إسلام ويب

الفقه العقدي للنوازل [1]للشيخ : عبد الرحيم السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تعتبر دراسة النوازل في الشريعة الإسلامية من الأهمية بمكان؛ لانحصار النصوص وعدم تناهي الحوادث, فهي دلالة على صلاحية الدين الإسلامي لكل زمان ومكان, ولذا زخرت مكتبات العالم الإسلامي بكتب الفتاوى التي تمثل جانبًا مهما من فقه النوازل ودراستها, وفي عصرنا وقعت حوادث ونوازل عديدة وما زالت تتابع, ومن جملتها نوازل عقدية عظيمة, كالحوار بين الأديان, والحكم بالقوانين الوضعية في البلاد الإسلامية, والتعامل مع الكفار, وغير ذلك من النوازل المهمة.

    1.   

    مدخل لفقه النوازل

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً مزيداً إلى يوم الدين. أما بعد:

    فهذه الدروس بإذن الله تعالى هي بعنوان: الفقه العقدي للنوازل وتطبيقاته.

    تعريف النازلة لغة واصطلاحاً

    النوازل المقصود بها: الأمور والقضايا والحوادث المستجدة، والنوازل جمع نازلة، ويذكر أهل اللغة أن النازلة -وهي الأمر الشديد الصعب- لها مراتب، ومن ذلك ما ذكره الثعالبي في فقه اللغة في درجات النوازل قال: تقال: نازلة ونائبة وحادثة، ثم آبدة وداهية وباقعة، ثم بائعة ثم بائقة وحاطمة وفاقرة، ثم غاشية وواقعة وقارعة، ثم حاقة وطامة وصاخة.

    واصطلاحاً: هي الأمور والقضايا الجديدة التي تحصل مع تطور الأوقات واختلاف الأزمان والأماكن.

    فالأحداث أو القضايا التي تحصل لا بد فيها من معرفة حكم الله سبحانه وتعالى، والنوازل تعرف في الاصطلاح وتطلق على المسائل والوقائع الحادثة الجديدة التي تحتاج إلى حكم شرعي.

    وليس هناك كتاب مخصص لمنهجية النوازل أفضل من كتاب الدكتور مسفر القحطاني : أحكام النوازل في الشريعة الإسلامية، ولهذا عرفها بأنها: الوقائع الجديدة التي لم يسبق فيها نص أو اجتهاد.

    (الوقائع الجديدة) يعني: الأمور التي حصلت ولم تكن موجودة في السابق، فالوقائع هنا تشمل كل ما يقع للناس من مسائل في أمورهم العلمية والاعتقادية.

    (التي لم يسبق فيها نص أو اجتهاد): لأنه إذا كان فيها نص فإنها لا تعتبر نازلة تحتاج إلى حكم شرعي، وكذلك إذا كان فيها اجتهاد فإنها لا تعتبر نازلة، وليست أمراً جديداً وحادثاً.

    مصطلحات النوازل

    هناك مصطلحات يستخدمها العلماء قديماً بمعنى النوازل، مثل: الوقائع والحوادث، والنوازل قديماً عند أهل العلم تدرس في كتب الفتاوي؛ لأن الفتاوي هي أسئلة عن الأمور التي تخص الناس في ذاك الزمان، فيمكن الاستفادة من الفتاوي في معرفة الوقائع الجديدة التي حصلت في كل زمان على حدة، ولهذا وجد في كل مذهب من المذاهب كتب متخصصة في الفتاوي؛ في المذهب الحنفي والشافعي والمالكي والحنبلي، وأحياناً تسمى الأجوبة أو السؤالات أو المسائل أو النوازل، وتميز الفقه المالكي بالذات بهذه التسمية: النوازل، فأكثر ما يُستخدم مصطلح النوازل في الفقه المالكي.

    1.   

    أمثلة للنوازل العقدية ونوازل أخرى

    لن نتحدث عن جميع النوازل، وإنما سنتحدث عن النوازل العقدية فقط، فهناك نوازل في مجال البيوع والمعاملات المالية، والقضايا الطبية، وأمور متعددة أخرى، لكنها من الأمور التي تدرس في كتب الفقه ويفتى فيها، وقد يختلف فيها أهل العلم، لكن نحن سيكون حديثنا عن النوازل العقدية بشكل خاص.

    قد يتساءل البعض: ما هي الأمور التي وقعت في هذا الزمان من قضايا العقيدة التي لم يسبق فيها نص أو اجتهاد محدد؟

    هناك أمثلة كثيرة، منها:

    الحوار بين الأديان

    الحوار بين الأديان؛ فإنه لم يسبق في تاريخ المسلمين أن اجتمع علماء من علماء المسلمين يتحاورون مع الرهبان والقساوسة من أجل الاتفاق على القضايا المشتركة بين الجميع، ويعملون من أجل الأمور المتفق عليها، ويتركون الأمور المختلف فيها؛ لأن الحديث في العقائد يسبب الخلاف والنزاع، وهم يريدون الحديث عن المسائل المشتركة بين الجميع، مثل: نقد الإلحاد، أو معالجة مشكلات الفقر، أو مشكلات الفساد الأخلاقي الموجود.. أو نحو ذلك من الأمور التي تعد من الأمور المتفق عليها بين جميع الأديان.

