إسلام ويب

سلسلة شرح صحيح البخاري [21]للشيخ : أسامة سليمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • توفي النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الإثنين، ودفن في حجرة عائشة رضي الله تعالى عنها، وكان قد أوصى عليه الصلاة والسلام ألا تتخذ القبور مساجد؛ حتى لا تعظم أو تعبد من دون الله عز وجل.

    1.   

    تابع باب ما جاء في أولاد المشركين

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:

    فلا زلنا مع كتاب الجنائز في صحيح الإمام البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم رحمه الله تعالى، وقد توقفنا عند باب: ما جاء في أولاد المشركين.

    من منهج الإمام البخاري في التبويب

    يقول البخاري رحمه الله: [باب] ولم يضع عنواناً للباب.

    والبخاري له منهج وأسلوب في صحيحه، ومن خلال الاستقراء نستطيع أن تحدد الأسس التي رسمها لنفسه في الصحيح: فإن أعاد الحديث يعيده للطيفة في سنده أو متنه، ولا يمكن أن يعيد الحديث بنفس السند والمتن، فـالبخاري رحمه الله تعالى حينما يقول: [باب] ولا يضع عنواناً للباب معنى ذلك أنه لم ينته إلى عنوان لهذا الباب، والحديث ثبت عنده على شروطه؛ فيضع الباب بدون عنوان.

    كما قال الأئمة: فقه البخاري في تبويبه، فعنوان الباب يمثل حكماً فقهياً.

    قال: [ حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا جرير بن حازم إلى أن قال: عن سمرة بن جندب قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه) ].

    هذا الحديث يرويه البخاري مرة أخرى في كتاب تعبير الرؤى، وعلم الرؤية علم له رجالاته وله أهله، ومن المميزين بتعبير الرؤى من التابعين محمد بن سيرين ، ومن الصحابة الصديق رضي الله عنه، وعمر رضي الله عنه، يقول صلى الله عليه وسلم: (لم يبق من النبوة إلا المبشرات. قيل: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له) ، ولكن تفسير الرؤى لا بد أن يكون بضابط الكتاب والسنة، ولذلك وضع الإمام البخاري لهذا العلم كتاباً خاصاً سماه كتاب التعبير.

    أمثلة لتعبير الرؤى

    جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال: يا إمام! إني رأيت القمر والشمس يقتتلان. قال: مع أي الفريقين كنت؟ قال: كنت مع القمر، فعلم عمر أن أجل الرجل قد اقترب وأنه سيموت، واستدل بقول الله عز وجل: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً [الإسراء:12]، فهذا يدل على أن الرجل سيختفي من الحياة كالقمر حينما يختفي من السماء في الليل، فـعمر رضي الله عنه علم هذا المعنى من القرآن.

    وهكذا بعض علماء السلف يربطون بين الرؤيا والقرآن والسنة، وهذا هو المهم.

    النبي عليه الصلاة والسلام كان بعد كل صلاة يقبل بوجهه على الناس، ولذلك من فقه الإمام بعد الصلاة أن يستدير بوجهه ولا يجلس في مكانه، حتى يعلم الداخل أن الصلاة قد انقضت. هذه واحدة. الثانية: حتى ينظر في أمر المصلين، يا فلان أعد الصلاة. يا فلان أدركت الركوع. هذا من عمل الإمام.

    كان يقبل بوجهه على أصحابه صلى الله عليه وسلم، لكنه بعد الفجر في الغالب يسألهم [ (من رأى منكم الليلة رؤيا؟) ]، لماذا يسألهم في الفجر؟ لأن الفجر يكون ذهن الرائي صافياً لم يختلط بأعمال اليوم، ويكون ذهن المعبر صافياً، ولا ينبغي أن تقص رؤياك إلا على أهل الإيمان والطاعة، قال تعالى: قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا [يوسف:5].

    قوله: ( لا تقصص )، هذا تحذير من يعقوب عليه السلام ليوسف ألا يقصص رؤياه على إخوته، ومن هنا استنبط العلماء أن الرؤيا لا تقصص إلا على أهل الإيمان، ومن يحب لك الخير، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يقول لأصحابه: (من رأى منكم الليلة رؤيا؟)، حتى تمنى عبد الله بن عمر أن يرى رؤيا، حتى ينال شرف قصها على النبي صلى الله عليه وسلم، وقد رأى رؤيا لكنها لم تأت على حسب ما تمنى، رأى ابن عمر : أنه في منامه أتاه ملكان وأخذاه من منامه، وطارا به حتى وصلا إلى حافة جهنم، يقول: فنظرت إليها ففزعت. فقالا: لا تخف أنت لست من أهلها، وبها أناس أعرفهم، ثم عادا بي إلى فراشي. هذه رؤية يقول: فاستحييت أن أقصها على النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرت بها حفصة زوجة النبي عليه الصلاة والسلام حتى تقصها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقصتها عليه فقال: (نعم العبد عبد الله بن عمر لو كان يقوم الليل) ، يعني: هذه رؤيا تحذيرية؛ لأن ابن عمر كان لا يواظب على قيام الليل، فجاءت هذه الرؤية تحذره، يقول ابن عمر : فما تركت قيام الليل بعدها. وهذا معناه: أن الرؤيا تأتي أحياناً لتنشط صاحبها.

    ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم في منامه

    قال: [ (فإن رأى أحد قصها. فيقول ما شاء الله. فسألنا يوماً فقال: هل رأى أحد منكم رؤيا؟ قلنا: لا. قال: لكني رأيت الليلة رجلين) ].

    أي أن الذي رأى هو النبي صلى الله عليه وسلم، ورؤيا الأنبياء وحي وحق: يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ [الصافات:102]، والنبي إن رأى في منامه شيئاً لا بد أن يمتثله؛ لأن الأنبياء يوحى إليهم في المنام، لذلك قال الله تعالى في شأن دخول المسجد: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ [الفتح:27]، فهذه الآية رآها النبي صلى الله عليه وسلم في رؤيا.

    يقول: [ (لكني رأيت الليلة رجلين أتياني فأخذا بيدي فأخرجاني إلى الأرض المقدسة) ] هذا الحديث على طوله أعاده البخاري في كتاب التعبير، من ضمن ما رأى يقول: [ (فإذا رجل جالس ورجل قائم بيده كلوب من حديد يدخله في شدقه حتى يبلغ قفاه، ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك، ويلتئم شدقه هذا فيعود فيصنع مثله. قلت: ما هذا؟) ].

    في المشهد الأول: رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً، ثم رأى آخران يقومان على رأسه بكلوب من حديد -والكلوب يشبه الخطاف- يفتحان شدقه إلى شحمة أذنه.. من فمه إلى شحمة أذنه، ثم يعودان يفتحان الناحية الأخرى، فإن فتح اليسرى أغلقت اليمنى، فعادا يصنعان به مثل الأول، يعني: يفتحان ثم يعودان، يفتحان ثم يعودان، فقال صلى الله عليه وسلم: [ (ما هذا؟ قالا: انطلق. فانطلقنا) ].

    المشهد الثاني: [ (فانطلقا حتى أتينا على رجل مضطجع على قفاه، ورجل قائم على رأسه بصخرة فيشدخ بها رأسه، فإذا ضربه تدهده الحجر -يعني: تدحرج الحجر- فانطلق إليه ليأخذه، فلا يرجع إليه حتى يلتئم رأسه كما هو فعاد إليه فضربه. قلت: من هذا؟ قالا: انطلق انطلق) ].

    إذاً: المشهد الثاني: رجل وآخر يضرب رأسه بصخرة فتنفلق رأسه، ثم يميل إلى الحجر ليأخذه مرة ثانية فتعود الرأس سليمة فيضربه مرة أخرى، وهكذا يأتي بالحجر يضرب رأسه فتنفلق رأسه ثم يعود إلى الحجر.

    قال: [ (فانطلقنا إلى ثقب مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع) ]، التنور مثل الموجود في شبرا الخيمة.. الصوامع العالية، أعلاها ضيق وأسفلها واسع.

    [ (فانطلقنا إلى ثقب مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع، فيه رجال ونساء عراة، فإذا اقترب ارتفعوا حتى كادوا أن يخرجوا، فإذا خمدت رجعوا فيها. فقلت: من هؤلاء؟ قالا: انطلق انطلق) ].

    المشهد الثالث الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم: رأى تنوراً به نار تؤجج، ورجال ونساء النار تلتهم فروجهم وهم يصطرخون في التنور، فإذا قفزوا إلى أعلى أدركتهم النار.

    قال: [ (فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم على وسط النهر بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان) ].

    يعني: رجل يسبح في بحر من الدم، وآخر على الشاطئ كلما وصل إليه من يسبح في بحر الدم ألقمه حجراً في فمه فيبلعه ويعود يسبح، فإذا ما أراد أن يخرج وصل إلى الشاطئ ألقمه حجراً فعاد يسبح.

    [ (قالا: انطلق انطلق، فانطلقنا حتى انتهيا إلى روضة خضراء فيها شجرة عظيمة، وفي أصلها شيخ وصبيان، وإذا رجل قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها، فصعدا بي في الشجرة وأدخلاني داراً لم أر قط أحسن منها، فيها شيوخ وشباب ونساء وصبيان، ثم أخرجاني منها فصعدا بي الشجرة، فأدخلاني داراً هي أحسن وأفضل فيها شيوخ، قلت: طوفتماني الليلة فأخبراني عما رأيت) ].

