إسلام ويب

مجمل أصول أهل السنة القرآن - القدرللشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يجب الإيمان بأن القرآن كلام الله حروفه ومعانيه، منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، وهو معجز ودال على صدق من جاء به، كما يجب الإيمان بالقدر ومراتبه التي هي: العلم والكتابة والمشيئة والخلق، وأنه تعالى لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه.

    1.   

    قواعد في الإيمان

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وآله، ورضي الله عن صحابته والتابعين ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    وبعد.

    فإن الإيمان كما هو مقتضى نصوص الكتاب والسنة وفهم الصحابة وسلف الأمة هو الاستقامة على دين الله عز وجل اعتقاداً وقولاً وعملاً، وعلى هذا فالمسائل المتعلقة بالإيمان تعتبر أربع مسائل رئيسة:

    حقيقة الإيمان

    المسألة الأولى: حقيقة الإيمان أنه قول وعمل، أي: يشمل الاعتقادات القلبية التي تبدأ بمحبة الله عز وجل وخوفه ورجائه، واليقين، والتقوى، وما ينتج عن ذلك من الورع، والأمانة.. إلى آخره من الأمور التي هي في قلب المسلم فيما بينه وبين ربه، وما ينتج عن ذلك في تعامله مع ربه ومع الآخرين، ثم ينتقل بعد ذلك إلى القول، ويدخل فيه قول اللسان مثل الشهادتين وكل قول مشروع يتضمن الذكر والطاعة وتلاوة القرآن والأذكار والتسبيح والتهليل وغير ذلك، كلها داخلة في الإيمان القولي وكذلك الأعمال، وهذه الأعمال التي هي الحركات التي يتحرك بها الإنسان في طاعات الله عز وجل ائتماراً أي: فعلاً، أو انتهاء أي: تركاً.

    الأعمال من الإيمان

    المسألة الثانية: دخول الأعمال في مسمى الإيمان، والمقصود أن الأعمال تدخل في مفهوم الإيمان شرعاً، فالإيمان يشمل الأمور الاعتقادية العلمية والأمور العملية، ومن هنا فإن من قواعد الدين التزام الشرع، والاستقامة على دين الله ظاهراً وباطناً علماً وعملاً.

    زيادة الإيمان ونقصانه

    المسألة الثالثة: زيادة الإيمان ونقصانه، فإذا قلنا: إن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان حتى الأعمال القلبية وهي تزيد وتنقص.. والأعمال القلبية قد تكون مجرد التصديق، وقد يكون مع التصديق اليقين، فهذا زيادة، وكذلك الأعمال تزيد بكثرة الطاعات والذكر والتلاوة وغير ذلك، فكلما ازدادت الأعمال سواء كانت قلبية أو عملية ازداد الإيمان، وكلما نقصت نقص الإيمان.

    إذاً: الإيمان يزيد وينقص.. يزيد بالطاعات وبفعل المأمورات وينقص بالمعاصي وبفعل المنهيات.

    الاستثناء في الإيمان

    المسألة الرابعة: الاستثناء في الإيمان، وهذه مسألة قل أن يحتاجها المسلم الذي يأخذ دينه بمقتضى الفطرة، إنما هي مسألة نشأت من وجود أناس لما حصروا الإيمان في القلب وزعموا أنه لا يجوز أن يستثني المسلم فيه؛ لأنه ما دام يشعر باليقين، فلا داعٍ لأن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، وهذا ليس هو المقصود بالاستثناء، فنحن حين نستثني لا نستثني ما ندركه ونشعر به؛ لأن كل مسلم حين يسأل عن إيمانه يقول: أنا مؤمن؛ لأنه يسأل من يصدّق، وعلى هذا فلا يستثني هذا الأمر، إنما يستثني المآل والمصير الذي ينتهي إليه، ومن باب التفاؤل يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، وأرجو أن الله يثبتك على الإيمان، ويستثني لئلا يتألى على الله ولا يزكي نفسه، لا لأنه يستثني ما يشعر به الآن، فما تشعر به الآن من اليقين والتصديق فعبّر عنه بدون ما تقيده بالمشيئة، لكن تعليق الإيمان بمشيئة الله متعلق بمستقبل الأمر، وبمصير الإنسان ومآله بما يموت عليه، فلذلك ينبغي له أن لا يتألى على الله ولا يصيبه الغرور، فيرجع الأمور إلى مشيئة الله، وهذا تفويض لله عز وجل ويدل على قوة الإيمان، ولا يدل على التشكيك كما يزعمون أن الاستثناء في الإيمان يدل على التشكيك.

    1.   

    قواعد في القرآن الكريم

    قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ خامساً: القرآن الكريم: القرآن كلام الله حروفه ومعانيه، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وهو معجز دال على صدق من جاء به صلى الله عليه وسلم ومحفوظ إلى يوم القيامة ].

    القرآن كلام الله منزل غير مخلوق

    الشرح: هذه القاعدة الأولى فيما يتعلق بالقرآن الذي هو من كلام الله عز وجل، وكلام الله وكلماته لا يحدها حد، والله عز وجل يتكلم متى شاء بما شاء وكيف شاء، والقرآن من كلام الله، ولذلك قرن القرآن بالكلام؛ لأن صفة الكلام لله عز وجل من الصفات الثابتة له، ومنها ما هو من الصفات الذاتية اللازمة لله، ومنها ما يتعلق بإرادة الله ومشيئته، وأعني بذلك: أن الله عز وجل موصوف بالكلام وهذا كمال، وأن كلامه الذي هو من صفة ذاته، أي: أنه سبحانه متكلم متى شاء وكيف شاء ويكلّم من يشاء.

    وكلام الله عز وجل يحدث متى شاء فهو متعلق بمشيئته، والله عز وجل إذا أراد الكلام فإنه سيتكلم كما يريد، وعلى هذا فإن القرآن من كلامه سبحانه، والقرآن هو الذي بين أيدينا، وكلام الله عز وجل الذي أنزله الله هدى وشفاء، وأنزله منهاجاً للأمة يحكم حياة الفرد والأسرة والمجتمع والدولة والبشرية جمعاء، لمن اهتدى به، والقرآن إنما أُنزل ليتلى وليتدبر وليُعمل بمقتضاه، فأنزله الله عز وجل هداية للقلوب وإنارة للعقول واسترشاداً للجوارح والأعمال، ولذلك فكما أمرنا بتلاوته وحفظه فقد أُمرنا بتدبره، أي: تأمل معانيه، فما كان منها من أمور العقائد آمنا به جزماً، ومن أمور الأخبار صدّقنا به، وما كان به من أوامر ائتمرنا به بقدر الاستطاعة، وما كان فيه من نواهٍ انتهينا عنه بقدر الاستطاعة، وما كان فيه من قصص وعبر ومواعظ فيجب أن نستفيد منها بما يصلح أحوال قلوبنا وأعمالنا وشئوننا في حياتنا كلها.

    ولذلك فإن القرآن دستور الأمة، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم متفرعة عن القرآن؛ لأن القرآن أجمل والسنة فصّلت في كثير من الأمور، ولأن القرآن أمرنا بالأخذ بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال سبحانه: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7].

    فالقرآن كلام الله على الحقيقة، فالله عز وجل تكلم بالقرآن حقيقة كما يليق بجلاله سبحانه من غير تكييف ولا قياس، ومن من غير إقحام للخيالات والأوهام التي قد يتخيلها بعض الناس عن كيفية الكلام، وهذا في جميع أفعال الله وصفاته وأسمائه، فإنها لا تكيف، لكن لها حقائق، وهذا هو الفارق بين فهم السلف وبين فهم أهل الأهواء والبدع الذين خاضوا في كلام الله وقالوا فيه قولاً لا يليق بالله عز وجل، بل فيه سوء الأدب واستنقاص كمال الله عز وجل بما لا يليق؛ لأنهم ما أثبتوا كلام الله على الحقيقة بحروفه ومعانيه من غير تمثيل ولا تشبيه ولا تكييف، وأن هذا القرآن الذي بين أيدينا منزل من الله عز وجل غير مخلوق.

