إسلام ويب

مجمل أصول أهل السنة - الإيمان بالغيبللشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يجب الإيمان بكل ما صح الدليل عليه من أمور الغيب، كالعرش والكرسي والجنة والنار، ونعيم القبر وعذابه، ومن تأول ذلك وخرج عن مفهوم أهل السنة ففي إيمانه نقص بحسب ما وقع فيه من خطأ.

    1.   

    الإيمان بالغيبيات وقواعده

    الحمد لله، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وآله، ورضي الله عن صحابته والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    وبعد.

    يقول المؤلف حفظه الله تعالى: [ عاشراً: الإيمان بما صح الدليل عليه من الغيبيات، كالعرش والكرسي، والجنة والنار، ونعيم القبر وعذابه، والصراط والميزان وغيرها دون تأويل شيء من ذلك ].

    هذه قاعدة الإيمان بالغيب، والإيمان بالغيب يدخل فيه: الإيمان بالله وملائكته؛ لأن الملائكة غيب، وكذلك اليوم الآخر وسائر المغيبات، أي: أن أركان الإيمان الستة تضمنت أصولاً عظيمة من أصول الغيب، لكن الإيمان بالغيب لا ينحصر في أركان الإيمان أو في بعض أركان الإيمان، بل الغيب يشمل كل ما أخبر الله به وأخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه من الأمور المغيبة، والأمور المغيبة على نوعين:

    النوع الأول: أمور مغيبة تحدث في الدنيا.. من أمور مستقبلية أو حتى ماضية، لكن انقطعت أخبارها عن الخلق مثل ما جاء في قصص كثير من النبيين على الوجه السليم الصادق، لا على ما روي في التاريخ مما دخله من حكايات وكذب.

    إذاً: النوع الأول: هو الغيبيات التي غابت عنا في الدنيا من أخبار السالفين وأيضاً من الأخبار المستقبلية ومنها أشراط الساعة.

    النوع الثاني: الغيب الذي هو غائب عن الدنيا، أو لا يتعلق بحياة البشر، وهو على صنفين:

    الصنف الأول: ما يتعلق بالغيبيات الكونية الكبرى التي لا علاقة لها مباشرة بحياة الإنسان، مثل ما يتعلق بأخبار السماوات وأخبار العرش والكرسي، والأمور التي هي موجودة حالياً في الدنيا لكنها فوق مدارك البشر ولا تتعلق بحياة البشر المباشرة.

    الصنف الثاني: الغيبيات التي تتعلق باليوم الآخر، وهذه الأمور كلها تسمى الإيمان بالغيب؛ لأنها غائبة عن المدارك، بل حتى تفصيلاتها غائبة عن العقول، وعن جميع المدارك .. فالحواس الخمس وغير الحواس لا تدركها حتى الوسائل العلمية الحديثة، ولذلك وسأستعجل هذه المسألة لأهميتها، لذلك ظن بعض الناس أن ما أدركته العلوم والكشوف العلمية الحديثة مما هو غائب عن البشر أنه نوع من الاطلاع على الغيب، وهذا خلاف القاعدة الشرعية، فكل ما أدركه البشر وما سيدركونه في مداركهم العلمية التجريبية الحسية أو غير الحسية التي تنبني على قطعيات.. هذه أمور كلها مما لم يكن غيب في علم الله عز وجل، لكنه غائب عن بعض البشر، ولم يكن غائباً عن آخرين، غائب عمن سبقونا واكتشفه المعاصرون وربما تحدث كشوف أخرى كثيرة جداً لا تخرق الإيمان بالغيب، بل هي نوع مما أطلع الله عليه عباده، لكن الغيب الخالص لا يمكن الاطلاع عليه، ولذلك جاءت هذه القاعدة، وهي أنه يجب على المسلم أن يسلم ابتداء بأنه مؤمن ومصدق بكل ما صح به الدليل.

    والدليل نوعان:

    أولاً: القرآن.

    ثانياً: ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، والذي يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم منه ما يصح ومنه ما لا يصح، فما صح بأسانيد صحيحة صار من الدليل الذي يجب الإيمان بمدلوله.

    إذاً: ما صح به الدليل هو القرآن، وما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد صحيح من جميع الغيبيات المذكورة في السابق واللاحق في الدنيا والآخرة، في الأرض وفي ملكوت السماوات، وما أخبر الله به مما هو فوق ذلك؛ لأن الله عز وجل أخبر عن الغيبيات بما هو فوق السماوات كالكرسي والعرش وهي مخلوقة، ولذلك جاء ضرب المثل بالعرش، فالعرش أعظم المخلوقات التي جاء خبرها عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، فهو أعظم المخلوقات، وهو محيط بالمخلوقات، وهو عرش المخلوقات، والله عز وجل أشار إلى العرش بإشارات كثيرة، منها ما يتعلق بصفات الله عز وجل وهو قوله سبحانه: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] واستواء الله يكون على ما يليق بجلاله، وينبغي ألا يفسر بلوازم المحدثات والمخلوقات، وقد خاض الناس في مسألة الاستواء بغير علم، واستواء الله عز وجل على عرشه على ما يليق بجلاله، فالعرش مخلوق، والله عز وجل ليس بحاجة إلى المخلوق، فاستواء الله على ما يليق بجلاله، والكرسي دون ذلك، وهو أيضاً محيط بالسماوات.

    وهذا بالنسبة للغيبيات التي هي عوالم من عوالم الكون ومخلوقات من مخلوقات الكون موجودة، وليست تتعلق بالمستقبليات، وهناك نوع آخر من الغيبيات المستقبلية ومنها الجنة والنار، ولها حالان:

    الحالة الأولى: وجودهما الآن، فلا شك أن الجنة والنار مخلوقتان وموجودتان الآن، لكن ليس على الهيئة الكاملة التي تكون عليها يوم القيامة، وبعد أن ينقسم الخلق إلى سعيد في الجنة نسأل الله أن يجعلنا جميعاً منهم، وإلى شقي في النار، وقبل أن ينقسم الخلق فالنار والجنة موجودتان الآن وبعد الآن.

    وكذلك مما يمثل به على الغيبيات ما يتعلق بالحياة التي بين حياتين: حياة الإنسان إذا مات، وتسمى الحياة البرزخية وقبل أن يبعث، هذه تسمى الحياة البرزخية؛ لأن البرزخ هو الموقع الذي يكون بين شيئين كالجسر، والحياة البرزخية تتمثل بالقبر، والقبر فيه غيبيات كثيرة وأحوال عجيبة جداً ومشاهد مروعة ومن ذلك نعيم القبر نسأل الله أن يجعلنا من المنعّمين وجميع المسلمين، فالنعيم له أحوال ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيجب الإيمان بها كما وردت دون عرضها على مقاييس البشر ولا على مقررات العقول؛ لأن العقول لا تعقل إلا مدركاتها، وأحوال البرزخ خارجة عن مدركات العقول، فنعيم القبر جاء فيه تفاصيل يجب الإيمان بها، وعذاب القبر نسأل الله العافية كذلك جاء فيه تفاصيل، وكل ميت لا بد أن يخضع لإحدى هاتين الحالين اللهم إلا ما ورد في الشهداء، وهذا فيه خلاف: هل يعني ذلك أنهم لا يعيشون البرزخ في أنهم في حواصل طير في الجنة؟ أو أنهم يعيشون حياة البرزخ لكن لهم حال أعظم وأسعد من غيرهم، الله أعلم، وهذا أمر غيبي ما جاء فيه فيما أعلم ما يقطع به.

    إذاً: البشر كلهم خاضعون لهذه الاعتبارات وهذه الغيبيات، ثم بعد ذلك ما بعد القبر، وهو داخل في الإيمان باليوم الآخر وهو النفخة الأولى والنفخة الثانية، والصعق والبعث، والنشور، والحساب، ويتخلل الحساب الصحف والميزان، ثم بعد ذلك الصراط وحوض نبينا صلى الله عليه وسلم نسأل الله أن يجعلنا جميعاً ممن يردونه، ونحو ذلك.

