إسلام ويب

شرح السنة [19]للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من علامات أهل السنة أنهم يعرفون لأمهات المؤمنين أزواج الرسول الكريم فضلهن وحقهن، ويترضون عنهن، ولا يذكرونهن إلا بخير، ومن علاماتهم أنهم يتعاهدون الفرائض مع جماعة المسلمين، ومن علامات أهل البدع أنهم ينبزون أهل السنة بما ليس فيهم، ويطعنون فيهم بما هم منه براء، فمن كان كذلك فهو مبتدع يجب الحذر منه، ولا يجوز الأخذ أو التلقي عنه في أمور العقيدة وأصول الدين.

    1.   

    عقيدة أهل السنة في أمهات المؤمنين

    قال إمام أهل السنة في عصره أبو محمد الحسن بن علي البربهاري رحمه الله تعالى: [ ولا تذكر أحداً من أمهات المؤمنين إلا بخير ].

    كما يقال في الصحابة رضي الله عنهم عموماً، وكما يقال أيضاً في حق العشرة المبشرين بالجنة، وكما يقال في حق آل البيت، وكما يقال في حق الخلفاء الأربعة؛ كذلك يقال في حق أمهات المؤمنين أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يذكرن إلا بخير لأن الطعن أو اللمز في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ينعكس على حق النبي صلى الله عليه وسلم لأنه استنقاص لحقه، فإنه لا يليق أن يقال في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ما يسيء إليه هو وما يسيء إليهن أيضاً بصفتهن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وبصفتهن مؤمنات مسلمات زكّاهن الله عز وجل في كتابه، فهن يدخلن في عموم الصحابة في عدم جواز السب لهم وعدم جواز اللمز والطعن فيهم، ولهن حق أخص بصفتهن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذه إشارة إلى ما وقع عند أهل الأهواء، فإن المسلم المستقيم الذي على الفطرة مهما كان عنده من الفسق والفجور، فإنه إذا استقامت عقيدته لا يمكن أن يجرؤ على القول في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أو في إحداهن كما فعلت الرافضة.. فعلى هذا فإنه لا يقدح فيهن إلا صاحب هوى، ولذلك لم يحدث شيء مما ذكره هو وأشار إليه من ذكر أمهات المؤمنين بغير الخير إلا من أهل الشر والبدع والأهواء وعلى رأسهم الرافضة، فالرافضة هم أول من تولى كبره في ذلك، وكذلك بعض الخوارج.

    1.   

    تعاهد الفرائض في جماعة علامة على السنة

    قال رحمه الله تعالى: [ وإذا رأيت الرجل يتعاهد الفرائض في جماعة مع السلطان وغيره، فاعلم أنه صاحب سنة إن شاء الله تعالى، وإذا رأيت الرجل يتهاون بالفرائض في جماعة وإن كان مع السلطان فاعلم أنه صاحب هوى ].

    هذه من شعائر الدين ومن علامات السنة الظاهرة التي تميز أهل السنة وأهل الحق عمن سواهم من أهل الأهواء والبدع والافتراء، وأصحاب النزعات الفردية أو النزعات الجماعية الذين خالفوا السنة والجماعة، ذلك أن أكبر برهان ظاهر على التزام السنة الذي أمر الله به وأمر به رسوله صلى الله عليه وسلم هو التزام جماعة المسلمين في الصلاة، لأنها هي المظهر الأول والبيّن الذي يتكرر في حياة المسلم ويتميّز به عن غيره، فيتعاهد الفرائض في جماعة مع السلطان، يعني مع ولي الأمر أو من ينيبه ولي الأمر، لأن أئمة المساجد يقومون بإمامة المساجد بتعيين الولاية لهم أو برضا الجماعة عنهم، فيكون هذا الأمر حاصلاً في حق الإمام الأكبر أو فيمن ينوّبهم من أئمة المساجد وفي كل جماعة تقوم لها صفة الجماعة وإن قلّت في الحي، وفي العمل، وفي السفر أو الحضر، فالمهم أن شعار المسلم المستمسك بالسنة الحفاظ على جماعة المسجد، والجماعة في مصالح الأمة الأخرى أيضاً، لكن كما قلت: الفرائض هي أكبر شعار يتبين به من يلتزم الجماعة ومن لا يلتزم.