    الحكم بالقوانين الوضعية في البلاد الإسلامية

    من الأمثلة في النوازل العقدية: الحكم بالقوانين الوضعية في البلاد الإسلامية بالصورة المعاصرة؛ إذ لم يمر في تاريخ المسلمين أن حُكِّم غير شرع الله عز وجل بالصورة الموجودة في الواقع الذي نعيشه الآن، فأكثر البلاد الإسلامية في زماننا هذا أزيحت الشريعة عن الحكم إلا في قضايا الأحوال الشخصية فقط، وسميت: القوانين المدنية، أما قضايا الأموال والدماء والمنازعات على اختلافها وأشكالها فلا يحكم فيها بالشريعة، وإنما تستورد قوانين وضعية، وأحياناً قد يطبق القانون بأكمله، وأحياناً قد يحصل تلفيق بين مجموعة من القوانين، ثم يخرجون بقانون معين يحكمون به الناس.

    هذه المصيبة والباقعة الكبرى والنازلة العظيمة التي تتعلق بالأحكام الوضعية في البلاد الإسلامية حصل بسببها خلاف كبير، ومشكلات عظيمة جداً، وتفرعت إلى أنواع متعددة مثلاً: هل هي دول مسلمة أو ليست بدول مسلمة؟

    وترتب عليها أيضاً الحكم على الدار الذي يكون فيه هذا الوضع الجديد: هل هو دار إسلام أو دار كفر؟ والمحاكم بالطبع أصبحت في داخل بلاد المسلمين ويرتادها المسلمون بأعداد كبيرة، فما حكم الذين يرتادون هذه المحاكم وهم يأتون لتحكيم غير ما أنزل الله عز وجل.

    وترتب عليها: ما حكم الخروج على هذه الدول التي تحكم بغير ما أنزل الله، ونحَّت شريعة الله عز وجل عن الحكم؟

    وترتب عليها: ما حكم العمل في هذه الحكومات التي تحكم بغير ما أنزل الله؟ فهل يجوز أن ينخرط الإنسان في عمل بأحدى هذه الدول؟ وهل يجوز للإنسان أن يتولى وزارة من الوزارات فيها؟ وهل يجوز للإنسان أن ينضم إلى جيش من الجيوش التي تكون تابعة لهذه البلاد؟ وهل يجوز للإنسان أن يدرس في مدارسها؟

    ترتب أيضاً على هذه المسألة: ما حكم الناس وشعوب الدول التي تحكم بغير ما أنزل الله: هل هي شعوب مسلمة أم كافرة؟ وبناءً على هذا: هل يترتب على هذا جواز أكل الذبائح مثلاً؟ إلى قضايا تفصيلية كثيرة جداً، وربما لا أبالغ لو قلت: إن قضايا لا حصر لها ترتبت على هذه الباقعة وعلى هذه الداهية التي دهت بلاد المسلمين.

    التعامل مع الكفار

    من النوازل أيضاً: التعامل مع الكفار: العالم المعاصر الموجود اختلف عن العالم الإسلامي قديماً، فقد كان العالم الإسلامي قديماً دولة مستقلة، لكن الآن هناك هيئة أمم متحدة، ومنظمات متعددة، وتعاون دولي مشترك، وما يسمونه بالمجتمع الدولي. قضايا متعددة كثيرة جداً، فما حكم التعامل مع الكفار في هذه الأمور، وهل هذا يخل بعقيدة الولاء والبراء أو لا يخل بهذه العقيدة؟

    قضايا الجهاد

    من النوازل أيضاً: قضايا الجهاد: فهي تبحث في كتب الفقه، ولها ارتباط عقدي إضافة إلى ارتباطها الفقهي، لكن الآن إذا احتل بلد من بلاد المسلمين من دولة كبيرة وقوية ولها إمكانيات مهولة جداً، هل يجوز للمسلمين أن يقاتلوا هذه الدولة المحتلة، أم أنهم يستسلمون لها؟ وإذا شكلت لهم حكومة هل تكون هذه الحكومة حكومة شرعية فعلاً، أم أنها تابعة للمحتل، وأنه لا يجوز حينئذ التعامل مع مثل هذه الحكومة؟

    أيضاً: قضية الجهاد لها ارتباط بمسألة التعايش، فهل يجوز للمسلمين أن يعقدوا صلحاً مع الكفار بحيث أنهم لا يقاتلونهم، وأن كل بلد يكون مستقلاً عن الآخر ولا يحصل بينهم أي قتال، أو أنه ما دام وجد الكافر لا بد أن يقتل في أي مكان يوجد، وتحت أي ظرف من الظروف، هذه تعتبر من القضايا والنوازل المحدثة.

    الفكر السياسي والاقتصادي

    هناك قضايا تتعلق بالفكر السياسي، وأخرى بالفكر الاقتصادي، ومثال ذلك: أن العالم اليوم يسيطر عليه الغرب من الناحية السياسية والاقتصادية، فقضية العولمة مفروضة على المجتمع الإسلامي والبلاد الإسلامية، فهل يجوز للمسلمين أن يتعاملوا مع العولمة وفق النظام الرأسمالي المعتمد على الربا الذي يرى أن الإقراض بفائدة -كما يسمونه- يعتبر أساساً من أساسيات هذه النظم؟ وبعض الناس يقول: لماذا لا نتعامل مع هذه القضية من واقع التجديد؟

    هناك أصل من أصول الدعوة الإسلامية وهي تجديد الدين، فهل يدخل في تجديد الدين مثل هذه المفاهيم؟

    إذاً: هناك قضايا لا بد من إدراكها وفهمها في الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية ولها تفرعات متعددة.

