إسلام ويب

مجمل أصول أهل السنة - توحيد العبادةللشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الله تعالى واحد أحد لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وهو المستحق وحده لجميع أنواع العبادة، وصرف شيء من العبادة لغير الله تعالى شرك، سواء كان ملكاً مقرباً أو نبيناً أو ولياً صالحاً.

    1.   

    قواعد في باب التوحيد الإرادي الطلبي

    بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وآله، ورضي الله عن صحابته والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

    قال المؤلف حفظه الله تعالى:

    (ثالثاً: التوحيد الإرادي الطلبي (توحيد الألوهية):

    أولاً: الله تعالى واحد أحد، لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وهو رب العالمين المستحق وحده لجميع أنواع العبادة).

    أولاً: التوحيد الطلبي هو توحيد العبادة، ويسمى التوحيد الإرادي؛ لأنه يكون بإرادة العباد، وكذلك الله أراده من العباد وطلبه منهم.

    وكذلك يسمى التوحيد الطلبي؛ لأن توحيد العبادة هو التوجه والطلب إلى الله عز وجل بالعبادات من قبل العباد، ولأن الله عز وجل أيضاً طالب العباد به.

    ويسمى توحيد الألوهية؛ لأنه مبني على التعبد والتأله، وهو المحبة والانجذاب إلى الله عز وجل، والانطراح إليه سبحانه، والخضوع له، والتوجه إليه بأنواع العبادة القلبية واللسانية وعبادة الجوارح، فمن هنا سمي: توحيد الإلهية أو الألوهية، وليس بينهما فرق.

    إذاً: هذا النوع من التوحيد هو أفعال العباد التي يتوجهون بها إلى الله، وتبدأ بتوجه القلوب إلى الله عز وجل بمحبة الله ورجائه وخوفه، وما ينتج عن ذلك من التقوى ومن سائر أنواع العبادات التي تبدأ بالدعاء، وتنتهي بجميع أعمال وحركات الإنسان التعبدية.

    قاعدة تفرد الرب بالربوبية والألوهية والأسماء والصفات

    القاعدة الأولى: هو أن الله عز وجل كما هو مقرر في العقول المستقيمة والفطر السليمة واحد في ذاته وأسمائه وصفاته، متفرد سبحانه بالكمال والعظمة والجلال والجمال، متفرد بجميع الأسماء والصفات التي لا يمكن أن يشركه فيها أحد، فهو واحد بذاته، وواحد بأسمائه، وواحد بأفعاله، وواحد بصفاته، لا يشركه أحد.

    وعلى هذا فهو سبحانه وحده الرب الذي له الربوبية المطلقة، فهو الفعال لما يريد، وكل شيء بيده سبحانه بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ [المؤمنون:88] وبيده مقادير كل شيء سبحانه.

    فهو الرب وحده، وهو المستحق لكل معاني الربوبية، ولا يستحق أحد معه أي معنى من هذه المعاني.

    وإذا كان كذلك فلا يمكن أن يستحق أحد العبادة سوى الله عز وجل؛ لأنه الكامل وحده، وهو الذي بيده مقاليد كل شيء، ليس بأيدي العباد أي شيء مما يستقلون به.

    فهو كما أنه سبحانه لا شريك له في أسمائه وصفاته وأفعاله وذاته، كذلك لا شريك له في ربوبيته، فهو الرب المتصرف المالك، وهو أيضاً المستحق وحده لجميع أنواع العبادة؛ فهو رب العالمين، وهو معبودهم كذلك، فلا يستحق العبادة إلا الله وحده.

    صرف شيء من العبادات لغير الله

    قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ ثانياً: صرف شيء من أنواع العبادة: كالدعاء، والاستغاثة، والاستعانة، والنذر، والذبح، والتوكل، والخوف، والرجاء، والحب، ونحوها لغير الله تعالى شرك، أياً كان المقصود بذلك: ملكاً مقرباً، أو نبياً مرسلاً، أو عبداً صالحاً، أو غيرهم.. ].

    الشرح: إذا قلنا: إن الله عز وجل هو واحد أحد في أسمائه وصفاته وأفعاله، وهو المستحق وحده للعبادة؛ فإذاً لا يعبد إلا الله، ثم لا يجوز صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله تعالى، وأنواع العبادة كثيرة، لكن أبرزها: الدعاء، ثم الصلاة والسجود وغير ذلك من الأنواع الظاهرة البينة؛ لأن العبادة أول ما تنشأ من القلب، والعبادة القلبية خفية، ولا نعلم ما بين العبد وبين ربه عز وجل، فتبقى العبادة الظاهرة التي تبدو على الأركان. وعلى أفعال الإنسان في سجوده وركوعه وتوجهه وقبلته وغير ذلك من الحركات التعبدية أو على أقواله، مثل: الدعاء والاستعانة والاستغاثة، أو على أفعال أخرى قد تدخل في هذا وذاك، فالذبح أمر مزدوج، فقد يذبح زاعماً أنه يذبح لله لكنه ينطق بالتسمية لغير الله، وقد يصرف العبادة اللسانية لغير الله، ولا شك أن هذا ناتج عن العبادة القلبية.

    إذاً: التوجه إلى غير الله عز وجل بأي نوع من أنواع العبادة شرك، ولا يمكن أن يخفى على عاقل أنها من الأمور البينة التي يمارسها العباد بأفرادهم، فليست من الأمور الخفية، وأنواع العبادة قد يكون منها ما هو خفي يختلط فيه الأمر الغريزي بالتعبدي، فمثلاً: الصلاة لا تجوز لغير الله وهذا أمر بيِّن، والركوع والسجود -وهو جزء من الصلاة- أحياناً قد يفرد بعض الناس سجوداً لغير الله، ولو لم يكن صلاة كاملة، أو يفرد ركوعاً لغير الله، أو يتجه لغير القبلة، أو يطوف بغير الكعبة؛ وكل هذه عبادات محضة، وكلما صرفت لغير الله فهي شرك محض، وهذا بالنسبة للفعل، أما الفاعل فإنه يحتاج إلى أن نجري عليه شروط وموانع التكفير، سواء حكمنا بشركه أو ببدعته أو بنحو ذلك.

    فأبرز أنواع العبادة: الدعاء والصلاة والسجود، ثم يدخل في ذلك الاستغاثة والاستعانة والذبح والتوكل والخوف والرجاء والحب، وهذه المعاني يوجد منها ما هو طبيعي غريزي فيما بين الخلق في تعاملاتهم، فهذا ليس هو الممنوع، وأمور تنبني على التقديس؛ وهذه هي العبادة، بمعنى أن نقول: الاستعانة بالمخلوقين فيما يقدرون عليه أمر مشروع، كأن تقول لأخيك: ناولني القلم، فهذا نوع من الاستعانة، ولكنها استعانة جائزة ومشروعة ولا يماري فيها إلا جاهل، لكن إذا استعنت بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، كأن تأتي إلى ميت وتقول: أعني على كذا، أو تأتي إلى إنسان حي تريد منه أن يأتي لك بالخوارق التي لا يقدر عليها إلا الله، أو تريد منه أن ينزل لك المطر؛ فتكون بهذا استعنت به فيما لا يقدر عليه إلا الله، فمن هنا وقع الشرك.

    كذلك الاستغاثة والنذر، لكن النذر غالباً لا يكون إلا تعبدياً، ومع ذلك فإن بعض الناس قد يخلط بين النذر والقسم، وبين النذر والحقوق التي يلتزم بها للعباد، فالنذر بمعناه في الاصطلاح العام عند الناس غالباً يكون تعبدياً، فعلى هذا لا يجوز النذر لغير الله.

    أما الذبح فله صور أبرزها صورتان:

    الصورة الأولى: مجرد الذبح مع التسمية لله عز وجل لأكل اللحم أو لإكرام الضيف، لغير قصد التعبد، فهذا من الأمور المباحة.

    الصورة الثانية: أن تذبح تعبداً لغير الله.. وتقديساً لغير الله، فإذا ذبح الإنسان تعبداً لغير الله؛ فمن هنا يقع الشرك، وسواء سمى الله أو لم يسم.

