إسلام ويب

شرح العقيدة التدمرية [6]للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يتعلل نفاة الصفات في نفيهم بالتنزيه والفرار من التشبيه، وكان يلزمهم على هذا نفي الذات الإلهية، فإنه يلزم من المحذور في إثباتها كالذي يلزم من إثبات الصفات، وما أجابوا به عن هذا الإلزام يجاب عنهم به في إثبات الصفات.

    1.   

    التحقق بمقتضى أسماء الله وصفاته

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.

    أما بعد.

    فلا زلنا في دروس العقيدة في المجلد الثالث من الفتاوى، وقد وصلنا إلى الأصل الثاني، وقبل أن نشرع في الدرس أحب أن أشير إلى قاعدة مهمة يجب أن يستصحبها المسلم دائماً عندما يتأمل أسماء الله وصفاته وأفعاله، ولا سيما طالب العلم، وكما تعرفون هذه الرسالة، أعني: (رسالة التدمرية) جلها أو أغلبها في تقرير الصفات لله عز وجل والرد على المخالفين، ولا شك أن هذا أصل عظيم من أصول الدين، بل هو أعظم أصل في تقرير أسماء الله وصفاته وأفعاله التي يجب أن يعتقدها المسلم، ثم ما يستتبع ذلك من ضرورة الدفاع عن العقيدة ونفي أقوال المبطلين والجاهلين والمتأولين بأسماء الله وصفاته، والرد على المخالف -كما تعلمون- أصل عظيم من أصول الإسلام، لكن مما يجب على طالب العلم بأن يستصحبه عندما يخوض في مسائل الخلاف مع أهل الأهواء والبدع في أسماء الله وصفاته قاعدة عظيمة جداً، وهي: ألا ينسى أن المقصود بتقرير أسماء الله وصفاته والدفاع عنها إنما هو تعظيم الله عز وجل، وليس مجرد المعرفة العلمية، أو مجرد استعراض قوة المسلم أمام المخالفين، أو قوة أهل السنة أمام المخالفين، أو عرض الحجج وقوتها، فليس هذا هو المقصود، وإنما هذه وسائل، فالكلام في أسماء الله وصفاته وأفعاله تقريراً ودفاعاً إنما هو وسيلة لتعظيم الله عز وجل بأسمائه وصفاته وأفعاله، وإلى دعاء الله بذلك، وعليه فيجب أن تكون الغاية الأولى عند تعلم هذا الأصل: توحيد الله عز وجل وتعظيمه وإجلاله، وعبادته على هذا الأصل، أي: دعاء الله بأسمائه وصفاته كما أمر الله عز وجل.

    كما أن أسماء الله وصفاته لا بد أن تُثمر ثمرتها في قلب المسلم، لا سيما طالب العلم الذي يتكلم عن هذه الأمور على جهة التفصيل، فيجب أن يمتلئ قلبه من خلال استعراضه لأسماء الله وصفاته وأفعاله، ونفي الباطل والنقص عن الله عز وجل، والمحبة لله، والخشية له، والرجاء منه، ثم ما يستتبع ذلك من اليقين والإنابة والتوكل، وسائر الأعمال القلبية التي لا بد أن تُثمر ثمرتها في الجوارح وعلى اللسان.

    وهذا الأصل -كما قلت- ينبغي أن يكون بدهياً، لكن مع ذلك لا بد من التنبيه له بين وقت وآخر؛ لأن طالب العلم إذا اشتغل بالردود فربما يقسو قلبه، فتنصرف همّته إلى مجرد الرد ومقارعة الحجة بالحجة، فيغفل عن أن يتأثر قلبه وتتأثر جوارحه ولسانه بتعظيم أسماء الله وصفاته وأفعاله.

    ولذلك نجد بعض المشتغلين بهذا العلم أو بهذا الجانب يغفلون عن هذه القاعدة، والشيخ رحمه الله كما تعلمون لا يزال يرد على الذين ينفون الصفات، سواء أولئك المعطلة كالجهمية والفلاسفة والغلاة الذين ينفون الأسماء والصفات، أو من دونهم ممن يؤولون أو ينفون البعض ويثبتون البعض. والشيخ الآن سيقرر الأصل الثاني في الرد عليهم على النحو التالي:

    1.   

    القول في الصفات كالقول في الذات

    قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [ وهذا يتبين بالأصل الثاني، وهو أن يقال: القول في الصفات كالقول في الذات ].