    كل ما ورد من غيبيات يجب الإيمان بها، ثم مما ينبغي معرفته أن هناك قواعد الإيمان بالغيبيات:

    القاعدة الأولى: أن نعلم أنها حقائق وليست مجرد أمثلة أو تخييلات أو مجرد تصوير أو تمثيل، وأن هذه الحقائق غائبة عن المدركات، ولا يمكن أن تقاس بغيرها من المدركات ولا يقاس بها غيرها، ولذلك فإن الذين استعملوا القياس في الغيبيات هلكوا، وهم صنف من الخرّاصين الذين ذكرهم الله عز وجل وتوعدهم بقوله: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ [الذاريات:10-11] بل القول في الغيبيات بغير ما ثبت به الدليل هو قول على الله بغير علم، والله عز وجل نهى عن ذلك، وأرشدنا بقوله سبحانه: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36]، بل يدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم حينما تجادل بعض الصحابة في بعض الآيات التي تتعلق بالغيب والقدر، قال: (أبهذا بعثتم؟ أبهذا أمرتم؟ تضربون آيات الله بعضها ببعض، قال: فما علمتم منه -أي: الدين- فاعملوا به، وما لم تعلموا فردوه إلى عالمه وقولوا: الله أعلم) ولذلك ميّز الله المؤمنين بالغيب؛ لأنهم سلّموا تسليم المذعن لله المسلّم الموقن والمصدّق بخبر الله وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم تسليم المبصر لا تسليم الأعمى؛ لأن الذي يسلم التسليم الأعمى هو الذي يقلد الآخرين من المخلوقين، أما الذي يسلّم لله عز وجل فهذه هي البصيرة، وبعض المفتونين أو من عندهم شبهات يظنون أن التسليم للغيبيات نوع من الحجر على العقل، وأنه نوع من التقليد والتسليم غير الرشيد، وهذا كله وهم، والتسليم للمخلوقين فيما لا علم لهم به نوع من التقليد الأعمى المذموم، لكن التسليم لله عز وجل والتسليم لرسول الله صلى الله عليه وسلم في خبره، هذا هو الإيمان الذي امتدح الله به، بل هو الإيمان بالغيب الذي امتدح الله به المؤمنين، وميّزهم عن غيرهم، فالمؤمنون بالغيب مُيّزوا عن غيرهم ومن أعظم ما مُيّزوا به الإيمان بالغيب، ثم بعد ذلك فإن هذه الأمور يجب الإيمان بها دون تأويل ولا تحريف، والتأويل هو البحث عن معانٍ يصرفها عن حقائقها، ومن مقتضى التصديق لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم أن نعلم أن كلام الله حق، وأن خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم حق، وأن هذه الغيبيات حق على حقيقتها على حسب علم الله عز وجل فيها، وكيفياتها مما لا يعلمه إلا الله، فهي حق، وإذا كانت حقاً فهي لا تقبل التأويل؛ لأن التأويل هو صرف لمعاني الألفاظ والكلمات من حقيقتها المباشرة إلى حقائق أخرى متوهمة أو متصورة أو يلجأ إليها عندما يصطدم الإنسان بحقائق الواقع، بينما أمور الغيب لا تصطدم بحقائق الواقع، فلا يحتاج فيها إلى تأويل، إذاً: (لا تأوّل) أي: لا تصرف معانيها إلى معانٍ مظنونة محتملة كما يفعل أهل التأويل، فمثلاً: الله عز وجل أخبر عن نفسه سبحانه بأنه على العرش استوى، ونحن نؤمن بهذا وأنه حق على ما يليق بجلال الله عز وجل ولا نزيد عما ورد في الشرع، فلا يجوز للواحد أن يتوهم أن الاستواء نظراً لأنه متعلق بالعرش والعرش مخلوق إذاً لابد أن نؤوّله بأن نقول: الاستواء هو الاستيلاء وهو الهيمنة أو السلطان! نعم، هذه المعاني من لوازم الاستواء، ولا شك أن الله عز وجل مهيمن ورب ومالك سبحانه، لكن لا بد أن نؤمن أن الاستواء لله عز وجل على عرشه حقيقة تليق بجلاله وكماله وليست كاستواء المخلوق، ومن هنا نؤمن بالحق كما ورد ونخلص من أنظار التأويل التي هي نوع من القول على الله بغير علم، بل نوع من الوقوع فيما نهى الله عنه من القول على الله بغير علم إلى آخره مما هو من اللوازم الباطلة للتأويل.

    أيضاً: كما أن الغيبيات حق على حقائقها فلا يعني ذلك أننا لا نؤمن بلوازمها، وبعض الناس يظن أن السلف وأهل السنة إذا قالوا بحقائق صفات الله عز وجل وأسمائه كما يليق بجلال الله وحقائق الغيبيات أنهم يجمدون على النص، ولا يؤمنون باللوازم والمعاني التي تدل عليها السياقات والتي جاء إثباتها من كل ورود النص! لا، يؤمنون بهذا وذاك، ويثبتون حقيقة الغيبيات وما يلزم ذلك من اللوازم الضرورية التي تلزم من الإيمان بهذه الأمور.

    1.   

    الإيمان بالشفاعة

    قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ الحادي عشر: الإيمان بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وشفاعة الأنبياء والملائكة والصالحين وغيرهم يوم القيامة، كما جاء تفصيله في الأدلة الصحيحة ].

    هذا تفصيل بعد الإجمال، لأن الشفاعة من الغيبيات، ويغلط بعض الناس جين يظن أن الشفاعة من الحقائق الاجتهادية العلمية القابلة للبحث والنظر؛ بل الشفاعة قضية غيبية جاء بها الخبر ولها شروط جاءت عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، والمقصود بالشفاعة أن هناك أناساً ينتفعون يوم القيامة بوساطة الغير.

    شروط الشفاعة

    والشفاعة لها شروط الأول: أن يأذن الله عز وجل للشافع أياً كان، حتى نبينا صلى الله عليه وسلم وهو أعظم الخلق وأزكاهم وأفضلهم لا يمكن أن يشفع إلا بعد أن يستأذن ربه عز وجل، ثم يؤذن له وكذلك البقية.

    الثاني: أن يكون المشفوع له ممن تقررت له الشفاعة، فلا شفاعة لغير مسلم؛ لأن الله عز وجل ذكر عن غير المسلمين أنه لا تنفعهم شفاعة الشافعين، وهذه قاعدة قطعية مجمع عليها.

    وقد ترد صورة واحدة جاء بها النص وليست شفاعة كاملة وإنما شفاعة جزئية، وهي شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب وهو مشرك بأن يخفف عنه من عذاب جهنم نعوذ بالله من جهنم.

    أنواع الشفاعة

    أولها: شفاعات النبي صلى الله عليه وسلم، وتدخل فيها صور، أولها: شفاعته للخلائق يوم القيامة بأن يفصل الله بينهم للقضاء، وهذا ورد فيه حديث طويل في الصحيح تضمن من مشاهد القيامة ما يوقظ القلوب الحية، كما امتلأت الأحاديث في ذلك بالعبر والعظات والتي تجعل العبد قريباً من الله عز وجل وأن يحبه ويتقيه ويخشاه، فهذه الشفاعة العظمى والكبرى هي أعظم الشفاعات، لأن البشر يوم القيامة يُحشرون طويلاً في يوم عصيب تدنو منهم الشمس، ويرون جهنم تزفر أمامهم، ويشاهدون من المشاهد المروعة ما لولا أن الله كتب عليهم ألا يموتوا لماتوا، ويكون الحشر طويلاً جداً، ثم بعد ذلك يموج بعضهم في بعض ويبحثون عمن يشفع لهم أمام الله عز وجل؛ لأن الباري سبحانه يغضب ذلك اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، فالبشر أمام الله عز وجل حينما استبانت لهم الحقيقة ورأوا أنهم فرطوا في دنياهم بأعمالهم لم يكن لهم على الله عز وجل حجة أن يقولوا أو أن يطلبوا، فذهبوا يطلبون ممن هم أقرب إلى الله، فظنوا أن آدم لأنه أبو البشر فهو الذي يشفع لهم إلى الله، فذهبوا إليه فاعتذر، ثم ذهبوا إلى نوح فاعتذر، ثم ذهبوا إلى إبراهيم وموسى فاعتذرا ثم إلى عيسى عليه السلام، فقال لهم: اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فإنه عبد قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهنا يوصف النبي صلى الله عليه وسلم بالعبودية، لأن العبودية لله عز وجل ليست ذلة، لكن العبودية للخلق إذلال، أما العبودية لله فهي تمام العز، ولذلك فأعظم مقام شرّف الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم هو عبوديته لله العبودية الكاملة، فالنبي صلى الله عليه وسلم مما يدل على أن الشفاعة لا تكون إلا بإذن الله لم ينس حق ربه عز وجل، بل استشعر هيبة الله وعظمة الله فذهب يدعو طويلاً يستأذن ربه عز وجل في أن يأذن له بالشفاعة، فيسجد تحت العرش ويدعو طويلاً طويلاً، ويدعو الله بمحامد يلهمه الله إياها، حتى يقول له الله عز وجل: يا محمد! ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفّع، وهذا والله هو المقام العظيم والوسيلة التي وعد الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم، هذا المقام المحمود مع أنه قد يدخل فيه غيره أيضاً، فالشاهد أن هذه أعظم شفاعة، وهي أن يشفع النبي صلى الله عليه وسلم للخلائق في أن يفصل الله بينهم للقضاء، ثم بعد ذلك تتوالى شفاعات النبي صلى الله عليه وسلم مثل شفاعته لأهل الكبائر، وشفاعاته لبعض أهل الجنة أن تعظّم درجاتهم فيها، وشفاعاته لناس استوت حسناتهم وسيئاتهم إلى آخره، فالنبي صلى الله عليه وسلم له شفاعات حسب ما ثبت في النصوص، ثم بعد ذلك يشفع النبيون، ويشفع الملائكة، ويشفع الصالحون والمؤمنون، وورد لبعض أفراد الناس شفاعات، فالقرآن له شفاعة لأصحابه ولقرّائه، والصيام له شفاعة، وكذلك الشهداء -إن ثبت النص- لهم شفاعة، وأطفال المؤمنين لهم نوع شفاعة.