    إذاً: فالذي يلتزم الجماعة ويواظب عليها يكون ظاهره من أهل السنة ما لم يكن هناك قرائن أخرى تصرفه عن ذلك، وكذلك العكس، إذا كان هناك رجل يتهاون بالصلاة ولا يحضر الجماعة فهو مغموز في دينه، فهو إما صاحب هوى يقدح في الجماعة ويشذ عنها بهواه وببدعته، وإما أن يكون ممن غُمز بالفسق والفجور والتهاون في دين الله عز وجل.

    قال: (وإن كان مع السلطان)، بمعنى أنه إذا ترك الجماعة وإن كان مبايعاً للسلطان يسمع ويطيع، أو وإن كان من أعوان السلطان وحاشيته فإنه إذا ترك الجماعة فإن هذه علامة سوء ومغمز يغمز به ويعتبر ممن أخطأ في حق الجماعة ووقع في المحذور الشرعي.

    1.   

    ضوابط معرفة الحلال والحرام والشبهة

    قال رحمه الله تعالى: [ والحلال ما شهدت عليه وحلفت عليه أنه حلال، وكذلك الحرام، وما حاك في صدرك فهو شبهة ].

    الشيخ هنا يقرر القاعدة الفطرية لا القاعدة الشرعية؛ لأن مسألة الحلال والحرام تتبين بأمور: أولها: النصوص، فالحلال ما أحلّه الله والحرام ما حرمه الله، وقد جاءت النصوص في بيان أن الأصل في الأمور الحل، وأن الحرام ما نُص عليه أو دخل في قاعدة من القواعد التي يتبين بها الحرام من خلال النصوص الشرعية أو الإجماع، هذا أمر.

    الأمر الآخر: أن هناك درجة أخرى للتمييز بين الحلال والحرام بعد النصوص الشرعية، وهو الفطرة والعقل السليم، فإن الفطرة والعقل السليم رُكّبت على أنها توافق الشرع في الإقرار بما أحله الله عز وجل والنفور مما حرمه الله.

    وهو هنا يشير إلى المعنى الفطري في المسلمين الذين هم على الاستقامة، وهم عامة المسلمين الذين لم تدخلهم الشبهات ولا الشهوات، أما إذا دخلت على الإنسان الشبهات والشهوات فإنه قد يحلف على الحلال بأنه حرام والعكس كذلك، لأنه مسخت فطرته، وفسد عقله، وتبع هواه.

    إذاً: فكلام الشيخ هنا ينطبق على المسلم العادي الذي هو على الفطرة في الأصل ولم ينجرف بالشهوات ولم ينحرف بالشبهات، فهذا يجد أن الحلال بيّن ويحلف عليه أنه حلال بمقتضى أنه يفقه دين الله عز وجل، وكذلك الحرام.

    ثم قال: (وما حاك في صدرك فهو شبهة)، وهذا أيضاً للمسلم الذي لم تعتره الصوارف التي تصرفه عن مقتضى الفطرة من الشبهات في الشهوات، فإنه إذا بقي على الفطرة فإنه ينطبق عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطّلع عليه الناس).

    1.   

    المستور والمهتوك

    قال رحمه الله تعالى: [ والمستور من بان ستره، والمهتوك من بان هتكه ].

    وهذا أيضاً راجع إلى قاعدة الحكم بالظاهر، فالناس ليس لهم إلا الظاهر ما لم تتوافر قرائن على الشخص في تزكيته أو في تجريحه، فالمستور من ستره الله عز وجل، لا ينبغي أن نحكم على الناس بالظن، ولا بالشبهات التي لا تقوم بها حجج وأدلة، ولا بمجرد القرائن التي لا تقوى على إخراج الإنسان من حكمه الأصلي، فبعض الشبهات أو القرائن القليلة لا تكفي في أن إخراج الإنسان عن الستر، فالأصل التبيّن والتثبّت.

    وكذلك العكس: فإذا ظهر في الإنسان الفجور وجاهر بالبدعة فقد خرج من كونه في عافية كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا لا يقال إن الأصل فيه الستر، إنما الستر على من لم يظهر منه شيء.