    وقوله: (غير مخلوق) لأن القرآن كلام الله، والكلام من صفته، وصفات الله لا شك أنها غير مخلوقة، ولأن السلف حين استقرءوا نصوص القرآن والسنة في حقيقة القرآن، ثبت عندهم بالإجماع وبقطعيات النصوص أن القرآن منزّل غير مخلوق، وكانت هذه القضية بدهية في عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى أن ظهرت الأهواء العقلانية والفلسفية التي تقرر الدين بمجرد العقول والخيالات والتخرصات، وهذا منشأه الأخذ بمسالك الفلاسفة الذين منهم الذين وصفهم الله عز وجل بالخرّاصين، وذمهم في قوله سبحانه: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ [الذاريات:10-11] فإن التخرّص هو القول في القرآن خصوصاً وفي كلام الله عموماً بغير ما ثبت في النصوص وبمقتضى الآراء والاجتهاديات التي لا يمكن أن تقرر في هذا الأمر شيئاً؛ لأن هذه الأمور توقيفية، فكلام الله غيب وكلامه بالقرآن غيب، وكيفية كلامه لا يمكن أن تدرك ولا تقاس بأفعال البشر؛ لأن الله عز وجل ليس كمثله شيء، ومن ذلك كلامه سبحانه، فإن من تكلم وليس كمثل كلامه شيء، ولا يتكلم كما يزعم الزاعمون بالكيفية التي يتكلم بها الخلق، بل إنه عز وجل أنزل القرآن والقرآن غير مخلوق.

    وقوله: (منه بدأ) أي: أن الله عز وجل تكلم به كما يليق بجلاله، فمبدأه منه؛ لأنه كلامه، وكلامه صفته، (منه بدأ) ولن يبدأ من مخلوق آخر كما يزعم أهل الأهواء الذين زعموا أن القرآن إنما عبر بموجبه عن مراد الله، أو أن الله خلقه خلقاً في مكان ما وعلى هيئة ما ثم تحول هذا الخلق إلى حروف ومعانٍ، أو أن الله خلق حروفه ومعانيه وتشكل منها القرآن.. كل هذه من الأقوال الباطلة والمقالات التي تفسد العقيدة وفيها مصادمة لمعاني النصوص.

    وقوله: (وإليه يعود) فقد ثبت في الآثار الصحيحة أنه حينما تنتهي الدنيا ويقبض الله المؤمنين ولا يبقى في الدنيا إلا شرار الخلق، لا يبقى من يقول: الله الله، ولا يبقى من يعمل بالقرآن، فعند ذلك يرفعه الله إليه.

    وقوله: (وهو معجز دال على صدق من جاء به إلى يوم القيامة) القرآن معجز، ولا يستطيع لبشر أن يأتوا بمثله، لا بآية ولا بأكثر من آية، ولا يزال التحدي قائماً، ولن يزال إلى قيام الساعة على وجه قطعي، ورغم محاولات مشركي العرب الأوائل الذين يملكون زمام اللغة العربية، ومحاولاتهم الجادة في أن يحاط القرآن، فإنهم ومع ذلك لم يستطيعوا بأفرادهم ولا بمجموعاتهم، فضلاً عمن جاء بعدهم، فإنه لا يمكن لأحد أن يأتي بمثله.

    وأيضاً: إعجازه يتمثل في أمور كثيرة: في إخباره بالغيب.. في إحكام ما جاء به من الأحكام من الأوامر والنواهي.. في قصصه.. في نظمه ومعانيه.. في سبكه وفي جميع ما يصدر عن هذا القرآن من معانٍ وأحكام وأخبار وغير ذلك، فإنه معجز من جميع الوجوه.

    وهذا الإعجاز -وهو كونه لا يمكن أن يأتي أحد بمثله- كان دلالة من دلالات نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يزال القرآن إلى يومنا هذا من دلالات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله من جميع الوجوه، ودليل على صدق كل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم حتى مما جاء به من أقواله وأفعاله وتقريراته وأخباره صلى الله عليه وسلم التي ليست من القرآن، بأن القرآن صدّقه.

    وقوله: (ومحفوظ إلى يوم القيامة) لأن الله عز وجل تكفّل بحفظه من التحريف والزيادة والنقص والتبديل، ومن أن يُرفع إلى قيام الساعة، أي: إلى أن لا يعمل به وتنتهي الدنيا، ولا يكون لبقائه فائدة، ومن هنا يرفعه الله عز وجل حينما لا يبقى مؤمن، فهو محفوظ إلى قيام الساعة.

    حقيقة الكلام بحرف وصوت

    قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ ثانياً: الله تعالى يتكلم بما شاء، متى شاء، كيف شاء، وكلامه تعالى حقيقة بحرف وصوت، والكيفية لا نعلمها، ولا نخوض فيها ].

    الشرح: كلام الله عز وجل متعلق بمشيئته، فمتى شاء تكلم سبحانه على ما يليق بجلاله.

    وأيضاً: كيفية كلامه لا نعلمها، وكلامه تعالى حقيقة ليس مجازاً ولا تمثيلاً ولا غير ذلك مما يتوهمه متوهم أو يتخيله متخيل، فهو حقيقة لا كالحقائق المعلومة عند الناس، وبعض الناس يظن أن معنى حقيقة أنه كالحقائق التي نعلمها وهذا غلط، لأن حقيقته أعظم من الحقائق التي ندركها بمداركنا وبحواسنا، فمن هنا فأفعال الله لا يمكن أن تدرك بالحواس، و(حقيقتها) بمعنى أنها حق على ما يليق بجلال الله سبحانه، ولا يعني بالحقيقة المعدومة التي ترد إلى الناس من خلال تجاربهم المادية أو وسائل العلم الحديث، أو المدارك والحواس التي هي في متناول البشر.

    فحقائق صفات الله فوق متناول البشر، بل هي حقائق لائقة بالله سبحانه وتعالى.

    وقوله: (والكيفية لا نعلمها ولا نخوض فيها) أي: أنه من الإثم أن نتكلم عنها بأكثر مما ورد في الكتاب والسنة، فلا يقال: كيف؟ ولا يقال: لماذا؟ ولا تفترض الأسئلة والإجابة عليها بمجرد افتراضات، ولذلك كان السلف قبل أن تنشأ البدع والأهواء والكلام لا يتصورون أن مسلماً يسأل عن مثل هذه الأمور مجرد سؤال؛ لأن الأمة كانت على الفطرة، وكان الناس يتهيبون الكلام في الله عز وجل بأكثر مما ورد في الكتاب والسنة، ولذلك حينما سئل الإمام مالك عن كيفية بعض صفات الله عز وجل أُصيب بشيء من القشعريرة من تعظيمه لله سبحانه وتعالى، وأصيب بالذهول من هذا السؤال المفاجئ الذي لا يليق بالله، وعلته الرحضاء، وكاد أن يغشى عليه من هول السؤال، كيف يجرؤ المسلم أن يسأل عن كيفية الصفة لله عز وجل.

    وحينما يسأل أحد عن الله عز وجل كيف استوى؟ هذا أمر عظيم، لأن هذا أمر غيبي، كيف تسأل عن كيفية الاستواء وأنت تدري وتجزم أن الكيفية لا يعقلها أحد؟

    إذاً: السؤال هو تطاول على حق الله وسوء أدب وطمع في إدراك ما لا يُدرك من أمر الغيب، ومثله السؤال عن كيفية كلام الله، ولذلك حينما سئل الإمام مالك استعظم الأمر واقشعر جلده من تعظيم الله عز وجل وعلته الرحضاء، فلما أفاق قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعاً ثم أمر به وأخرج؛ لأنه فتح باب فتنة على المسلمين كسؤال الأمر الغيبي فيما يتعلق بالله عز وجل وبصفات الغيب.