    والحقيقة: أن الانحرافات التي وقعت في هذا الأمر تعود إلى قلة الفقه في الدين، وقلة التأصيل الشرعي لمثل هذه القضايا.

    وترجع أيضاً إلى أن مثل هذه القضايا يتحدث فيها أشخاص ليسوا من المؤهلين شرعياً من حيث التفقه ومعرفة أصول الاستدلال، وسيأتي معنا الحديث عن الناظر في النوازل، ما هي المؤهلات الأساسية التي ينبغي أن تكون عنده؟ فهل أي إنسان يمكنه أن ينظر ويفتي ويتكلم فيها؟ أم أنه لا بد أن تكون له مؤهلات معينة، وضوابط محددة يمكن للإنسان أن يتكلم فيها بحيث أنه يصل إلى الحق.

    1.   

    مسألة: هل هناك أحكام في الشرع لكل نازلة تحدث؟

    هذا يجرنا إلى مسألة مهمة جداً تبحث دائماً في فقه النوازل، هي: هل لله عز وجل حكم في كل مسألة من المسائل حتى لو كانت مستحدثة؟ أي: هل الشرع -القرآن والسنة- نصوصه محددة، أم تشمل كل ما يحصل من نوازل إلى يوم القيامة؟

    ولا شك أن جمهور أهل العلم -وهو الإجماع- على: أن لله عز وجل في كل قضية وفي كل مسألة من المسائل حكماً بينه للناس، قد يصل إليه بعض الناس ويصيبون الحق فيه، وقد يخطئ بعض الناس في الوصول إليه، وقد ينحرف بعض الناس عنه انحرافاً كاملاً، وروي عن بعض الأصوليين مثل الباقلاني : أنه ليس هناك أحكاماً في كل أمر من النوازل، واستدل عليه بأن النصوص متناهية والنوازل غير متناهية، ولا شك أن هذا استدلال باطل؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم بعد إكمال الدين أفتوا في أمور نازلة جديدة لم تكن موجودة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا علماء الدين الراسخين في العلم فقد أفتوا في أمور كثيرة لم تكن موجودة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.

    والأمر الثاني: العموم في النصوص يشمل ما لا حصر له من الأفراد التي تدخل في نطاق اللفظ العام، والقياس باب من أبواب الدين العظيمة أيضاً، حيث تقاس الأمور الجديدة على الأمور الشرعية القديمة.. وهكذا.

    إن أصول الاستنباط والاستدلال جعلت من هذه الشريعة شاملة لكل أمر وإلى يوم القيامة، وفي كل زمن مهما تغيرت أحواله وظروفه وأوضاعه.

    إذاً: هناك نوازل عقدية ينبغي أن نفهم ما هو الفقه الشرعي في التعامل معها؟ وكيف يمكن للإنسان أن يتعلم الأحكام الشرعية فيما يتعلق بمثل هذه النوازل؟

    بداية سنذكر مقدمة عامة حول فقه النوازل بشكل عام، ثم سنتحدث عن قواعد مخصصة بالفقه العقدي في النوازل تجعل طالب العلم يحسن التعامل مع مثل هذه النوازل، ويتوصل فيها إلى نتائج صحيحة موافقة لمنهج أهل السنة والجماعة، ثم سنتحدث عن تطبيقات لهذا الفقه، وقد لا يهمنا كثيراً أن نصل إلى نتائج فيما يتعلق بهذه المسائل، لكن الذي يهمنا هو أن نفهم كيفية التفقه والتعلم في التعامل مع هذه المشكلات، بالذات أن الواقع الذي نعايشه جعل بعض المسائل المتعلقة بقضايا فقهية -في الأصل- تتحول إلى قضايا عقدية.

    1.   

    نشأة علم النوازل

    هذا الدين أنزله الله سبحانه وتعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم بشكل مفرق، وفي كل حالة من الحالات ينزل توجيه رباني، ولهذا نزل القرآن مفرقاً حسب الظروف والأوضاع منذ أن كان النبي صلى الله عليه وسلم في مكة وإلى أن توفي عليه الصلاة والسلام في المدينة، فهناك علم مشهور من علوم القرآن وهو علم أسباب النزول، فأكثر الآيات تقريباً تنزل إما بسبب سؤال أو بسبب حادثة، وفي القرآن يوجد بعض الألفاظ التي تدل على ذلك مثل: يَسْتَفْتُونَكَ و يَسْأَلُونَكَ وهناك أمثلة ونماذج متعددة.

    بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم تم الدين، وأكمل الله عز وجل النعمة على المسلمين، كما قال الله عز وجل: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3]، فلما جاء عصر الصحابة رضوان الله عليهم حصلت مجموعة من النوازل، وكانوا يفتون فيها بحكم الشرع، أحياناً بالاستدلال بالعموم، وأحياناً بالقياس، وأحياناً بالقواعد العامة للشريعة، وأحياناً بمقاصد الشريعة.