    إذاً: الشفاعات تكون لمن أذن الله لهم ولا تكون إلا لمؤمنين صالحين وكما جاء تفصيله في الأدلة الصحيحة، ولا يجوز أن ندعي شفاعة لم يرد بها الشرع؛ لأن الشفاعة هي إذن من الله عز وجل، ولا يمكن أن نفترض شفاعة من أنفسنا أو نقول على الله بغير علم، أو ندّعي أن هناك لأحد من الخلق شفاعات لم تثبت، نعم! الشفاعات المطلقة ثابتة، أما كيف تكون فالله أعلم، فمثلاً: شفاعات المؤمنين كيف تكون؟ الله أعلم، وشفاعات الصالحين كيف تكون؟ الله أعلم، فلا نفترض لها صوراً؛ لأنها غيبية وتحدث يوم القيامة.

    ثم إن هذه الشفاعات يجب ألا تفتح باباً للمخلوقين في الحياة الدنيا أحياءً أو أمواتاً؛ لأن الشفاعات إنما تكون يوم القيامة.

    1.   

    الإيمان بالرؤية في الآخرة

    قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ الثاني عشر: رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة في الجنة وفي المحشر حق، ومن أنكرها أو أولها فهو زائغ ضال، وهي لن تقع لأحد في الدنيا ].

    هذه من المقامات العظيمة التي يتطلع إليها المؤمن ويتشوق إليها، وهي من الأمور الغيبية التي يجب ألا نزيد فيها عما ورد في الشرع، وهي أعظم النعيم الذي وعد الله به عباده، رؤية المؤمنين لربهم في الجنة بأبصارهم كما يليق بجلال الله عز وجل نسأل الله أن يمتعنا جميعاً بذلك.

    الرؤية في الجنة

    رؤية المؤمنين لربهم أعظم النعيم، ولا يدانيها شيء؛ لأن الله عز وجل وصفها بذلك وهي معلوم أمرها بالضرورة، فلا يعقل أن يتصور أحد أن هناك أعظم نعيم من التمتع برؤية الله عز وجل، ولذلك وصفها الله عز وجل بمثل هذه الأوصاف، قال سبحانه عن المؤمنين الذين يدخلون الجنة: لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق:35] فلا تحد بحد، بل كل ما يمكن أن يتمناه المؤمن في الجنة من النعيم يدركه ويحدث له.

    ثم بعد ذلك قال الله عز وجل: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:26]، وقال سبحانه ممتناً على المؤمنين: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ [القيامة:22] أي: يعني بهية مستبشرة إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:23] بعد أن نضرت بأعمالها الصالحة ونجت وزكت متعها الله بالنظر إلى وجهه الكريم، نسأل الله أن يجعلنا ممن يتمتعون بذلك.

    فرؤية المؤمنين لربهم في الجنة من الحقائق التي تواترت بها النصوص، وهي غيبية، ولذلك فإن الذين استعملوا عقولهم في الخوض في هذه الأمور وقعوا في هلكة؛ لأنهم خاضوا في أمور هم في عافية منها، وقاسوا رؤية الخالق عز وجل برؤية المخلوقين، وقالوا: لأنه يترتب على الرؤية كذا ويلزم منها إثبات الجهة لله عز وجل، مع أن الجهة لا نجعلها وصفاً لله ولا نقول بها حتى نفصّل، فإن قصدتم بالجهة العلو فالمؤمنون يرون ربهم من فوقهم كما هو نص حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فلماذا تنزعجون من الحق، وإلا لماذا تقولون: هذا يلزم منه جهة العلو والعلو كمال؟ وكل عاقل يدرك بعقله، وفكره وفطرته وبالحس والمشاهدة أن العلو كمال، إذاً: لماذا يتهيبون من إثبات العلو لله عز وجل، ولذلك نفوا الرؤية زعماً منهم أنه يلزم منها الجهة، وهربوا من إثبات العلو لله عز وجل.

    إذاً: الرؤية حق، لكن ولا نتكلم فيها بأكثر مما ورد به النص، كيف تكون؟ وهل كذا..؟ هذه أمور لا يجوز أن نخوض فيها؛ لأنها تطلع إلى الغيب المحجوب، ومما لا يعلمه إلا الله عز وجل خاصة فيما يتعلق بالله، فما يتعلق بالله عز وجل بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله والرؤية.. هذه أمور متعلقة بالله يجب على المسلم أن يتهيب ويتورع عن أن يخوض فيها أو يفتح لنفسه باب الأسئلة والإشكالات، فإن جاءته وساوس أو خواطر عارضة سيدفعها الإيمان بإذن الله، وإلا فإنه يسأل أهل العلم عل الله عز وجل يفتح عليه جواباً ينقذه من الوساوس، أما أن يبتدئ بالتوهمات فهذا من الغلط.

    الرؤية في أرض المحشر

    وقوله: ( وفي المحشر ) الرؤية يوم القيامة نوعان: الأولى: الرؤية في الجنة.

    الثانية: رؤية جاءت مجملة ولم تفصلها النصوص، فهذه تبقى هكذا ونؤمن بها إجمالاً، وهي أن الناس يرون ربهم في المحشر كما ثبت ذلك في النصوص، أما التفصيل في الرؤية في المحشر فلم يرد كما ورد من التفصيل في الرؤية في الجنة، ولذلك نقف على النصوص.

    ومما يجب معرفته أن الرؤية لا تكون إلا يوم القيامة، سواء في المحشر أو في الجنة، وعلى هذا لا يجوز ولا يعقل ولا يمكن أن أحداً يرى ربه بعينه في الدنيا، ولذلك حينما طلب موسى من الله عز وجل الرؤية، قال له الله عز وجل: لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143] تأبيد الحياة، ولا يعني ذلك تأبيد إلى ما بعد الحياة الدنيا، فلن للتأبيد في الحياة الدنيا؛ لأن الله عز وجل لا يحكم سننه الكونية ما بعد الدنيا، إنما هذه العبارات تحكم حياة الناس والزمان الذي نعيش فيه إلى قيام الساعة لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143]، وكذلك كل الخلق، لا يمكن أن أحداً يرى ربه بعين رأسه، قد يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم حينما عُرج به هل رأى ربه بعين رأسه، إن كان رأى فهذه خصوصية، فالنبي صلى الله عليه وسلم خصه الله عز وجل بأمور كثيرة لا تكون لغيره، لكن الراجح أن نبينا صلى الله عليه وسلم لم ير ربه بعين رأسه إنما رآه رؤية قلبية فؤادية الله أعلم بها.

