إسلام ويب

شرح عقيدة السلف أصحاب الحديث [13]للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ومن أعظم معاني الإيمان التي يزيد بها: تسليم القلب لله تعالى والإذعان له، وكذلك التقوى واليقين والمحبة والرجاء والتوكل عليه.. وغير ذلك، إضافة إلى الأعمال الظاهرة التي تدل عليها.

    1.   

    عقيدة السلف أصحاب الحديث في الإيمان

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ومن مذهب أهل الحديث أن الإيمان قول وعمل ومعرفة، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ].

    هذه قاعدة عظيمة من قواعد السلف التي خالف فيها المرجئة، وخالفت فيها كثير من الفرق؛ لأن هذه المسألة خالفت فيها المرجئة الأولى مرجئة الفقهاء، وخالفت فيها أيضاً الأشاعرة والماتريدية وكثير من الفرق الكلامية، وتسمى هذه المسألة: مسألة حقيقة الإيمان، أو تعريف الإيمان، أو دخول الأعمال في مسمى الإيمان.. كل هذه المسميات راجعة إلى معنى واحد وهو: أن الإيمان عند السلف تصديق القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح.

    وقوله: (إن الإيمان قول وعمل)، هذا أصل مقولة السلف.

    قال: (ومعرفة)، يقصد بالمعرفة التفصيل والعلم.

    وقوله: (يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية) أما المقصود بالطاعة فمطلق الطاعة لله عز وجل وليست فقط الطاعة الظاهرة، ويدخل في الطاعة الأعمال القلبية، وهي تسليم القلب وإذعانه لله عز وجل، هذا أعظم معاني الإيمان التي يزيد بها الإيمان، تسليم القلب لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، والمراد الإسلام بمفهومه الشامل، وكذلك التقوى يزيد بها الإيمان، واليقين يزيد به الإيمان، والمحبة لله عز وجل، والخوف والرجاء، والحمد لله والشكر والذكر.. هذه الأمور إضافة إلى الأعمال التي تدل عليها كلها يزيد بها الإيمان؛ لأن بعض الناس يفهم من معنى الطاعة الطاعة الظاهرة، بينما المقصود بالطاعة أولاً ما يقر في القلب، وما يشتمل عليه القلب من المعاني العظيمة من عبادة الله عز وجل وحبه والتوكل عليه ورجائه.. إلى آخره، وهي التي ينبثق عنها العمل، فهذه كلها تزيد وتنقص، فالإنسان قد يضعف إيمانه في قلبه، ويظهر ذلك على أعماله.

    إذاً: الزيادة والنقصان شاملة للمعاني القلبية وشاملة للأعمال؛ لأن بعض الناس يفهم أن الزيادة والنقصان في الأعمال فقط، بل قد يوجد إنسان قد تكون له ظروف فتكون أعماله الظاهرة مناسبة وجيدة، لكن قد يكون في قلبه ضعف، فهذا ينقص إيمانه فيما بينه وبين ربه وإن لم نعلم ذلك ظاهراً، ولذلك ثبت في النصوص أنه قد يكون من عباد الله الأخيار الذين لا يُعرف لهم أعمال ظاهرة قد يكون في مقامه عند الله عز وجل أعظم ممن نرى صلاحه ونشهد له جميعاً بالصلاح، قد يكون أعظم عند الله عز وجل ولا ندري؛ لأنه قد يكون في قلبه من الإجلال والتعظيم والتقوى والصلاح والاستقامة والاستعانة والرجاء والخوف والتوكل.. وغيره ما لا نعلمه، وقد يكون عنده من سلامة الصدر.. وغير ذلك مما هي من أعظم الأعمال ما يجعله من أعظم الناس وأزيدهم إيماناً.

    إذاً: زيادة الإيمان ونقصانه مرتبطة بالأمرين: بأعمال القلب، وبأعمال الجوارح، وهذا هو الفارق بين فهم السلف وفهم المرجئة ومن سلك سبيلهم.. فالمرجئة ومن سلك سبيلهم يجعلون التصديق لا يزيد ولا ينقص، ولا يدخلون الأعمال في مسمى الإيمان، وإن كان بعضهم كمرجئة الفقهاء الأوائل كـأبي حنيفة رحمه الله وشيخه حمّاد بن أبي سليمان .. وغيرهم ممن جاء بعدهم وقبلهم يعظّمون الأعمال، بمعنى: أنهم يعظّمون الواجبات ويستشنعون ترك الواجبات وفعل المعاصي، لكنهم مع ذلك أخطئوا في القضية العقدية في مفهوم الإيمان، لكن ومع ذلك فإن المرجئة المتأخرين قصروا في الأعمال واشتهر عنهم التقصير، وهذه نتيجة لازمة؛ لأن السلف حينما ظهر الإرجاء خافوا من هذه النتيجة وحصل ما خافوا منه؛ فإنهم خافوا من أن يؤدي الإرجاء إلى التساهل والإعراض عن دين الله عز وجل، وكانوا يصرّحون بذلك، رغم أن مرجئة الفقهاء لم يظهر منهم التقصير إنما ظهر التقصير من مرجئة الجهمية، لكن ومع ذلك خافوا من الإرجاء كله، ووقع ما خافوا منه، ولذلك أصرّوا على إثبات هذا التعريف الذي سمّوه حقيقة الإيمان وسمّوه تعريف الإيمان، ويدخلون الأعمال في مسمى الإيمان، وهو أن الإيمان قول وعمل، القول يشمل قول اللسان وقول القلب، والعمل يشمل عمل القلب وعمل اللسان، وأحياناً يُعرّف بمعنى من معانيه الثلاثة التي سبقت الإشارة إليها، وهي التصديق والقول والعمل.