    والكثير من المسلمين بحمد الله في عافية من هذه الأمور، ولا يتصورونها؛ وقد يسأل سائل: هل إذا ذهبت لأذبح عند الجزار أو في البيت، وذبحت دون أن أسمي الله ناسياً، وأحياناً أسمي الله لكن قصدي إكرام هذا الضيف؛ فهل يكون هذا من باب الشرك؟

    والجواب: أن هذا مشروع، لأن الذبح لإكرام الضيف سنة أبينا إبراهيم عليه السلام، وهو سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وسنة السلف الصالح، ومن العوائد الكريمة عند الأمم.

    لكن المقصود بالذبح الشركي: هو التقرب والتقديس.. ذبح العبادة، القربة التعبدية لغير الله بالذبح.

    كذلك التوكل هو مثل الاستعانة والاستغاثة، إذا كان يعتمد الإنسان على العباد فيما يقدرون عليه، فهذا أمر جائز، لكن الأولى ألا يسمى توكلاً؛ لأن التوكل هو كمال الاعتماد، ولذلك فإن الصحيح شرعاً أن التوكل لا يكون إلا على الله عز وجل، وأن الاستعانة والاستغاثة من صور التوكل، لكنها تختلف في أنها تتعلق بالطلب من العباد، أما التوكل فهو الاعتماد الكلي، والاعتماد الكلي لا يكون إلا على الله عز وجل، وهو الاعتماد المطلق.

    إذاً: التوكل إن قصد به معناه اللغوي فلا يجوز إلا على الله عز وجل، وإن قصد به الاستعانة والاستغاثة؛ فمنه ما هو ممنوع، ومنه ما هو مشروع.

    وكذلك الخوف والرجاء والحب هذه معان قلبية وعاطفية توجد عند الناس، فمنها ما هو مشروع لا علاقة له بالتعبد، وهو ما بين العباد في علاقاتهم كأن ترجو من إنسان أن ينفعك رجاءً فيما يقدر عليه هو، أو تخاف من إنسان يمكن أن يهددك فيما يقدر عليه هو، أو تخاف من حيوان أو من بعض مظاهر الكون خوفاً غريزياً طبيعياً فيما يحدث من هذه الأمور التي تخاف منها؛ فهذا لا عيب فيه، وهو مشروع إذا لم يتعد الحد المعقول.

    لكن الممنوع والذي يدخل في الشرك: هو حب التقديس، إذا أحببت أحداً من الخلق: نبياً كان أو ولياً أو صالحاً، أو جماداً أو أي مخلوق آخر.. إذا وصلت درجة المحبة إلى التقديس أو التعظيم الذي لا يجوز إلا لله؛ فهذا شرك.

    وكذلك الخوف من إنسان لا يقدر على أن يضر؛ كأن تخاف من الميت أو ترجوه، أو تخاف من مخلوق أن يضرك في أمر لا يقدر عليه إلا الله، أو الخوف الذي يصل إلى حد اعتقاد أن الغائب يمكن أن يضرك في أمر لا يضرك فيه، فإذا وصل الخوف إلى هذه الدرجة فقد يكون شركاً أو كبيرة بحسب درجته.

    إذاً: الخوف والرجاء والحب إذا وصل إلى حد التقديس أو إسناد شيء للمخلوقات فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ فهذا شرك، أما إذا كان دون ذلك فهو غريزي، وقد يكون فيه إثم أحياناً إذا زاد عن الحد المعقول ولم يصل إلى درجة التقديس، وقد يكون مشروعاً وهو الغالب، لأن المحبة الطبيعية والرجاء الطبيعي والخوف الطبيعي؛ كله مشروع.

    وقوله: (أياً كان المقصود بذلك) أي: أن كل هذه الأمور إذا صرفت لغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، أو فيما لا يجوز إلا لله فهي شرك، سواء كان من صرفت إليه هذه الأمور ملكاً مقرباً، أو نبياً مرسلاً، أو من العباد الصالحين أو غيرهم، حتى وإن كان من أكرم الخلق ما دام مخلوقاً؛ فلا يجوز صرف شيء من أنواع العبادة له، وإن كان أفضل العالمين وهو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لا يجوز أن يصرف الإنسان شيئاً من العبادة له كما قال صلى الله عليه وسلم لأحد الذين علقوا به شيئاً لا يجوز إلا لله، قال: (أجعلتني لله نداً).

    1.   

    قاعدة في أصول العبادة

    قال المؤلف حفظه الله تعالى: (ثالثاً: من أصول العبادة: أن الله تعالى يعبد بالحب والخوف والرجاء جميعاً، وعبادته ببعضها دون بعض ضلال، قال بعض العلماء: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ).

    عبادة الله عز وجل عند كل عابد لله عز وجل لا بد أن تقوم في قلبه على ثلاثة أسس وأركان موجودة جميعاً وفي آثار أعماله القلبية على جوارحه، وعلى لسانه وأعماله، وهذه الأركان الثلاثة هي:

    من أصول العبادة المحبة

    المحبة، ومعناها أن محبة التعظيم والتقديس لا تكون إلا لله عز وجل، فالواجب على العباد أن يحبوا الله سبحانه، وتمتلئ قلوبهم بمحبة الله تعظيماً وإجلالاً وتقديساً وتأليهاً وانجذاباً إلى الله عز وجل، وأن يكون الله عز وجل أحب إلى العبد من كل شيء، محبة التقديس والتعظيم والكمال.

    ثم لا بد بعد ذلك من الركنين الأساسيين، وهما: الرجاء من جانب والخوف من جانب آخر، وهما لا يفترقان، بل لا بد أن تعلق كل منهما بالمحبة؛ ولذلك شبه بعض أهل العلم العبادة بالطير، فالمحبة رأسه، والرجاء جناحه الأيمن، والخوف جناحه الأيسر، ولا يمكن أن يطير الطير إلا بهذه الكيانات الثلاث، فعلى هذا لا بد أن يتعلق قلب المسلم برجاء الله، وأن يكون راجياً لله عز وجل، لا يتطرق إليه اليأس، والرجاء لا بد أن تقترن به الأسباب.

    وكذلك الخوف لا بد أن يكون الإنسان خائفاً من الله، فيجمع بين المحبة والرجاء والخوف، ويوازن بينها، فلا يطغى جانب على جانب، وعلى هذا فإن من لوازم المحبة والرجاء والخوف العمل بشرع الله عز وجل؛ لأن مسألة المحبة إذا لم ينبثق عنها رجاء وخوف ثم عمل؛ تصبح مجرد دعوى، والله عز وجل قال على لسان نبيه: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ [آل عمران:31]، فلا بد من الاتباع، والاتباع يجمع بين الوعد والوعيد والخوف والرجاء والعمل بالأحكام.

    فالمسلم لا بد أن يجمع بين هذه الأصول الثلاثة: أن يكون محباً لله، ثم راجياً لثواب الله، ويعمل بالأسباب، وخائفاً من عقاب الله ويدرأ هذا العقاب باجتناب النواهي، فيعمل بالأوامر رجاء فضل الله، وينتهي عن النواهي خوفاً من الله، ومع ذلك كله لا بد أن يحب الله، وأن يعظم الله في المحبة، وأن يحب ما يحبه الله، ويحب من يحبهم الله.

    وهذه الأمور إذا ضعف فيها جانب اختل الإيمان، وإذا فقد جانب فقد يفقد الإيمان كله، فالنقص في هذه الأصول الثلاثة أو في أحدها نقص في الإيمان، مع أنه يلزم من وجود بعضها وجود البعض الآخر، بمعنى أن من اكتملت محبته لله؛ اكتمل رجاؤه وخوفه، والعكس كذلك؛ ولذلك فإن من نقص أو اختل عنده أصل من هذه الأصول نقص إيمانه واختل إيمانه، وقد يفقد الإيمان بالكلية.