    رؤية الله في المنام

    وهنا مسألة وهي: هل يمكن لأحد أن يرى ربه في المنام؟

    أولاً: الرؤية الحقيقية لا يمكن أن تكون لا في المنام ولا في اليقظة في الدنيا، لكن رؤية أحلام، بمعنى أن الإنسان يرى شيئاً يأتيه في الحلم أنه رأى ربه، فهذا حلم وليس بحقيقة.

    ثانياً: أن هذه أمثال تضرب، ولذلك فإن الناس إذا بالغوا في أمر غير حقيقي قالوا: هذا حلم، ويقصدون أنه وغير واقع وغير حقيقي، فلذلك إذا ادعى أحد أنه رأى في المنام شيئاً ظن أنه الله، فنقول: لن ترى الله على الحقيقة إنما هي أمثال ضُربت لك وأحلام، وليست رؤيا؛ لأن الرؤيا الصادقة لا تكون إلا للنبي صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: {رأيت ربي البارحة} وهذه خاصة به، أما ما يراه البقية من الناس فهي أحلام وأمثال تُضرب والأحلام ليست حقيقة، ولذلك لا نستطيع أن نحجر على أحد أنه إذا توهم في حلم من الليل أنه رأى شيئاً ظن أنه ربه.

    1.   

    قاعدة في كرامات الأولياء

    قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ الثالث عشر: كرامات الأولياء والصالحين حق، وليس كل أمر خارق للعادة كرامة، بل قد يكون استدراجاً، وقد يكون من تأثير الشياطين والمبطلين، والمعيار في ذلك موافقة الكتاب والسنة، أو عدمها ].

    كرامات الأولياء قد تكون من باب الرؤى وقد تكون من باب الفراسة، وقد تكون خوارق أخرى، ومعنى ذلك أن الله عز وجل قد يُكرم بعض عباده بكرامات يتهيأ لهم أمور غير معتادة عند الناس، وهذه الأمور قد تكون معنوية وهو الغالب، وقد تكون حسية أيضاً، فقد يفتح للإنسان من الأشياء التي لا يُعتاد أن تنفتح له، فتحدث له، وهذا راجع إلى قدرة الله عز وجل، لكن هذه الخوارق لا تكون كرامات إلا إذا كانت لمؤمن صادق صالح توافرت فيه شروط الكرامة، بمعنى أنها لا تتعارض مع الكتاب والسنة ولا تؤدي إلى بدعة ولا إلى محرّم ولا إلى فواحش الأمور ورذائل الأخلاق، ولا تؤدي إلى الكذب، ولا إلى الظلم، ولا إلى الخيانة إلى آخره.. فالخارق للعادة إذا كان يحقق الخير الذي جاء به الإسلام فهو كرامة، وأيضاً قد يكون سبباً للاستدراج، فلا يغتر المؤمن بذلك، بل ينبغي إذا رأى شيئاً فيه قرائن الكرامة فليحمد الله وليستبشر خيراً لكن لا يغتر؛ لأن هذه الأمور قد تلتبس فيها عبث الشياطين والجن بالكرامات، فتكون بعض الخوارق من باب الفتن ويظن صاحبها أنها كرامة.

    1.   

    الولاية للمؤمنين

    قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ الرابع عشر: المؤمنون كلهم أولياء الرحمن، وكل مؤمن فيه من الولاية بقدر إيمانه ].

    هذه قاعدة عظيمة وهي أن المؤمنين كلهم لهم حقوق، والمؤمن أخص من المسلم؛ لأن الإسلام قد يكون مجرد الخضوع الظاهر للدين فيدخل فيه المنافق، ونظراً لأن هذه أمور لا يعلمها إلا الله عز وجل فالوصف الذي يجمع الصالحين من المسلمين هو الإيمان، والمؤمنون هم المسلمون الذين شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتحقق فيهم ولو أدنى الإيمان، ومن هنا يخرج المنافق الخالص الذي ليس فيه خصلة من النفاق، وتبقى القاعدة للمؤمنين، فمن عنده أدنى ذرة من الإيمان يبقى له هذا الحق، وهو الولاية لله عز وجل، فكل مؤمن فيه من الولاية لله بقدر ما فيه من الإيمان والاستقامة، فمن زاد إيمانه واستقامته والتزامه لدين الله وشرعه زادت ولايته لله، ومن نقصت نقصت، ومن اختلت اختلت، ولكن لا يُعدم المؤمن من وجود ولاية بقدر إيمانه.

    وقد يقول قائل: هل الفسّاق والفُجّار وأهل البدع فيهم ولاية لله؟ نقول: نعم، إذا كان عندهم شيء من الإيمان الصادق لله عز وجل، وشيء من محبة الله ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم والتزام واجبات الإسلام وفرائضه، ففيهم من الولاية بقدر ما فيهم من هذا الخير، وإن كان عندهم فسق وفجور، وبالعكس فإن كل مؤمن تنقص ولايته بقدر ما يرتكب من المخالفات، فإن نقص إيمانه نقصت ولايته، بأن عمل الفسق أو الفجور أو المعاصي نقصت ولايته، لكن لا تنعدم، وعلى هذا فكل مؤمن فيه من الولاية بقدر إيمانه.

    ومسألة الولاية غير مسألة الولاء والبراء، فالولاء والبراء نتيجة، والولاية أصل؛ لأن الولاية تلزم كل مؤمن، والولاء والبراء عبارة عن استثمار اعتقادي وعلمي وسلوكي بهذا الإيمان عند المؤمن.

    إذاً: كل مؤمن ممن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وهو على أصل الإسلام فإن له من الولاية لله بقدر إيمانه، فمتى ما نقص الإيمان سواء كان الإيمان علمياً أو عملياً أو اعتقادياً نقصت الولاية، ومتى ما زاد زادت، ولذلك قد يكون المؤمن من خلّص أولياء الله إذا كان قائماً بالفرائض وبالواجبات، آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر، ملازماً للاستقامة قدر استطاعته، لأن الاستقامة مشروطة بالاستطاعة.. فهذا بإذن الله يكون من أولياء الله، فالولاية الخالصة تحدث في مثل ما وصف النبي صلى الله عليه وسلم الأولياء بقوله عن الله عز وجل في الحديث القدسي: (ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه) هذه هي الولاية، المحبة الكاملة: (فإذا أحببته كنت بصره الذي يبصر به، وسمعه الذي يسمع به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه) ولا يحصل هذا إلا لأصحاب الدرجة العالية، وكل مسلم يستطيع أن يتطلع إلى هذا ويصل إليه بإذن الله إذا بذل الأسباب، ولذلك يجب على المسلم دائماً أن يسعى إلى مثل هذا المقام، وهو ليس بصعب بل يسير، وهو طريق أمن وسعادة، وطريق هناء وطريق سهل جداً، ولكن يحتاج إلى عزيمة وترويض للنفس، فمن عزم وروض نفسه واستقام على دين الله وعلى ما شرعه الله وشرعه رسوله صلى الله عليه وسلم فبإذن الله يصل إلى هذه الولاية بسهولة.

    أسأل الله للجميع التوفيق والسداد.

    1.   

    الأسئلة

    تحديد الجنس في بطن أمه

    السؤال: يلتبس عند بعض الناس خاصة في تقدم الطب في العصر الحاضر أنهم يستطيعون تحديد نوعية جنس الجنين في بطن الأم في مراحل الأشهر الأولى، وأن علم الأجنة من العلم الغيبي، كيف يوفق بين هذا؟

    الجواب: ظهرت كشوف حديثة في الطب وغيره تقدمت في كشف بعض الأمور المغيبة عن أجدادنا، وعن البشرية في السابق فيما نعلم، وإلا فالبشرية مرت ببعض الحضارات القديمة ربما تكون وصلت إلى مثل هذه الكشوف أو قريب منها، لكن حسب ما نعلم الآن اكتشاف أشياء من الأمور التي كانت مغيبة عن السابقين لم تكن معروفة.