    وأيضاً كان النبي صلى الله عليه وسلم يفتي أصحابه عندما يسألونه، ولهذا اشتهرت في الأصول مسألة: هل النبي صلى الله عليه وسلم كان مفتياً ومجتهداً، أم أنه كان في كل أحواله مبلغاً عن الله سبحانه وتعالى؟

    والصواب أن القرآن نزل على النبي صلى الله عليه وسلم، وبلغه النبي صلى الله عليه وسلم عن الله، والنصوص التي يتكلم بها النبي صلى الله عليه وسلم منها ما هو تبليغ عن الله عز وجل، خصوصاً ما يتعلق بالإيمان بالغيب والأخبار المستقبلية ونحو ذلك، ومنها ما هو إفتاء من النبي صلى الله عليه وسلم وحكم بين الصحابة، ولهذا جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنما أنا بشر مثلكم وإنكم تختصمون إلي، وقد يكون بعضكم ألحن بالحجة من بعض؛ فأقضي له على نحو ما أسمع)، وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد ويقضي على نحو ما يسمع، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في تمام الحديث: (فمن اقتطع من أخيه شيئاً فإنما هي قطعة يقتطعها من النار)، وهذا يدل على أنه ربما حكم لشخص على نحو ما سمعه منه فاقتطع شيئاً ما لأخيه، فلو كان القضاء من النبي صلى الله عليه وسلم هو تبليغ عن الله عز وجل لما وجد فيه: أن يقضي النبي صلى الله عليه وسلم على نحو ما يسمع فيقتطع حق أخيه؛ لأنه لو كان تبليغاً عن الله لجاء الحكم مباشرة بإعطاء الشخص حقه، ولهذا الصحيح في هذه المسألة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مبلغاً عن الله، وكان مفتياً، وكان قاضياً أيضاً، وقد جمع ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين مسائل كثيرة جداً من فتاوي النبي صلى الله عليه وسلم يمكن مراجعتها في هذا الكتاب العظيم.

    ثم بعد جيل الصحابة أتى جيل التابعين، وتفرق الناس في الأقطار، وحصل الخلاف فيما يتعلق بفهم النصوص؛ فنشأت المذاهب الفقهية، وهذه المذاهب الفقهية لم تنشأ عن قصد، وإنما نشأت لوجود اختلاف طبيعي في فهم النصوص، فلما وجد هذا الاختلاف الطبيعي في فهم النصوص ترتب عليه اختلاف الناس في المسائل، وهذا قدر من الله عز وجل أراده للناس ليبتليهم من يكون مجتهداً حقيقياً في التوصل إلى الحق، ولهذا جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم -وهذا الحديث أصل في باب الاجتهاد-: (إذا اجتهد المجتهد فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر)، وفي رواية: (إذا اجتهد الحاكم)، وهي تشمل: المفتي والقاضي أيضاً، فإذا أصاب فله أجران: أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، وإذا أخطأ فله أجر الاجتهاد، وهذا يدل على أنه يمكن أن يقع المجتهد في الخطأ، لكن ليس عليه إثم ما دام أن نيته صادقة، وأن أداته التي استخدمها في الاستدلال والاستنباط صحيحة.

    1.   

    مظان فقه النوازل في الكتب والفتاوى

    وجدت هذه النوازل في كتب أهل العلم المتعلقة بالفتاوي، فالكتب الفقهية تنقسم إلى قسمين: كتب فقهية مرتبة ترتيباً محدداً يبدءون بالطهارة ثم الصلاة ثم الزكاة ثم الصيام ثم الحج، ثم المعاملات بعد العبادات، وهذا الفقه ينشؤه العالم إنشاءً بدون مسألة، ويذكر الأحكام والاستدلال عليها وطريقة الاستدلال.

    والنوع الثاني من كتب الفقه وهي: كتب الفتاوي، وهذه هي مواطن علم النوازل، ففيما يتعلق بكتب الفتاوي والنوازل في الفقه الحنفي: الفتاوي البزازية لـمحمد بن أحمد البزاز وهو من علماء القرن التاسع، توفي سنة 827هـ، وهناك فتاوي قاضي خان وهي لـفخر الدين حسن بن منصور الأوزجندي وهو عالم مشهور من علماء الأحناف من علماء القرن السادس، توفي سنة 592هـ، وهناك أيضاً الفتاوى الزينية لـزين الدين بن إبراهيم بن نجيم ، وهو الفقيه المعروف، توفي في القرن العاشر سنة 97هـ. وهذه كلها مطبوعة.

    أما بالنسبة للمذهب المالكي فهو الذي اشتهر عنه استخدام مصطلح النوازل، فنجد مثلاً نوازل ابن رشد ، ويمكن أن يسمى أحياناً فتاوي ابن رشد أو أجوبة ابن رشد ، وابن رشد هو الجد وليس الحفيد، وقد توفي سنة 520هـ، وأيضاً هناك كتاب المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوي علماء أفريقيا والأندلس والمغرب للونشريسي ، وهو من علماء القرن العاشر من علماء المالكية، توفي سنة 914هـ، وأيضاً هناك كتاب القاضي عياض : مذاهب الحكام في نوازل الأحكام، والقاضي عياض عالم مشهور له كتاب: الشفا، توفي في بداية القرن السادس عام 504هـ.

