إسلام ويب

شرح السنة [4]للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أهل السنة والجماعة متبعون للكتاب والسنة في جميع أمورهم، ومن ذلك أنهم لا يشهدون لأحد بجنة ولا نار، ولكنهم يرجون للمحسن ويخافون على المسيء، ويعتقدون أنه ما من ذنب إلا وللعبد منه توبة، ويقيمون الحدود ومنها الرجم، ويمسحون على الخفين، ويقصرون ويفطرون في السفر، ويصلون على من مات من أهل القبلة وإن كان عاصياً، ولا يخرجون أحداً من أهل القبلة من الإسلام إلا إذا ارتكب ما يخرجه منه.

    1.   

    عدم القطع بالجنة أو النار لأحد

    قال أبو محمد الحسن بن علي البربهاري رحمه الله تعالى: [ ومن كان من أهل الإسلام فلا تشهد له بعمل خير ولا شر، فإنك لا تدري بما يختم له عند الموت، ترجو له رحمة الله، وتخاف عليه ذنوبه، ولا تدري ما سبق له عند الموت إلى الله من الندم، وما أحدث الله في ذلك الوقت إذا مات على الإسلام، ترجو له رحمة الله وتخاف عليه ذنوبه ].

    هذه القاعدة معروفة، وهي أن من كان مسلماً من أهل القبلة فلا نجزم له أنه من أهل الخير؛ فكلمة (لا نشهد) هنا لا يقصد بها مجرد الشهادة الظاهرة، لأن الشهادة الظاهرة مطلوبة، لكنه يقصد الجزم بما في القلب أو الجزم بالمصير بعد الموت؛ لأن الشهادة للحي تختلف عن الشهادة للميت.

    الشهادة للحي شهادة عامة على ظواهر أعماله، فلك أن تشهد للإنسان بظاهر عمله لكن لا تشهد بما في قلبه؛ لأنه لا يعلم ما في القلوب إلا علام الغيوب سبحانه.

    إذاً: لابد من تفصيل: فالمسلم الذي تظهر عليه شعائر الإسلام وتظهر عليه الأعمال الصالحة نشهد له بالخير، وإن ظهر منه خلاف ذلك كذلك نشهد له بما يظهر منه من الخير ونشهد عليه بما ظهر عليه من خلاف ذلك من المعاصي والفسوق وهذا يتعلق بالشهادة وبالولاء وبالحب والبغض.

    فإذاً: المسلم الذي يظهر شعائر الدين نشهد له بالخير شهادة عامة من غير جزم، ونشهد على الظاهر لا على القلب، ومن هنا نحب فيه هذه الأمور ونحبه في الله ونواليه بقدر ما فيه من الخير، والعكس إذا ظهر منه ما يخالف ذلك، فنشهد بما ظهر لنا لكن لا نجزم بما في قلبه، وأيضاً إذا ظهر لنا شيء من الفسوق والعصيان نكره منه ذلك، وله من الولاء بقدر ما فيه من الخير، ومن البراء بقدر ما عليه من المخالفة.

    أما بعد الموت فإننا أيضاً نشهد للإنسان شهادة عامة ولا نجزم بمصيره، كما أننا لم نجزم في الدنيا بما في قلبه لكن نرجو للمحسن الخير والجنة، ونخاف على المسيء وهذه قاعدة: ينبغي أن تكون واضحة؛ لأنها مهمة عند التطبيق وعند التعامل مع المسلمين.

    1.   

    كل ذنب وله توبة

    قال رحمه الله تعالى: [ وما من ذنب إلا وللعبد منه توبة ].

    حتى الشرك إذا تاب صاحبه ودخل الإسلام تاب الله عليه، فباب التوبة مفتوح لجميع البشر إلى قيام الساعة ولكل إنسان حتى تغرغر هذه الروح، أي: حتى يصل إلى الحالة التي يكون فيها قد انقطع من الدنيا، فعند ذلك لا ينفعه إيمانه وتوبته؛ لأنه لا فضل له في التوبة بعد معاينة الحقيقة كما فعل فرعون عندما رأى الموت!

    ومن كتب الله عليه الشقاء والضلالة فلا شك أنه لا يوفق للتوبة لكن لا ندري من هو بعينه، فأعتى الناس وأبعدهم عن الله عز وجل ربما يوفقه الله للتوبة فيتوب، والعكس صحيح.

    وكذلك مما عرف من قواعد الشرع أن صاحب الهوى إذا أصر على هواه بعد قيام الحجة فالغالب أنه لا يوفق في التوبة، ومن هنا كاد السلف أن يتفقوا على أن صاحب البدعة لا يوفق للتوبة، وهم لا يقصدون صاحب الزلة أو الجاهل أو المتأول، فهذا قد يوفقه الله عز وجل ويتوب عليه، لكنهم يقصدون بصاحب البدعة المصر على بدعته بعد إقامة الحجة وظهور الدليل.