    ومن هنا فإن مجرد إنشاء السؤال: كيف يتكلم الله؟ هذا بدعة وسوء أدب مع الله، كيف تكلم بالقرآن؟ كذلك بدعة وسوء أدب مع الله عز وجل..

    فيجب على المسلم أن يكف عن السؤال في الغيبيات وعما لا يدخل في ظواهر النصوص وقواعدها المقررة عند السلف.

    القول بأن كلام الله معنى نفسي ضلال وزيغ

    قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ ثالثاً: القول بأن كلام الله معنى نفسي، أو أن القرآن حكاية أو عبارة، أو مجاز أو فيض وما أشبهها ضلال وزيغ، وقد يكون كفراً، والقول بأن القرآن مخلوق كفر ].

    الشرح: يعني بذلك ما قالته بعض الفرق التي خرجت عن نهج السنة والقرآن ونهج الصحابة والتابعين وسلف الأمة في تقرير مسلّمات الدين وثوابته، وفي تقرير الحق فيما يتعلق بكلام الله عز وجل أو صفة من صفاته عموماً، وبالقرآن على وجه الخصوص؛ لأنه عندما ظهرت هذه الأهواء والفرق كان منشأها الجرأة على تقرير الدين بمجرد الرأي، والجرأة على إدخال مسالك الفلاسفة التي تنبني على الأوهام والتخرصات في أمور الغيبيات وإدخالها على المسلمين، فنشأت مذاهب تتكلم في أمور فوق مدارك البشر، منها: التعبير عن كلام الله عز وجل، فمنهم من قال: إن كلام الله معنى نفسي، وهذه بدعة، فإن كلام الله حقيقة، وهم أرادوا بقولهم: إنه معنى نفسي أن يهربوا من أن يكون الله عز وجل تكلم حقيقة كما يليق بجلاله، فقالوا: إن كلام الله إنما هو معانٍ نفسية فهمها جبريل أو غيره من الملائكة، أو أن الله عز وجل حوّلها بطريقة أخرى فتمثلت في حروف وأصوات لم يتكلم بها الله، بمعنى أنهم يزعمون أن القرآن والكلام معان، والله عز وجل لم يتكلم بها إنما تكلم بها غيره تعبيراً عن مراد الله.. وهذا كله خروج عن إثبات الصفة لله سبحانه، وذلك مثل القول بأن القرآن حكاية أو عبارة عن كلام الله، وهذا هروب أيضاً من إثبات كلام الله، وكأنهم زعموا أن القرآن ترجمة وحكاية عن كلام الله، وهذا فيه استنقاص لله عز وجل، وفيه أيضاً استهانة بالقرآن.

    وقوله: (حكاية أو عبارة أو مجاز أو فيض) الفيض معنى فلسفي يقصد أصحابه به أنها معانٍ فاضت على عقول معينة، وهذه العقول تحولت منها المعاني إلى أن ترجمها المتكلمون ممن تكلموا سواء كانوا من الملائكة أو البشر، أو أنها خلقت أصواتاً، أو أن أصحاب العقول عبروا بها عن كلام الله بكلام البشر إلى آخره.

    فكلها فلسفات تبعد المسلم عن اليقين، وعن حلاوة الإيمان وتوقعه في الإثم والبدعة، وكل ذلك ضلال وزيغ.

    ومن النتائج السلبية لمثل هذه المقالات لو أن مسلماً لا قدّر الله دخلت عليه هذه الشبهة، وتصور أن الله عز وجل لم يتكلم بالقرآن، وأن الذي تكلم به غيره، فهل يبقى للقرآن قداسة؛ لأن هذا الغير الذي تكلم بالقرآن هو مخلوق حتى وإن كان جبريل كما يقول بعضهم، فإذا استشعر المسلم أن الذي تكلم بالقرآن هو جبريل لم يكن للقرآن قداسة وعصمة؛ لأن جبريل مخلوق، ولذلك فإن هذه الفرق التي أخذت هذه البدع والضلالات استهانت بالقرآن، وجرأت على تأويله على غير التأويل الشرعي، وجرأت على القول بأن القرآن مجازات وأنه معانٍ غير مقصودة، وأنه إشارات وجرأت أهل التأويل من الباطنية على القرآن؛ لأنهم لا يعتقدون أنه كلام الله، فمن هنا يفقد العصمة والقداسة والإجلال، ولا شك أن المسلم الذي يشعر أن القرآن الذي بين أيدينا المتلو هو كلام الله على ما يليق بجلاله، فإذا استشعر المسلم هذا المعنى عظّم القرآن وهاب أن يتجرأ عليه، لكن إذا استشعر أنه معانٍ عبّر عنه خلق من خلق الله فصارت قرآناً، فإن هذا ينقص من قيمة القرآن بالفطرة ومقتضى العقل السليم.

    دعوى الزيادة والنقص أو التحريف في القرآن

    قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ رابعاً: من أنكر شيئاً من القرآن أو ادعى فيه النقص أو الزيادة أو التحريف، فهو كافر ].

    الشرح: من أنكر شيئاً من القرآن سواء من حروفه أو ألفاظه أو آياته أو سوره، أو أنكر شيئاً من قطعيات القرآن، ولو أقر بألفاظه، فمن أنكر شيئاً من قطعيات القرآن فضلاً عن أن يدّعي فيه النقص أو الزيادة، وادعاء النقص قد يكون بنقص حرف أو كلمة أو عبارة أو آية أو سورة، وكذلك ادعاء الزيادة، قد يدعي أحد أن القرآن الذي بين أيدينا ليس هو القرآن كله، كما تدّعي بعض الفرق أن هناك مصحفاً عند بعض أئمة أهل البيت أو أن هناك سوراً وآيات، وقد رأينا في كتبهم التي ينشرونها خفية وبعضهم بدأ يعلنها بسور يزعمون أنها من القرآن وليست من القرآن الذي يتلى بين أيدينا، ولذلك فإن بعض عقلائهم استهولوا هذا الأمر وأنكروه.

    إذاً: القرآن كامل محفوظ بجميع معاني الحفظ، وما من أحد حاول التطاول على القرآن إلا والله عز وجل يحفظه ويمكر بكيد الكائدين فلا يستطيع أحد ولن يستطيع أن يجرؤ على القرآن، وما من محاولة في تاريخنا المعاصر أو قبله من الذين لهم تأويل في القرآن إلا وتبوء بالفشل في نهجها، ولذلك لا يوجد على الإطلاق بحمد الله مصحف بين المسلمين يشتمل على شيء من الزيادة والنقص.

    تفسير القرآن وتأويلاته

    قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ خامساً: القرآن يجب أن يفسر بما هو معلوم من منهج السلف، ولا يجوز تفسيره بالرأي المجرد، فإنه من القول على الله بغير علم، وتأويله بتأويلات الباطنية وأمثالها كفر ].

    الشرح: القرآن هدى وشفاء ومنهاج وشريعة، لأفرادها وأسرها ومجتمعاتها ودولها، بل للبشرية جمعاء، ولذلك فهو منهج اعتقادي عالمي، فيجب أن يحكم حياة الناس، ولا يحكم حياة الناس إلا بتفسير القرآن، لأن القرآن كلام الله عز وجل ويحتاج إلى أن تستنبط منه القواعد والأحكام التي يرجع إليها المسلمون في تطبيقاتهم وأعمالهم، بأفرادهم ومجموعاتهم، فمن هنا لا بد من تفسيره، وتفسيره يكون على النحو الآتي:

    أولاً: تفسير القرآن يخضع لمنهج الاستدلال، وهو أن القرآن يجب أن يُفسّر بالقواعد المتفق عليها عند أهل الحق بعيداً عما أحدثه أهل الباطل والزيغ، فإنهم قد يفسّرون القرآن على مناهج غير مناهج السلف الصالح ومناهج المؤمنين.