    من أجل أن نربط الأصل الثاني بالأصل الأول، فقد قرر الشيخ في الأصل الأول أن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، وكان هذا رداً على المؤولة أكثر مما هو رد على النفاة، ثم هنا سحب نفس القاعدة في الرد على المعطّلة النفاة، فكما يقال: إن القول في بعض الصفات كالقول في البعض، كذلك يقال هنا: إن القول في الصفات كالقول في الذات؛ لأن كثيراً من غلاة المعطّلة لا ينفون الذات أو خصائص الذات، مثل: الوجود، فهي أهم خصائص الذات عندهم، ولذلك هم لا ينفونها، والوجود لابد أن يقبل الوصف، وما قبِل الوصف فلا بد أن يكون ذاتاً.

    قال رحمه الله: [ وهو أن يقال: القول في الصفات كالقول في الذات، فإن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقة لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقة لا تماثل سائر الصفات ].

    وكذلك الأفعال؛ لأن الشيخ يجمل، والأفعال داخلة في الصفات، والصفات كما تعلمون على نوعين: صفات ذاتية، وصفات فعلية.

    فالصفات الذاتية مثل: اليد، والوجه، والصفات الفعلية مثل: النزول، والاستواء.

    بواعث أهل الأهواء والبدع لإثارة السؤال عن كيفيات الصفات

    قال رحمه الله: [ فإذا قال السائل: كيف استوى على العرش؟ ].

    وقبل أن يرد الشيخ على هذا القول أحب أن أنبه إلى أنه باستقراء آراء أهل البدع والأهواء والافتراء، سواء منهم الغلاة الملحدة، مثل: الفلاسفة والباطنية، أو من دونهم من المعطّلة الذين انتسبوا إلى الإسلام، أو من دونهم من المؤولة، كل هؤلاء يوردون هذا السؤال، لكن إيراده منهم هو على وجوه كثيرة، وأهم البواعث لإيراد هذا السؤال -حسب الاستقراء- في نظري ثلاثة بواعث:

    الأول: أن يكون هذا السؤال من المشبهة المجسمة، وخاصة الرافضة الأوائل، فقد كانوا مشبهة، فيقولون: لا بد أن يكون الاستواء كاستواء المخلوق -تعالى الله عما يزعمون- وإلا فكيف استوى؟!

    وهذا السؤال بدعي لا يجوز بحال، لكنه غالباً ينشأ من أهل الباعث الأول، أي: من أهل التشبيه.

    الثاني: أن يكون السائل من أهل التأويل والتعطيل، كالجهمية والمعتزلة ومن سلك سبيلهم، وهؤلاء ينشرون هذا السؤال من أجل إنكار الصفة، يعني: أن غايتهم عكس الأولين، ولذلك إذا أرادوا أن يحرجوا المثبت ويجرّوه إلى التأويل -إذا كان جاهلاً- قالوا له: كيف استوى؟ فإذا فسّر الاستواء، قالوا: إذاً أنت شبّهت؛ حتى يلزموه بالتأويل أو التعطيل، وعلى ذلك كان أول ما نشأ السؤال على وجه واسع من المعطّلة بعد المشبّهة.

    الثالث: إثارة هذه الأمور عند من لم يفقه العقيدة، ومنشأ ذلك: الجهل والشك والريب، سواء من السائل أو ممن أثيرت عنده هذه المسائل فاضطر أن يسأل، ولذلك نجد أن الذين يسألون هذه الأسئلة إما متعالم مغرور من أصحاب الفلسفة والتجهّم وأهل الكلام، وإما من جاهل لا يعرف كيف يثبت، فينشأ عنده السؤال عن إشكال.

    إذاً: البواعث عندنا كثيرة، لكن أهمها التشبيه، ثم أهل التعطيل والتأويل يثيرون هذا السؤال من أجل إلزام الناس بالتشبيه، ثم بالتأويل والتعطيل، أو يكون من جاهل أو شاك، أو نحو ذلك ممن يخوضون في هذه المسائل على غير وجه شرعي.

    جواب من سأل عن كيفية صفة من صفات الله

    قال رحمه الله: [ فإذا قال السائل: كيف استوى على العرش؟

    قيل له -كما قال ربيعة ومالك وغيرهما رضي الله عنهما-: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عن الكيفية بدعة؛ لأنه سؤال عما لا يعلمه البشر ولا يمكنهم الإجابة عنه.