    وقوله: (من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق)، معنى ذلك: أنه يوجد من المتفلسفة وبعض المتعبدة الجهال الذين ينتسبون للإسلام، من يزعم أنه يكفيهم التعلق القلبي بالله، وأن الإنسان إذا وصل إلى هذه الدرجة فإنه يستغني عن العمل بالشرع، ولا يعول على الرجاء ولا على الخوف، ويزعم أنه بالمحبة حقق كمال العبادة وكمال المطلوب، وهذا خلاف قطعيات النصوص، والله عز وجل طلب من عباده أن يرجوه ويخافوه، وجعل ذلك هو أصل الدين والعبادة.

    وأيضاً قد يترتب على هذه النزعة الاستهانة بشرع الله، فالذين زعموا أنهم يعبدون الله بالمحبة وتعلق القلوب بالله بالتقديس فحسب، سواء كان هذا عن طريق التفكر، أو عن طريق الرياضة القلبية أو الرياضة العقلية، أو تحت أي شعار من الشعارات التي عليها عباد الأمم وكثير من الفلاسفة؛ كل ذلك ضلال، مهما كانت المسالك المؤدية إليه؛ لأنه لا يمكن أن تكتمل المحبة إلا بتعلق القلب برجاء الله والعمل بأسباب الرجاء، وتعلق القلب بالخوف من الله والعمل بأسباب ذلك.

    فعلى هذا فإن من عبد الله بالحب وحده تزندق، لأنه وقع في الاستهتار في الدين، وأقرب عبارة في عصرنا لمفهوم التزندق: الاستهتار، وهو اللامبالاة، لا يعمل بالأوامر ولا ينتهي عن النواهي، ويزعم أنه وصل إلى درجة فوق مستوى أن يلتزم الشرع.

    وهناك مقولة خطيرة قال بها بعض العباد، ومن خلالها انغرست هذه المناهج الباطلة عند بعض الطرق الصوفية، وهي قول القائل: اللهم إني لا أعبدك طمعاً في جنتك ولا خوفاً من نارك، ونحن نعبد الله رجاءً وخوفاً، نعبد الله محبة له سبحانه، لكن نجمع مع ذلك رجاء الثواب والنعيم، وعلى رأس الثواب الجنة كما يلزم من محبتنا لله عز وجل الخوف من ناره ومن عقابه، نسأل الله أن يعيذنا من النار؛ فعلى هذا لا بد للمسلم أن يجمع بين هذه الأصول.

    من أصول العبادة الخوف

    وقوله: (ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري)، يعني: من عبده بمجرد الخوف، لا يبالي بالحب ولا بالرجاء؛ ووصل عنده الأمر إلى اليأس من رحمة الله، وهذا منهج غلاة العباد الذين منهم الحرورية، والحروري نسبة إلى حروراء التي لجأ إليها الخوارج بعدما فاصلوا علي بن أبي طالب وجماعة المسلمين، ومما تميز به الخوارج: التشديد على النفس بالعبادة؛ لأنهم غلبوا جانب اليأس وجانب الوعيد ولم يبالوا بالوعد؛ ولذلك غلب عليهم التنطع والغلو، وقد وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم)، وذلك لأنهم يبالغون في الصلاة والصيام إلى أن زادوا عن الحد المشروع، فمن هنا انغرست في قلوبهم نزعة اليأس، ولم يعولوا على الوعد؛ فمن هنا وصف من يعمل ذلك بأنه حروري، وإلا فالذين يسلكون هذا المسلك أوسع من مجرد الحرورية، وهم طوائف عدة من الفلاسفة ومن العباد الأوائل الجهلة، ومن النساك، ومن بعض شيوخ الطرق وأتباعها، فهم ينضوون تحت إطار أكثر فرق المسلمين أحياناً، ويوجد من جهلة المسلمين حتى ممن ينتسب للسنة من قد يغلو ويشتدّ على نفسه وعلى الآخرين فيغلب جانب الخوف على جانب الرجاء.

    من أصول العبادة الرجاء

    وقوله: (ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ) بمعنى: من قال: الله عز وجل غفور رحيم، وسيغفر لنا جميع الذنوب، يترك الفرائض ويعمل المحرمات، ويقول: الله غفور رحيم، هذا مرجئ، المعنى أنه مال إلى مذهب غلاة المرجئة؛ لأن المرجئة صنفان:

    الصنف الأول: الغلاة الجهمية الذين لا يبالون بالشرائع، ولا يبالون بالدين، بل يقولون: يكفي معرفة الله، فإذا عرفت الله فقد فزت الفوز الكامل، وكان إيمانك كاملاً، ومن هنا عولوا على هذا المبدأ وقالوا: لا قيمة للأعمال، ولهم فلسفات كثيرة في الأعمال وقد يقول قائل: هل يعقل للمسلم أن ينتسب للإسلام ويقول هذا؟ نقول: نعم، فقد يزل في هذا ويتزندق، لأن لهم فلسفة في هذا أغواهم الشيطان بها، وزعموا أن الشرائع إنما وضعت للناس الذين لا يتقيدون بمعنى الإيمان المعرفي، ويزعمون أنهم لا يحتاجون إلى ذلك كله، ويكفيهم معرفة الله؛ فلا يعولون على الخوف ولا المحبة، بل يكتفون بالرجاء.

    الصنف الثاني: مرجئة الفقهاء وهم كذلك عندهم نوع انحراف عن السبيل، خاصة المتأخرة منهم، أما المرجئة الأوائل فقد يكون عندهم تعظيم للأعمال، وعندهم التزام بسنن الإسلام، لكن متأخرة المرجئة يغلبون جانب الإرجاء، ويستهينون بالكبائر والمعاصي، بل أحياناً يستهينون بالشركيات والكفريات زعماً منهم أن الناس تحت رجاء الله، فلا يعولون كثيراً على نصوص الوعيد، وإن عملوا بها يرجحون جانب الرجاء فيقعون في الخلل الذي يجعل المعاصي والفجور والبدع تكثر عندهم.

    1.   

    قاعدة التسليم والرضا والطاعة المطلقة لله ولرسوله

    قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ رابعاً: التسليم والرضا والطاعة المطلقة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، والإيمان بالله تعالى حكماً من الإيمان به رباً وإلهاً، فلا شريك له في حكمه وأمره، وتشريع ما لم يأذن به الله، والتحاكم إلى الطاغوت، واتباع غير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، وتبديل شيء منها كفر، ومن زعم أن أحداً يسعه الخروج عنها فقد كفر ].

    هذه قاعدة عظيمة تنبني على الأعمال القلبية أولاً، ثم ثمار الأعمال القلبية التي هي جزء من الإيمان، فمن العبودية لله عز وجل توحيد الألوهية، فإن الأساس الأول للعبودية يبدأ من القلب.. من الضمير.. من المضغة التي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها في الجسد: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)، فالقلب لا بد أن يسلم لله عز وجل ويرضى، والتسليم هو الإذعان والاستعداد لما جاء عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يمتلئ قلب العبد بالتعلق بمراد الله، وما يريد الله منه.

    وأن يكون قصده بذلك الاستجابة لأمر الله، فإن كان أمراً أخذ به، وإن كان نهياً انتهى عنه، وهذا التسليم يبدأ بالقلب، فالعبودية تنبني على التسليم أولاً، ثم الرضا.

    وما بعد التسليم لا بد أن يلتزم الإنسان بالشرع، والالتزام قد يثقل أحياناً على النفس خاصة إذا سيطر عليها الهوى أو الشبهات أو الشهوات أو الجواذب والموانع والقواطع التي تصرف الإنسان عن العمل الحق والقول به وفعله، فهذه الصوارف تجعل عنده نوعاً من الاستثقال للدين، أو لبعض مفردات الدين، وهذا ينافي العبودية أو يخل بها.

    فمن مقتضى العبودية بعد التسليم: الرضا والاستعداد والإذعان والطمأنينة، بحيث أن لا يتذمر الإنسان أو يستثقل أوامر الشرع، بل يرضى ويسلم للشرع والقدر.