    وأيضاً هناك كتاب للعالم عيسى بن علي الحسيني العلوي وهو أحد العلماء الذين توفوا في القرن الثاني عشر، وأيضاً هناك فتاوي الشاطبي ، وهو العالم الأصولي المعروف صاحب كتاب الاعتصام والموافقات، وكتابه هذا مطبوع، توفي رحمه الله سنة 970هـ.

    بالنسبة للمذهب الشافعي هناك مجموعة من الكتب مطبوعة في الفتاوى، مثل: فتاوي النووي ، فتاوي السبكي ، فتاوي ابن الصلاح ، فتاوي شيخ الإسلام الأنصاري ، الفتاوي الكبرى لـابن حجر الهيتمي ، هذه كلها من كتب الفتاوي في المذهب الشافعي.

    وأما الحنابلة فعندهم مجموعة من الكتب، مثل: فتاوي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وفتاوي سماحة الشيخ ابن إبراهيم ، والدرر السنية في الأجوبة النجدية، ونحو ذلك من الكتب التي تتعلق بالفتاوي.

    وكتب الفتاوي يكون الحكم فيها بناءً على سؤال، والسؤال مبني على واقعة ونازلة، وقد تكون بعض هذه الكتب عبارة عن أسئلة لأمور طبيعية وعادية في الصلاة أو الطهارة أو الصيام، لكنها من مظان النوازل الغريبة التي لم تكن موجودة عند السابقين.

    1.   

    أهمية وفوائد دراسة علم النوازل

    أولاً: التأكيد على صلاحية هذا الدين لكل زمان ومكان.

    إن الدين لم يأت ليكون في زمن محدد، ثم إذا انتهى ذاك الزمن انتهى الإسلام وانتهت الشريعة، وإنما هو دين للناس إلى يوم القيامة، ولهذا أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الناس إلى يوم القيامة، مع أن حياته انتهت، لكن بقي دينه، وبقيت أحكام الإسلام.

    ثانياً: إن الاهتمام بهذا العلم يؤكد أن هذا الدين جاء لتحقيق مصالح العباد وحاجاتهم.

    فكل مصالح العباد وحاجاتهم النفسية والاجتماعية، العامة والخاصة جاء هذا الدين بتحقيقها على أكمل وجه، لكن المشكلة الحقيقية في حياة الناس هي الجهل بأحكام الإسلام، والابتعاد عن تطبيقه.

    ثالثاً: تفويت الفرصة في تطبيق القوانين الوضعية باسم التحكيم أحياناً.

    رابعاً: تفويت الفرصة على العصرانيين والعلمانيين الذين يتكلمون فيما ينزل على الناس من أمور بدون فقه شرعي، وبدون أصول شرعية، فالنوازل الموجودة أصبحت مبرراً للذين يدعون إلى تطبيق القوانين الوضعية، ويقولون: إن هناك نوازل موجودة، ولا يمكن لنا أن نكون معزولين عن العالم، ولا أن نقاطع الدنيا، ولا أن نترك استخدام التقنية، ولا أن نكون متقوقعين، أو أننا نعيش في بيوت شعر أو في خنادق، أو نستخدم الخيول بدل السيارات أو نحو ذلك، لا بد أن نعيش في زمن معاصر حقيقي، ونعمل على تحديث المجتمع.

    نحن بإمكاننا أن نعيش في العالم وإسلامنا ثابت، فبإمكاننا أن نأخذ الوسائل المعاصرة المفيدة لنا، وبإمكاننا أن نحقق كل هذه القضايا مع التزامنا بديننا، وسيأتي معنا الحديث عما يتعلق بهذه الاتجاهات في القواعد بإذن الله.

    تفويت الفرصة على العصرانيين: فعندنا أشخاص كُثُر يتكلمون في مسائل العقيدة والأحكام وينشرون الباطل، ويبدلون الدين باسم الحديث في الأمور المعاصرة، ولهذا ينبغي على طالب العلم ألا يكون حديثه في الأحكام أو القضايا الاعتقادية حول أمور قديمة، صحيح أنه عندما يبدأ طالب العلم في التفقه لا بد أن يدرس كتب السلف القديمة، ويتفقه ويتعلم كيفية إخراج الأدلة، وهذه من الأصول الضرورية التي تلزم من يريد أن يتكلم في النوازل، لكن أن تبقى هي شغله الشاغل دون أن يعرف كيفية التعامل مع القضايا المعاصرة لا شك أن هذا خلل ينبغي الابتعاد عنه.

    خامساً: تجديد الدين، وإحياء العقيدة في النفوس.