    وكذلك إذا قال: كيف ينزل ربنا إلى السماء الدنيا؟

    قيل له: كيف هو؟ فإذا قال: لا أعلم كيفيته. قيل له: ونحن لا نعلم كيفية نزوله، إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرع له وتابع له، فكيف تطالبني بالعلم بكيفية سمعه وبصره وتكليمه واستوائه ونزوله، وأنت لا تعلم كيفية ذاته؟!

    وإذا كنت تقر بأن له حقيقة ثابتة في نفس الأمر، مستوجبة لصفات الكمال، لا يماثلها شيء، فسمعه وبصره وكلامه ونزوله واستواؤه ثابت في نفس الأمر، وهو متّصف بصفات الكمال التي لا يشابهه فيها سمع المخلوقين وبصرهم وكلامهم ونزولهم واستواؤهم ].

    بعد أن بين الشيخ كيفية الرد على مثل هذه الأسئلة -وسيفصل أيضاً بشكل أوسع- أحب أن أذكر بالقاعدة الأصلية التي أراد الشيخ أن يُرجع الناس إليها، وهي قاعدة السلف التي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته وأئمة السلف، وأهل الاستقامة من الراسخين في العلم وأتباعهم من أهل السنة والجماعة إلى قيام الساعة، هذه القاعدة الأصلية التي من اعتقدها لا يمكن أن ينشأ عنه أصلاً هذا السؤال، ولا حتى الباعث للسؤال، وهي: أن الأصل في أسماء الله وصفاته وأفعاله إثبات ما أثبته الله لنفسه، وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تمثيل ولا تشبيه؛ لأن الإثبات مبني على قوله عز وجل: وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]، مع ما ورد قبل ذلك في أول الآية: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11].

    وكذلك نفي ما نفاه الله عن نفسه، وما نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، والنفي جاء مفصلاً ومجملاً، فإن الله عز وجل نفى النقائص عن نفسه إجمالاً، ونفى ما رماه به أهل الباطل تفصيلاً، وعلى هذا فإن المسلم إذا أخذ بقاعدة الإثبات مع قاعدة النفي سلمت عقيدته، ولم ينشأ عنده أصلاً السؤال عن الكيفية ولا الباعث على السؤال.

    إذاً: الباعث على السؤال إما أن يكون من مشبّه، وإما أن يكون من معطِّل، وإما أن يكون من جاهل.

    فالجاهل يُعلّم، والمعطِّل والمشبه يرد عليهما قولهما؛ لأنهما خرجا عن القاعدة.

    1.   

    مناقشة من يثبت بعض الصفات دون بعض

    قال رحمه الله: [ وهذا الكلام لازم لهم في العقليات وفي تأويل السمعيات، فإن من أثبت شيئاً ونفى شيئاً بالعقل، أُلزم إذاً فيما نفاه من الصفات التي جاء بها الكتاب والسنة، نظير ما يلزمه فيما أثبته، ولو طولب بالفرق بين المحذور في هذا وهذا لم يجد بينهما فرقاً ].

    عدم التفريق بين أسماء الله وصفاته لازم للأشاعرة في العقليات

    يشير الشيخ هنا أشار إلى أمر في مسألة العقليات والسمعيات، إذ يقول: هذا الكلام، أي: عدم التفريق بين شيء من أسماء الله وصفاته مع بعضها، لازم لهم في العقليات. يعني: فيما يُثبته العقل لله عز وجل، أو فيما يثبته العقل في كل أمر من الأمور، لكن الكلام هنا عمّا يتعلق بأسماء الله وصفاته، فمثلاً: العقول تُثبت أموراً يعترف بها أهل الكلام، فتُثبت كمالات الله عز وجل ويقولون: هذه صفات عقلية، ويسمونها: صفات عقلية، مثل: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة ونحو ذلك، فهذا الكلام لازم لهم في العقليات، أي: فيما أثبتوه من العقليات وما نفوه مما يشبهها مما جاء في السمعيات التي ثبتت في القرآن والسنة.

    إذاً: فالعقليات هي الأمور التي يثبتها العقل ولا ينكرونها؛ لأنها عندهم -بزعمهم- تثبت عقلاً ولو لم تثبت شرعاً، مع أنها قد ثبتت شرعاً قبل أن تثبت عقلاً، مثل: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة.