    ومصداق ذلك أن كثيراً ممن عرفوا بالعناد بعد إقامة الحجة لا نعرف أنهم تابوا، هذا أمر.

    الأمر الآخر: أنهم حتى لو رجعوا عن هذا الباطل وهم أصحاب هوى فإنهم لا يوفقون للسنة، إنما ينتقلون من باطل إلى باطل، ومن بدعة إلى بدعة، يتقلبون في الهوى -نسأل الله العافية- لأن الله كتب عليهم الضلالة ولأنهم لم يريدوا الحق، ولو أرادوه لوفقوا إليه.

    1.   

    الرجم والمسح على الخفين

    قال رحمه الله تعالى: [ والرجم حق والمسح على الخفين سنة ].

    ذكر الرجم إشارة إلى جميع الحدود التي تقررت في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكأن الشيخ أشار إليه لأنه من الحدود النادرة الوقوع، ولأن نفوس بعض الناس تنفر منه، وتكلم أهل الأهواء في الرجم وجحده الخوارج، وسخر منه الفلاسفة كما سخروا من شرائع الأنبياء.

    كذلك ذكر المسح على الخفين إشارة إلى الأحكام التي علمت بالقواطع الشرعية أو بالنصوص القطعية ثم أنكرها، من أنكرها فكل حكم من الأحكام الشرعية وإن لم يدخل في العقيدة، كل حكم من الأحكام الشرعية تواترت به النصوص أو أجمع عليه السلف أو كان دليله صحيحاً ولو لم يتواتر فإن جحده يعتبر من مخالفة العقيدة، فلذلك ذكر السلف المسح على الخفين، وقد خالفت فيه الرافضة، كما خالفت في تجويز مسح الرجل بدل الغسل، فردوا السنة وعملوا بعكسها في مقام واحد، وهذا دليل انتكاس عندهم في العقول والأصول، ففي الوقت الذي أنكروا فيه المسح على الخفين أجازوا المسح بدون خفين.

    وهناك طوائف من الخوارج وطوائف من الجهمية وغيرهم أنكروا المسح على الخفين.

    1.   

    الصلاة في السراويل

    قال رحمه الله تعالى: [ وتقصير الصلاة في السفر سنة، والصوم في السفر من شاء صام ومن شاء أفطر، ولا بأس بالصلاة في سراويل ].

    يشترط في السراويل أن تكون ساترة وأن تكون واسعة وألا يكون فيها تشبه، وينطبق هذا الحكم على الألبسة الحديثة كالبنطلونات، فالبنطلون هو نوع من السراويل لكنه ضيق، ولذلك إذا كان واسعاً فلا حرج فيه، أما إذا لم يكن واسعاً فلا تنبغي الصلاة فيه.

    1.   

    الأصل أن الدنيا دار إيمان وإسلام

    قال رحمه الله تعالى: [ والنفاق أن يظهر الإسلام ويخفي الكفر، واعلم بأن الدنيا دار إيمان وإسلام ].

    الأصل في الدنيا أنها دار إيمان وإسلام، لكن مع ذلك قد تنقلب الدار إلى دار كفر إذا غلب عليها الكفار وصار غير الإسلام هو المهيمن فيها، لكن الأصل في أرض الله عز وجل الواسعة أنها دار إسلام؛ لأن الله عز وجل أنزل البشر فيها ليعبدوه سبحانه، وسخرها لهم ليستغلوها ويستثمروها في عبادته، فالكفر والشرك طارئ على الأرض.

    قال رحمه الله تعالى: [ وأمة محمد صلى الله عليه وسلم فيها مؤمنون في أحكامهم ومواريثهم وذبائحهم والصلاة عليهم، ولا نشهد لأحد بحقيقة الإيمان حتى يأتي بجميع شرائع الإسلام، فإن قصر في شيء من ذلك كان ناقص الإيمان حتى يتوب، واعلم أن إيمانه إلى الله تعالى تام الإيمان أو ناقص الإيمان إلا ما أظهر لك من تضييع شرائع الإسلام ].

    لا نشهد لأحد بكمال الإيمان حتى نرى منه أنه وفى بجميع شرائع الإسلام فيما يظهر لنا، ومع ذلك فإن الكمال المطلق مما لا يعلمه إلا الله عز وجل، إلا إذا ثبت لشخص بدليل كما ثبت للنبي صلى الله عليه وسلم، وكما ثبت لجبريل، وكما ثبت للنبيين والذين أثنى الله عليهم ثناء مطلقاً؛ لأن الله عز وجل وفقهم وكملهم أما من عداهم فيشهد له بالكمال دون الجزم، فالموفي بما أمر الله عز وجل والعامل بسنة النبي صلى الله عليه وسلم إيمانه كامل فيما يظهر لنا لكن لا نجزم بذلك، ومن قصر في شيء من أعمال الإسلام نقص إيمانه بقدر تقصيره.

    إذاً فالإيمان يزيد وينقص ولا يزول، ولا يزول عن المسلم مسمى الإيمان ما لم يرتد.