    وهذه القضية لابد من الاستطراد فيها قليلاً، فنحن إذا لم نتحدث في النوازل بالمنهج الشرعي، فإنه سيتحدث عنها بالمنهج الباطل، ونذكر نموذجاً:

    كانت الدولة العثمانية ضعيفة في آخر زمنها، ونشأ في الدولة خلايا وجمعيات سرية متأثرة بالغرب الأوروبي، وكان الغرب الأوروبي في تلك الفترة في أقوى عصور النهضة، وكانت عروش الأوروبيين الذين كانوا على طريقة الملكية تتهاوى أمام نظر العالم بأكمله، فقام مجموعة من داخل البلاد الإسلامية -مثل العلمانيين في زماننا- وطالبوا الدولة العثمانية بتطبيق النظم العصرية في الحكم، فقالوا: لا بد أن يكون عندنا انتخابات ومجالس نيابية.. لا بد أن يحاسب الحاكم.. لا بد من الشفافية.. لا بد من حرية الفكر، وغيرها من الأفكار اللبرالية التي كانت موجودة في الغرب في تلك الفترة.

    الحقيقة أن الدولة العثمانية في تلك الفترة كانت تحتاج إلى إصلاح حقيقي؛ لأن التصوف كان ينخر فيها، وكانت معاملاتها رديئة إلى أبعد حد، وكان هناك ضعف إداري عام، وكان هناك استبداد وظلم، وإقصاء لعدد كبير جداً من الناس، فكان بالإمكان أن يقوم الحكام العثمانيون ومعهم العلماء الأحناف في تلك الفترة بوضع مشروع إصلاحي متكامل يتناسب مع ظروف تلك المرحلة، ومنضبط بالضوابط الشرعية، وكان هناك إمكانيات كبيرة جداً في هذا الأمر، لكن لوجود التقليد عند الأحناف بشكل قوي جداً، بل إنهم أغلقوا باب الاجتهاد وحرموه، ووقفوا موقفاً سلبياً من الحركات التجديدية مثل حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيره، ولوجود الاستبداد المتأصل في نفوس العثمانيين في تلك الفترة لم يحدث أي شيء، فما هي النتيجة بعد ذلك؟

    أصبحت هناك ضغوط داخلية لهذه الفئة التي تريد أن تحول الدولة إلى دولة تطبق النظم الديمقراطية الغربية، وهناك ضغط خارجي على تطبيق هذه النظم أيضاً، وهناك إفلاس من حكام الدولة العثمانية، ومن العلماء الذين كانوا في تلك الفترة، سبب هذا النتيجة المأساوية التي حصلت في تاريخ الدولة العثمانية.

    بالطبع فإن النتائج المأساوية التي حصلت للدولة العثمانية لا يتحملها العلماء والحكام في تلك الفترة، وإنما كان هناك خيانة من داخل البلاد الإسلامية؛ من اللبراليين والعلمانيين، فقد كانوا مرتبطين بالدول الغربية، وكانوا يأخذون التوجيهات من السفارات الأجنبية في الدولة العثمانية في تلك الفترة، كما هو حاصل في بلاد المسلمين اليوم.

    وفي نفس الوقت كانت هناك ضغوط من دول جديدة وقوية من حيث السلاح، لكن كان هناك أيضاً ضعف شديد فيما يتعلق بفقه النوازل والتعامل معها تعاملاً سليماً، وإلا فقد كان بالإمكان أن تواجه مثل هذه المشكلات، ولو كان العلماء في تلك الفترة ملتزمون بعقيدة أهل السنة والجماعة، وملتزمون أيضاً بمنهجهم في الاستدلال، وكان عندهم وعي، لفوتوا الفرصة على هؤلاء جميعاً، وهذا يؤكد أن الحديث عن النوازل ومعرفة مثل هذه المشكلات سواء كانت في مجال الفقه والأحكام، أو في مجال الاعتقاد أو الدعوة من الأمور الضرورية المهمة لمواجهة المشكلات المعاصرة بطريقة وبأسلوب سليم وصحيح.

    سادساً: أن في ذلك تحريكاً للاجتهاد.

    الاجتهاد والتجديد هما العنصران الأساسيان اللذان يجعلان الأمة تتحرك وتتكيف مع الواقع الذي تكون فيه، والاجتهاد والتجديد ليسا عناوين مفتوحة، بمعنى: أنه ليس لكل أحد حق الاجتهاد وبدون أي ضوابط، وكذلك التجديد، فهناك ضوابط دقيقة فيما يتعلق بالتجديد وفيما يتعلق بالاجتهاد، وليس لكل أحد أن يجدد أو يجتهد دون أهلية لهذا الأمر، لكن مع الأسف أنه في البلاد الإسلامية في فترة ماضية أغلق باب الاجتهاد من القرن الخامس تقريباً، واستمرت الأمة تقريباً أكثر من سبعة قرون يكرر العلماء بعضهم كلام بعض، أحياناً بشرح وأحياناً في مختصر وأحياناً في حاشية وأحياناً في تقرير، وكلها عبارة عن أخذ ما في هذا الإناء ووضعه في الإناء الآخر والعكس.

    وهذه مشكلة عانت الأمة منها فترة طويلة جداً، والواقع الذي نعيشه عبارة عن وقائع لهذه المشكلات القديمة.

