيه عليه هاهنا: أن الفراسة ثلاثة أنواع ]

    تكلم المؤلف عن الفراسة؛ لأنها نوع من الكرامة، والمقصود بها فراسة المؤمن، وقد تختلط الفراسة ببعض المخارق عند من لا يدركون أو لا يفقهون.

    فالمهم أن الفراسة هي التحديث الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم، ذكر أن في هذه الأمة محدَّثين، وذكر منهم عمر بن الخطاب ، وهم أهل الفراسة الذين يلقي الله في قلوبهم الحق ويلهمهم إياه، والفراسة هي إلهام وتحبيب، وهي نوع من الكرامات والخوارق.

    قال رحمه الله تعالى: [ إيمانية: وسببها نور يقذفه الله في قلب عبده، وحقيقتها أنها خاطر يهجم على القلب، يثب عليه كوثوب الأسد على الفريسة، ومنها اشتقاقها، وهذه الفراسة على حسب قوة الإيمان، فمن كان أقوى إيماناً فهو أَحَدُّ فراسة.

    قال أبو سليمان الداراني رحمه الله: الفراسة مكاشفة النفس، ومعاينة الغيب، وهي من مقامات الإيمان، انتهى.

    وفراسة رياضية: وهي التي تحصل بالجوع والسهر والتخلي، فإن النفس إذا تجردت عن العوائق صار لها من الفراسة والكشف بحسب تجردها، وهذه فراسة مشتركة بين المؤمن والكافر، ولا تدل على إيمان ولا على ولاية، ولا تكشف عن حق نافع، ولا عن طريق مستقيم، بل كشفها من جنس فراسة الولاة وأصحاب عبارة الرؤيا والأطباء.. ونحوهم ].

    في تسمية هذا النوع فراسة نظر؛ لأن الفراسة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (اتقوا فراسة المؤمن) هي فراسة شرعية، وهي نوع من الكرامة، لا تلتبس بالنوع الآخر الذي هو الكشوف، وأشبه ما يكون بالهستريا التي تحدث لمن يبالغ في الجوع والسهر والعطش، فلا تسمى هسترته فراسة على المعنى الشرعي، لكن يمكن تسمى فراسة بالمدلول اللغوي.

    قال رحمه الله تعالى: [ وفراسة خلقية: وهي التي صنّف فيها الأطباء وغيرهم، واستدلوا بالخلق على الخُلقُ؛ لما بينهما من الارتباط الذي اقتضته حكمة الله، كالاستدلال بصغر الرأس الخارج عن العادة على صغر العقل، وبكبره على كبره، وسعة الصدر على سعة الخلق، وبضيقه على ضيقه، وبجمود العينين وكلال نظرهما على بلادة صاحبهما، وضعف حرارة قلبه.. ونحو ذلك ].

    هذه أمور علمية وتسميتها فراسة تسمية مجازية؛ لأن الأمور التي تثبت بالتجارب ويعرفها أهل الاختصاص ليست فراسة على المعنى الشرعي، إنما هي أمور علمية يدركها المتخصص، ولا يدركها غير المتخصص، فربما يشعر غير المتخصص أنها نوع من الفراسة، لكن ليست فراسة، وإنما هي أمور تعرف بالقرائن وتعرف بالدراسة، وتعرف بالعلم والتجربة والاستقراء، سواء في الطب أو في سائر العلوم، أو في الممارسات العادية لأصحاب المهن.. وغيرها، فإن هذه الأمور تحدث لهم، لكن تسميتها فراسة حقيقة فيها نظر، وهذا التقسيم هو تقسيم لغوي لا تقسيم شرعي؛ لأن الفراسة الشرعية لا تختلط بالمعاني الأخرى، من المخرصة، أو الأمور الخُلُقية المعروفة بالعلم.. ونحو ذلك.

    1.   