    ثم يلزم من ذلك الطاعة المطلقة لله عز وجل، والطاعة المطلقة هي الاستعداد للعمل، أما التنفيذ فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها بحسب المستطاع، وبعض الناس يظن أن معنى الطاعة المطلقة أن تطبق كل ما تؤمر به، وفي فرائض الدين وواجباته ما يستطيع تطبيقه عامة الناس، وفيها ما هو مبني على الاستطاعة، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

    فالطاعة المطلقة: طاعة انقياد وطاعة استعداد، ثم بعد ذلك العمل بالمستطاع، والطاعة المطلقة تكون لله عز وجل، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم من طاعة الله: وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]، فأمر الله بأن نطيع رسوله صلى الله عليه وسلم.

    ثم يلزم من ذلك كله: الاعتقاد والجزم بأن الله عز وجل هو الحكم، والحكم أن ترضى بحكمه وقضائه وشرعه، كما رضيت به رباً وكما استسلمت له بأنه إله، لأن من مقتضى إيمانك بأن الله رب ومعبود أن ترضى بحكم الله في كل شيء، في الشرع والقدر، وحكم الله أحياناً يخصك، وأحياناً فيما بينك وبين العباد، والأحكام التي تكون بينك وبين العباد كثير منها لا يقضى إلا بالأسس الشرعية وأسس التعامل مع الخلق، فإذاً: يجب أن تستعد للرضا بحكم الله عليك، أي: حكم شرع الله وقدره.

    ثم يتبع ذلك أنه عز وجل لا شريك له في حكمه، والحكم حكمان: حكم قدري وحكم شرعي، وأمره أمرنا: أمر قدري وأمر شرعي.

    وقوله: (وتشريع ما لم يأذن به الله) أي: إذا قلنا: إنه لا بد أن يكون الله عز وجل هو وحده الحكم، وهو الحاكم، وهو سبحانه الذي إليه التحاكم، وهو سبحانه المشرِّع؛ إذاً: تشريع أي شرع لم يأذن به الله، ولم يكن في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أو التحاكم إلى غير دين الله، أو اتباع أي شرع غير شرع محمد صلى الله عليه وسلم كل ذلك كفر.

    وتشريع ما لم يشرعه الله، والتحاكم إلى غير دين الله تحاكم إلى الطاغوت، أو اتباع غير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم حتى في أمر جزئي كما يقول بعض المفتونين: لماذا لا نأخذ بعض أحكامنا من الديانات الأخرى؟

    كيف نأخذ والله عز وجل قد أكمل لنا الدين، ونسخ الديانات السابقة، وقد يكون عند كثير من الديانات شيء من الحق، لكنه موجود عندنا وزيادة، ولا يمكن أن ينفرد اليوم دين من الديانات بشيء من الحق وهو لا يوجد في الإسلام، وهذه قاعدة حتمية قطعية، ولا يمكن أن ينفرد دين ولا مبدأ في العالم سواء من الأديان المنزلة التي حرفت، أو أديان من التي وضعها البشر أو النظم، لا يمكن أن ينفرد دين أو مبدأ بحق أو بشرع صالح للناس يستقل به عن الإسلام.

    فلا بد أن يتضمن الإسلام كل ما يمكن أن يخطر على بال بشر من معالم الحق جملة وتفصيلاً، فلا يمكن أن ينفرد مبدأ بالحق من دون الإسلام، وإن وجد عند كثير من المبادئ بعض الأمور الجميلة في تشريعاتها. وفي نظمها، فهذا أمر قد يعترف لهم فيه، لكن يوجد في الإسلام ما هو أكمل منه، وإنما التقصير يكون من المسلمين أنفسهم في كثير من الأحوال.

    وكذلك التبديل بأن يوضع نظام وضعي بدل نظام شرعي، وسواء كان هذا التبديل في الأحكام الجزئية أو الكلية، فالأصل فيه أن يكون كفراً، لكن قد يكون كفراً مخرجاً من الملة أو غير مخرج بحسب أنواعه.

    وقوله: (ومن زعم أن أحداً يسعه الخروج منها -أي: من الشريعة- فقد كفر) المقصود: أن من ادعى أو توهم أو اعتقد أن بإمكانه أن يستغني عن شيء من شرع الله؛ فهذا يكون حكمه حكم السابقين في الصور الماضية أنه كفر.

    1.   

    قاعدة في الحكم بغير ما أنزل الله

    قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ خامساً: الحكم بغير ما أنزل الله كفر أكبر، وقد يكون كفراً دون كفر.

    فالأول: التزام شرع غير شرع الله، أو تجويز الحكم به.

    والثاني: العدول عن شرع الله في واقعة معينة لهوى مع الالتزام بشرع الله.. ].

    هذه من القضايا التي تحتاج إلى مزيد من التقعيد؛ لأن الكثير من صورها من النوازل والمستجدات، ففي عهد السلف في القرون الثلاثة الفاضلة وإلى قبل قرنين والمسلمون لا يعرفون النظم الشاملة التي يحكم فيها بغير الإسلام، ما عدا ما حدث من التتار وهو أمر جزئي في ظروف لم يستقر فيها نظام غير نظام الإسلام، إنما جاء في وقت هيمنة التتار.

    وما عدا ذلك فلا يعرف المسلمون التبديل الشامل للنظم التي توضع بدلاً عن شرع الله، بل هذا لم يعرف إلا في العصر الحديث؛ ولذلك فهذه الأمور تحتاج إلى مزيد من التقعيد، وتكون في الصور الآتية:

    أولاً: الحكم بغير ما أنزل الله الأصل فيه أنه كفر، لكن مع ذلك قد يكون كفراً أكبر مخرجاً من الملة، وقد يكون كفراً أصغر غير مخرج من الملة، ويدخل فيه الفسق والظلم كما ورد في سياق الآيات.

    ثانياً: أن الحكم على المعين يختلف عن الحكم العام، فالحاكم إذا حكم بغير ما أنزل الله فلا بد أن ننظر في الحكم عليه باعتبارات كثيرة:

    أولها: أن الذين يحكمون هم العلماء الراسخون.

    وثانيها: أنه لا بد من التثبت من ذلك.

    وثالثها: لا بد من تطبيق شروط التكفير وانتفاء الموانع، وإن كان الحال كفراً، وهذا ينطبق على كثير مما يحدث من صور في العالم الإسلامي؛ فلذلك لا يجوز الاستعجال في تكفير دولة أو مؤسسة أو نظام أو حزب أو جماعة أو هيئة أو شخص ما لم تطبق هذه الشروط. كما يجب أن نفرق بين الحكم على المعينين والحكم العام الشرعي، فالحكم الشرعي العام واضح، لكن تطبيقاته هي التي وقع فيها كثير من الخلل والخطأ والزلل والافتيات على العلماء، والتسرع، فترتب على هذا أحكام حادة في التعامل مع الآخرين.

    ثالثاً: الكفر الأكبر هو التزام شرع غير شرع الله، بمعنى أن الإنسان أو المسلم أو حتى غير المسلم يأخذ بشرع قصداً، أو بنظام قصداً، بأن يبعد شرع الله ويبدله، أو يجوز الحكم بغير شرع الله؛ فهذا كفر.

    رابعاً: أن يعدل عن الشرع بسبب هوى أو جهل أو إفراط، أو بسبب التباس، وكثير ما يقع الالتباس على كثير من الناس خاصة في هذا العصر، فالعدول عن شرع الله عز وجل بهذه الأسباب، أو في واقعة معينة جزئية كأن يرد الإنسان حكماً قضائياً، أو مسألة حكم بها عالم وردها لهوى، فهذه الجزئيات وإن كانت قد تصل إلى أن تسمى حكماً بغير ما أنزل الله، إلا أنه لا يلزم منها تكفير صاحبها؛ لأنه قد يكون ذلك من الظلم أو الفسق أو الفجور أو الضلال.

    1.   

    قاعدة عامة في تقسيم الدين

    قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ سادساً: تقسيم الدين إلى حقيقة يتميز بها الخاصة، وشريعة تلزم العامة دون الخاصة، وفصل السياسة أو غيرها عن الدين باطل.. ].