    فكل ما يُكشف بالوسائل العلمية الثابتة ليس من الغيب، ولم يكن من الغيب من قبل، بل كان غائباً عن أناس ولم يكن من الغيب الخالص؛ لأن الغيب غيبان: غيب غائب عن مخلوقات ولم يغب عن البعض الآخر، فهذا ليس هو الغيب المقصود في القرآن والسنة، والدليل على هذا أن هناك أموراً مغيبة عن البشر لكن تدخل في مدركات الجن، وهناك أمور غائبة عن البشر وعن الجن ولكن تدخل في مدركات الملائكة، فهي ليست غائبة عن صنف من المخلوقات، ولكنها غائبة عن صنف آخر، فهذه قد لا تكون من الغيب الخالص.

    أيضاً ما يتعلق بأن الله عز وجل يعلم ما في الأرحام وهذا رد، لكن هل جاء النفي القاطع بأن البشر لا يعلمون كل ما في الأرحام؟ لا. فيجب أن تفسّر النصوص على ضوء الحقائق العلمية، ولا يمكن أن تتناقض الحقائق العلمية مع نصوص الشرع أبداً، إنما مفاهيمنا هي التي قد تقصر أحياناً.

    فعلى هذا فما أشار إليه الله عز وجل من أنه يعلم ما في الأرحام، لا يعني أن الله لا يطلع عباده إذا توفرت وسائل العلم على بعض ذلك، ومع ذلك تبقى نسبة من علم مما في الأرحام لا يعلمها إلا الله كما قال: وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ [لقمان:34] وهذا مطلق لا يتعلق بأفراد النساء أو المسألة الفردية عند المرأة، لأن ما في الأرحام قد يدخل فيه الأمور التي تتعلق بالأرحام في المستقبل.

    إذاً: لا بد أن تبقى نسبة من الغيب محجوبة، والعلماء المختصون يعترفون بذلك، فعلى هذا فإن الكشوف العلمية التي كشفت شيئاً مما يظن الناس أنه الغيب هو لم يكن من الغيب المحجوب الخالص، إنما الغيب الخالص الذي يتعلق بملكوت السماء والأرض ما لم يجعل الله للبشر عليه سبيلاً: ما يتعلق بالعرش، وبالكرسي، وباليوم الآخر.. هذه أمور من الغيب الخالص، وهذا لا يمكن أن يُكشف إلا بما ورد به الدليل.

    إذاً: ما ينكشف للناس بالعلوم التجريبية وبالعلوم الحديثة من الأمور التي يظن أنها غيب ليس هو من الغيب الآن، وأصبح جانب الغيب جانباً آخر غير ما وصلوا إليه ولا شك، والله أعلم.

    شفاعة المؤمن في الجنة للمعذب في النار

    السؤال: هل صحيح أن المسلم إذا كان في الجنة ورأى أخاه في النار فإن هذا المسلم يطلب من الله أن يشفعه في هذا الذي في النار فيشفع فيه ويخرج من النار، وأن هذا من زيادة النعيم له؟

    الجواب: هذا داخل في عموم ما ورد به النص من أن المؤمنين يشفعون شفاعة عامة وخاصة، أي: أن المؤمن الرجل الصالح يشفع لمن شاء من أهل الكبائر الذين دخلوا النار، وهذا هو معنى ثبوت الشفاعة للمؤمنين، لكن هل ثبت لأعيان أو كذا؟ هذا ما ورد به النص، وورد النص إجمالياً أنه كما يشفع الأنبياء والملائكة كذلك يشفع المؤمنون، لمن في النار ممن استحقوا النار لذنوب تقتضي تطهيرهم ثم خروجهم منها.

    الرؤية في المحشر

    السؤال: بالنسبة لرؤية الناس لله سبحانه وتعالى في المحشر، هل هي عامة أم أنها للمؤمنين؟

    الجواب: رؤية الناس في المحشر وردت بنصوص مجملة، والمتأمل للنصوص يجد أن الرؤية وردت على سياقات، السياق الأول: أن أهل المحشر كلهم، مؤمنهم وكافرهم يرون ربهم رؤية لم تفسّر، هل هي رؤية حقيقية أم قلبية؟ الله أعلم، ثم بعد ذلك يراه المؤمنون ويراه معهم المنافقون، وهذا نكاية بالمنافقين؛ لأنهم إذا رأوا أن الله عز وجل أطمعهم في الرؤية ظنوا أنهم لا يزالون يخادعون الله، فيكون هذا أشد للنكاية بهم في المحشر نفسه والرؤية الأخيرة تكون للمؤمنين فقط، ويحتجب الله عن الكافرين والمنافقين؛ لأنهم كما قال عز وجل: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:15]، وهذا هو الظاهر من سياقات النصوص.

    هل يلزم من الكلام الرؤية؟

    السؤال: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان) هل يلزم رؤية الله سبحانه وتعالى؟

    الجواب: الذي ورد أن الكلام بينه وبين الله بأن يكلمه كفاحاً ليس بينه وبينه ترجمان، لكن هل يتضمن هذا الرؤية أو لا يتضمن؟ ليس هناك دليل يقيني، لكن ورد أن الله عز وجل يكلم كل واحد من عباده، ويكلمه كفاحاً ليس بينه وبينه ترجمان، ولكن هل يلزم من هذا الرؤية أو لا يلزم؟ هناك دلائل على أن الكلام يكون معه رؤية لكن ليست قطعية، فتبقى المسألة محتملة وليست من الأمور اليقينية.

    رؤية الذين يخرجون من النار لربهم

    السؤال: المسلم الموحّد إذا عمل بعض الذنوب ووضعه الله عز وجل في نار جهنم بقدر ذنوبه، فهل عند خروجه من النار ودخوله الجنة يرى الله عز وجل مثل المؤمنين الذين دخلوا الجنة من أول وهلة؟

    الجواب: الموحّد إذا ارتكب بعض الذنوب وقدّر الله له أن يُعذّب في النار، فهو يخرج بإذن الله عز وجل وبشفاعة الشافعين، شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر، ثم شفاعات المؤمنين وغيرهم.

    وأما عند خروجه من النار ودخوله الجنة فإنهم سيتمتعون برؤية الله عز وجل، والنصوص تدل على أن هذا لجميع أهل الجنة المتقدم منهم والمتأخر، حتى من طهّر في النار ثم دخل الجنة فيما بعد فهو بإذن الله يشمله نعيم الجنة.

    ضمة القبر للمؤمنين

    السؤال: ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من أن للقبر ضمة، فهل الضمة هذه عامة يضمها جميع المسلمين؟

    الجواب: الظاهر أنها عامة، لكنها للمؤمن خفيفة، وتكون لمن يستحق أشد من ذلك.

    صفة الصراط

    السؤال: هل ورد أن الصراط واسع أو ورد فقط أنه أدق من الشعرة؟

    الجواب: الذي ثبت أن الصراط رفيع دقيق، أما السعة فليس عندي فيها علم، وأظنه يتنافى مع كونه كالشعرة، إذا كان الطول على متن جهنم فهذا بمعنى أنه طويل، لكنه من حيث السمك فهو رفيع كحد السيف وكالشعرة.

    مفهوم قوله تعالى: (ولا ينظر إليهم يوم القيامة)

    السؤال: هل تفسير قوله تعالى: وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:77] بأن معناها: لا يرحمهم ولا يحسن إليهم، وهل هو تعطيل وتأويل لصفة النظر التي أثبتها الله جل وعلا لنفسه، علماً بأن هذا التفسير منتشر على هوامش مصاحف التجويد؟

    الجواب: هذا هو المفهوم من السياق، لكنه لا ينبغي حصر المعنى عليه، (( وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ )) تشمل أن الله لا يبالي بهم، وأنه عز وجل يعاقبهم، كما يشمل ما هو أوسع من ذلك، بأنهم قد لا يتمتعون برؤية ربهم عز وجل، وبمعنى أن الله عز وجل لا يرعاهم الرعاية التي يستحقها غيرهم من جميع وجوه الرعاية، فليست محصورة بنوع من الرعاية فقط وإلا فهذا هو السياق، ويفهم منه أن الله عز وجل لا يعطيهم الرعاية التي تكون لغيرهم.

    شفاعة الشهيد وحامل القرآن

    السؤال: هل صحيح أن الشهيد يشفع لسبعين من أهله وجبت عليهم النار، وحامل القرآن يشفع لعشرة، وما هو الدليل؟

    الجواب: أما الشهيد فالراجح أن الدليل صحيح فيه وثابت بأنه يشفع لسبعين، أما ما يتعلق بالشق الثاني فلا أعلم له أصلاً.