    هذه المشاهد الخمسة تأويلها في الرؤيا، البخاري يخرج هذا الحديث في باب ما قيل في أولاد المشركين ليدلل على أن أولاد المشركين في الجنة، هذا ما أراده البخاري من المشهد الخامس.

    تعبير رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم في المنام

    يقول: [ (أخبراني عما رأيت. قالا: نعم. أما الذي رأيته يشق شدقه فكذاب يحدّث بالكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق فيصنع به ما رأيت إلى يوم القيامة) ].

    إذاً: المشهد الأول هو الكذاب الذي يفتح فمه من شدقه الأيمن إلى شحمة أذنه، ومن شدقه الأيسر إلى شحمة أذنه اليسرى يحدث بالكذب والناس تسمع منه الكذبة فتبلغ الآفاق، ولا يستطيع أن يعود فيها.

    أما الآخر قالا: [ (والذي رأيته يشدخ رأسه فرجل علّمه الله القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل فيه بالنهار) ]، يعني: الذي ينام عن القرآن وعن الصلاة وعن الطاعة؛ فإن الجزاء من جنس العمل. هذا المشهد الثاني.

    [ (والذي رأيته في التنور فهم الزناة.) ] فإن الجزاء من جنس العمل، استمتعوا بفروجهم هنا فتحرق بنار الله يوم القيامة، وهم يصطرخون فيها. هذا المشهد الثالث.

    المشهد الرابع: الرجل الذي يسبح في نهر الدم هو آكل الربا، يقول ابن عباس : الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة:275]، يقول: (يبعث آكل الربا يوم القيامة وبطنه بين يديه كالمرأة الحبلى، يقوم فيقع) يقوم فيقع، لماذا يسبح في بحر الدم؟ لأن غالب الربا في الذهب والفضة، ومن هنا اللون الأحمر، يسبح في بحر دم ثم يصل إلى الشاطئ، وهكذا.

    [ (والشيخ في أصل الشجرة: إبراهيم عليه السلام، والصبيان حوله: أولاد الناس، والذين يوقدون النار: مالك خازن النار، والدار الأولى: دار عامة المؤمنين، وأما الدار الثانية: فدار الشهداء، وأنا جبريل وهذا ميكائيل) ].

    إذاً: قوله: (فهم: أولاد الناس) إذاً عامة أولاد الناس من المشركين والمؤمنين كلهم في الجنة، فـالبخاري يريد أن يذهب إلى مذهب معناه: أن أولاد المشركين في الجنة؛ لأنهم لم يفعلوا شيئاً قبل أن يموتوا: هذا المشهد الخامس.

    1.   

    باب موت يوم الإثنين

    قال البخاري : [ باب: موت يوم الإثنين ].

    يعني: فضل من مات في يوم الإثنين، ولقد مات نبينا صلى الله عليه وسلم في يوم الإثنين، وما أدراك ما يوم الإثنين؟!

    يقول البخاري رحمه الله: [ من طريق عائشة : دخلت على أبي بكر رضي الله عنه فقال: في كم كفنتم النبي صلى الله عليه وسلم؟ قالت: في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة. قال لها: في أي يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: يوم الإثنين. قال: فأي يوم هذا؟ قالت: يوم الإثنين. قال: أرجو فيما بيني وبين الليل. فنظر إلى ثوب عليه كان يمرّض فيه به ردع من زعفران، فقال: اغسلوا ثوبي هذا وزيدوا عليه ثوبين فكفنوني فيها. قلت: إن هذا خلق؟ قال: إن الحي أحق بالجديد من الميت، فلم يتوف حتى أمسى من ليلة الثلاثاء، ودفن قبل أن يصبح ].