    سابعاً: أن ترك الحديث في النوازل يفضي إلى ترؤس الجهلة: جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً؛ ينتزعه من صدور العلماء، ولكن يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رءوساً جهَّالاً سئلوا، فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)، فترك الحديث عن النوازل يفتح مجالاً للجهلة، فاليوم كل أحد يتكلم في الدين، حتى المغنيين والمغنيات يتكلمون في أصول العقائد، وكيف يمكن للإنسان أن يتعامل مع الآخر، حتى الصحفيين، وسقط الناس أصبحوا يتكلمون في الدين، وتفتح لهم صفحات الجرائد، ومع الأسف صحفنا اليوم وجرائدنا يتكلم فيها بنقض أصول الإسلام والقدح فيه من قوم جهلة لا يعرفون أحكام الله عز وجل، ولا يقدرونها، ولا يعرفون لله عز وجل وقاراً، والسبب هو دعوى حرية التفكير، والفكر المنحرف في هذا الباب، وحرية الرأي كما يسمونه، والأمر الثاني هو: سكوت أهل الخير عن توضيح الحق للناس في كل نازلة من النوازل التي تعرض لهم.

    1.   

    المناهج المستخدمة في التعامل مع النوازل

    هناك ثلاثة مناهج، وسنتحدث عن الجانب العقدي فقط، بحيث يكون عندنا تكامل في هذا الموضوع:

    المنهج الأول: منهج التشديد في التعامل مع النوازل: ولا شك أن التشديد معناه الشرعي: الغلو، وهو يعتبر منهجاً من المناهج التي يتعامل بعض الناس به مع النوازل.

    ومن النماذج على ذلك في الجانب الفقهي: التعصب المذهبي، والتمسك بالظاهرية في فهم النصوص، والمنع والتحريم لمجرد الاحتياط فقط، ففي فترة من الفترات بعض الناس منع زراعة العنب بحجة أن العنب إذا زرع فسيستخدمه بعض الناس في الخمر، أو منع المجاورة بين الناس؛ لأنه يفضي إلى المعاكسة وهذا منهج ضال منحرف.

    أما في الجانب العقدي فمن أمثلته: أهل الغلو الذين يتعاملون مع الناس بطريقة غير صحيحة فيما يتعلق بالنوازل التي حدثت، مثلاً: تكفير المحكومين بغير الشريعة، وهذا منهج الخوارج، فقد كفروا كل الشعوب الإسلامية لأنها محكومة بغير ما أنزل الله، وقالوا: إن هذه الشعوب سكتت عن الحكم بغير ما أنزل الله، وبناءً على ذلك فهي كافرة، وبعضهم أقل غلواً في هذا، فيقول: نحن لا نكفر من صرح بالبراءة، وقد يأتي بعض الذين يعطلون شريعة الله عز وجل فيصفقون له ويفرحون به ويبكون من أجله، ونسي أن كثيراً منهم قد يكون مغرراً به، وقد يكون بعض هؤلاء لا يعرف شيئاً من هذه الحقائق، والكفر له مناط ليس مفتوحاً، وبمجرد الظاهر يمكن للإنسان أن يحكم على الباطن مباشرة، فكفروا كل من يذهب إلى محكمة مدنية من أجل أن يستخرج حقاً له، أو من دخل في مجلس أو برلمان من أجل الإصلاح وهذه مسألة من مسائل النوازل، وهي: هل يجوز للدعاة والمصلحين الدخول في الانتخابات في الدول التي تحكم بالديمقراطية من أجل دفع الضرر عن المسلمين واستجلاب المصالح لهم أو لا يجوز؟ هذه قضية من القضايا الشائكة العقدية، وهي من النوازل التي تحتاج إلى تبيين، فبعض أهل الغلو كفر هؤلاء الأشخاص الذين اجتهدوا فدخلوا في الانتخابات، مع أنهم يصرحون أن التشريع لله، وأن الحكم لا يجوز إلا بشريعة الله عز وجل، ومع أن مناطات التكفير في هذه المسائل غير موجودة فيهم.

    المنهج الثاني: منهج التساهل: وهو العمل بالرخص فيما يتعلق بالنوازل، وبلغ التساهل عند البعض إلى درجة تقديم المصلحة على النصوص الشرعية، فبعض الناس يقول: إن النظام الربوي في البنوك مصلحة محققة يجب أن نعمل بها، وأن نلغي النصوص الواردة في الربا. وهذا منهج منحرف، والتعبير بكلمة تساهل ربما يكون فيها تساهل، لأن أمثال هؤلاء يعطلون الدين، ويبدلونه ويغيرون أحكام شريعة الله عز وجل.

    ومثله التلفيق في الأحكام: وهذا يعتبر من النوازل.

    وبعض المفتين يفتي في كثير من قضايا النوازل بناءً على قاعدة التسهيل، فإذا وجد مثلاً فتوى لأهل العلم يمكن أن توظف في إجازة عمل من الأعمال يفتي به، مثلاً: هل يجوز للأمة الإسلامية أن تحكم بالديمقراطية الغربية، سواء كانت على شكل آلة من الآلات أو كانت على شكل تشريع؟ فبعض المفتين أفتوا بالجواز مطلقاً، واحتجوا على ذلك بأن الإسلام لا يعارض العدل، والديمقراطية تحقق العدل، وأن الإسلام لا يعارض الحرية، والديمقراطية تحقق الحرية، ويتم سرد المفاهيم العامة ويبين أن الإسلام لا يعارضها؛ فأفتى بناءً على ذلك بجواز تطبيق الديمقراطية في البلاد الإسلامية.