    شفاعة الطفل المتوفى لأبيه

    السؤال: كيف يشفع الطفل المتوفى لأبيه؟

    الجواب: الشفاعة جاءت مجملة، وشفاعة الأطفال لأبيهم هو أنهم يمسكون بآبائهم ويتشبثون بهم يوم القيامة، فيرحم الله عز وجل الآباء والأمهات بهم، لكن بشرط أن يكونوا من المؤمنين، أما الكافر فلا تنفعه شفاعة طفله، وقد وردت الشفاعة مجملة ولا أعرف أنها فصلت في النصوص.

    الأمور الغيبية عند أهل الكتاب

    السؤال: في عقيدة أهل الكتاب بعض الأمور الغيبية توافق الأمور الغيبية عندنا، فكيف يوفّق طالب العلم بين ذلك؟

    الجواب: إذا اعتقدوا بعض الحق الذي عندنا فلا يمنع هذا أن يكون حقاً عندهم؛ لأن نصوص وكتب أهل الكتاب حُرّفت لكنها لا تخلو من شيء من الحق، ولذلك ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن روايات أهل الكتاب وروايات بني إسرائيل لا تصدق ولا تكذب، فإن ثبت أنها كاذبة فهذا أمر مفروغ، وإن ثبت أنها صادقة لكن لم يثبت هذا ولا ذاك فإنها تبقى خاضعة للنظر المنهجي، فما وافق الحق عندنا فهو حق وإن قالوا به، وما لم يوافق الحق فيرد، فقد تكون بعض الأخبار وبعض الأمور والأصول التي يؤمن بها أهل الكتاب مما يوافق الحق عندنا، فلا يعني ذلك أننا نكذّب كل ما يقولونه.

    رؤية الله في المحشر

    السؤال: ما هو الدليل على رؤية الله في المحشر؟

    الجواب: ورد في صحيح مسلم وغيره أن الله عز وجل يتجلى للخلق ويتبدى، ويقول: أنا ربكم، فيقولون: لست ربنا، ثم بعد ذلك يتجلى مرة أخرى، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعم، بالصورة التي يعرفونه فيها، أي: أنه ورد في السياق أحاديث صحيحة في صحيح مسلم وغيره، وسياق الحديث طويل، وورد على عدة وجوه وعدة ألفاظ، فهو ليس حديثاً محتملاً، إنما لم يرد في هذه الأحاديث دليل قطعي على الرؤية البصرية التامة بالعين الباصرة كما يكون في الجنة.

    الشك في العقيدة

    السؤال: ماذا يفعل من يأتيه شك في العقيدة، وأحياناً يأتيه أثناء الصلاة والقراءة، وهل هذا ينقص من إيمانه، مع العلم أنه عندما تأتي هذه الشكوك لا ينقص من أفعاله الصالحة، ولكن تؤثر عليه في نفسه بالحزن وظنه أنه منافق؟

    الجواب: ما دام أن الإنسان باقٍ على عمل الصالحات، فمعنى أن هذه الخواطر والهواجس لم تبلغ الحد الذي يطلبه الشيطان، وأن هذا لا يزال عنده أصل الإيمان ويدافع هذه الوساوس ويؤجر عليها، لكن أحب أن أوصي من يشعر بهذا الشعور بأمور:

    أولاً: أن يتفقه في دين الله عز وجل، خاصة في الأمور التي يجد فيها الوسواس، إما على عالم أو طالب علم أو من خلال الأشرطة أو الدروس المهيئة الآن عبر الوسائل، ويتعمق فيها من أجل أن يكون عنده يقين فيها بالدليل، فتزول أسباب هذه الأوهام والوساوس.

    ثانياً: أن يكثر من الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، ويكثر تعلق قلبه بالله عز وجل بكثرة التسبيح والتهليل وعمل الصالحات، فلا يبقى للشيطان منفذ ليورد في الخاطر هذه الأمور.

    ثالثاً: إذا كان الأمر وصل إلى أن الإنسان ينزعج ويؤثر هذا على حياته، ويكدر صفو الحياة عليه، وهذا قد يوجد عند بعض الناس، فأخشى أن تكون هذه بوادر وسواس مرضي، فينبغي أن يعالج نفسه بالرقية وبالعلاج الطبيعي عند أطباء النفس، لأن الأطباء النفسيين عندهم من الوسائل والتشخيص ووصف العلاج ما يخفف هذه الأمور أو يلغيها، فأرجو ألا يتساهل من يشعر بذلك ولا يظن أن التداوي يتنافى مع الأخذ بالأسباب الشرعية، هذا وهم يشعر به كثير ممن عندهم مثل هذه الأوهام والوساوس والخواطر، ويظن أن هذا عيب أيضاً وهذا كله خطأ، فهذا امتحان من الله عز وجل وابتلاء، ويؤجر الإنسان بمدافعته لهذه الأمور، فينبغي أن يحتسب الأجر عند الله ثم يتداوى، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (تداووا عباد الله) فيبذل مع الأسباب الشرعية من الرقية والأوراد والأذكار والتسبيح ومجالسة الصالحين والعلم الشرعي ما يصرف القلب عن هذه الأمور، وأيضاً يتداوى الدواء الطبيعي، والعلاج المادي مطلوب؛ لأن الإنسان عليه أن يبحث عما يريحه في عبادة الله، ويصفّي ذهنه؛ لئلا يشغله الشيطان بهذه الشواغل، فيجب أن تؤخذ الأمور بهذا التدرج، وإذا أمكن علاجها بالأسباب الذاتية والشرعية فهو أولى وإذا ما أمكن فلا بد من مراجعة الطبيب.

    مسألة حرمان العاصي من دخول الجنة

    السؤال: هل مرتكب المعاصي من الذين يشربون الخمر ويسمعون الغناء يحرمون من دخول الجنة عملاً بقوله سبحانه وتعالى: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا [الأحقاف:20]؟

    الجواب: مرتكب المعاصي مصيره الجنة، مهما ارتكب من الذنوب ما لم تكن ردة أو شركاً، وما لم يخرج من الملة.. ومهما ارتكب من الذنوب فإن مصيره الجنة، فإذا تاب قبل موته فالأصل فيه أن الله يتوب عليه فيما نعلم ظاهراً والله أعلم بالسرائر، فمن تاب تاب الله عليه، لكن إذا مات وهو على كبيرة أو كبائر إما فسق أو فجور أو بدع أو غيرها.. فإذا مات على هذا فهو يوم القيامة تحت مشيئة الله، إن شاء الله غفر له وقد يكون ذلك بأسباب وقد يكون بمحض مشيئة الله ورحمته وعطفه سبحانه، وإن شاء عذبه، أي: أنه يدخل النار لتطهيره من المعاصي، ثم إذا دخل النار فإنه يخرج منها حتماً؛ لأن مصيره إما بالشفاعة أو بغيرها، أن يُطهّر في النار ثم يخرج منها إلى الجنة، وإذا دخل الجنة تمتع بما يتمتع به أهل الجنة من النعيم، وأهل الجنة قد يتفاوتون في النعيم، لكن نوع النعيم في الجملة لا يخص أحداً دون أحد، فإذاً: مصير مرتكب الكبائر من المؤمنين هو الجنة في النهاية حتى وإن عذب بعضهم.

    معنى حجب علم ما في الأرحام

    السؤال: ألا يحمل قوله تعالى: وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ [لقمان:34] على أن حجب علم ما في الأرحام يكون قبل إرسال الملك، وأمره بنفخ الروح فيه؟

    الجواب: لا يلزم؛ لأن الطب الحديث صار ممكناً أن يحكم ببعض الأمور في الأرحام حتى قبل نفخ الروح؛ لأن نفخ الروح على مراحل، منها: أن نفخ الروح بمعنى الحياة الكاملة، وهذه تكون بعد أربعة أشهر، وأما مبادئ الروح فقد ورد فيها نصوص وأقرها الأطباء قبل ذلك في الأربعين أو في الثمانين بأن هناك نوع من الحياة والروح غير الكاملة، فعلى هذا فالروح على مراحل، ثم بعد ذلك ثبت أنهم الآن يكتشفون أشياء كانت مغيّبة عن السابقين حتى في بداية النشأ، والإنسان نطفة لكن لا يعني ذلك أنه كل ما في الأرحام، أن ما تبيّن للعلماء لم يصبح غيباً، ما دامت توفرت أسباب البيان والكشف، فعلى هذا يبقى الغيب مرحلة تسبق ذلك، والله أعلم.