    والمعرفة هي تصديق القلب، ولذلك عند التفصيل يشار إلى المعرفة، لكن عند الإجمال تكون المعرفة بمعنى التصديق، وإن كانت كلمة (معرفة) يتفاداها السلف، يعني: لا ينبغي لطالب العلم أن يستعملها، لكن نحن نعلم أن الصابوني رحمه الله استعملها بعقل، فنحملها على المحمل الحسن وإلا لا ينبغي التعبير بالمعرفة؛ لأن المعرفة مجرد الكسب العلمي، قد يكون بتصديق وقد يكون بلا تصديق، ولذلك كان من سمات الجهمية التي ذّموا بها أنهم يسمون الإيمان المعرفة فقط، ويسمّون تقبّل الوحي وطلب العلم معرفة فقط، وهذا خطأ شرعاً؛ لأن المعرفة لا تعني التسليم والإذعان، بينما التصديق فيه معنى التسليم والإذعان؛ لأن من صدّق أذعن، وإن لم يلزم ذلك في بعض الجزئيات، لكن في المعنى العام تصديق الله عز وجل وتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم يلزم منه التسليم والإذعان، فمن هنا التزم السلف الأمرين، فقالوا: التصديق لا بد أن ينتج عنه عمل؛ لأنا لا نقصد مجرد التصديق اللغوي، إنما نعني الإيمان الشرعي، والإيمان الشرعي -الذي هو التصديق الشرعي- مبني عليه العمل، وهو أيضاً مبني على العمل.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ قال محمد بن علي بن الحسن بن شقيق : سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله عن الإيمان في معنى الزيادة والنقصان؟ فقال: حدثنا الحسن بن موسى الأشيب عن عمير بن حبيب قال: الإيمان يزيد وينقص، فقيل: وما زيادته؟ وما نقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله فحمدناه وسبحانه فتلك زيادته، وإذا غفلنا وضيعنا ونسينا فذلك نقصانه ].

    ومن هنا أيضاً يلزم أنه لا يكون الحمد والتسبيح والذكر لله عز وجل إلا من قلب يتقي الله عز وجل، ويستشعر معنى الذكر والتسبيح، ولذلك فإن مجرد الحمد اللساني والتسبيح اللساني والذكر اللساني دون أن يوجد في القلب يعتبر هذا من خصال المنافقين، نسأل الله العافية.

    فيلزم ممن ذكر الله وسبّحه وعظّمه بلسانه أن يكون معظّماً له بقلبه، إلا في إحدى حالتين: أن يكون ساهياً، والساهي قد يؤجر على عمله، وقد يكون عمله من باب اللغو، لكن السهو أمر عارض.. بمعنى أنه يسهو مرة ويذكر أخرى، فهذه مسألة تعرض على العبد، فقد يذكر الله بلسانه وقلبه لاهٍ، فهذا ينقص أجره وقد لا يثاب، لكن يبقى عنده أصل الإيمان، وقد يلهو مرة ويرجع مرة، لكن لو افترضنا أن إنساناً من الناس لا يحمد الله ولا يسبّحه ولا يذكره إلا بلسانه، وقلبه لا يعترف بمعنى الإيمان فهو منافق خالص النفاق.

    إذاً: فلا يتأتى التسبيح والذكر والحمد على الوجه الشرعي إلا بوجود الإيمان في القلب والجوارح.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وعن يحيى بن سليم : سألت عشرة من الفقهاء عن الإيمان؟ فقالوا: قول وعمل.

    وسألت هشام بن حسان ؟ فقال: قول وعمل.

    وسألت ابن جريج ؟ فقال: قول وعمل.

    وسألت سفيان الثوري ؟ فقال: قول وعمل.

    وسألت المثنى بن الصباح ؟ فقال: قول وعمل.

    وسألت محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان ؟ فقال: قول وعمل.