    هذه من الأمور التي قد لا تتعلق بكثير من المسلمين اليوم ولله الحمد، لكنها موجودة عند طائفة من الفلاسفة والمفكرين وغلاة العباد الذين انبنت عقائدهم إما على عبادة الله بالمحبة فقط، أو بالرجاء فقط، أو نحو ذلك، وهؤلاء زعموا أن الدين ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: حقيقة: وهي التعامل الفردي مع الله عز وجل، والذي يسع كل إنسان عنده مواهب بزعمهم أن يعبد الله بها كما يشاء، وهذه الحقيقة هي الصلة بالله على ما يتذوقه هذا الفرد، ولا يدركها إلا النادر من الناس، وعليها بعض العباد وبعض الفلاسفة، وهي تختلف عن الشريعة التي جاء بها الأنبياء عموماً وعلى رأسهم النبي صلى الله عليه وسلم، ويزعمون أن الشريعة إنما جاءت لعوام الناس، أما الخواص فهم طائفة من الزنادقة. وفلاسفة العباد الذين ضلوا عن الطريق وعبدوا الله على طرائقهم الخاصة، وظنوا أن هذه هي حقيقة الدين، وأن المراد بالدين هو الوصول إلى هذه الحقيقة، فيزعمون أنهم وصلوا إليها؛ فليسوا بحاجة إلى الشرع، وهذا من عبث الشيطان بهم، وإلا فإن الدين جاء يحكم الخلق جميعاً، والدين أنزله الله عز وجل على من اصطفاهم: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنْ النَّاسِ [الحج:75]، فالذين اصطفاهم الله عز وجل هم الذين نزل عليهم الدين وهم أول من عمل بالدين، لكن هؤلاء الذين نزعوا إلى هذه النزعة، ويزعمون أنهم وصلوا إلى الحقيقة بالاستغناء عن الشرع ما دخلوا الديانات السماوية، بل هم من خصوم الأنبياء، ومن المستكبرين عن النبوات والأنبياء والشرائع.

    وقد استمر هذا المنهج والمسلك عند كثير من الفلاسفة والعباد والمفكرين إلى اليوم، فيزعمون أن الشرع جاء للبسطاء والعوام؛ ولذلك يسمون الدين: دين العوام، ويسمون الأنبياء: رعاة العوام؛ وهذا ضلال مبين، يمقته العقل السليم والفطرة، فضلاً عن أنه يضاد ويحاد قطعيات النصوص.

    إذاً: تقسيم الدين إلى حقيقة يتميز بها ناس يسمونهم الخاصة، وشريعة تلزم العوام دون الخواص ضلال وفسق.

    وكذلك فصل السياسة أو الحياة أو الاقتصاد أو فصل أي جانب من جوانب الحياة عن الدين يعتبر من أبطل الباطل، بل هو جور وعدول عن أمر الله، ومن زعم أن الدين لا يواكب الحياة؛ فهذا مبطل، إنما قد يعجز المسلمون عن العمل بتطبيق شرع الله، ولو عملوا لوجدوا أن الدين لا يمكن أن يفصل هذه الأمور بعضها عن بعض، بل كل ما خالف الشريعة من حقيقة أو سياسة أو غيرها فهو إما كفر وإما ضلال بحسب درجته.

    1.   

    قاعدة في معرفة علم الغيب

    قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ سابعاً: لا يعلم الغيب إلا الله وحده، واعتقاد أن أحداً غير الله يعلم الغيب كفر، مع الإيمان بأن الله يُطْلِع بعض رسله على شيء من الغيب.. ].

    الغيب المقصود به: هو المغيب عن المخاطبين، والمخاطبون أصناف:

    منهم: الملائكة، فهؤلاء أطلعهم الله سبحانه على غيب غيبه عن الجن والإنس، وهناك شيء من الغيب لم يطلع عليه حتى الملائكة، فهذا لا يمكن أن يدعي أحد أن الملائكة تطلع عليه، ومن ادعى ذلك فقد وقع في الإخلال بهذه القاعدة.

    ومنهم: الجن والشياطين، نظراً لأنهم خلق آخر قد يطلعون على أمور مغيبة لا يعلمها الإنس، فهذا ليس غيباً في حقهم لكنه غيب عن الإنس، ولذلك قد يرد إلى الإنس من خلال منافذ: إما كرامات وإما خوارق وإما سحر وإما كهانة؛ وهذا لم يعد من الغيب البحت.

    أيضاً: المغيب عن الإنس قد يغيب عن بعضهم شيء ولا يغيب عن آخر؛ فهذا لا يدخل في الغيب، فمثلاً: العالم الذي اكتشف بالعلم الحديث أو غيره من الأمور الغائبة عن الآخرين، فما علمه صار من عالم الشهادة، ولو كان غائباً عني، ولا يدخل في عالم الغيب الذي اختصه الله لنفسه؛ لأن الغيب الذي اختصه الله لنفسه هو ما غاب عن الخلق أو عن بعض الخلق، فما غيبه الله عن الخلق أو عن بعضهم فهو بالنسبة لهم غيب، ولا يجوز أن ندعيه لأحد، وعلى هذا فمن ادعى أن أحداً يعلم الغيب غير الله؛ فقد ضل ضلالاً مبيناً.

    مع الاعتقاد أن الله عز وجل قد يطلع بعض عباده على شيء من الغيب، وهذا لم يعُدْ غيباً بالنسبة لهم، فما أطلع الله عليه الملائكة فهو لم يعد غيباً بالنسبة لهم، وما أطلع الله عليه بعض الرسل لم يعد غيباً بالنسبة لهم؛ ولذلك أطلع الله عز وجل نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم على أمور كثيرة من الغيب هي لا تزال غيباً في حقنا، لكنها ليست غيباً في حق الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا ادعيناها للنبي صلى الله عليه وسلم بنص فهذا ليس من الأمور المنكرة، فالنبي صلى الله عليه وسلم أطلعه الله على المنافقين الخلَّص، وهذا غيب بالنسبة لنا، لكن الله أطلعه عليه؛ فلم يعد من الغيب المغيب عنه.

    فالغيب هو ما ثبت أنه مغيب عن الخلق أو بعض الخلق؛ فهذا لا يجوز أن ندعيه لأحد، ومن ادعى أنه يعلمه كما يكون من بعض الكهان والمنجمين؛ فقد كفر.

    1.   

    إتيان الكهان والمنجمين وتصديقهم

    قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ ثامناً: اعتقاد صدق المنجمين والكهان ضلال قد يصل إلى الكفر، وإتيانهم والذهاب إليهم كبيرة.. ].

    هذه متفرعة عن التي قبلها، فمن اعتقد أن الكهان والمنجمين يعلمون شيئاً من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله وصدقهم في ذلك، أو اعتقد حتى لو لم يصدقهم؛ فقد كفر؛ لأنه بذلك زعم لهم ما هو من خصائص الرب عز وجل، فهذا كفر.

    أما إتيانهم من باب حب الاستطلاع، أو من باب الجهل فهذا كبيرة من كبائر الذنوب.

    كذلك تصديق الكهان والدجالين والمشعوذين في أمر مغيب عن الناس، لكن ليس مغيباً عن الجن والشياطين؛ فهذا من كبائر الذنوب، وقد لا يكون كفراً، لأن كثيراً مما يأتي به المشعوذون والكهان والدجاجلة يكون عن طريق استعانتهم بالجن، وهناك أشياء محجوبة عنا وليست محجوبة عن الجن ولا عن الغيب المحض؛ فهذا في أغلب صوره يكون من باب كبائر الذنوب، فمن صدقهم في مثل هذه الأمور فهذا كفر دون كفر، وهو الغالب؛ لأن الكفر هنا أطلق، فإذا كان يتعلق بالغيب الخالص فهو كفر مخرج من الملة، وإذا كان يتعلق بالغيب غير الخالص فهو كفر دون كفر، وعلى هذا يحمل قول النبي صلى الله عليه وسلم على المحملين.

    وإتيانهم يعني زيارتهم من أجل الاستطلاع أو جهلاً إلى آخره، وهذا من كبائر الذنوب، ويجب أن يتواصى بالتحذير منه، والمسلمون الآن وقعوا في أشياء كثيرة من هذا النوع، لا سيما مع كثرة الدجل والشعوذة وما يرتبط بها من صور كثيرة تعددت على الناس وتشكلت.