    شفاعة الغريق لسبعين من أهله

    السؤال: هل صحيح أن الغريق يشفع لسبعين من أهله؟

    الجواب: الغريق يدخل في عموم الشهيد، فالشهيد بالغرق والحرق والهدم، وكذا المبطون الذي يصاب في بطنه فجأة، كما يدخل فيما يظهر حالات كثيرة مما يسميها الناس بغير أسمائها، وربما بعض أنواع الموت الفجأة وليس كله، هؤلاء ثبت أنهم شهداء، فإذا ثبت أنهم شهداء فالراجح والله أعلم أنه يشملهم شهادة الشهيد، مع أن بعض أهل العلم قال: إن المقصود بالشهيد هو شهيد المعركة، ولكن ليس فيما أعلم على هذا دليل يخصصه، فيبقى النص على عمومه، والله أعلم.

    رؤية المؤمنين لربهم بالعين المجردة

    السؤال: قلتم يا شيخ: إن الرؤية لا تكون بالعين المجردة، فهل هذا هو اعتقاد أهل السنة والجماعة، وما هو الدليل وما المانع من ذلك؟

    الجواب: أما في الدنيا فلا تكون؛ لأن الله عز وجل قال لنبيه موسى عليه السلام وهو من النبيين الذين أكرمهم الله عز وجل وأعطاهم من المعجزات ما لم يعط غيرهم، قال: لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143]، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا)، والنصوص توافرت على أنه في الدنيا لا أحد يرى ربه بعينه، ويستثنى من هذا إن ثبت رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه بعينه، فهذا أمر خارق مثل ما أن الإسراء خارق، والمعراج خارق، وكون النبي صلى الله عليه وسلم وصل سدرة المنتهى وهي منزلة لم يصلها أحد، بل وصل إلى مقام لم يصله جبريل عليه السلام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم له خصوصيات دون غيره فالراجح أنه رأى ربه بفؤاده، أما غيره فلا يمكن أن يراه في الدنيا؛ لأن هذا يتنافى مع قطعيات النصوص.

    رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه في ليلة المعراج

    السؤال: ما تفسير قول السيدة عائشة رضي الله عنها: منّ أخبركم أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية؟

    الجواب: مقصودها واضح، فقد ورد عنها وعن غيرها أنها تقصد نفي الرؤية العينية، وهذا استدل به كثير من أئمة العلماء والسلف بأثر عائشة على أنه لم ير ربه بعينه، ولذلك أنكرت حينما سألها مسروق ؟ قالت: لقد قش شعر رأسي مما تقول، تعظيماً لله ولشأن الله سبحانه، وهذا مما يدل على أن تعظيم السلف لله سبحانه، إذا جاء أمر فيه احتمال إساءة ظن بالله أو إساءة أدب مع الله فإنها تقشعر جلودهم من خشية الله وخوفه، فهي اقشعر جلدها من خشية الله وتعظيمه، ظناً منها أنه يسأل عن رؤية العين الباصرة، وهذا معنى كلام عائشة وهي لا تنفي الرؤية القلبية.

    حقيقة ما يذاع من اكتشاف أصوات في القبر

    السؤال: هناك شريط خرج في السوق بخصوص عذاب أهل البرزخ بأنهم اكتشفوا في سيبيريا مكاناً بأجهزة علمية أن هناك أصوات نساء ورجال يصرخون، فما مدى صحة هذا؟ وهل تكون من الغيب المعترف به بالأجهزة العلمية؟

    الجواب: هذا من الخوض والتخبيط الذي لا نبالغ فيه، لأن عالم الغيب لا علاقة له بعالم الشهادة، ولا يجوز أن نلتمس وسائل علاقة، لا علمية ولا عقلية ولا معرفية ولا حسية، بل إن هذا من أمور الدجل، لأنه لا يمكن أن تكون الوسائل العلمية والكشوفات وسيلة إلى كشف الغيب، ولا إلى الاستدلال على الغيب، وبعض الناس يفرح بمثل هذا ظناً منه أن هذا يثبت عذاب القبر للخلق.

    عذاب القبر للخلق ونعيمه إذا ما سلّم به الإنسان لخبر الله وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم فلن يستجيب للوسائل والكشوفات إلا أنه قد يكون لأفراد قلائل قد يفيد أناساً لكن ليس هو الحق، فلا نقر به كوسيلة مشروعة؛ لأن نعيم القبر وعذابه من النوع الذي لا يكون من مثل ما في الدنيا، وما جاء النص يدل على أن القياس يستحيل، وقياس أحوال الموتى على أحوال الأحياء من وجوه كثيرة تدل عليها النصوص، مثل ما وصف النبي صلى الله عليه وسلم نوع العذاب الذي في القبر، فهذا لا يمكن أن يتأتى بالمقاييس المادية إطلاقاً؛ لأن القبر يحدث فيه للمؤمن بأن يُفسح له مد بصره والمقبرة فيها آلاف الأموات! فإذاً: لا يجوز أن نقيس لأنه يحدث تشويش وخلل، فما أشيع بأن الأجهزة كشفت بأنهم يصرخون ويبكون في القبور فهذا أحد أمور:

    أولاً: إما أن يكون من عبث الجن والشياطين بالخلق وهو الغالب.

    ثانياً: أن يكون هذا دجلاً وليس حقيقة، ولذلك ينبغي للمسلمين أن يكون عندهم نوع من التحري والتثبت في مثل هذه الأحوال.

    ثالثاً: لو تصورنا أنه قد يكون هذا من أمور الغيب، فليس هذا هو وسيلة لكشف الغيب، ولا نستطيع قطعاً أن نقول: هذه حقيقة، فيبقى على أقل الأحوال أمراً مشكوكاً فيه، فمن هنا ليس هو وسيلة لكشف الغيب ولا يجوز أن نثبت عذاب القبر ونعيمه بهذه الوسائل، بل هذا مصدر فتنة ونوع من الدجل والقول على الله بغير علم، بل يجب أن نبتعد عن هذه الوسائل وأشباهها، ونؤمن بالغيب دون أن نلجأ لمثل هذه الأمور التي فيها مداخل للشياطين والدجالين، وفيها مدخل لضعفاء النفوس الذين يرتزقون بمثل هذا الأمور، والله أعلم.

    السؤال: ما ورد أن في الجنة حدائق، وأن النار أضعاف نار الدنيا، فهل هذا مخالف لقاعدة الغيبيات؟

    الجواب: لا، فما ورد نؤمن به، بمعنى أنه ورد أن الجنة فيها أشجار وأنهار وأنواع الملذات التي وصفت، لكنها مع اختلاف في النوع واختلاف في درجة النعيم، بمعنى أن ما في الدنيا أمثال يسيرة صغيرة مما في الآخرة.

    وأيضاً فإن النبي صلى الله عليه وسلم حينما أخبر بنعيم الجنة قال: (وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) مجرد خاطر، فيدل أن هناك تشابهاً لفظياً وتشابهاً في بعض المعاني لبعض نعيم الجنة مع ما في الدنيا، أو بعض عذاب النار مع ما في الدنيا، وضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً للنار بأنها جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم وهذه التجزئة لا ندري ماذا تعني، فهذا كلام مجمل، والمجملات لا نفسرها بتحكم.

    إذاً هناك أشياء في الجنة وفي النار تشبه ما عند الناس، وهناك ما لا يمكن أن يخطر ببال.

    رؤية الله في الآخرة بصرية تامة

    السؤال: هل الرؤية لله عز وجل في الجنة رؤية بصرية تامة؟

    الجواب: نعم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنكم سترون ربكم عياناً)، والصحابة رضي الله عنهم حينما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الرؤية سألوه عن الرؤية العينية هل تكون؟ فقال: (إنكم سترون ربكم عياناً) ثم ضرب مثلاً لوضوح الرؤية ومصداقيتها فقال: (كما ترون القمر ليلة البدر، كما ترون الشمس ليس دونها سحاب).