    ثانياً: تفسير القرآن بسنة النبي صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية والتقريرية، ثم تفسير القرآن بالتطبيقات في المجتمع المسلم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فإن أكثر القرآن طبّقه النبي صلى الله عليه وسلم بمفرده وبالجماعة التي كانت في عهده صلى الله عليه وسلم التي هي جماعة الصحابة، أما بمفرده فكما قالت عائشة : (كان خلق النبي صلى الله عليه وسلم القرآن) يتمثل القرآن في سلوكه وأعماله وفي علاقته بربه وفي علاقته بمن حوله، وفي علاقته بالخلق.

    فهذا تفسير قطعي للقرآن، ثم تفسير القرآن بفعل وتفسيرات الصحابة وبمفاهيمهم وتفسيراتهم وتطبيقاتهم، فإن هناك كثيراً من أحوال الأمة استجدت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في عهد الخلفاء الراشدين؛ لأن الأمة في عهد الخلفاء الراشدين عاشت ما يشبه الطفرة في نشر الإسلام، بعد أن زادت رقعة الإسلام، فزادت رقعة الأمة الإسلامية أضعافاً وزادت أعداد الأمم التي دخلت في الإسلام كماً وكيفاً وجغرافياً وأممياً بأضعاف ما كانت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا احتاج إلى معرفة تطبيقات للدين لا بد أن تؤخذ من مقتضى النصوص، فقد طبّق الصحابة في عهد الخلفاء الراشدين أكثر صور مناهج الدين.

    فمن هنا يكون فعلهم حجة وهو تفسير للقرآن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال حينما ذكر الاختلاف: (فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) .

    ثالثاً: تفسير القرآن بفهوم الصحابة على مقتضى اللغة؛ لأن الصحابة أصحاب لغة سليقة، فهم يفقهون العربية فقهاً فطرياً ذاتياً غير متكلف، ولم يكونوا يحتاجون إلى دراسة القواعد والنحو كما ندرسها الآن، بل كانوا عرباً بالسليقة، فكانوا يفسرون القرآن وتفسيرهم الآن عظيم وموجود، تفسيراً قولياً وفعلياً، وتفسير تطبيقات.

    رابعاً: تفسير القرآن بفهم السلف الصالح على مناهج الدين ومقتضى القواعد المعتبرة في التفسير.

    وقوله: (ولا يجوز تفسير القرآن بالرأي المجرد) بل الرأي السليم هو الذي يستخدم في استنباط المعاني من القرآن في الأمور الاجتهادية؛ لأن بعض الناس يظن أن السلف يحجرون على الرأي، بل السلف هم أفضل من يستخدم الرأي على وجهه، بل إنهم استخدموا أقصى ما يمكنهم من طاقة في الاستفادة من الرأي والعقل السليم على وجه شرعي سليم.

    فالقول بالرأي المذموم هو أن يقول الإنسان في تفسير القرآن برأي مجرد من غير مراعاة لقواعد التفسير ومن غير أهلية، كأن لا يكون عنده العلم الكافي والرسوخ، أما إذا توفر عند العالم الأهلية والرسوخ والقدرة فإن استخدام الرأي في استنباط الاجتهاديات هذا يسمى اجتهاداً، أما الرأي المذموم فهو الرأي المجرد من استعمال القواعد الصحيحة للاستدلال.

    الرأي المجرد هو الرأي الذي لا يكون سائغاً، ولا يكون على وجه شرعي صحيح، فهذا من القول على الله بغير علم، والله عز وجل ضم ذلك وجعله من الشرك، ونهى عنه في قوله سبحانه: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36].

    ومن الأمور التي وقعت فيها الفرق الضالة المنحرفة تجاه كلام الله عز وجل التكلّف في تأويلاته على غير منهج شرعي، حتى أن الغلاة منهم تجاوزوا المعاني اللغوية، كتأويلات الباطنية لكثير من ألفاظ القرآن وآياته، وتأويلات الباطنية هي قلب للمفاهيم كما جعلوا الإيمان كفراً والكفر إيماناً، وجعلوا الحق باطلاً والباطل حقاً، فهم نكسوا وقلبوا حتى المعاني العربية، ولنضرب أمثلة من التأويلات الباطنية الضالة:

    فمثلاً: تأولوا أركان الدين بأئمتهم، فزعموا أن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والصلاة، والصيام، والحج.. قالوا: هؤلاء الأئمة، أي: هم نفس الأركان، كأنهم يقولون: هي إشارة إلى أئمتنا، وهم أيضاً يعيشون في سراديب الظلام، ومن منهجهم أن يعيشوا تقية وأن يعيشوا مع الناس بالنفاق، فأولوا أركان الإيمان وأركان الإسلام بأئمتهم، بل فسّروا بعض صفات الله بأنها تعني الأئمة، مثل صفة اليد وصفة الوجه.. فقالوا: يد الله إمامهم، وأئمتهم يختلفون عليهم، وكذلك بعض ألفاظ القرآن مثل الرقيب العتيد الذي هو وصف لبعض الملائكة أيضاً وصفوا الأئمة بذلك، والجبت والطاغوت قالوا: هما أبو بكر وعمر ، كيف يكون أبو بكر وعمر أفضل البشر بعد النبيين هما الجبت والطاغوت؟! فلا لغة ولا عرفاً ولا شرعاً يوافقهم، بل ولا على أي اعتبار، لكن المسألة عندهم قلب للمفاهيم، ويفسرون قوله تعالى: فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ [الأنعام:98] بأنهم: الأئمة، وبسم الله الرحمن الرحيم، قالوا معناها: الأئمة السبعة.. وهذا أمر لا يمكن أن يرد في ذهن عاقل، بل قالوا في قوله: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ [الأنعام:38] هؤلاء دعاتهم، وقالوا: الصوم هو كتمان علم الباطن وليس الصوم الذي هو الكف عن الطعام والشراب والمنهيات والإمساك من كذا إلى كذا، ويقولون: الصوم هو كتمان علم الباطن، والحج: إتيان الإمام، وليس هو الإمام بمفهومنا الذي نعرفه إنما أئمتهم، فهؤلاء يعيشون ظلاماً في ظلام، في أفكارهم وفي واقعهم وحالهم، نسأل الله العافية.

    فتأويلات الباطنية زيغ وكفر وضلال.

    1.   

    قواعد في القدر

    قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ سادساً: القدر

    أولاً: من أركان الإيمان: الإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى، ويشمل:

    الإيمان بكل نصوص القدر ومراتبه: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق، وأنه تعالى لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه ].

    مراتب القدر

    القدر كثرت النزاعات والشبهات التي ترد على المسلم فيه، سواء كان شبهات ذاتية تنشأ من وساوس الشيطان، أو من التخييل أو من أحلام بعض الأمراض النفسية وغيرها؛ لأن الإنسان أكثر ما يتعرض في مسألة الغيبيات من وساوس القدر، سواء كانت شبهات ترد من الآخرين، أو مما يسمع أو مما يقرأ، أو شبهات تنشأ من نفسه أو من عبث الشيطان به.

    فلذلك سأركز على الممارسات الخاطئة تجاه القدر؛ خاصة فيما يتعلق بالأوهام والوساوس، فأولاً: ينبغي لكل مسلم أن يعتقد أن الله قدّر كل شيء، فكل شيء هو بتقدير الله الخير أو الشر، وبعض المسلمين يتساءل وهذا السؤال ينشأ عنه ضلالات وقعت فيها أمم كبرى في التاريخ كالمجوسية وطوائف من أهل الكتاب وغيرها من الأمم الضالة الكثيرة التي أخطأت في تصور معين، حيث زعموا أنه لا يُنسب تقدير الشر إلى الله عز وجل زعماً منهم أن هذا لا يليق، وما علموا أن هذا استنقاص لله عز وجل؛ لأنه ما دام الشر موجوداً فلا بد أن يكون له موجد، فإذا ما كان الله عز وجل أوجده ابتلاء وفتنة فيكون هناك خالق آخر مع الله، وهذا لا يقر به عاقل ولا صاحب فطرة سليمة ولا يمكن أن يرد في ذهن الإنسان.