    1.   

    من علامات أهل الأهواء أنهم ينبزون أهل السنة

    قال رحمه الله تعالى: [ وإن سمعت الرجل يقول: فلان مشبّه، وفلان يتكلم في التشبيه، فاتهمه واعلم أنه جهمي، وإذا سمعت الرجل يقول: فلان ناصبي فاعلم أنه رافضي، وإذا سمعت الرجل يقول: تكلم بالتوحيد واشرح لي التوحيد، فاعلم أنه خارجي معتزلي، أو يقول: فلان مجبر أو يتكلم بالإجبار أو يتكلم بالعدل فاعلم أنه قدري؛ لأن هذه الأسماء محدثة أحدثها أهل الأهواء ].

    هذه أيضاً قواعد جيدة، وهي على التغليب، ذلك أن الأصل في المسلمين الإسلام والسنة، ما عدا من خرجوا وتميزوا بالبدعة، فالخوارج مثلاً تميّزوا ببدعتهم، والرافضة والشيعة تميّزوا ببدعتهم، والجهمية والمعتزلة والقدرية والمرجئة تميزوا ببدعتهم، فيبقى عامة المسلمين هم الذين لهم هذا الحكم، بمعنى أننا نعرف أن الأصل في المسلمين الذين على السنة أنهم ليسوا مشبّهة ولا ناصبة ولا مرجئة ولا مجبرة ولا مكفّرة ولا غير ذلك.

    من ينبز السني بالتشبيه فهو جهمي

    إذاً فإذا سمعت من يطلق على المسلم المستقيم أنه مشبّه فاعلم أن هذا الذي أطلق التشبيه على المسلم عنده نزعة تجهّم؛ لأن المشبهة انقطعت ولم تعد موجودة الآن، ولأن التشبيه أمر بيّن لا يمكن ألا يعلم به إلا مثل هذا الشخص الذي يلمز الناس ويغمزهم ويشير إليهم بأصابع الاتهام، وهو صاحب الهوى.

    إذاً فمن أطلق هذه الكلمة على أخيه المسلم فينبغي أن تتثبت من حاله، فالغالب أنه جهمي أو معتزلي أو مؤول، وهذه كلها يشملها مسمى جهمي كما ذكرت في دروس سابقة، وهو منهج السلف في الآونة الأخيرة، فإنهم يسمون كل من أوّل وعطّل، وكل من لمز السلف أو عاب منهجهم، أو تكلم في الصفات، أو قرر الدين بغير مناهج السلف جهمياً، وهذه هي التسمية الحقيقية؛ لأن كل أصول الفرق ترجع إلى منهج الجهمية السابقة لها واللاحقة، فعلى هذا كل من وصف مسلماً بأنه مشبّه فهو جهمي إلا إذا ثبت أنه مشبه فعلاً وهذا نادر، والنادر لا حكم له.

    من ينبز السني بالنصب فهو رافضي

    وكذلك من قال فلان ناصبي، والناصبة هم الخوارج، فإذا أطلق كلمة ناصبي على غير الخوارج فهو رافضي، أو عنده نزعة تشيّع.

    من يبالغ في الكلام على التوحيد فهو قدري

    وكذلك إذا سمعت الرجل يتكلم بالتوحيد، يعني يبالغ، فهو قدري، وفي عهد الشيخ لم تشتهر كلمة التوحيد في إطلاقها على العقيدة، وإنما كانت العقيدة تسمى السنة، ويندر استعمال كلمة توحيد، وأكثر ما اشتهرت في القرن الرابع في عهد الإمام ابن خزيمة ومن جاء بعده، مع أنه ما أطلق التوحيد على عموم العقيدة، وإنما أطلق التوحيد على الصفات في كتابه التوحيد، فإذاً الكلمة كانت في مرحلة من مراحل الاصطلاح التي مرت بها، فكان في عهد البربهاري إطلاق العقيدة تحت وصف السنة لا التوحيد، فكان الذين يرفعون مسمى التوحيد هم المعتزلة والجهمية وبعض الرافضة وبعض الخوارج، ويقصدون بالتوحيد إنكار الصفات.