    إذاً قد ثبت بالنصوص القطعية أن الرؤية عينية لكن تستجد أمور للخلق يوم القيامة، وبعض الناس يقول: كيف تكون هناك حاسة تدرك رؤية الله عز وجل؟ نقول: الله عز وجل هو الذي يخلقها لعباده، وهو الذي يقدرهم عليها لكن لا يحيطون به سبحانه؛ لأن بعض الذين أنكروا الرؤية توهموا أنها رؤية إحاطة، والله عز وجل لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، بمعنى لا تحيط به، فحينما يرون ربهم هم يرونه بالقدر الذي يهيئه الله عز وجل لهم، ولا يعني أنهم يحيطون بالله رؤية ولا أننا نشبه الرؤية بالرؤية إلا من حيث الوضوح، والنبي صلى الله عليه وسلم حينما ضرب رؤية المؤمنين مثلاً برؤية الشمس والقمر، فهذا من حيث الوضوح والجزم لا من حيث تشبيه المرئي بالمرئي، فالله ليس كمثله شيء سبحانه.

    صحة رؤية سفيان الثوري لربه تعالى في المنام

    السؤال: ذكر في بعض تراجم سفيان الثوري رحمه الله أنه قال: رأيت ربي في النوم، فقال: يا سفيان ! أنا ربك وأنت عبدي فاطلب ما تريد، فقلت: أمتني على الإسلام، فقال: بل وعلى السنة، هل هذه الرواية صحيحة، وإن كان ذلك صحيحاً فما هو تفسير ذلك؟

    الجواب: ليس عندي علم بهذه الرواية.

    ولاية العبد لربه

    السؤال: ما الفرق بين أن يكون الإنسان ولياً لله، كما قال تعالى: إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ [الجمعة:6]، أو أن يكون الله ولي الإنسان: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة:257]، وأيها المقصود في الأصل: الله ولي الإنسان، أم أن الإنسان ولي لله؟

    الجواب: هذه متلازمة، إن كان ولياً لله عز وجل فالله وليه، والله يتولى المؤمنين، وكذلك المؤمنون أولياء الله، فالولاية من الله عز وجل هي الحفظ والرعاية والإعانة والتوفيق والتسديد ومحبة الله لهؤلاء الخلق، والولاية للخلق هي عبوديتهم لله وخضوعهم له، فهي من الطرفين لكن لله على الوجه الكمال وللمخلوق على قدر حقه ونقصه.

    علاقة معرفة الغيب بالتوقعات والظنون

    السؤال: يتداول في بعض المنتديات موضوع ارتطام نيزك عظيم على كوكب الأرض سنة 2016م سيهلك ثلث الأرض، هل هذا من ادعاء علم الغيب، علماً بأن الخبر منذ سنوات، وكان قد أشيع أنه سنة 2013م والآن تأخر ثلاث سنوات، ويقول البعض: لعله يوم القيامة، أرجو نصيحة لهؤلاء جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: هذه أمور هي توقعات، فلا يجب أن نتعلق بها، ولو حدثت فلا يمكن أن يحدث منها ما يلغي النصوص الشرعية من أنه في آخر الزمان ستحدث أحداث جسام وصفها كذا وكذا، لكن يبقى هذا الأمر محتملاً، أما التوقعات التي تؤدي إلى الزعم بأنه يحدث حدثاً يخالف ما ورد في النصوص، فهذا لا يمكن، فإذاً: هذه الأمور من التي لا تصدّق ولا تكذّب، وما عارض منها النصوص يرد، وما لم يعارض يقال: الله أعلم.

    المقصود بالهين اللين السهل القريب

    السؤال: في قوله صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبركم على من تحرم النار غداً؟ على كل هين لين سهل قريب) ما المقصود به؟

    الجواب: المقصود به المؤمن الليّن الخلوق المؤدب، حسن السيرة، طيب القلب، سليم الصدر.. فهذا لا شك أنه مطلوب وهو الذي يكون بإذن الله من أهل الجنة.

    الفرق بين الرؤيا والحلم

    السؤال: كيف أعرف أن الذي رأيته هو رؤيا أم حلم، وكيف أعرف أنه كرامة أم استدراج، فإني قد رأيت الرسول صلى الله عليه وسلم ورأيت أنني أسلّم عليه وأقبّل رأسه، فهل هذه رؤيا حق؟

    الجواب: أما رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم فهي حق؛ لأن الشيطان لا يتمثل به كما ورد في الصحيح، ولكن يشترط أن يكون الرائي رأى الرسول صلى الله عليه وسلم على حقيقته، لا أن يرى الرسول صلى الله عليه وسلم لا قدّر الله على صورة يتمثل له الخيال بصورة فاسق! أو في صورة مبتدع أو في صورة من يعمل عملاً مشيناً؛ لأن هذا لا يمكن أن يكون، فإذا رأى الرائي الرسول صلى الله عليه وسلم على الحقيقة بوصفه، أو رؤية مجملة يشعر فيها أنه رأى الرسول صلى الله عليه وسلم، بحيث لو سألناه عن الصفة الدقيقة ربما يدركها، لكن يشعر أنه رأى الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذه الرؤية حق، وليستبشر خيراً، وربما تكون منذرة أحياناً، فهذا أمر يحدث وليس فيه ما يمنع منه، لأنه لا يمكن أن يتمثل الشيطان بالرسول صلى الله عليه وسلم في الحلم، فمن رأى الرسول صلى الله عليه وسلم بوصفه الحقيقي فقد رآه وليستبشر بذلك خيراً.

    تخصيص فضل الشهادة بشهيد المعركة

    السؤال: الغريق هل يشفع في أهله؟ حيث أنك أجبت أنه قد يدخل وأنه ليس هناك تخصيص لشهيد المعركة، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (كفى ببارقة السيوف فوق رأسه فتنة) أليس هذا فيه دلالة على أن المقصود شهيد المعركة؟

    الجواب: التخصيص في الحديث لا يدل على عدم عموم فضل الشهداء أو شمول شهادة الشهداء، والراجح فيما يبدو لي والله أعلم أن هذا خاص بشهيد المعركة، لكن ليس عندنا دليل قطعي عليه، حتى وإن ورد؛ لأن هذا أمثل أنواع الشهادة، والنبي صلى الله عليه وسلم يضرب بأمثل الأنواع ولا يعني ذلك عدم دخول الأصناف الأخرى، فكأنه وصف الشهيد الذي هو شهيد المعركة على أنه هو قمة الشهداء، وما دام ألحق بالشهداء أصنافاً أخرى فربما يدخلون في ذلك الفضل، وفضل الله واسع.

    حكم مبايعة الدول التي لا تطبق الشريعة

    السؤال: ما صحة الحديث: (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)؟ وإذا كان الحديث صحيحاً فهل نبايع الدول التي لا تطبق الشريعة؟

    الجواب: الإنسان المسلم إذا تحققت في بلده بيعة لإمام ولو كان فاسقاً أو فاجراً وبايع أهل الحل والعقد، سواء كانوا مختارين أو من باب الولاية بالوراثة أو بالعهد، أو من باب الولاية بالقوة.. كل هذا ذكره أهل العلم، بل النبي صلى الله عليه وسلم أشار إليه بأن هناك خلافة راشدة وهناك ملكاً عضوضاً، ومع ذلك لا بد من البيعة، فالإنسان المسلم إذا وجدت في بلده بيعة شرعية معتبرة ولو على أدنى الشروط؛ لأن بعض الناس يظن أن البيعة لا تكون إلا لحاكم صالح تقي نقي، وهذا لاشك هو ما نرجو أن يكون وما نتمناه، ولكن لا يلزم، لأن الولاية تكون أحياناً لمن ولاه الله عز وجل، والله يؤتي ملكه من يشاء، وكما تكونوا يولى عليكم، وأحياناً تكون الولاية في ملك جبري، أي: أنه يأتي بقوة الحاكم، ولكن إذا بايعه أهل الحل والعقد فالبيعة لازمة لكل أفراد المسلمين في هذا البلد، ومن لم يلتزمها وقع في الوعيد، أما المسلم الذي في بلد ليس فيه ولاية إسلامية فأمره إلى الله عز وجل ولا يكلفه الله ما لا يطيق، فيسعى أن يحقق له الله هذه الأمنية بالحكمة والأسلوب المناسب.

    ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد والرشاد، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.