    فالإيمان بالقدر يعني أن الله عز وجل قدّر كل شيء، وهو خالق كل شيء، لكن لماذا قدر الخير والشر؟ ولماذا لم يقدر الخير كله؟ هذا لحكمة بعضها ظاهر وبعضها غير ظاهر، أما الظاهر فيتبين بمثل قوله عز وجل: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:35] فهذا ابتلاء وامتحان؛ ليميز الله الخبيث من الطيب، ولذلك فإن الله عز وجل قرر هذا باستنهاض الفطرة واستنهاض العقل السليم في أسئلة ومقدمات عقلية مبسطة سهلة جداً تقرر عند الإنسان التمييز بين الحق والباطل، وتقرر عند الإنسان الحكمة من الله عز وجل في التمييز بين الشر والخير، وأن الله عز وجل أوجد هذا وهذا ليميز الخبيث من الطيب، مثل قوله عز وجل: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ [القلم:35]، وكقوله عز وجل: أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ [السجدة:18]، ثم إن الله عز وجل أعطى الإنسان بفطرته الفوارق بين الخير من حيث منشأه ومن حيث الوقوع فيه، ومن حيث نتيجته، وبين الشر من حيث منشأه والوقوع فيه ونتيجته، قد يجدها كل صاحب فطرة، وهذا عند كل إنسان حتى الذين لا يلتزمون الأديان نجد عندهم بقايا من ثوابت عقلية وفطرية يميزون فيها بين الخير والشر.. بين الرذيلة والفضيلة، ويدركون أن هناك حكمة من وجود هذا وذاك، فلو لم يوجد الشر لم يتميز الخير، ولو لم يوجد الباطل لم يتميز الحق والهدى وهكذا..

    إذاً: يرجع ذلك كله لحكمة القدر خيره وشره من الله عز وجل، وأن الله عز وجل مقدر كل شيء، وأنه ينبني على وجود الإيمان بجميع مراتب القدر الأربع، وبهذا تكتمل عند المسلم القناعة التامة واليقين التام إن شاء الله في أن الله بيده مقاليد كل شيء، وذلك راجع إلى المراتب الأربع التي هي: أن تؤمن وتجزم بأن الله عليم بكل شيء، فهو بكل شيء عليم سبحانه ما كان وما يكون وما سيكون لو كان كيف يكون، عليم بالدقيق والجليل لا تخفى عليه خافية سبحانه، عليم ليس بما في الصدور فقط، بل حتى بذات الصدور، وهي أعمق مما في الصدور، فهو لا يخفى عليه شيء أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14] وهذا أمر بدهي، ثم بعد ذلك أن الله كتب مقادير كل شيء: الخير والشر، ثم إن الله عز وجل شاء كل شيء وأراده، فكل شيء فهو بمشيئة الله وإرادته، ثم إن الله خالق كل شيء..

    هذه المراتب الأربع إذا استشعرها المسلم وغرسها في قلبه يسلم من كثير من قرائن الشبهات في القدر، ووساوس الشيطان.

    ثم إن من أساسيات القدر أن تعلم أنه عز وجل لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، أي: لا يتعقبه أحد، ولا أحد يقول: لماذا، وكيف؟

    أنواع الإرادة في القرآن والسنة

    قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ ثانياً: الإرادة والأمر الواردان في الكتاب والسنة نوعان:

    أ- إرادة كونية قدرية بمعنى المشيئة، وأمر كوني قدري.

    ب- إرادة شرعية لازمها المحبة، وأمر شرعي.

    وللمخلوق إرادة ومشيئة، ولكنها تابعة لإرادة الخالق ومشيئته ].

    الشرح: الإرادة والأمر قد يكون فيهما لبس عند بعض الناس، فما يريده الله هو ما يأمر به، أما الإرادة فهي في حق الله عز وجل نوعان: الإرادة الكونية الطبيعية أو الكونية القسرية التي لا مجال فيها لتدخل البشر أو قدرتهم، والإرادة العامة التي أراد الله عز وجل للأشياء أن تكون على ما قرر وقدّر له، وفق السنن التي لا تتبدل ولا تتغير، والإرادة الكونية العامة فيما يتعلق بربوبية الله عز وجل في وضعه لأسس الخلق، فالله خلق السماوات والأرض وخلق الناس وكل الخلق، فأنظمة الخلق وسنن الخلق خاضعة للإرادة الكونية التي لا تتبدل ولا تتغير إلا بما يشاء عز وجل.

    وهذه تتعلق بالمشيئة، وأن الله عز وجل إذا شاء شيئاً كان، وتنفيذه من قِبل الله يسمى أمراً كونياً، فالله عز وجل إذا أراد شيئاً الإرادة الكونية قال له: كن فيكون، فبعضه يكون بالأسباب، وأن الله عز وجل يقول للأسباب كن فتكون، فالأسباب تكون لها مسببات، ولذلك فإن من القواعد الضرورية أن نعتقد أن الأسباب ليست أزلية، ولا يمكن الدعوة في الأسباب، فالأسباب تنتهي، ومعنى أن الله عز وجل أوجد كثيراً من الأمور بالأسباب، فالله عز وجل جعل حياة الناس سببها الماء، والماء سببه المطر، والبحار، والبخار، والسحاب وهكذا.. لكن إلى نهاية، وهي إرادة الله الكونية القدرية ومشيئته الكونية العامة، فالإرادة الكونية وهي سنن الله الكونية وخلقه وقدرته ومشيئته التي تتعلق بالخلق تكويناً وبالخلق أبدية وتنظيماً، أي: تدبير الخلق، والسنن الكونية التدبيرية راجعة إلى إرادة الله الكونية بمعنى المشيئة والقدر الكوني.

    النوع الثاني: إرادة شرعية دينية بمعنى المحبة، فما يريده الله ويحبه ويرضاه لعباده فهذه تتعلق بالأعمال المشروعة، فالله يريد للعباد الخير ويريد لهم اليسر ولا يريد لهم العسر، فهذه تسمى إرادة شرعية متعلقة بأفعال العباد، ولا يلزم أن تكون إرادة الله الكونية؛ لأنه إذا أراد الله شيئاً كوناً لا بد أن يقع، لكن إذا أراد شرعاً فإنه علقها بأفعال البشر، والله أراد من هذا الإنسان أن يصلي لكن هذا الإنسان عورضت إرادة الله عز وجل بإرادته، إن صلى فقد تحقق مراد الله الذي هو محبته ورضاه، وإن لم يصل لم يتحقق ما أراد الله منه ويرضاه..

    إذاً: الإرادة الشرعية هي ما يحبه الله من الأعمال المشروعة، وترك ما يبغضه الله عز وجل من الأعمال غير المشروعة، كما يدخل فيها الأمر الشرعي، والأمر الشرعي مراد لله، فالله حينما أمر بالصلاة أو بالزكاة أو بصلة الرحم أو بحسن الخلق، فيعني ذلك أن الله عز وجل أراده شرعاً ورضيه وأحبه، لكن العباد قد يفعلون وقد لا يفعلون.

    فمن هنا فإن الإرادة الشرعية مرتبطة بأفعال العباد، أما الإرادة الكونية فلا دخل لأفعال العباد فيها، والله عز وجل جعل للمخلوقين المكلفين إرادة ومشيئة لكنها تابعة لإرادة الله ومشيئته، فلا يمكن أن يريد الناس ما لا يريده الله، ولا يمكن أن يشاءوا إلا وفق مشيئة الله، وهذه المسألة تتعلق بالتكليف، فالله كلّف العباد وأراد منهم شرعاً أن يفعلوا أشياء وأن ينتهوا عن أشياء.. وهذه الإرادة جعل عندهم فيها قدرة على الفعل والترك، وهذه القدرة هي التي تتعلق بها محاسبة العباد، فإن فعلوا ما أراده الله شرعاً فإن الله عز وجل يؤجرهم بذلك، وإن لم يفعلوا فإن الله عز وجل يعاقبهم على عدم الفعل بشروط وضوابط.