    يشير البخاري هنا: إلى واقعة موت النبي صلى الله عليه وسلم، وحياة الأنبياء في قبورهم حياة برزخية، والإمام البيهقي له كتاب اسمه: حياة الأنبياء في قبورهم، حياة برزخية لا نعلم عنها شيئاً، إنما نستطيع أن نجزم الآن: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر:30]؛ لأن البعض يقولون: هل مات رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ رسول الله ما مات. قلنا: مات بنص القرآن، ولكن حياته في القبر حياة برزخية، وقد ثبت في الحديث: (إذا كان يوم الجمعة فأكثروا من الصلاة علي فإن صلاتكم تعرض علي. قالوا: كيف تعرض عليك يا رسول الله وقد أرمت؟ قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء) ، ولقد مر النبي عليه الصلاة والسلام بموسى عليه السلام وهو يصلي في قبره، والحديث صحيح، وليس معنى يصلي في قبره أي يركع ويسجد كما يفهم البعض، ولكن الحياة البرزخية لها قانون يحكمها، فنبينا عليه الصلاة والسلام حي حياة برزخية، أما في واقع الحياة فقد جاء في البخاري وغيره: أن النبي عليه الصلاة والسلام لما عاد من زيارته لموتى البقيع شكا من ألم في رأسه، قال: (وا رأساه يا عائشة !) ، وبقي في حجرتها يطبب إلى أن قال بعد أن عجز عن القيام للصلاة في جماعة، قال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس. قالت عائشة : يا رسول الله مر عمر ؛ فإن أبا بكر رجل أسيف، إذا قرأ القرآن بكى، وإذا بكى لم يسمع؟ قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، إنكن صواحب يوسف) ، يقول العلماء: لأنها عرضت بشيء وتريد شيئاً آخر، احتجت بأن أبا بكر رجل أسيف إذا قرأ يبكي، وإذا بكى لم يُسمع. نعم هذا عذر لكنها كانت تريد لأبيها ألا يؤم الناس فيموت النبي صلى الله عليه وسلم وأبوها يؤم الناس، فيربط الناس بين إمامة الصديق وبين موت النبي عليه الصلاة والسلام.

    صلى الصديق بالناس أياماً رضي الله عنه، وخرج النبي عليه الصلاة والسلام قبل موته في الفرض الأخير، ورفع الستار من حجرة عائشة ونظر إلى أصحابه وهم يصلون، وابتسم ضاحكاً وعاد وقد حدثت ضجة في المسجد لسعادتهم بقدوم النبي عليه الصلاة والسلام، فأشار إليهم أن ابقوا على مكانكم، ثم عاد إلى حجرة عائشة وألقى رأسه على صدرها.

    ومن فضل الله على أمنا عائشة أن مات رسول الله بين سحرها ونحرها.

    والسحر: هو الصدر. والنحر: هو الرقبة. أي: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان ينام على صدرها ورقبتها قبل موته.

    ودخل عبد الرحمن بن أبي بكر أخو عائشة وبيده سواك فأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى السواك فأخذت عائشة السواك من أخيها ولينته بريقها. وفي هذا بوب البخاري أن الرجل يلين السواك لأخيه، كسرت الجزء المستخدم ثم لينت جزءاً آخر بريقها للنبي عليه الصلاة والسلام، ودفعت السواك إليه فاستاك قبل أن يموت، فكان آخر ريق مس ريقه هو ريق عائشة رضي الله عنها، وكان يقول: (بل الرفيق الأعلى .. بل الرفيق الأعلى) ، أي: أختار الرفيق الأعلى. عليه الصلاة والسلام وكان هذا في يوم الإثنين، والبخاري يبوب بذلك فيقول: [ باب: موت يوم الإثنين ].

    وقد بوب في أول الجنائز أنه يجوز أن تدخل على الميت بعد موته، وأن تقبله في جبهته قبل تكفينه، وهذا ما صنعه الصديق مع النبي عليه الصلاة والسلام، ومع عبد الله بن حرام لما مات في غزوة أحد.

    دخلوا عليه بعد موته وقبّله الصديق في جبهته، وقال: (طبت حياً وميتاً يا رسول الله، لن يجمع الله عليك موتتين، إلا الموتة التي متها في الدنيا لن تموت بعدها أبداً)؛ لأنه (يؤتى بالموت يوم القيامة على هيئة كبش أملح ويذبح بين الجنة والنار، وينادى: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت!)، ولو عاش أحد من السرور لعاش أهل الجنة، ولو مات أحد من الحسرة لمات أهل النار.

    وفي الباب أيضاً حكم الكفن، فـالصديق رضي الله عنه قال: (غسلوا ثوبي هذا وزيدوا عليه ثوبين فكفنوني بها)؛ لأن الحي أولى من الميت. وفي هذا تواضع الصديقفي كفنه الذي كفن فيه.

    1.   

    باب موت الفجأة

    قال البخاري رحمه الله: [ باب: موت الفجأة].

    يعني: البغتة ومن علامات الساعة أن ينتشر موت الفجأة، وموت الفجأة من علامات سوء الخاتمة إلا من رحم الله؛ لأن موت الفجأة لا يعطي العبد فرصة أن يتوب أو يسترجع ويوصي ويتحلل من ديونه، يقول ربنا سبحانه في هذا المعنى: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19]، ويقول في سورة يس: مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ [يس:49]، يعني: يختصمون، الرجل يبيع إلى الرجل ويختصم معه في السعر، فإذا بالنفخة تأتي عليهم: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ [الزمر:68]، فموت الفجأة موت البغتة.

    [ من طريق عائشة رضي الله عنها: أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (إن أمي افتلتت نفسها، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها من أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم) ].