    ثم بعد ذلك الاصطلاح تحول حتى صار شائعاً عند أهل السنة أنهم يطلقون على العقيدة توحيداً، خاصة في القرن السادس والسابع والثامن والتاسع، ثم في عهد الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ومن جاء بعده صاروا يطلقون على العقيدة كلها توحيداً من باب أن أكثر ما وجد الإخلال في الأمة في العصور المتأخرة في جانب التوحيد من الناحية العملية، حيث وقعت كثير من الأمم في البدع والشركيات والتوسلات، فصار التركيز على إظهار العقيدة بمسمى التوحيد هو المناسب للعصور المتأخرة، ولا مشاحة في الاصطلاح.

    فالشاهد أنه في عهد الشيخ البربهاري كان الذي يبالغ في مسألة التوحيد أكثر من اللزوم في الغالب أنه يقصد بها نفي الصفات وهذا هو الحاصل، هذا هو الحاصل إذا استقرأنا كتب ومناظرات ومؤلفات وأعمال الجهمية في ذلك الوقت، فيسمون تعطيلهم توحيداً.

    ثم قال: (فاعلم أنه خارجي معتزلي)، لأن الخوارج والمعتزلة في وقته بدءوا يعتنقون مذهب الجهمية، فكلهم يطلقون على التأويل والتعطيل والتحريف توحيداً.

    (أو يقول: فلان مجبر أو يتكلم بالإجبار أو يتكلم بالعدل فاعلم أنه قدري)، أي: أو جهمي؛ لأن الأصل في عموم المسلمين أنهم يقولون مذهب أهل السنة والجماعة بأن القدر من الله عز وجل بخيره وشره، فمن بالغ في هذا الأمر وقال بأن فلاناً مجبر فهو قدري، والذي يطلقها هو القدري المعتزلي الذي يصف من يخالفه بالجبر.

    من يتهم أهل السنة اليوم بالإرجاء أو التكفير

    كذلك يمكن أن يقاس على هذا ما يناسبه أو ما يقابله، فمن أطلق على أئمة أهل السنة وعلمائهم وطلاب العلم منهم بأنهم مكفّرة فهو مرجئ، وهذا كثير في عصرنا هذا، والعكس كذلك من أطلق على بعض علماء المسلمين الذين يقولون بقول من أقوال السلف في الإيمان أو في الأحكام والأسماء بأنهم مرجئة ففي الغالب أن عنده نزعة تكفير.. ولا أقول: دائماً، ولذلك كثر ذلك الآن عند الذين عندهم شيء من الغلو ونزعة التكفير وإن لم يكونوا خوارج، فتجدهم يطلقون على بعض أقوال أهل السنة بأنها إرجاء، ويطلقون على كثير من علمائنا المعاصرين وطلاب العلم بأنهم مرجئة، وهذه أيضاً كثرت فيجب التنبه لها؛ لأن أقوال السلف في مسائل الإيمان وفي الأسماء والأحكام فيها تفاوت في الحقيقة، وبعضها قد يكون قريباً من قول المرجئة لكن لا يعني أن من قال بها فهو مرجئ، وبعضها قريب من قول المكفّرة لكن لا يعني أن من قال بها فهو مكفّر.

    فأقوال أهل السنة والجماعة تتفاوت لكن لا تصل إلى القول بالتكفير المحض ولا القول بالإرجاء المحض ولا حتى إرجاء الفقهاء، لكن هناك توافق في بعض فتاوى السلف وأقوالهم مع بعض أقوال المرجئة، بل أقول إن كثيراً من السلف تتوافق فتاواهم مع كثير من أقوال المرجئة في مسألة الأسماء والأحكام، والعكس كذلك يوجد كثير من السلف تتوافق فتاواهم مع بعض أقوال الذين عندهم شيء من التشدد، لكن ليس من كل وجه، فهم لا يوافقونهم على لوازم الحكم، ولا يوافقونهم على أحكام المعيّن، إنما في الأحكام العامة.