    الهداية والضلال بيد الله

    قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ ثالثاً: هداية العباد وإضلالهم بيد الله، فمنهم من هداه الله فضلاً، ومنهم من حقت عليه الضلالة عدلاً ].

    الشرح: أي: أن الله عز وجل يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وأن من هداه الله عز وجل فذلك بفضل الله ومنه وكرمه ليس لأحد على الله فضل، ولا يمكن أن يقول أحد: الله هداني بسبب أنني فعلت كذا أو أني على الخصال الفلانية، أو أني على المستوى الفلاني من الخلق! إنما الهداية توفيق من الله وفضل، لا يحصلها الإنسان بعمله ولا بمواهبه.

    وكذلك الإضلال عدل من الله؛ لأنه عز وجل: لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [آل عمران:182]، فهداية الله لمن هداهم من العباد راجع إلى علم الله أنه سيهتدي، وليست المسألة تحكماً ولا قسراً للعباد، فالله عز وجل لم يجبر العباد جبراً، إنما جبل أهل الخير على الخير.. فهذه هي الجبلة والفطرة.

    فالله عز وجل حينما أراد وقرر وشاء امتحان العباد علم بأن هؤلاء المهتدين سيسلكون طريق الهداية، فالله عز وجل حكم لهم بالهداية مسبقاً بعلم سابق أنهم سيفعلون ذلك، وحكم سبحانه على من قدّر له الضلالة في سابق علمه أن هؤلاء سيختارون طريق الضلالة، وذلك راجع لسابق علم الله، ولذلك فإن الله عز وجل ليس بظلّام للعبيد، بل جبلهم على الهدى وعلى الضلال، وكل يسلك الطريق الذي يسر له، بمعنى أنه بحسب ما اختار هو بنفسه، ولذلك فالإنسان الذي يفقد سبب التكليف بأي سبب من الأسباب المشروعة فإن الله عز وجل لا يكلفه ولا يحاسبه.

    المسألة الأخرى فيما يتعلق بالهداية، وأنها توفيق من الله عز وجل، وأنها لا تكون بسبب من الإنسان مباشر، مع أن الإنسان إذا عمل خيراً فإن الله بمقتضى وعده يعده بالخير، لكن لا يظن ذلك أنه راجع إلى عمله بذاته بل بتوفيق الله وحده.

    فمثلاً: الإنسان إذا هداه الله عز وجل ووفقه ثم عمل بمقتضى أمر الله عز وجل على أكمل وجه طول عمره، فهل يكافئ عمله هذا نعمة واحدة من نعم الله عليه؟ لا يكافئ، ومن هذه النعم التوفيق نفسه، وكون الله عز وجل وفقك لتعبد الله على أكمل وجه فهذا من النعم التي لا تكافئها أنت، فالتوفيق إلى الخير نعمة لولا الله ما اهتدينا لها، فالأمر من الله وإليه سبحانه، فنحن نتقلب بين فضله ومنته وعدله ورحمته، نسأل الله أن يرحمنا جميعاً.

    أفعال العباد من مخلوقات الله وهم فاعلون لها حقيقة

    قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ رابعاً: العباد وأفعالهم من مخلوقات الله تعالى الذي لا خالق سواه، فالله خالق لأفعال العباد، وهم فاعلون لها على الحقيقة ].

    الشرح: هذه المسائل قد تشكل أحياناً، فالعباد المكلفون الذين أعطاهم الله عز وجل القدرة على الفعل هم مخلوقون لله وأفعالهم من خلق الله، والله عز وجل خالق كل شيء وبما في ذلك أفعال العباد، وهذا أمر بدهي، وكل المسلمين يقولون هذا بداهة، وندرك بالفطرة أن الله خالق كل شيء، ولكن يقال هذا؛ لأنها وجدت في الأمم السابقة مذاهب وديانات باطلة تزعم أن أفعال الإنسان من خلق الإنسان، أو أن أفعال الإنسان ليست من تقدير الله ولا من خلقه، فمن هنا نشأ هذا الأصل بناء على مقتضى الكتاب والسنة؛ لتحصين أجيال الأمة وتحصين قلوب المسلمين من غوائل هذه البدع والأفكار الضالة التي تزعم أن الله لم يقدّر الشر ولم يخلقه، وأن من أفعال العباد ما لم يقدرها الله ولم يخلقها، فنقول: الله خالق كل شيء، لا خالق سواه، فالعباد هم مخلوقون لله وأفعالهم من خلق الله، وأيضاً فما يفعلونه هم فهو بإرادتهم التي خلقها الله لهم وهم فاعلون لها على الحقيقة، لأن الحد الذي بين القدر الاختياري والقسري معلوم، بمعنى أني أعلم أن هناك أفعالاً قسرية لا يد لي فيها، بل هي من ربوبية الله عز وجل، وأن الله يرعاني فيها.. كحركة الدم، والقلب، والمشاعر، والأحاسيس، فالحركة اللاإرادية أُدرك أنها أمر خارج عن إرادتي، لكن هناك أمور يعرفها العاقل أنها من مقدوراتك، وهذه الأمور التي هي من مقدوراتك هي التي تحاسب عليها، فمثلاً: أنت الآن إذا قدم لك طعام نافع ترى عليه أثر النفع، وآخر ضار ترى عليه أثر الضرر.. فأنت تدرك أنك تميل إلى هذا النافع، وتنفر من هذا الضار، ثم تتناول النافع لأنك تعرف أن هذا من مصلحتك، وتترك الضار لأنك تعلم أن هذا فساد وضرر عليك، ومن لم يفعل ذلك نعتقد أنه أخطأ في حق نفسه، فكذلك أمور الدين وأمور إرادة الفعل وفعل الخيرات أو إرادة ترك المنهيات مبنية على أن الإنسان يُدرك ويلاحظ أنه يفعل الخير حقيقة بإرادته التي أعطاه الله إياها، ويترك الشر كذلك أو يفعل محذوراً بإرادة يجد فيها أنه غير مرغم فيها..

    فمن هنا فإن أفعال الناس هي أفعالهم على الحقيقة، لكنها محكومة بخلق الله وتدبيره، ولا تخرج عن كونها من خلق الله، فالله عز وجل هو الذي خلق الخلق وخلق لهم القدرة والإرادة، وخلق لهم التمييز بين هذا وذاك، وأعطاهم القدرة التي تتعلق بمقدوراتهم فقط؛ فمن هنا يجب أن نعرف أن هناك حداً بين ما يقدر عليه العباد وبين ما لا يقدرون عليه، وأن ذلك كله من تقدير الله، فما لا يقدرون عليه لا يحاسبون عليه، وما يقدرون عليه فهو محك الحساب والسؤال.

    الآجال والأرزاق والأعمار مكتوبة على العباد

    قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ سادساً: الآجال مكتوبة، والأرزاق مقسومة، والسعادة والشقاوة مكتوبتان على الناس قبل خلقهم ].

    الشرح: أي: أن كل إنسان عندما يبلغ مائة وعشرين يوماً كما جاء في الأحاديث الصحيحة يكتب عليه ذلك، مع أن الروح ورد فيها أنها تأتي على مراحل، وبعض الناس إذا قرأ بعض الأحاديث وجد هناك أحاديث تدل على وجود الروح قبل المائة وعشرين يوماً، ووجد العلم الحديث يثبت نوعاً من الحياة قبل المائة والعشرين يوماً، لكن الحياة الحقيقية والروح الكاملة للإنسان عند بلوغ مائة وعشرين يوماً، وأثناء نفخ الروح يرسل الله عز وجل ملكاً ينفخ في كل إنسان روحه ويقدّر آجاله الأربعة الرئيسة التي هي: رزقه، وعمله، وأجله، وشقاوته أو سعادته.. وهذه المقررات اللازمة الحتمية، لكنها محجبة، فهل تدري أنت ماذا سترزق غداً؟ لا تدري ولا يدري أحد، قد يحتمل، وأحياناً يحول بينك وبين تقديرك للرزق الموت نفسه، فينقطع رزقك بموتك.