    والمعنى: أن الموت جاء لأمه بغتة، وهو يعلم أن أمه لو تكلمت أمرت بصدقة، وهذا معناه: أن موت الفجأة يدخل على العبد ولا يمهله.

    كل امرئٍ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله

    (إن أمي افتلتت نفسها)، ولذلك أبو داود يروي : (موت الفجأة أخذة أسف). وفي إسناده مقال، لكنه هنا يقول: موت الفجأة راحة للمؤمن، وأسف على الفاجر الذي لا يستطيع أن يوصي.

    1.   

    باب ما جاء في قبر النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر

    قال البخاري : [ باب: ما جاء في قبر النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ]

    فَأَقْبَرَهُ [عبس:21]، أقبرت الرجل إذا جعلت له قبراً وقبرته: أي دفنته. يقول عز وجل: أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً ?وَأَمْوَاتًا [المرسلات:25-26]. ]، ومعنى الآية: أنهم يكونوا فيها أحياء، ويدفنون فيها أمواتاً، فالأرض تكفيهم في حياتهم وبعد موتهم، فمكان القبر على المعتاد في الأرض، ولكن انظر إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قبر أبي بكر وعمر وكل قبر الصحابة ستجد أن قبورهم تسوى بالأرض ولا ترتفع إلا لتميز ويعرف أنها قبر، أما الآن فحدث ولا حرج عن قبور المسلمين، قبور من ثلاث طوابق، وقبور بالسيراميك، وقبور بدخلها تكييف، وهذا لن ينجيهم أبداً من سؤال الملكين مهما صنعوا وفعلوا.

    جاء من حديث عائشة قالت: (إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتعذر في مرضه أين أنا اليوم؟ أين أنا غداً؟ استبطاءً ليوم عائشة ، فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري، ودفن في بيتي صلى الله عليه وسلم) ، وهذا نص على أنه دفن في حجرة عائشة لا كما يقول القائل: إنه دفن في مسجده، فهذا وهم، ولذلك كان يسأل: أين أنا غداً؟ يستعجل يوم عائشة لحبه لها، ولا بأس أن يحب الرجل زوجة بخلاف الأخرى، وكن زوجاته يفهمن ما يريد، فسمحن له وأذنّ له أن يطبب في حجرة عائشة كل امرأة تريد الزوج لنفسها، لكن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم يفعلن ما يستريح إليه، ولذلك في آية التخيير بين الدنيا والآخرة: وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب:29]، ثم خيرهن قبل ذلك بعطاء الدنيا.

    أقول: من حديث أمنا عائشة رضي الله عنها قال صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ولولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً) وفي هذا دليل واضح على عدم جواز ارتفاع القبور، ودليل أوضح على عدم اتخاذ القبور في المساجد، ولا يحدث هذا إلا في البلاد التي يعم فيها الجهل، أما البلاد التي فيها التوحيد فلا تجده، فالمساجد لا تجتمع مع القبور أبداً، (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، إني أنهاكم عن ذلك، لا تتخذوا القبور مساجد) ، رغم وضوح الأدلة إلا أن البعض يقول بغير ذلك، وهم ينتسبون إلى العلم ويسألون: ما رأيكم في مقام الحسين في قبره؟ فيجيبون: لا بأس الصلاة فيه صحيحة! وهو يعلم ويكتم العلم. يا عبد الله! إن قلنا هذا قالوا: متشددون رجعيون متحجرون يبغضون أهل البيت.

    يا أيها الناس! هذا دين الله، وهذا قول النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

    ثم من طريق أمنا عائشة أنه حدثه: أنه رأى قبر النبي صلى الله عليه وسلم مرتفعاً، يقول: لما سقط عليهم الحائط في زمان الوليد بن عبد الملك أخذوا في بنائه فبدت لهم قدم.

    يعني: لما أخذوا في بناء المسجد النبوي وإعادة توسعته حفروا فخرجت لهم قدم من الأموات، إما قدم النبي صلى الله عليه وسلم وإما أبو بكر أو عمر ففزعوا، وذلك في زمن الوليد بن عبد الملك ، [ فبدت لهم قدم ففزعوا وظنوا أنها قدم النبي صلى الله عليه وسلم، فما وجدوا أحداً يعلم ذلك حتى قال لهم عروة : لا والله ما هي قدم النبي صلى الله عليه وسلم إن هي إلا قدم عمر رضي الله عنه ].

    عند ذلك اطمئنوا، لكن الكلام يشير إلى أنهم لم يبرزوا القبور، وإنما كانت مستوية في الأرض حيث كانت، فخرجت القدم، ومعنى ذلك: أنهم لم يحفروا مكاناً مرتفعاً إنما كانت على سطح الأرض، والآن حدث ولا حرج عما يصنعه المسلمون اليوم في القبور من بدع محدثة.