    فالسلف في تفاصيل الأسماء والأحكام ليس بينهم اتفاق، إنما اتفاقهم في أصول مسائل الإيمان وحده وحقيقته، ودخول الأعمال في مسمى الإيمان، والاستثناء في الإيمان أيضاً في الجملة، وإن كان بعضهم يرى أنه واجب وبعضهم يرى أنه جائز، وبعضهم يرى أنه مكروه، ومع ذلك كلهم يقولون بمشروعية الاستثناء في الإيمان، وكذلك ما يتعلق بمجملات الأسماء والأحكام، مثل حد الكافر والمنافق والفاسق والفاجر.. لكن عند التفاصيل وعند التطبيق على المعيّن، وعند بعض الأحكام التي تستنبط من النصوص بين الوعد والوعيد، نجد أن السلف منهم من يميل إلى تغليب الوعد ومنهم من يميل إلى تغليب الوعيد، ولا يخرجون إلى مذهب المرجئة ولا إلى مذهب الخوارج، فيكون هناك مسافة معينة في الخلاف بين أهل السنة، فمن لم يخرج عن نطاق هذه المسافة فلا يجوز وصفه بمرجئ ولا بمكفّر.

    وليت واحداً ينبري لهذه المسألة يقعّد فيها حتى يسهم في إصلاح ذات البين الحاصلة الآن بين كثير من طلاب العلم من أهل السنة والجماعة، لأن الأمر إذا لم يعالج قد يصل إلى حد الفرقة، نسأل الله السلامة.

    1.   

    عدم جواز الأخذ والتلقي عن أهل البدع في بدعهم

    قال رحمه الله تعالى: [ قال عبد الله بن المبارك : لا تأخذوا عن أهل الكوفة في الرفض شيئاً، ولا عن أهل الشام في السيف شيئاً، ولا عن أهل البصرة في القدر شيئاً، ولا عن أهل خراسان في الإرجاء شيئاً، ولا عن أهل مكة في الصرف، ولا عن أهل المدينة في الغناء، لا تأخذوا عنهم في هذه الأشياء شيئاً ].

    هذا كلام جيد، وهذا ليس بأحكام، بل هو من باب الخصائص والسمات.

    ولا شك أن المتأمل لأحوال الافتراق والفرق منذ نشأتها وإلى يومنا هذا يجد أن لها علاقة بالبيئات والمواطن، ولها علاقة بالأجواء السياسية والاجتماعية، فالأحداث والفتن في بقعة ما قد تتسبب في ظهور بدعة أو فرقة في هذه البقعة أو في هذا المكان أو في هذا الزمان، فهذه الخصائص موجودة في الحقيقة لكن ليست لازمة في كل الأزمنة، فهذا الذي ذكره كان في عهد عبد الله بن المبارك ، وقد يكون هو الغالب في الأقاليم على وجه الاستمرار، لكن لا يعني أن هذه أحكام قطعية، إنما هذه ظروف أو أحوال عرفت من خلال الاستقراء التاريخي، فنجد أن الرفض بدأ في الكوفة، وهو الغلو في علي رضي الله عنه وفي آل البيت، والرفض صنعة مجوسية فارسية يهودية خالصة، والدليل على هذا أن الرافضة تعلقوا في أول نشأتهم بآل البيت، لكنهم أول من أساء وخذل آل البيت، وذلك حين انخدع بهم الحسين حتى خذلوه وقتل على أيديهم، وانخدع بهم علي بن أبي طالب قبله وأقبل إليهم لينصروه فخذلوه، ولجأ إليهم كثير من أئمة أهل البيت فخذلوهم، فهم من أرذل الناس وأخذلهم، وهذا مما يدل على أنهم ليسوا صادقين إذاً: الذي ليس بصادق يرجع إلى أصوله وعليه فإن الأصول العقدية للرفض راجعة إلى المجوس والفرس، والموطن موطن المجوس والفرس، وإن كانت الكوفة إنما أنشئت في عهد عمر بن الخطاب لكن أكثر من استوطنها طوائف من شذاذ الأمم والقبائل المختلفة، فبذرت بينهم بذور الرفض، فكانت البيئة جغرافياً وعقدياً واجتماعياً بيئة مناسبة للزنادقة الذين أنشئوا هذه العقيدة، وذلك قدر من أقدار الله، لكن مع ذلك يكون للبشر الذين جعل الله فيهم فتنة وابتلاء على العباد أثر في اختيار البيئات المناسبة لمثل هذه الأفكار، فالرفض فعلاً نشأ في الكوفة ولا يزال إلى يومنا هذا أقوى ما يكون في الكوفة أو ما حولها.