    وسألت محمد بن مسلم الطائفي ؟ فقال: قول وعمل.

    وسألت فضيل بن عياض ؟ فقال: قول وعمل.

    وسألت نافع بن عمر الجمحي ؟ فقال: قول وعمل.

    وسألت سفيان بن عيينة ؟ فقال: قول وعمل ].

    مثل هذه الآثار التي فيها سياق وتعداد أقوال الأئمة بأعيانهم لا يعني أن هناك من يشذ عن عموم الأئمة، إلا أفراداً معدودين عرفوا كـأبي حنيفة وشيخه ثم بعض تلاميذهم، وهؤلاء وإن كانوا أئمة معتبرين ولهم حق في الإمامة والدين إلا أنهم شذّوا، بمعنى: أنهم زلّوا، والعالم قد يزل، ولذلك لا تعتبر زلته حجة لأحد من أهل البدع، فبعض الأئمة الكبار في آخر القرن الأول وبداية القرن الثاني -وهم ندرة وقلة يُعدّون على الأصابع- وقعوا في القول بالإرجاء، وهؤلاء اشتبه عليهم الأمر فزلّوا، وزلّاتهم ليست حجة؛ لأن العالم قد يزل، ولهذا ليس للمرجئة أن يحتجوا بأنهم على حق بمجرد أن يكون لهم إمام في الدين وهو إمامهم في الفقه -كـأبي حنيفة - بمجرد أن يكون إمام وأن يُتبع، لا، بل نقول: الإمام يزل.

    إذاً: وقوع بعض الكبار في الإرجاء هي زلة، وبقية السلف كلهم يقولون بأن الإيمان قول وعمل، فالتعداد لا يعني أن من لم تذكر أسماؤهم هنا أنهم لم يقولوا بهذا القول، بل هذا قول إجماع، إنما اختار الإمام الصابوني أئمة مقتدى بهم في الدين أجمعت الأمة على إمامتهم فجعلهم نماذج، وغيرهم من باب أولى وتبع لهم، وهذه عادة عند السلف إذا وجد الاشتباه حشدوا الأقوال، وحشدهم للأقوال لا يعني الحصر ولا يعني أيضاً أنهم بحاجة إلى هذا، إنما لأجل إقامة الحجة على الآخرين، ولأن هؤلاء أئمة في الدين وغيرهم تبع لهم.

    فإذاً: أقول: إن أسماء هؤلاء الأعلام ليست هي الوحيدة للذين قالوا بهذا القول، بل هذا قول جمهور السلف، وإذا أخذنا السلف بالمفهوم العام فسنقول: هذا اتفاق أو إجماع؛ لأن الشذوذ لا يخرق الإجماع، ولأن الزلة لا تخرق الإجماع، فقد يزل عالم وزلته ليست حجة، لكنها لا تكون ذريعة لسبه؛ فهو متأول ويغفر الله لنا وله، لكن الحق لا نتبع فيه الرجال إنما نتبع الكتاب والسنة، والله أعلم.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    زيادة الإيمان بالإخبات والخوف والتعظيم لله عز وجل

    السؤال: هل تزيد الحسنات للمسلم بشعوره بالإخبات والخوف والتعظيم لله عز وجل؟ ولو كان يحس به المسلم في بعض الأوقات أكثر من الأخرى فهل تزاد له الحسنة أكثر من تلك الأوقات؟

    الجواب: نعم هذه من أعظم معاني ما يزيد الحسنات، فالمسلم إذا شعر بشيء من الخوف من الله عز وجل ورجاء الله والتعظيم لله وتوقيره في القلب لا شك أن هذا يزيد به الإيمان، وزيادة الإيمان ليست مجرد معنى علمي، بل زيادة الإيمان بإذن الله وكما وعد الله عز وجل تعني زيادة الحسنات، فكل ما يستقر في قلب المؤمن من التقوى والتوكل والخشية لله عز وجل والتعظيم لله فإنه يؤجر على ذلك، وتكون له بذلك الحسنات العظيمة إن شاء الله كما وعد الله.

    ولا شك أنه كلما ازدادت هذه المعاني في القلب ازدادت إن شاء الله حسنات المسلم، وكلما ضعفت ضعفت حسناته، كالأعمال الظاهرة تماماً، بل إن زيادة الحسنات في المعاني القلبية أعظم من معانيها الظاهرة؛ لأن الظاهرة قد يدخلها شيء مما يراه الناس، بينما المعاني القلبية من زيادة التقوى والإخبات والخضوع والتعظيم لله عز وجل التي بين العبد وبين ربه خالصة، فالغالب -والله أعلم- على مقتضى قواعد الشرع أنها تكون أعظم حسنات وأعظم أجراً.

    ونسأل الله أن يزيد إيماننا وأن يوفقنا للصالحات، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.