    يقول: من طريق عائشة: [أنها أوصت عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما: لا تدفني معهم وادفني مع صواحبي بالبقيع، لا أزكى به أبداً].

    أي: أن أمنا عائشة رضي الله عنها تقول لـعبد الله بن الزبير هنا: لا تدفني مع أبي بكر وعمر والنبي صلى الله عليه وسلم، ولكن ادفني مع زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم في البقيع، (لا أزكى به أبداً) يعني: لا أزكى بهذا الموضع، لكن الحديث فيه إشكال واضح، وهو: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أرسل إلى أمنا عائشة وأخبرها أنه يريد أن يدفن بجوار النبي عليه الصلاة والسلام، فلما جاء عبد الله بن عمر وأخبرها الخبر وافقت، فهي تعلم أن المكان الباقي واحد، فسمحت به لـعمر ، فما قولها بعد ذلك لـعبد الله بن الزبير : لا تدفني بجوارهم، وادفني مع صويحباتي في البقيع لا أزكي به أبداً. هل هناك مكان موجود لتدفن فيه؟ هناك إشكال في الحديث، لكن ابن حجر أجاب إجابة شافية، فقال: لعلها كانت تعلم هي وعمر في بادئ الأمر أن هناك مكان واحد، ثم تبين لها أن هناك أكثر من مكان. لذلك بعد موتها قالت لـعبد الله بن الزبير : لا تدفني معهم في هذا المكان وادفني مع صواحبي في البقيع، وفيه فضل أمنا عائشة وتواضعها رضي الله عنها.

    ثم جاء بالحديث الأخير في الباب: [ رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: يا عبد الله بن عمر اذهب إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فقل يقرأ عمر بن الخطاب عليك السلام، ثم سلها أن أدفن مع صاحبي. قالت: كنت أريده لنفسي فلأوثرنه اليوم على نفسي. فلما أقبل قال: له ما لديك؟ ].

    أي: أن عمر أرسل ابنه عبد الله بن عمر إلى أمنا عائشة ، وذلك في مرض موته رضي الله عنه، فذهب إلى أمنا عائشة ثم عاد، [ قال له: يا أبت! أذنت لك. قال عمر : ما كان شيء أهم إلي من ذلك المضجع، فإذا قبضت فاحملوني، ثم سلموا على النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى صاحبه الصديق رضي الله عنه. ثم قل: يستأذن عمر بن الخطاب ، فإن أذنت لي فادفنوني، وإلا فردوني إلى مقابر المسلمين ].

    أي: وأنتم تدخلون إلى بيت عائشة سلموا عليها، ثم سلموا على النبي عليه الصلاة والسلام، ثم استأذنوا من عائشة مرة أخرى بعد الإذن الأول، فإن أذنت فبها ونعمت وإلا فعودوا بي إلى البقيع مع المسلمين.

    [ فاحملوني ثم سلموا، ثم قل: يستأذن عمر بن الخطاب فإن أذنت لي فادفنوني، وإلا فردوني إلى مقابر المسلمين، إني لا أعلم أحداً أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، فمن استخلفوا بعدي فهو الخليفة، فاسمعوا له وأطيعوا ].

    يعني: عمر: الجماعة الذين سماهم للخلافة وهم: عثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص .

    [ وولج عليه شاب من الأنصار، فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله! كان لك من القدم في الإسلام ما قد علمت، ثم استخلفت فعدلت، ثم الشهادة بعد هذا. فقال: ليتني يا ابن أخي وذلك كفافاً لا علي ولا لي ]

    يعني: جاء إليه شاب يذكره بما فعل، ففعلت كذا وعدلت في كذا، فقال: ليتي يا ابن أخي احشر إلى ربي عز وجل ليس لي ولا علي انظروا إلى عمر وإلى هضم حق نفسه رضي الله عنه وعن أصحاب رسول الله.

    وقال: [ ولكني أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين خيراً أن يعرف لهم حقهم، وأن يحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار الذين تبوأوا الدار والإيمان أن يقبل من محسنهم، ويعفو عن مسيئهم، وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من وراءهم، وأن لا يكلفوا فوق طاقتهم ].

    انظروا إلى كلام عمر في مرض موته، ثم انظروا إلى واقع الأمة اليوم، عمر يوصي بالمهاجرين ويوصي بالأنصار خيراً؛ حباً لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    باب ما ينهى من سب الأموات

    قال البخاري : [ باب: ما ينهى من سب الأموات.

    وباب: ذكر شرار الأموات ]

    أما ما ينهى عن سب الأموات فجاء: من طريق عائشة رضي الله عنها قالت: [قال صلى الله عليه وسلم (لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا) ].