    ثم قال: (ولا عن أهل الشام في السيف شيئاً)، يظهر من كلامه أنه يقصد أن أهل الشام منهم طوائف عندهم طاعة عمياء يطيعون في المعروف والمنكر، ولذلك كان في بعضهم غلو حتى زكّوا الفجار والظالمين، فمن هنا قد يكون رأيهم في هذا الأمر ليس معتبراً، لأنه لا يعرف أن أهل الشام أهل خروج، بل العكس كانوا أهل تعصب مع الحاكم.

    (ولا عن أهل البصرة في القدر شيئاً) قدرية المعتزلة نشأت في البصرة، وترعرعت ونمت وعشعشت وفرّخت في البصرة، ثم انتقلت إلى بقية العالم الإسلامي.

    (ولا عن أهل خراسان في الإرجاء شيئاً) أهل خراسان أغلبهم من أتباع أبي حنيفة رحمه الله، وأبو حنيفة مرجئ، فتعلق الأحناف بمذهب الإرجاء لأنه مذهب إمامهم، وأكثر ما تمكن في العصور الأولى في خراسان مذهب الأحناف، فتعلق المذهبان بعضهما ببعض من هذه الناحية، فكان أهل خراسان مرجئة غالباً لأنهم أحناف، والأحناف متعصبة في الإرجاء.

    (ولا عن أهل مكة في الصرف شيئاً)، للصرف احتمالان:

    الاحتمال الأول الذي ذكره المحقق هو صرف العملات؛ لأن مكة تفد إليها جميع فئات المسلمين من كل بلد، وكل فئة معها عملة، فكانت الضرورة تلجئهم إلى أن يتساهلوا في الصرف، يأتي مغربي معه عملته فيضطر إلى أن يصرف بطريقة قد يكون فيها شيء من المعاملات التي فيها لبس، فالذي يظهر لي أن أهل مكة يوجد في تجارهم التساهل في مسألة صرف العملات لكثرة وفود الحجاج الذين تكثر عملاتهم وتتنوع فلا يكون هناك ضبط، والله أعلم.

    الاحتمال الثاني: أن المقصود به الصرف السحري، ولا يعني هذا أن هذه الصفة غالبة على أهل مكة، لكن نظراً لأن مكة موئل لكثير من المسلمين، فيأتي إلى مكة من عندهم شيء من الشعوذة والدجل، ويقتنصون الناس هناك نظر لأنهم أكثر حاجة في مكة بسبب الغربة، وهذه الغربة يكتنفها شيء من الجهل وقلة الفقه في دين الله عز وجل، فربما تكثر الشعوذة والدجل على أيدي الدهماء والعوام الذين يردون إلى مكة، والله أعلم.

    (ولا عن أهل المدينة في الغناء)، كذلك لا يعني هذا أن المدينة اشتهرت بالغناء، لكن يعني ذلك أنه في فترة من الفترات وجد من تساهلوا في الغناء، لكن هؤلاء لا يكونون من علية القوم، والغالب أنهم من السفلة الذين يعيشون في أجواء معينة، وقد يشتهر تبتلى مدينة من المدن بشهرة اثنين أو ثلاثة ممن يعرفون بهذا، فيكون علماً بارزاً أو سمة بارزة في وقت من الأوقات وفي ظرف من الظروف، لا سيما بعد خروج أهل المدينة على يزيد بن معاوية حيث انتهكت المدينة وحصل فيها شيء من ضعف أهل الحل والعقد، وربما أدى هذا إلى ظهور الفجور في بعض الفترات، فكانت هذه الشهرة إلى وقت الله أعلم به.