    إذاً: كل هذه الأمور الأربعة غيب خالص، وهي من القدر لله عز وجل، وهي آجال مكتوبة لكل إنسان، ثم إن الله عز وجل قد قدر السعادة والشقاوة وأنهما مكتوبتان على الناس قبل خلقهم بالحق والعدل، وأيضاً فإن الله عز وجل لم يساو بين الخلق؛ لأن المساواة ليست من مقتضى العدل؛ وهناك بعض الناس يظن أن المساواة هي مقتضى العدل، واليوم يرفع بعض الناس شعار المساواة، والمساواة ليست عدلاً، فالله عز وجل لا يساوي بين العامل والتارك، بين من يفعل الخير ومن يفعل الشر أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ [القلم:35] أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ [السجدة:18] حتى في الرزق، هل يستوي من يبذل ويكدح بمن هو خامل ونائم؟ هل يستوي من يستحق الأجر ومن لا يستحقه؟

    إذاً: المساواة ليست قاعدة في الشرع إلا بين المتساويات، فالمساواة بين المتساويات قدر شرعي وعدل، لكن المساواة بين غير المتساويات.. سواء بين الذكر والأنثى، أو بين العامل وغير العامل، أو بين النشط والكسلان، بين هذا وذاك هذه المساواة ليست من مطلوب العدل، وقدر الله قام على العدل.

    الاحتجاج بالقدر على المصائب والآلام

    قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ سابعاً: الاحتجاج بالقدر يكون على المصائب والآلام، ولا يجوز الاحتجاج به على المعايب والآثام، بل تجب التوبة منها، ويلام فاعلها ].

    الشرح: هذه المسألة قد تخفى على بعض الناس، أي: أنه لا يجوز للمسلم إذا فعل منكراً أن يقول: الله قدّر علي؛ لأنه فعل المنكر وقد نهاه الله عنه، وأقدره الله على تركه، فالإنسان إذا فعل منكراً أو فسقاً أو فجوراً فإنه لا يجوز أن يحتج بالقدر ويقول: قدر الله عليّ، وقد جاء عن أحد الصحابة أنه حينما جاءه السارق وقال: سرقت بقدر الله، قال له عمر : (ونحن نقطع يدك بقدر الله) معناه: أنه لا يجب أن يحتج بالقدر، إنما تحتج بالقدر حينما لا يكون لك طاقة به، فمثلاً: لو حدث حادث لا قدر الله رغم إرادتك ولم تتسبب فيه، فمن هنا تقول: قدر الله وما شاء فعل.

    إذاً: الاحتجاج بالقدر يكون على المصائب والآلام لأنها قسرية، فالأمور التي تحدث لك بدون أن تتسبب فيها يجوز عندها أن تقول: قدر الله وما شاء فعل، ولكن المعايب والآثام وسوء الأخلاق والإساءة إلى الخلق، والإساءة في حق الله عز وجل وارتكاب المعاصي والآثام، لا تقل: قدّر الله عليّ؛ لأن الله عز وجل أعطاك القدرة على الترك وشرع لك أن تتجنب الباطل وتعمل بالحق.

    نسأل الله للجميع التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    عقيدة الجبرية في القدر

    السؤال: ألاحظ أن معتقدنا أهل السنة في القدر يلتقي في النهاية مع العقيدة الجبرية، فأنا لا ألحظ فرقاً كبيراً مع الجبرية، وأرى أن المهم في قضية القدر أن الإنسان لا يستطيع أن يحتج بالقدر على المعاصي؛ لأنه ليس عنده علم مسبق لما قدره الله عليه؟

    الجواب: هذه من المعادلة الصعبة، وربما يكون الأخ لم يفهم معنى الجبرية، وإلا فالأولى أن يبتعد عن البحوث التي ليس لها اهتمام، ولأن هذه من المعضلات، والأصل أن المسلم لا يتعرض لها إلا للضرورة، فأرجو ألا يكون له ضرورة، فلذلك أقول: لا يمكن أن يلتقي منهج أهل السنة والجماعة مع الجبرية؛ لأن الجبرية يرون أن الإنسان لا إرادة له، وليس مجبولاً على القدرة في الخير ولا على القدرة في الشر، وأنه يسير بقوانين كالقدرية العامة، فالجبرية لا يلتقون مع أهل السنة إلا في جوانب جزئية لا تعتبر مما عليه الخلاف أصلاً، أما ما عليه الخلاف بيننا وبين الجبرية فلا يلتقي منهج الجبرية بمنهج السنة؛ لأن منهج السنة يعتمد على أن كل شيء بإرادة الله، لكن الله عز وجل وهب للإنسان إرادة خاصة جبله عليها، على مقتضى الفطرة، فقد جبل الله الإنسان على أن يميل إلى الخير ويفعله وأقدره عليه، وينفر من الشر ويفعله وأقدره عليه، وهذه الجبلة هي الفارق بيننا وبين الجبرية.

    كما أن الجبرية يرون أن الإنسان ما دام مجبوراً بزعمهم وأنه لا إرادة له ولا حرية فله أن يفعل ويترك، فبذلك يقولون: هو غير محاسب، فعلى هذا يرون الاستهانة بالشرع ما دام أن الإنسان مجبور.

    وهناك نوع من الجبر ويسمى الكسب عند بعض الأشاعرة، وهذا أمره أيسر وليس هو المقصود بالجبرية المطلقة.

    معنى قول: القرآن عبارة عن كلام الله

    السؤال: قول بعض الطوائف حينما يقولون: إن القرآن هو عبارة عن كلام الله عز وجل، ما المقصود بهذه العبارة؟

    الجواب: القرآن عبارة، يقصدون به أنه تعبير مثل ما نسميه ترجمة عن كلام الله وليس كلام الله حقيقة، كأنهم يقصدون أن هناك من خلق الله من عبّر عن كلام الله، ولهذا فهم يختلفون اختلافاً كثيراً، من هو الذي عبّر عن كلام الله؟ هل هو الرسول صلى الله عليه وسلم، أم هو جبريل؟ هذا معناه، فهم حادوا أن يثبتوا أن القرآن كلام الله على ما يليق بجلال الله حقيقة، ولجئوا إلى القول بأن القرآن إنما هو تعبير عما يريده الله عز وجل من مراداته الكلامية.

    معنى: القرآن كلام الله منه بدأ

    السؤال: هل قولنا: القرآن كلام الله منه بدأ بمعنى ظهر وليس من الابتداء،؟

    الجواب: بدأ بمعنى تكلم به سبحانه، أما البدء فليس مقصوداً، وقد يكون من الظهور من المستلزمات لا من المعاني المباشرة، فقوله: (منه بدأ) بمعنى أن الله تكلم به ابتداء لا بمعنى الظهور، وهذا ظاهر من النص ومن مفهوم كلام السلف في شروحاتهم.

    تعارض القضاء مع الدعاء

    السؤال: ذكرت أن الله تعالى لا راد لقضائه، فهل يتعارض هذا مع حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: (لا يرد القضاء إلا الدعاء)

    الجواب: لا يتعارضان، ولا أحد من الخلق يستطيع رد القضاء، أما أن يرد الله عز وجل وأن يحكم الله عز وجل بأن يكون الدعاء سبباً لرد القضاء فهذا حكم الله وقضاؤه، والإشكال قد يرد في نصوص كثيرة أيضاً في مثل هذا؛ لأنه ينطبق على كثير من الحالات في مثل هذا الأمر، فالله عز وجل لا راد لقضائه، فحينما يرد الدعاء القضاء؛ فالقضاء هو قضاء الله وقدره، ومن هنا فليس من الخلق من يستطيع رد القضاء، فيبقى النص محكماً.