    بينما السمعيات ينكرونها؛ لأنهم يرون أنها ليست من مدارك العقل حتى يثبتها، والسمعيات كاليد والوجه التي أُثبتت لله عز وجل في الكتاب والسنة، إذ لا طريق إلى إثباتها بمجرد العقل، يعني: لو لم ترد في الكتاب والسنة ما استطعنا أن نوردها، ولا أن نتكلم فيها، ولا أن نثبتها لله عز وجل، مع أن كل أسماء الله وصفاته وأفعاله جاءت عن طريق السمع، أي: الوحي، لكن مع ذلك بعضها تدركه بداهة العقول والفطر، وبعضها لا يمكن أن نثبتها لله لو لم يأت بها القرآن وصحيح السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمثلاً: لا نستطيع أن نثبت، أو لا يستطيع أحد من الخلق أن يثبت لله اليد، لولا أنها ثبتت في الكتاب والسنة إثباتاً عقلياً مجرداً، وكذلك الاستواء والنزول والمجيء وغير ذلك.

    فالشيخ يقول: نظراً لأنهم أثبتوا بعض الصفات العقلية فهذا يلزمهم أيضاً فيما أثبتوه من العقليات نفسها، فهم قد ثبتوا الحياة والعلم والقدرة والإرادة عقلاً ونفوا الحكمة، وهناك طوائف من أهل الكلام ممن يدّعون الإسلام ينفون الحكمة عن الله عز وجل، فيقول لهم عقلاً: لم أثبتم الحياة والعلم والإرادة ونفيتم الحكمة؟ فإن كان هناك علة في نفي الحكمة فهي موجودة في إثبات الحياة.. وهكذا كذلك في السمعيات، ثم ما بين العقليات والسمعيات.

    كما يقال لهم أيضاً حتى في السمعيات البحتة: ما دام أن هذا قد ورد في الكتاب والسنة، ولا يمكن للعقل أن يدركه، فلابد من إثباته؛ لأن العقل قد سلّم بصحة ما جاء في كتاب الله وصح عن رسوله صلى الله عليه وسلم، فهذا العقل يجب أن يسلّم بالخبر عن صفات الله الخبرية السمعية التي لا يمكن أن يدركها، أو أن يثبتها مجرداً عن دلالة السمع أو دلالة الوحي.

    إذاً: من أثبت شيئاً -كالعلم والحياة، لأن هذا عقلي- ونفى شيئاً بالعقل -كاليد والوجه- أُلزم فيما نفاه من الصفات التي جاء بها الكتاب والسنة نظير ما يلزمه فيما أثبته، ولو طولب بالفرق بين المحظور في هذا وهذا لم يجد بينهما فرقاً، وعليه فالقاعدة واحدة كما ذكر الشيخ في الأصل الأول والأصل الثاني.

    تأويل متكلمة الأشاعرة والماتريدية لبعض صفات الله باللازم هو لازم لهم في الصفات الأخرى

    قال رحمه الله: [ ولهذا لا يوجد لنفاة بعض الصفات دون بعض -الذين يوجبون فيما نفوه، إما التفويض وإما التأويل المخالف لمقتضى اللفظ- قانون مستقيم، فإذا قيل لهم: لِم تأولتم هذا وأقررتم هذا والسؤال فيهما واحد؟ لم يكن لهم جواب صحيح، فهذا تناقضهم في النفي، وكذا تناقضهم في الإثبات، فإن من تأول النصوص على معنى من المعاني التي يثبتها، فإنهم إذا صرفوا النص عن المعنى الذي هو مقتضاه إلى معنى آخر، لزمهم في المعنى المصروف إليه ما كان يلزمهم في المعنى المصروف عنه، فإذا قال قائل: تأويل محبته ورضاه، وغضبه وسخطه، هو إرادته للثواب والعقاب، كان ما يلزمه في الإرادة نظير ما يلزمه في الحب والمقت، والرضا والسخط ].