    ومن الظواهر المزعجة: كثرة زوار هذه البيئات الوبيئة، بيئات المشعوذين والدجالين، وأغلب الناس يتساهلون، فقد يأتون إما من باب الاستطلاع أو الجهل ..إلخ، وهذا كله لا يجوز.

    وبعض الناس لمجرد التصوير وتوثيق أمور ليس بحاجة إلى توثيقها؛ فالأولى الابتعاد؛ لأن هذا عرضة للوقوع في كبائر الذنوب.

    1.   

    الأسئلة

    الجمع بين نصوص الوعد والوعيد

    السؤال: قلتم: إن المؤمن العاصي يدخل النار ثم يخرجه الله منها ويدخله الله الجنة، فكيف نوفق بين هذا وبين قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة نمام)، و(لا يدخل الجنة قاطع رحم)، و(لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه)، وغيرها من الأحاديث؟

    الجواب: هذا يرجع إلى قاعدة أن النصوص الشرعية لا بد أن يرد بعضها إلى بعض، وأن يفسر بعضها بعضاً، وهذا هو ظاهر النص، وتدل عليه نصوص أخرى من أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر هذا على سبيل الوعيد أولاً.

    والأمر الثاني: أنه يقصد أن لا يدخل الجنة ابتداءً، فبعد الحساب يدخل النار لتطهيره.

    والأمر الثالث: أن قواعد الشرع دائماً لها استثناءات، ويكون المعنى هنا: ما لم يغفر الله له أثناء الحساب فإنه لا يدخل الجنة حتى يطهره الله عز وجل بالنار؛ لأن مثل هذا النص لا بد أن يرد إلى نصوص الشفاعة، ونصوص أهل الكبائر، ونصوص الشفاعة أثبتت وهي قطعية أنه لا يبقى من أهل التوحيد أحد في النار.

    التفصيل في الخوف الذي يوقع العبد في الشرك

    السؤال: الخادم لو ترك الصلاة من أجل من يعمل عنده خوفاً منه، لن يقتله ولن يضربه، لكنه يغضب عليه إذا لم يجده في مكانه المطلوب منه خوفاً من سيده أو حباً فيه هل هو من شرك الطاعة أو المحبة؟

    الجواب: هذه صورة تحدث مع ضعف الإيمان وضعف التدين، سواء عند الخادم، أو عند بعض الناس في بعض المواقف، وبعض الناس حتى لو لم يكن عليه ضغط أو خوف من معين، أحياناً يرهب الناس أو يجاملهم مجاملة إلى حد ترك الفرائض، كما يحدث من بعض الناس في المواقف الحرجة في المطارات والطائرات فيؤخرون الصلوات عن وقتها، بل يحدث حتى من بعض المرضى في المستشفيات، فهذه أمور قد تكون عن جهل، والجهل يرفع التكفير عن الشخص حتى يعلم، وقد تكون عن تأول، فيتأول لنفسه ظناً منه أنه يسوغ له ذلك، فالتأول يرفع الكفر عن المعين وإن كان فعله كفراً.

    وقد تكون تسويفاً، فبعض الشباب تفوته الصلاة وهو ينظر إلى لعبة وعنده نوع من التسويف والاستهانة بالوقت، فيمضي عليه الوقت وهو لا يشعر؛ فهذا تفريط منه وتساهل.

    فصور ترك الفرائض -خاصة الصلاة- كثيرة جداً، لكن إذا كان ذلك نتيجة الخوف فالأمر يرجع إلى درجة إيمان الشخص، أو درجة ما في قلبه، فإذا كان الخوف يصل إلى حد أن يعتقد أنه يضره من دون الله، أو أنه يجلب له مصيبة فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ فهذا يكون شركاً، وهذا قليل وقوعه.

    أما إذا بلغ الخوف إلى حد ترك الصلاة؛ فهذا يعتبر ضعفاً في الإيمان، فإذا أدى إلى ترك الصلاة بالكلية أزمنة طويلة؛ فقد يكون كفراً، أما إذا كان في حالة معينة؛ فهذا ضعف وكبيرة من كبائر الذنوب، ولا نستطيع أن نكفر به الشخص، أو نقول: إنه أشرك مطلقاً، لأن الشرك ليس في كل خوف، إنما هذا قد يكون عن ضعف إيمانه فأدى به هذا إلى أن يجامل الآخر أو يداهنه، أو يخشاه خشية لا تصل إلى التقديس وخوف التقديس.

    الرسول لا يعلم من الغيب إلا ما أطلعه الله عليه

    السؤال: في قول الله سبحانه وتعالى: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ [الجن:26-27]، هل الرسول يعلم الغيب؟

    الجواب: هذا لا بد من ربطه بالنصوص الأخرى، الذي ثبت أن الله عز وجل يطلع رسله على بعض الغيب، هذا معناه، إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ [الجن:27]، فإن الله يطلعه على ما يشاء من الغيب، أما مطلق الغيب فلا، والله عز وجل ذكر عن رسوله أنه قال: وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ [الأعراف:188]، أي: أنه لا يعلم كل الغيب، ومع ذلك فإن الله عز وجل يكرمه أحياناً بأمور تدفع عنه السوء من أمور الغيب.

    إذاً: هذا أمر لا بد أن يقيد بالنصوص الأخرى، وهو أن الله يطلع بعض رسله على شيء من الغيب.

    ضوابط تكفير الحاكم بغير ما أنزل الله

    السؤال: الحكم على المعين بالكفر إذا حكم بغير ما أنزل الله، نريد ذكر شروط تكفيره، أو ضوابط الحكم بغير ما أنزل الله؟

    الجواب: هذا من القضايا الشائكة اليوم، فإن مشايخنا وعلماءنا يكادون يتفقون على بعض المجملات في تأصيل الحكم بغير ما أنزل الله والحكم على الآخرين، والحكم بغير ما أنزل الله في أصله ضلال، وقد يكون كفراً مخرجاً، وقد يكون كفراً غير مخرج، وقد يكون معصية وقد يكون فسقاً..

    فنفرق أولاً بين الحكم الجزئي والحكم الكلي:

    فالذي يحكم بغير ما أنزل الله إن وضع نظاماً أو دستوراً يحكم به بغير ما أنزل الله فهذا كفر.

    لكن ينبغي أن ننظر في حاله، وسواء كان شخصاً أو دولة أو نظاماً أو هيئة أو مؤسسة أو فرقة أو جماعة، فإن كان فعل ذلك جهلاً فيدفع عنه الكفر حتى يعمل تجاهه الراسخون في العلم ما يجب، وإذا ما عملوا تجاهه فلا يجب علينا نحن أفراد الأمة أن نفتات وأن نطلق الأحكام، بل يجب على العلماء أن يقيموا الحجة على هؤلاء الذين يعملون هذه الأمور ويستبينوا من حالهم.

    وفي الحقيقة يبدو لي أن الكثيرين ممن يقعون في الحكم بغير ما أنزل الله أحياناً ليس هذا بإرادتهم، لأنهم أحياناً يأتون إلى حادثة نظام معين وضع لها دستور أيام الاحتلال الغربي لبلاد المسلمين، لأنه في تلك الأيام وضعت أنظمة تحكم بغير ما أنزل الله، فجاء حكام يرثون هذه النظم وقد يكون بعضهم يكره الحكم بغير ما أنزل الله، ورأينا من بعضهم محاولات جادة كما كان من ضياء الحق وغيره في العودة إلى حكم الله، لكن ترده قوى كثيرة، وربما يؤدي عمله إلى مفاسد عظمى تفسد أمن البلاد وتوقعه في كوارث.

    ولست بهذا الكلام أعتذر لمن يخطئون، لكن يجب أن نحتاط في ديننا عند الحكم على العباد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر! فقد باء بها أحدهما).

    فالإكراه والتأول والجهل والتباس الأمر، كل هذه موانع من تكفير المعين، ومع ذلك يبقى الواجب على الأمة أن تصل إلى نتائج في هذه الأمور ليقضى على النزاع.