    (ولا تأخذوا عنهم في هذه الأشياء شيئاً)، لأنهم قد يتساهلون، لأن الشيء إذا عمّت به البلوى في بلد تخرج بعض الفتاوى التي فيها رخص، فلما عمت البلوى في التشيّع في الكوفة صار هناك شيء من الرخص عند بعض العلماء، ووقع بعض العلماء في التشيّع، لذلك يقال إن سفيان الثوري لما كان في الكوفة كان عنده نزعة تشيع، ولما خرج وسمع وأبعد عن البيئات الشيعية تراجع.

    والمعنى أن السمة العامة في البلد قد تلجئ بعض العلماء إلى أن يقعوا في بعض الزلّات، أو يفتوا بعض الفتاوى التي تكون مناسبة أو تعم بأهل البلوى في بلد، والمسلمون سالمون في البلاد الأخرى من هذه البلوى، فلا تعم فتاوى أهل هذا البلد على الآخرين، والله أعلم.

    1.   

    الأسئلة

    تعليل عدم سؤال أهل مكة عن الصرف بفتوى ابن عباس في الربا

    السؤال: أليس سبب عدم سؤال أهل مكة عن الصرف والأخذ عنهم هو بسبب أن ابن عباس رضي الله عنهما كان لا يرى الربا إلا في النسيئة؟

    الجواب: هذا قد علل به بعض أهل العلم، وأنا في الحقيقة نسيت ذلك وإلا فقد ورد عن كثير من أهل العلم القول بذلك، ومع هذا قد لا يكون هو السبب الوحيد، لا سيما أن ابن المبارك رحمه الله كان في القرن الثاني الهجري، فقد طال الزمن بين عهد ابن عباس وهذه الفترة، ومع هذا يبقى هذا سبباً وجيهاً.

    حكم الألعاب السحرية

    السؤال: هل يعد فعل أمور غريبة أمام الناس إما لكونها تعتمد على الحيلة وخفة اليد، وإما لاستخدام مواد كيميائية فيها تمويه وليس فيه استخدام شياطين من المحذور الشرعي، وما حكم الذهاب إلى من يفعله؟

    الجواب: أي شيء يوقع الناس في شيء من الخدعة، أو يوقع في أنفسهم شيئاً من الاعتقادات الباطلة أو التوهمات فلا ينبغي سلوكه، ولذلك كان السلف ينكرون ويزجرون الكيميائيين الذين يستعملون أعمالاً علمية، مع أن أهل العلم الراسخين يعرفون أن هذا علم كيميائي، لكن كان يختلط هذا بالقمار ويختلط بالدجل والشعوذة، فكان السلف ينهون عنه أشد النهي؛ لأنه لا ينبغي لأحد أن يستعمل ما عنده من علم أو تجربة أو تمرينات في خداع الناس ولفت أنظارهم إليه أو التمويه عليهم، فهو نوع من أنواع الدجل؛ لكنه ليس كالدجل بفعل الشياطين والجن، إنما يدخل في المشتبهات، بل أحياناً يصل إلى حد التحريم إذا ترتب عليه أكل أموال الناس بالباطل أو ترتب عليه التمويه على الناس.

    تفسير غناء أهل المدينة بغناء الصوفية غير صحيح

    السؤال: ألا يفسّر قول ابن المبارك : (ولا عن أهل المدينة في الغناء شيئاً)، بغناء الصوفية المعروف عندهم، ولا سيما أن المدينة موطن صوفية؟

    الجواب: لا، ففي عهد ابن المبارك كانت المدينة نظيفة من التصوف وليس فيها أدنى شيء مما يوجد الآن، بل المشهور أنه يوجد فيها بعض أهل المجون والغناء الذين اشتهرت قصائدهم وبعض أفعالهم، لكن هذه من سفلة الناس، وربما بعض أهل العلم لعموم البلوى في مثل هذه الأمور يكون عندهم بعض الفتاوى في الترخيص.

    حكم تعليق الصور على الحائط

    السؤال: ما حكم تعليق الصور على الحائط، مثل تعليقها في الفصول الدراسية كوسيلة لفهم التلاميذ؟

    الجواب: إذا كانت المادة التي تدرس تقتضي الاستفادة من الصورة في شرح شيء علمي مفيد فهذا مما لا حرج فيه، لكن إذا زال السبب ينبغي أن تزول الوسيلة.