    ثم جاء بالحديث الأخير في كتاب الجنائز قال: [ قال أبو لهب عليه لعنة الله للنبي صلى الله عليه وسلم: تباً لك سائر اليوم فنزلت: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:1] ].

    البخاري يريد أن يقول بأن الحديث الأول يعارض الثاني.. سب الأموات: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:1]، فيه سب أم لا؟ فيه. ثم في الحديث الأول: (لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا)، كيف نجمع بين النصين؟ إما أن يكون السب للمشركين والكفار بعد موتهم وهذا لا بأس به، كمقام الغيبة في أحوالها الستة جائزة:

    القدح ليس بغيبة في ستة متظلم ومعرف ومحذر

    ولمظهر فسقاً ومستفتٍ ومن طلب الإعانة في إزالة منكر

    فالحديث الأول ينهى عن سب الأموات من المسلمين، والحديث الثاني يشير إلى سب الأموات من الكفار والمشركين، هذا ما انتهى إليه البخاري من أقوال العلماء، وذلك يحتمل أجوبة: أن الذي كان يحدث عنه بالشر كان مجاهراً به فيكون من باب (لا غيبة لفاسق)، أو منافقاً، والمعنى: لما مرت جنازة على النبي صلى الله عليه وسلم وقال الصحابة لها: (وجبت)، ثم قال للثانية أيضاً: (وجبت)، فلما سألوه عن ذلك، قال: (أما الأولى ذكرتموها بالعمل الصالح والخير فوجبت لها الجنة، وأما الثانية ذكرتموها بالشر فوجبت لها النار). يقول ابن حجر : ذكر الثانية بشر وذكر الأولى بخير، وهذا يشير إلى ما قلت: أن ذكر محاسن الأموات بالنسبة للمسلم أصل، وذكر شرار الأموات بالنسبة للمشركين جائز، ولذلك قول أمنا عائشة : (لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا)، تشير إلى أموات المسلمين، وتَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:1]، تشير إلى موتى المشركين.

    وإلى هنا انتهى البخاري رحمه الله تعالى في ثمانية وتسعين باباً من كتاب الجنائز.

    نسأل الله عز وجل أن يعلمنا من ديننا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل وفي السر والعلن؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    1.   

    الأسئلة

    الرد على عبد الصبور شاهين في دعواه أن لآدم أباً وأماً وأن عيسى رفع بروحه

    السؤال: هناك برنامج على الفضائيات جاء فيه الدكتور: عبد الصبور شاهين وقال فيه عن مسألة خلق آدم: إن الله خلق بشراً في بادئ الأمر، ثم اصطفى من هؤلاء البشر آدم، فآدم خلق من أب وأم؟

    الجواب: عاد مرة أخرى إلى ما ألف، هذا الكلام قديم.

    ثم قال: إن آدم خلق من أب وأم. وأيضاً قال: إن حواء لم تخلق من ضلع آدم، وأن عيسى رفع رفع منزلة لمدة خمسة وثلاثين سنة وهو لم يرفع بجسده ولا بروحه؟

    الجواب: هذا الكلام في الحقيقة مردود عليه بأدلة دامغة، وقد أصدر الدكتور حفظه الله كتاباً في هذا الموضوع يسمى كتاب: أبي آدم. مؤلفه الدكتور: عبد الصبور ، وقد حاجه الدكتور المطعني ورد عليه بكتاب يفند فيه تلك الآراء ويبطلها، وحسب علمي: أن علماء دار العلوم قاطبة قد أعدوا للدكتور أدلة دامغة، وكان منهم الدكتور البلتاتي رحمه الله الذي مات منذ شهر أو شهرين أو أقل، والدكتور عبد الحميد مدكور وعلماء السلف في دار العلوم أعدوا الأدلة الدامغة، وهذا ينكر صريح نص القرآن، ربنا عز وجل يقول عن آدم عليه السلام: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ [السجدة:7]، ويقول: فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ [الحجر:29]، ويقول في قضية خلق آدم: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران:59]، هذه الآيات وغيرها الكثير والكثير.

    ولا أجد من السلف من قال بهذا القول وليس من سلف الأمة من قال بهذا القول، فلماذا هذا الإبداع والابتداع، والمخالفة لجمهور المفسرين، مَن مِن المفسرين قال هذا؟ هل الطبري ؟ هل ابن كثير ؟ هل الشاطبي ؟ هل القاسمي ؟ مَن مِن مفسري السلف قال بهذا القول حتى نقول بقوله، الدكتور ليس له سلف في هذا القول، ولا بد أن يتراجع عن قوله؛ لأننا نحب له الخير، وكم وكم وكم من هذه الأقوال.