    مراتب معرفة الله

    السؤال: ما هي مراتب المؤمنين في معرفة الله عز وجل؟

    الجواب: المراتب الشرعية هي التي ورد ذكرها في كتاب الله عز وجل وهي التقوى والإنابة واليقين والمحبة والرجاء والخوف، وما يندرج تحت هذه المسميات الشرعية؛ ولذلك أحذر طلاب العلم خاصة وعموم المسلمين عامة فيما يتعلق بوصف الإيمان وأعمال الإيمان بالمصطلحات غير الشرعية، فالمصطلحات الشرعية والمسميات الشرعية للإيمان ودرجات الإيمان وأنواع الإيمان كافية للوفاء بوصف أعمال المؤمنين إلى قيام الساعة.

    فهذه المعالم الرئيسة للإيمان ودرجاته، ومع ذلك يختلف في أيها أولى، هل التقوى تكون مرحلة بعد المحبة والرجاء والخوف أو الإنابة هي الأولى.. إلى هذه الأمور يختلف عليها في أن الناس يختلفون في مؤديات ومفاهيم هذه المصطلحات، فالأمر سهل، وكلها معانٍ شرعية يجب أن يتعلق بها المسلم، ويحرص على أن يفي بها قلبه، وأن يظهر أثر ذلك على جوارحه وأعماله.

    دلالة اقتران الإيمان بالله بالإيمان باليوم الآخر

    السؤال: لقد ورد في القرآن الكريم في ما موضع وكذلك في بعض الأحاديث النبوية اقتران الإيمان بالله بالإيمان باليوم الآخر، ما تفسير ذلك؟

    الجواب: لأن أكبر أمور الغيب:

    أولاً: الإيمان بالله، ثم الإيمان باليوم الآخر، ولأن أعظم الغيب وأكمله وأجله ما يتعلق بالله عز وجل: بذاته وأسمائه وصفاته، ثم باليوم الآخر لأنه هو اليوم الأبدي الذي لا ينقطع، وكل الغيوب في الدنيا لا تساوي شيئاً؛ لأن الدنيا محدودة بزمن ينتهي، فهي متاع كما وصفها الله عز وجل، متاع ينتهي كاللقمة التي تأكلها في مجلس؛ فلذلك حتى أمور الغيب فيها محدودة بزمن وحال، ولا يستهان بها، لكن اليوم الآخر هو الغيب الكامل فيما يتعلق بالمخلوقات التي يتعلق به مصائر الخلق جميعاً المصائر الأبدية التي لا تنتهي.

    صفات الله بين المحكم والمتشابه

    السؤال: مر معنا أن صفات الله من المحكم، وقد قرأنا في علوم القرآن أنها من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، فكيف نوفق بين الأمرين؟ وهل أن المحكم هو معنى الصفة والمتشابه في حقيقتها؟

    الجواب: نصوص الكتاب والسنة فيما يتعلق بذات الله عز وجل وأسمائه وصفاته وأفعاله المحكمة تدل على حقائق بلا شك، ولو كانت مشتبهة ما اعتقد الناس شيئاً، وهل يمكن أن يخاطب الله عز وجل عباده فيما يتعلق بتعظيمه وإجلاله بمشتبهات؟ لو كان الأمر هكذا لضاع الدين.

    إذاً: لا بد حتماً -وهذا كلام بدهي عقلاً وفطرة فضلاً عن أن يكون قطعياً شرعياً أن يكون كلام الله عز وجل وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم في القرآن والسنة عن أسماء الله وصفاته وأفعاله من المحكم البين الذي لا لبس فيه؛ ولذلك فإن الله عز وجل لما ذكر الخائضين في أسمائه وصفاته في أمور الغيب قال: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ [آل عمران:7]، وهو النوع الثاني الذي نتحدث عنه، وهو التشابه في الكيفيات الغيبية، فإذا جاء قوله عز وجل: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:64]، وجاء قوله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، فنعلم أن هذه حقائق لله تثبت على ما يليق بجلاله من غير تشبيه جزماً.

    أما كيفياتها.. فهذا أمر غيبي ومشتبه، بل لا يجوز السؤال عنه؛ ولذلك لما سئل مالك بن أنس رحمه الله عن الكيفية أصابته الرحضاء من خشية الله عز وجل؛ لأنه يرى أن هذا السؤال وقع في المتشابه.

    الخوف الذي يصل بالإنسان إلى الموت

    السؤال: أنا امرأة مستقيمة إن شاء الله، لكن أحياناً يحصل لي من الخوف ما يكاد يتفطر له قلبي، بل إنه يرتفع عندي الضغط لدرجة أكاد أن أموت، فعندما أتذكر القبر والبعث والنشور يحصل لي خوف شديد، وتعالجت وقالوا لي: يمكن هذا رهب، ثم قال لي الدكتور في آخر مرة دخلت المستشفى: ما عندك مشكلة نفسية، بل هذه صفة شخصية، وحاولي أن تتغلبي عليها بطرق سلوكية، والآن أريد كتباً أقرأ فيها، وأنا الآن أقرأ في كتاب أسماء الله الحسنى من القرآن الكريم والحديث الصحيح بمعانيها للدكتور زين محمد شحاتة ، وعلق عليه الدكتور محمود جزاه الله خيراً، وأقرأ في كتاب فتح المجيد لكني أريد كتباً تدخل الطمأنينة على قلبي، وأقرأ في القرآن ولله الحمد، وأقرأ في تفسير ابن سعدي ، وأنا معلمة قرآن، ولكن إذا جاءني هذا الخوف يخرب علي نفسيتي؟

    الجواب: هذه حالة قد ينفرد بها بعض الناس دون غيره، والحالة الطبيعية للإنسان السوي والذي امتلأ قلبه بالإيمان بالله عز وجل وتقواه والإنابة إليه لا شك أنه يخشى الله عز وجل ويخافه ويقشعر جلده، لكن لا بد أن يلين جلده كما ذكر الله تعالى في وصف المؤمنين، يلين إلى الطمأنينة والرضا بالله عز وجل، أما إذا استمر الخوف فهو وضع يخرج عن الطبيعي، ولذلك كان متأخرو الصحابة رضي الله عنهم لما ظهرت في آخر عهدهم بعض مظاهر العباد الجهلة الذين يغشون عند سماع القرآن والمواعظ، ويحصل لهم حالات غير طبيعية أشبه بالحالات الهستيرية، ويكون منهم صراخ، وبعضهم يموت.. أنكر عليهم الصحابة لأن كون المؤمن يخشع قلبه ويقشعر جلده من خشية الله هذا أمر طبيعي، لكن أن يستمر معه إلى خوف يؤدي إلى الفزع؛ فالمؤمن لا يفزع من ربه.

    فمثل ما قال لك الأطباء: هذا وضع يحتاج إلى علاج بالرقى وبالأسباب الشرعية ولا مانع، بل يجب عليك -إذا استمر هذا- أن تراجعي عيادة نفسية، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (تداووا عباد الله)، وبعض الناس تأخذه بعض المفاهيم الخاطئة في أن مراجعة العيادات النفسية ضعف في الإيمان، وهذا ليس صحيحاً، بل كثير من المؤمنين يقع عنده شيء من الرهب والوسواس القهري وغيره مما يمنعه من أداء العبادة؛ فيجب عليه شرعاً أن يراجع طبيباً من أجل أن يبقى سوياً يعبد الله عز وجل على منهج سوي؛ لأن كثيراً من الذين عندهم هذه الحالات سواء كانت شديدة أو خفيفة تمنعهم من أداء كثير من العبادات والواجبات الشرعية والواجبات تجاه الخلق.

    فإذا وصل الأمر إلى هذا الحد فالواجب مراجعة عيادة؛ لأن هذه أمور تعالج بالأدوية مع العلاج الشرعي بالرقى والأسباب الشرعية.