    الأسئلة

    ما جاء في تعلق الفراسة بتمييز المتخصصين في الحديث بين الصحيح وغيره

    السؤال: ما يعرفه أهل الحديث المتخصصون من التمييز بين الحديث الصحيح وغير الصحيح، أحياناً من خلال متنه فهل هذا من باب الفراسة؟

    الجواب: إذا كان هذا مبنياً على سياق المتن، فهذا التخصص يجعلهم أعلم من غيرهم؛ مما أعطاهم الله عز وجل من العلم والفقه في دين الله عز وجل، وما أعطاهم الله من التجربة وإدراك المعاني، وهذا لا يكون من الفراسة بمعناها الخاص، لكن إذا كان العالم المتخصص تفرس في اللفظ معنى ليس هو الظاهر من السياق، فقد يكون هذا من باب الفراسة الشرعية، التي هي نوع من الكرامة.

    وأهل الحديث هم صيارفة الحديث كما وصفهم الأئمة، والصيرفي إذا أعطيته عملة مزيفة قد تخفى على آلاف الناس، لكن بمجرد ما يلمسها الصيرفي حتى لو كان غير مبصر أدرك أنها مزيفة، فكذلك أهل الحديث كثرة الخبرة والمران وتعودهم على سياق أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، بمعرفة معانيها ومسالكها، وقوتها في اللغة والبيان، قد يدركون المعنى الذي لا يليق نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الأمور، فهي نوع من الفراسة، لكنها فراسة علمية، ليست فراسة كشف وفراسة خوارق؛ لأن فراسة الخوارق تحدث بالإلهام الذي لا يمكن أن يكون بمجرد الوسائل والمواهب البشرية، فالفراسة الحقيقة هي نوع من الكرامة، كما حدث لـعمر بن الخطاب رضي الله عنه في كثير من الأمور.

    متى تحصل خوارق العادات للصالحين أفراداً وجماعات

    السؤال: قوله: (ثم إن الدين إذا صح علماً وعملاً، فلا بد أن يوجب خرق العادة، إذا احتاج إلى ذلك صاحبه) هل هذا مناقض للكلام السابق: (أن عدم الخوارق علماً وقدرة لا تضر المسلم في دينه)؟

    الجواب: يقصد المؤلف معنىً يبدو أنه لم يفصح عنه، يقصد رحمه الله أن أهل الاستقامة إذا ألجأتهم ضرورة شرعية كبرى، ليس مجرد أمور شخصية كالتحدي بين الإسلام والكفر، فإنهم قد تحدث لهم كرامات، وهذا صحيح، فإن أكثر ما كانت الكرامات في عهد الصحابة وعلى أيدي أئمة الهدى الكبار لا تكون في أمور شخصية، إلا في حالات نادرة لا يرغبون نشرها أو التحدث عنها، ولذلك قد تُذكر وقد لا تُذكر، لكن الكرامات المشهورة التي تشتهر غالبها تحدث للمؤمنين؛ بسبب استقامتهم في دين الله عز وجل في المقامات العظمى والكبرى، مثل ما حدث لـسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه حينما تجمد له النهر، ومثل ما حدث لـخالد بن الوليد رضي الله عنه حينما أكل السم الذي يقتل الإنسان عادة، لكن كان من باب التحدي، وكان فيما يشبه المباهلة التي فيها نصر للإسلام، ليس موقفاً شخصياً بين المؤمن وبين آخرين، فإذا وصل الأمر إلى حد ما يشبه المباهلة بين أهل الحق وأهل الباطل، أو إلى ضرورة نصر الحق في أمر حاسم تتعلق فيه مصالح الأمة العظمى، فمن هنا تحدث الكرامات على الوجه الذي ذكره الشارح، أما في أحوال الأفراد والأمور العادية، فإنه قد تحدث وقد لا تحدث، قد تحدث للعبد الصالح كرامة في المقامات الصعبة، لكنها ليست قاعدة مطردة.