    فأقول: الكتاب طبع وبيع ونفذ، ما الفائدة أن نعاود هذا الكلام على القناة الفضائية؟ ما الفائدة أن نطعن في علم السلف ونقول: إن حواء لم تخلق من ضلع آدم، والقرآن يقول: اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ [النساء:1].

    عموماً القضية طرحت للمناقشة، وسآتي بالكتابين معاً في محاضرة قريبة، كتاب الدكتور عبد الصبور وكتاب الدكتور عبد العظيم المطعني لأبين فيه الحجج.

    والكتاب الثاني على ما أذكر يحمل هذا الاسم: آدم بين الخيال الفاضح والهوى المتبع للدكتور المطعني ، والكتابان موجدان عندي وسأحضرهما، وليس الدكتور المطعني فقط هو الذي رد، وإنما الردود من دول عربية شقيقة، وتوجد كتب أخرى سأصطحبها معي ثم أذكر أدلة الدكتور شاهين الواهية التي لا تستقيم مع كتاب ولا سنة، ثم الردود على هذا حتى يعلم الجميع أن آدم هو أبو البشر، وأن آدم خلق من طين الأرض، وليس له أب وليس له أم.

    وأن وفد نجران الذي جاء من اليمن يجادل في قضية خلق عيسى، أنزل الله سبحانه وتعالى رداً عليهم في سورة آل عمران : إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران:59]، فضلاً عن الأحاديث الصحيحة التي ثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم، لكن الدكتور على ما يبدو لا يقر بأحاديث الآحاد في شأن العقيدة؛ لأن البخاري ومسلم وكتب السنة فيها من الأحاديث ما يبين أن آدم خلق من تراب، لكن ثبت الأول قضية عنده وهي أن خبر الآحاد لا يمكن أن تستقى منه عقيدة، وهذا الكلام الباطل الذي رد عليه علماء السلف: أن خبر الآحاد يمكن أن ينشئ منه اعتقاد، وللحديث بقية في هذا الأمر إن شاء الله تعالى.

    أما قضية رفع عيسى فسبقك بها يا دكتور الذي قال: إن عيسى لم يرفع، ورد عليه الدكتور: محمد خليل هراس في كتابه: فصل المقال في رفع عيسى عليه السلام وقتله للدجال ، لعل الذي سبق بهذا القول الدكتور: محمود شلتوت رحمه الله هو الذي قال بعدم الرفع، وأنه رفع منزلة، أو رفع بروحه ولم يرفع بجسده، هذا الكلام رده الدكتور هراس وأتى بأكثر من عشرة أدلة من القرآن والسنة على أنه رفع بالروح والجسد، وربنا يقول: وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ [الزخرف:61]، وقول جمهور المفسرين: يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران:55]، ولم يقل: ورافع روحك إلي. إنما الرفع للروح والجسد معاً.

    وسنحضر الكتب التي بينت هذه الشبهات والرد عليها، ولعل من الذين كتبوا في قضية الرفع وأنكروه شيخ أنصار السنة قبل ذلك بسوهاج الشيخ: أبو الوفاء درويش قد أنكر الرفع ورد عليه الشيخ هراس ، ونحن ندور مع الحق ولا نعبأ بقائله، لا نهتم بمن القائل لكن نبحث عن الحق، وأدلة رفع عيسى عليه السلام أدلة كثيرة جداً:

    قال صلى الله عليه وسلم فيما ثبت عنه: (ليوشكن أن ينزل فيكم عيسى بن مريم، فيكسر الصليب، ويحرم الخنزير، ويضع الجزية) ، فضلاً عما ثبت أنه سينزل في شكل كذا في مكان كذا ويقتل الدجال وهذا الحديث في مسلم وغيره.

    والقرآن الكريم يقول: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [النساء:159]، فهذا دليل عند ابن مسعود : أنه سينزل ثم يموت؛ لأنه ما مت قبل ذلك، إنما سآتي بالأدلة؛ لأن هذا الكلام كلام أهل البدع، فلا ينبغي أن نعود إلى كلام أهل البدع، مرة أخرى.

    ومن العلماء من أنكر الاستواء: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، وقال: هو استواء منزلة ورفعة كما تقول: استوى الملك في سلطانه. وهذا الكلام إجرام ما بعده إجرام في نفي صفة العلو لله عز وجل، وقد رد عليه الإمام الذهبي في كتابه: العلو، وبين الأدلة التي دحضت هذا القول، ومن هؤلاء الذين قالوا بهذا الإمام: أبي حامد الغزالي في أول عهده، حيث أنكر الاستواء. وقال: الاستواء هو استواء رفعة، استواء منزلة، استواء مكانة، كما تقول: استوى الرجل في مجلسه. يعني: ارتفع على من سواه. نكتفي بهذا القدر.

    اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار.

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.