    حكم الاستعانة بالجن الصالحين

    السؤال: ما حكم من يستعين بالجن ويسميهم بغير اسمهم كأن يقول أحياناً: أستعين بالله ثم بكم وتقضى بعض الحاجات له وهم جن صالحون؟

    الجواب: هذا لا يجوز؛ لأنه داخل في الاستمتاع الذي حرمه الله عز وجل، كما في قوله عز وجل: رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ [الأنعام:128]، جاء على سبيل الذم على ما فعلوه، فاستمتاع الإنس بالجن على أي نحو كان لا يجوز إلا إذا جاء من غير قصد، كأن يكون الراقي سمع من الجن خبراً فاستخبره، ومع ذلك يجب أن نأخذ خبر الجن الذي ينطق من خلال التلبس على أنه خبر فاسق لا بد من التثبت منه؛ لأن الجني إذا تلبس بالإنسي فقد وقع في الظلم؛ فهو فاسق.

    كذلك الاستمتاع الآخر: وهو تسميتهم قوى أخرى أو غير ذلك هذا مجرد عبث بالألفاظ، كما قال الله عز وجل عن أهل الجاهلية: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً [الجن:6]؛ ولذلك أرى حتى الرقاة الذين يستعينون بالجن حتى في باب الصالحات، أراهم زادوهم رهقاً، وربطوهم بأمور لا طاقة للبشر بها، وأعنتوهم وأوقعوا الناس في مشاكل وعداوات ومصائب لا يعلم مداها إلا الله عز وجل، فليتق الله الرقاة، ولا يفتحوا باب الاستعانة بالجن على مصراعيه، ولا يكون بين الراقي أو غيره وبين الجن عهود وعقود ومواعيد، كما يقول بعضهم: أنا أواعدهم! أقول لهم إذا احتجتهم: تعالوا، فهذا هو المحرم بعينه، وإلا فما الفرق بين هذا وبين فعل الدجالين والمشعوذين وأهل الجاهلية؟

    إذاً: هذا أمر يجب تجنبه، أنا أحترز أن أقول: إلا إذا تطوع الجني بفائدة أتت من غير طلب منا، أو من غير قصد، أو عندما يتكلم ويتلبس نطلب منه مزيداً من المعلومات لأنه حاضر أمامنا مثل الشاهد الحاضر؛ فهذا إذا ما زاد عن هذا القدر فربما يكون من الأمور المباحة، ومع ذلك فيه نظر.

    أما تجاوز ذلك إلى ما هو أكثر من هذا فأخشى أن يكون داخلاً في الدجل والكهانة ومما حرمه الله.

    معنى عدم قبول صلاة من أتى كاهناً أو عرافاً

    السؤال: ما المقصود أنه لا تقبل صلاة أربعين يوماً لمن زار كاهناً أو ساحراً؟

    الجواب: هذا وعيد، ومعنى لا تقبل أي: لا يؤجر عليها، ولا تكون مقبولة من حيث أن يكون له عليها الأجر الذي وعد الله به المصلين، ولا يعني أنها لا تجزئ، لأنه فرق بين القبول والإجزاء؛ وهذا في كثير من الأمور التي تتعلق بالصلاة، فالصلاة قد يؤديها الإنسان كأن يصلي وهو غير خاشع، فصلاته لا تقبل، وليس معنى ذلك أنه لم يؤد الفرض، هو أدَّاه وسقط عنه، لكن ليس له فيه أجر.

    1.   

    حكم قراءة الكتب الأسطورية التي تتحدث عن نشأة الكون

    السؤال: هل قراءة الكتب الأسطورية التي تتكلم عن نشأة الكون، وأنه نشأ عن تقاتل الآلهة تنافي كمال التوحيد؟

    الجواب: هذا من الإثم، حتى لو كان من باب حب الاستطلاع، بل جميع العلوم التي لا فائدة فيها للبشرية وهي أشبه بالأوهام والأساطير أو أشبه بالأفكار والخيالات والتخرصات يجب على المسلم تجنبها، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم حذرنا من قراءة كتب أهل الكتاب التي أصلها منزل من السماء لكنها حرفت، واعتبر النبي صلى الله عليه وسلم قراءتها من التهوك: (أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب !)، فالنبي صلى الله عليه وسلم أنب عمر لما قرأ صحيفة من التوراة؛ لأنها تشتمل على الحق والباطل، وقد يلتبس الحق بالباطل على القارئ، ولا يوجد قارئ معصوم، فلذلك أرى أنه ما عدا العلوم التي يحتاجها المسلمون وتحتاجها الأمة وتحتاجها البشرية، فالذين تتعلق هذه العلوم بتخصصاتهم يقرءونها على قدر الحاجة، والذين لا تتعلق بتخصصاتهم لا يقرءوها.

    وأيضاً ما ليس مفيداً للبشر إطلاقاً مثل هذه الأوهام حول أصل الإنسان وأصل الخليقة هذا من الإثم، وهو داخل في عمل الخراصين الذين قال الله فيهم: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ * يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ [الذاريات:10-12]، فمنهجهم التخرص، فالأولى اجتناب هذه الكتب؛ فهي تمرض القلوب.

    حكم الاحتفال بالمولد النبوي

    السؤال: ما حكم من يحتفل بالمولد النبوي متتبعاً لعلماء البلد الذي يعيش فيه؟

    الجواب: قضية المولد من القضايا الكبرى بين السنة وخصومها، وأيضاً بين السنة وكثير من جهلة المسلمين.

    وهذه المسألة تخضع لقاعدة شرعية ومن سلم بها استراح من هذه البدعة ونحوها؛ وهي أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم تكون باتباعه، وبالتزام سنته صلى الله عليه وسلم، وتكون أيضاًً بمحبته في ذاته صلى الله عليه وسلم بأن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إلى المسلم من نفسه وولده وماله والناس أجمعين، ثم يتبع ذلك باتباع السنة، فليس من السنة الموالد، لا سيما أن المولد متعلق بحق النبي صلى الله عليه وسلم، وحق النبي صلى الله عليه وسلم دين، إذاً: فالمولد بدعة في الدين؛ لأن بعضهم يقول: هذه بدعة عادية.. واحتفال عادٍ، فهي لا تعدو -بدعة المولد- أحد أمرين:

    إما أن تكون من باب الاعتياد؛ فهي عيد والعيد لا يجوز منه إلا عيد الفطر وعيد الأضحى، والنبي صلى الله عليه وسلم نص على ذلك في حديث الأنصار لما طلبوا منه أن يعيدوا بأعياد كانت لهم في الجاهلية، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عنها وحصرهم بعيدين: عيد الأضحى وعيد الفطر، فإن سمي عيداً فهو بدعة.

    وإن تعلق بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم وحقه؛ فهو أيضاً عبادة، ولا يجوز إنشاء عبادة لم يشرعها الله ولم يشرعها رسوله صلى الله عليه وسلم.

    وهؤلاء الذين يفعلون المولد إن كان منطلق الكثير منهم -وهو الحاصل- محبة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فهم يؤجرون على المحبة، لكن يأثمون على البدعة، وربما يمحق الله أعمالهم بسبب أنهم علقوا الرسول صلى الله عليه وسلم ببدعة هو يكرهها، وربما لو بعث لقاتلهم عليها؛ لأنهم أساءوا إليه صلى الله عليه وسلم، فهم يؤجرون على محبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، لكن هذه محبة الغشيم، فهم تعدوا حدود المعقول.. وحدود المشروع؛ فهي بدعة، وكل محدثة في الدين بدعة، وكل بدعة ضلالة، وما يحسم هذا إلا التسليم للرسول صلى الله عليه وسلم، وقول ابن عباس : (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء؛ أقول لكم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون: قال أبو بكر وعمر) فقد خشي ابن عباس على الأمة أن تعاقب، من أخذ بعضهم بأقوال الصحابة وترك قول النبي صلى الله عليه وسلم.

    فكذلك المسلمون الذين يعملون بهذه البدع نقول لهم: اتقوا الله! ما عندكم على هذا دليل، بل هذا بدعة محضة من جميع المقاييس.

    ثم هل أنتم تحتفلون بولادته أو بموته؟ هما في يوم واحد، كلها في الثاني عشر من ربيع أو التاسع من نفس الشهر، فهذا تناقض.

    وعلى أي الأحوال أرى -على ضوء قواعد الشرع- أن هذه بدعة، ويجب على المسلم تجنبها، وإن فعلها الناس برفق أيضاً؛ لأن الناس يظنون أن من ينصحهم فإنه يبغض الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا باطل.