    المنهج الثالث: هو المنهج الوسط: وهو الوحيد الذي يتبع الدليل الشرعي، ويعتمد على طريقة الاستنباط المجمع عليه عند أهل العلم.

    1.   

    الأسئلة

    حكم البرمجة اللغوية العصبية

    السؤال: هل البرمجة اللغوية العصبية من النوازل العقدية، وما رأيكم فيها؟

    الجواب: البرمجة اللغوية العصبية كوسيلة من وسائل التدريب والسلوك تعتبر نازلة فعلاً، والرأي الصحيح فيها أنها لا تجوز؛ لأنها مبنية على فلسفة غربية، فأول ما بدأت البرمجة اللغوية العصبية بدأت على أنها فلسفة معينة تنطلق من أن قدرات الإنسان لا حدود لها، وأن الإنسان بإمكانه أن يصنع المعجزة، وأساسها الفلسفي القديم هو أن هذا الكون مترابط بالأسباب، وأنه لا توجد قوة خارجية، وإنما قوته في ذاته، وأن النبوة تعتمد على قوة الشخصية، وأن المعجزة تعتمد على التأثير الذاتي من الشخص في الشيء الآخر، وانعكاسات هذا الأمر -ربما في البلاد الإسلامية- لم تأت مثل هذه الموبقات؛ لأنها تعارض أصول الدين، لكن من انعكاساتها الواضحة: أن هؤلاء الأشخاص الذين يأكلون الجمر أو يمشون عليه ويخيلون للناس أنهم يمشون فعلاً على الجمر، وعند النقاش يعترفون بأنه في الحقيقة لا يمشي على الجمر، فإذا كنت في الحقيقة لا تمشي على الجمر فلماذا تبين للناس أنك تمشي على الجمر؟ فيقول: أبين لهم أن الإنسان عنده قدرة. إذاً: قل لهم: إن الإنسان عنده قدرة من غير أن تكذب، تقول: أنا أمشي على الجمر، ثم تقول: لا، قد جعل الله عز وجل من خواص الجلد الطبيعية أنه إذا اقترب من الجمر يحترق، فما هو المانع من احتراق جلدك عندما تمشي على الجمر؟ يقول: قوة إرادة، قلنا له: يا أخي! حتى لو كانت قوة إرادتك مثل الجبال، فإن الجلد هكذا خلقه الله تحرقه الجمر، لكن لو قلت لي: الجمر يحرقني لكن أصبر، يمكن لي أن أتقبل مثل هذا الكلام، وأن عندك قوة تحمل، لكن تقول: الجلد لا يحصل له شيء، آكل الجمر ويدخل في جوفي وما يتقطع المريء، ما هو المانع من تقطع المريء؟ مع أن المريء بطبيعته أنه إذا وقع عليه شيء حار تقطع، يقول: لا، أنا عندي قوة إرادة! قلنا: إرادتك في قلبك تجعلك تصبر، لكنها لا تجعل المريء الذي من طبيعته أن يتقطع لا يتقطع، ومع الأسف أن بعض الدعاة ينبهر بما عند الآخرين من علوم جديدة ويطبقها في بلده.. بل بعضهم حاول يؤسلمها كما يسمون، فيأتي بأمثلة غير صحيحة، ويأتي بتفسير لبعض الآيات القرآنية غير صحيح، وهو ليس من أهل الشريعة ولا من أهل العلم، ويأتي أيضاً بشرح لأحاديث بطريقة غير صحيحة، فهذا العلم لا شك أنه علم غير صحيح بناءً على ما سبق أن أشرنا إليه.

    علاقة المصلحة بالنص الشرعي

    السؤال: هل هذه الجملة صحيحة: تقديم المصلحة على النص الشرعي؛ لأن المصلحة مرتبطة بالنص الشرعي، فإذا وجد شيء ظاهره مصلحة وهو مخالف للنص الشرعي فنحن لا نقبل أن نسميها مصلحة.

    الجواب: هذا صحيح بشكل عام، أي: أن المصلحة بشكل عام مرتبطة بالنص الشرعي؛ لأن هذه النصوص جاءت لتحقيق المصالح للناس ودرء المفاسد عنهم، فإذا ظن أحد أن هناك مصلحة تعارض النص فهذه المصلحة موهومة.

    والمصالح تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

    مصالح معتبرة: وهي الموافقة للنصوص، ومصالح ملغاة: وهي المخالفة للنصوص، ومصالح مرسلة: وهي التي ليس فيها موافقة ولا مخالفة، وفيها فائدة للناس، مثل إشارات المرور، فهذه الصحيح اعتبارها، وأنها من الأمور التي تنفع الناس وتفيدهم، لكن هناك أحياناً مصالح خاصة، مثلما قال الله عز وجل عن الخمر والميسر: فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ [البقرة:219] ، فالمنافع مصالح، فأحياناً قد تكون مصلحة جزئية أو مصلحة ذاتية، فلا يقدم المصلحة الخاصة على النص الشرعي، وهذا لا يجوز أبداً بأي حال من الأحوال.

    نكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3047510914

    عدد مرات الحفظ

    738460363