    هؤلاء هم متكلمة الأشاعرة والماتردية أو طائفة منهم الذيني يؤولون المحبة والرضا والغضب والسخط، لكن قد تختلف تأويلاتهم، واختلافهم في التأويلات من الحجة عليهم، ومع ذلك فالشيخ هنا ضرب مثالين لأنواع التأويل: هذا واحد، والثاني سيأتي، فيقول: إن أهل الكلام يؤولون المحبة والرضا بإرادة الثواب، والغضب والسخط لله عز وجل بإرادة العقاب، يقول: فهذا الكلام يلزمكم أيضاً في الصفات الأخرى، أي: لماذا فسّرتم فقط المحبة والرضا بإرادة الثواب، وأثبتم صفات أخرى مثل: الحياة والعلم والقدرة والإرادة والخلق وغيرها؟! لأنهم يثبتون هذا ويؤولون ذاك، وكذلك في بقية الصفات، وهناك من يؤول تأويلاً آخر، وسيأتي الإشارة إليه أيضاً على نفس القاعدة.

    فالشيخ يقول: الذين أوّلوا المحبة والرضا بإرادة الثواب، والغضب والسخط بإرادة العقاب، يثبتون الإرادة، والإرادة نفسها لها تفسير هو من لوازمها، فيقول: أنتم تقولون بالإرادة، مع أن الإرادة حسب ما نعرف في المخلوقات ألا تكون الإرادة إلا عند عاقل إذا كانت المسألة مسألة قياس، مع أن هذا لا يجوز لله عز وجل، لكن من باب ضرب استدلالاتهم ببعضها ليسقط استدلالهم على التأويل، أيضاً يقول: الإرادة لا يمكن أن تكون إلا بباعث وقصد في النفس، فهل نصرف أيضاً إثبات الإرادة عن الله عز وجل؟ لأن أي معنى لا بد أن يكون له حقيقة ولوازم، وأي لفظ من الألفاظ له حقيقة ولوازم، هذه الحقيقة تُثبت لكل موصوف بحسبه، فألفاظ أسماء الله وصفاته حقائق، لكنها على ما يليق به، وأسماء وصفات المخلوقين حقائق، لكنها على ما يليق بهم، ولذلك هذه الحقائق لا تثبت ولا تُصرف إلى لوازمها، وهم الآن قد صرفوا الغضب إلى لازم، ومن لازم الغضب غالباً الانتقام، ومن لوازم المحبة غالباً الثواب، فهم فسّروا الصفات بلوازمها، فهو يقول: فكذلك الإرادة فسّروها بلازمها، وإلا فلماذا جعلتم لله عز وجل إرادة ولم تثبتوا له محبة ورضا؟!

    ثم إن إثبات اللازم لا يعني إسقاط حقيقة الملزوم، فإذا كان أحياناً من لوازم المحبة الثواب، ومن لوازم السخط العقاب، فلا يعني ذلك أن يُفسَّر الأصل بلازمه، وإلا لقلنا بهذا في جميع أسماء الله وصفاته، حتى يصير الأمر راجعاً إلى الخلق؛ لأن آثار الصفات هي في الخلق، فيرجع تفسير الصفات كلها إلى الخلق نفسه، ومن هنا تنتفي، وهذا ما يذهب إليه الفلاسفة الذين لا يرون لله عز وجل وجوداً حقيقياً، وإنما وجوداً مجرداً، ويفسّرون جميع أسماء الله وصفاته، أو دلالات عظمته بالخلق نفسه، وكذلك الذي يفسّر اللازم وينفي الحقيقة لا بد وأن يحصر الصفات والأفعال بالمخلوقين، ولذلك فعلاً نجدهم - أي: أهل الكلام - دائماً يفسّرون أفعال الله بمخلوقاته، فلا يثبتون لله الأفعال، فأفعاله هي مخلوقاته، مع أن المخلوقات هي آثار أفعاله وصفاته عز وجل.

    قال رحمه الله: [ فإذا قال قائل: تأويل محبته ورضاه، وغضبه وسخطه هو إرادته للثواب والعقاب، كان ما يلزمه في الإرادة نظير ما يلزمه في الحب والمقت، والرضا والسخط، ولو فسّر ذلك بمفعولاته -وهو ما يخلقه من الثواب والعقاب- فإنه يلزمه في ذلك نظير ما فر منه، فإن الفعل لابد أن يقوم أولاً بالفاعل، والثواب والعقاب المفعول إنما يكون على فعل ما يحبه ويرضاه، ويسخطه ويبغضه المثيب المعاقب، فهم إن أثبتوا الفعل على مثل الوجه المعقول في الشاهد للعبد مثلوا، وإن أثبتوه على خلاف ذلك فكذلك الصفات ].

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2737880607

    عدد مرات الحفظ

    684526418