    1.   

    الصلاة على من مات من أهل القبلة

    قال رحمه الله تعالى: [ والصلاة على من مات من أهل القبلة سنة، والمرجوم والزاني والزانية والذي يقتل نفسه وغيره من أهل القبلة والسكران وغيره الصلاة عليهم سنة ].

    إذاً: فأهل الكبائر من المسلمين يبقون على الأصل في حقوقهم حتى أهل البدع الذين بدعهم غير شركية هم من أهل الكبائر، فهم مثل المرجوم والزاني والذي يقتل نفسه، لهم حقوق المسلمين من حيث الصلاة والتوارث والدفن والدعاء لهم؛ لكن قد يحدث أحياناً أن يعمل من له إمامة في الدين على هجر المسلم في حياته أو ترك بعض حقوقه بعد مماته، كأن لا يصلي عليه أو لا يحضر جنازته من باب الردع وإنكار المنكر والبيان للناس، لكن لا يعني أنه يمنع الناس من الصلاة عليه، بل ينبغي أن يأمر الناس أن يصلوا عليه وأن يدفنوه وأن يقيموا شعائر الدين في حقه.

    إذاً: فهذا الهجر الذي يحدث من بعض الأئمة ومن لهم اعتبارهم من أجل بيان عظم المعصية التي كان عليها الشخص والردع عنها والتغليظ فيها وتنبيه الناس إلى أنها منكر، وهذا من أساليب تفهيم الناس وردعهم، وهي من أساليب الهجر أيضاً، فالهجر يكون في الحياة ويكون بعد الممات، فقد يهجر بهجر جنازته أو نحو ذلك؛ لكن لا يكون هذا من عامي أو من طالب علم لا يطاع أو ليس له اعتبار، فإن هذا يحدث الفتنة.

    1.   

    حكم إخراج شخص من أهل القبلة من الإسلام

    قال رحمه الله تعالى: [ ولا يخرج أحد من أهل القبلة من الإسلام حتى يرد آية من كتاب الله عز وجل أو يرد شيئاً من آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يذبح لغير الله أو يصلي لغير الله، وإذا فعل شيئاً من ذلك فقد وجب عليك أن تخرجه من الإسلام، وإذا لم يفعل شيئاً من ذلك فهو مؤمن مسلم بالاسم لا بالحقيقة ].

    هذه الفقرة مهمة، فقوله: (ولا يخرج أحد من أهل القبلة من الإسلام حتى يرد آية من كتاب الله عز وجل)، يعني: يرد آية أو مقتضى آية؛ لأن الآية لها حقيقة ولها تفسير، فمن أنكر نص آية حتى لو لم ينكر معانيها فهو كافر؛ وأيضاً إذا أنكر معانيها المعلومة بالضرورة وما يترتب عليها من عقائد وأحكام فقد أنكر الآية وإن لم ينكر لفظها.

    إذاً: هذا الإنكار يشمل إنكار لفظ الآية وإنكار المعنى المقطوع به، فكل من أنكر شيئاً من ضرورات الدين ومن أصول الدين القطعية فإنه يخرج من مسمى المسلمين ومن أهل القبلة.

    ثم ذكر الذبح والصلاة لغير الله عز وجل، والذبح لغير الله لم يكن معروفاً قبل عصر المؤلف لكنه وجد في عصره من غلاة ومبتدعة الصوفية والرافضة والباطنية، ففي آخر القرن الثالث وأول القرن الرابع بدأت البدع المغلظة تظهر على أيدي غلاة المتصوفة والمبتدعة والرافضة والباطنية، فوجد الذبح لغير الله، فلذلك ذكر هذا النموذج، مع أننا لو قرأنا كتب السلف في القرن الأول وأول القرن الثاني لم نجد الكلام في هذه الأمور؛ لأنها لا يمارسها الناس.

    وهذا فيه إشارة مهمة إلى منهج ضروري من مناهج الدين، وهو أنه بقدر ما تشيع البدع يجب الكلام عنه، وهذا فيه رد على بعض الذين يضيقون على طلاب العلم والدعاة وغيرهم إذا تحدثوا عن بعض الظواهر المعاصرة، فيقولون: هذا لم يتحدث عنه السلف، ونحن نجزم أن كثيراً من الظواهر المعاصرة في البدع والمعاصي والفسوق والفجور والكبائر والشركيات التي استجدت لو وجدت في عهد السلف لتكلموا عنها، وهذا من ضرورات بيان الدين وحماية الأمة.

    وإذا لم يفعل شيئاً من ذلك فهو مؤمن مسلم يعني: وإن ابتدع بدعة غير مغلظة أو غير شركية أو غير كفرية، وإن ارتكب المعاصي والآثام فهو مؤمن مسلم بالاسم لا بالحقيقة يعني: نشهد له ظاهراً، أما الحقيقة الغيبية فمما لا يعلمه إلا الله عز وجل.