    ضابط من يهجر القرآن

    السؤال: بالنسبة لتلاوة القرآن، كأن يقرأ مثلاً وجهين أو أربعة أوجه في اليوم فهل تكفي لعدم الدخول ضمن من هجر القرآن الكريم؟

    الجواب: يقول الله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] وإن كان هذا حداً قليلاً جداً، لكن في تقديري أنه إذا واظب المسلم على وجه أو وجهين يومياً مع ما تتلوه في الصلوات وما يرد من آيات الله من القرآن في الأوراد، فهو إن شاء الله حد أدنى نرجو ممن يفعله أن لا يكون هاجراً للقرآن.

    ضابط الذبح المحرم

    السؤال: إذا كان الرجل يستضيف كبار البلد ووجهائهم ويذبح لهم، فهل يجوز الذبح هنا أم يكون هذا من الذبح لغير الله؟

    الجواب: الذبح للضيوف من سنن الهدى، وهي سنة أبينا إبراهيم عليه السلام، ونبينا صلى الله عليه وسلم هو أكرم الخلق، وكان يذبح الذبائح عند أصحابه وعند من يضيفوه، وسلف الأمة يعتبرون الضيافة من الكرم الممدوح شرعاً إذا لم يصل إلى حد الإسراف.

    فالمقصود بالذبح الممنوع شرعاً هو أن يذبح بغير اسم الله، أو يتقرب به لغير الله من حيث التعبّد لا من حيث الإكرام والتقديم للضيف، فالذبيحة التي تقدم للضيف تُذبح باسم الله تقرباً إلى الله؛ لأن إكرام الضيف مما يحبه الله، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)، فالممنوع في الذبح هو:

    أولاً: أن يذبح الذابح بغير اسم الله لا قدر الله.

    ثانياً: أن يعتقد أن هذا الذبح يتقرب به لغير الله، سواء أكلها هو أو غيره.

    والمشروع هو الذبح للضيف وتكريم للضيف، هذا مشروع بل هو من الأمور المأمور بها.

    الإنسان مسير أو مخير

    السؤال: ما معنى كون الإنسان مسيّراً ومخيّراً؟

    الجواب: هذه فلسفة، فالإنسان لا يقال: إنه مسيّر مطلقاً ولا مخيّر مطلقاً، بل هو مجبول ومحكوم بقضاء الله وقدره، فالقول بأنه مسيّر كأنه مجبور على الأفعال دون إرادته، والقول بأنه مخيّر كأن عنده إرادة مطلقة لا تتعلق بإرادة الله وخلقه، وكأن الله لا شأن له بفعل العبد.. وهذا كله خطأ، فالإنسان مسيّر في غير الأمور الإرادية فهو مسيّر فيها، كيف يرزق ومتى يموت وحياته اللاإرادية في حركة قلبه أو حركة دمه كل هذه مسيّر فيها، والأقدار الأربعة التي تكتب عند ولادته هذه مسيّر فيها، بمعنى أن الله عز وجل قدّر عليه أموراً أراحه منها، فالتسيير لا يعني الإهانة للإنسان، بل حفظ الله للإنسان بأن سيّر أموره لا إرادية تحت أمور كونية الله عز وجل يحفظه بها، ومخيّر من وجه آخر في أن يفعل أو يترك، لكن هذا التخيير مربوط بخلق الله وإرادته.

    فالإنسان مسيّر من وجه ومخيّر من وجه آخر، ولا يقال: مسيّر فقط ولا مخيّر فقط، إذاً: هو مجبول ومفطور.

    مقولة: اللهم إني لا أسألك رد القضاء..

    السؤال: يقول بعضهم: اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه، أرجو التعليق على ذلك؟

    الجواب: هذا الدعاء فيه نظر؛ لأنه لا يجوز الاستثناء في الدعاء، فالإنسان يعزم في الدعاء كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم، ولماذا لا يسأل الله رد القضاء وقد وعد الله عز وجل برد القضاء كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح: (أن الدعاء والقضاء يلتقيان بين السماء والأرض فيعتلجان)، وفي رواية: (فيصطرعان فيغلب الدعاء القضاء) فلا داع أن نقول: لا أسألك رد القضاء، بل ينبغي أن يكون الدعاء متوافقاً مع أصول الشرع.

    مقولة: أمر الله بين الكاف والنون

    السؤال: ما الحكم بقول القائل: يا من أمره بين الكاف والنون؟

    الجواب: لا حرج، فكل شيء من أمر الله هو بين الكاف والنون إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82]، والذي يظهر لي أنه لا حرج في ذلك.

    حقيقة كلام الله في الكتب السماوية

    السؤال: هل الكتب السماوية الأخرى غير القرآن هي كلام الله على الحقيقة؟

    الجواب: الله عز وجل أنزل التوراة بالألواح على موسى عليه السلام، لكن هل هي كالقرآن تماماً؟ هذا ليس عندنا دليل قاطع على أنه كالقرآن تماماً، بل نعرف أن الله عز وجل كلّم موسى تكليماً، وأن التوراة والإنجيل من كلام الله عز وجل في الجملة، لكن هل يحكمها التفصيل الذي في القرآن؟ المسألة خلافية، ونحن في غنى عن هذا.

    حفظ الكتب السماوية السابقة

    السؤال: لماذا لم يتكفل الله بحفظ الكتب السماوية السابقة؟

    الجواب: هذا من الابتلاء الذي يكون على الأمم، ولأن الديانة الأخيرة التي هي ديانة النبي صلى الله عليه وسلم؛ هي الباقية إلى قيام الساعة، فتكفل الله بحفظ مصادرها؛ لأنها لو حرفت فقد انقطعت حجة الله على الخلق بانتهاء الوحي وانقطاعه وصولاً بالرسول صلى الله عليه وسلم، فمن هنا تكفّل الله بحفظ القرآن في صدور هذه الأمة، لأنه انتهى الوحي وانقطع، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم هو خاتم النبيين، ولأن الله تكفل بهذا الحفظ.

    أما الديانات الأخرى فقد حرفت وحرفت كتبها بسبب تفريطهم، ولأن الله عز وجل لم يتكفل لهم بذلك، وهو من الابتلاء الذي كتبه الله على الأمم، وميز الله هذه الأمة بهذه الميزة وهو حفظ كتابها.

    حكم تقبيل المصحف وربط الأحداث المعاصرة بالقرآن

    السؤال: هل تقبيل القرآن يعتبر من الأعمال المشروعة؟ وهل ربط الأحداث المعاصرة والاكتشافات بالتفسير هو من القرآن؟

    الجواب: تقبيل القرآن إذا كان لمقتضى فإنه من إكرامه، وأن الإنسان كما يقبّل أي شيء غالٍ عليه كتقبيله لابنه أو أخيه أو تقبيله للمسافر.. فكذلك تقبيل القرآن عند المقتضى، بمعنى أنه لا يتخذ هذا تعبداً وسنة يفعلها دائماً، بحيث يظن أنه إذا لم يقبّل فقد ترك سنة، لكن إذا سقط من يدك أو نحو ذلك فأرى والله أعلم أنه لا حرج من تقبيله، استشعاراً لتعظيم القرآن الذي هو كلام الله.

    وأما ربط الأحداث وهو ما يسمى بالإعجاز العلمي أو غير ذلك، بحدود ضوابط تفسير القرآن فلا حرج فيه، لكن المبالغة فيه فيما يخرجه عن حدود تفسير القرآن فهذا فيه نوع من العدوان ونوع من إبقاء الأمة في حرج، فلا بد من الضوابط الشرعية، وما يستقيم مع تفسير القرآن وقواعد التفسير من إظهار الإعجاز العلمي في القرآن أو إظهار الآيات والشواهد في القرآن على حوادث الزمان، وهذا يكون بالقدر الشرعي السائر على نهج الاستدلال.

    لكنَّ كثيراً من المختصين بهذه الأمور بالغوا إلى حد أن حمّلوا القرآن أموراً لا تزال ظنية لم تكن على وجه القطع، فهذا فيه خطأ وربما يحمّل القرآن أشياء ليست منه.