إسلام ويب

سلسلة شرح صحيح البخاري [18]للشيخ : أسامة سليمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جاءت الشريعة الإسلامية رحمة للناس، وهذه الرحمة تستمر للإنسان حتى لحظة موته وبعد مماته، فقد حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على هداية الأمة؛ فهو الرحمة المهداة للناس أجمعين صلوات الله وسلامه عليه.

    1.   

    الرد على أحد المفتين في القنوات الفضائية

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    في برنامج (عم يتساءلون) على قناة دريم الفضائية قال المذيع للشيخ صفوت حجازي : هل يجوز للمرأة أن تقرأ القرآن وهي لابسة المايو؟ فرد عليه الشيخ: يجوز ذلك، ولا يوجد نص يحرم ذلك إذا كانت وحيدة في البيت.

    وهذا من توسيد الأمر إلى غير أهله، وقد نطق الرويبضة كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، وإذا فقد العالم الأصول الفقهية ومنهج السلف ضل، وهذه الفتوى ليست الأولى من نوعها، ففي البرنامج نفسه سئل الشيخ عن رجل عقد على امرأة عقد زواج ثم دخل بها دون أن يشهر البنا؟ فقال: هو زنا، فرد المذيع: كيف يكون زنا؟

    وهذا الأمر إن دل على شيء فإنما يدل على أن من يستضيفونهم على القنوات الفضائية ليسوا أهل الثقة، وليسوا أهل الخبرة والعلم، وإنما الذي له واسطة ومحسوبية وطريق يستطيع أن يصل منها، والمذيع المقدم أعرفه، فهو ابن للعمدة في بلدنا، واسمه أحمد حسن عبدون ، وقد اتصلت بوالده فقال: ابني رد على الشيخ الذي قال هذه الفتاوى. فقلت: كفاهم أن ينشروا الجهل على الناس، وهذه القناة يشاهدها الملايين، وهم ينشرون هذا الجهل على الأمة ولا يخجلون منه، وقد اتصل بهم حتى العوام، وقالت امرأة متصلة: كيف يليق بمن يقرأ القرآن وتنزل عليه الملائكة بسكينة ووقار أن يلبس المايو عند قراءة القرآن، أما يستحي من الملائكة؟ نسأل الله العافية.

    وأنا لا أتعرض لمن أفتى بهذه الفتوى ولا للذي أظهرهم، فالأمور يعرفها الجميع. وبعض العلماء يدخلون المسرح ويلقون محاضرة للممثلات، وقد رأيت أحدهم عن طريق (سيدي) جالساً يحاضر، وكل الحاضرات متبرجات بدون استثناء، بل إن إحداهن تضع قدماً على أخرى والشيخ يحاضرها، فليستحي من نفسه! ومن الله عز وجل.

    ونحن نسمع الكثير والكثير عن هؤلاء، وعن لزوم الدعوة، وغيرها من المصطلحات، فينبغي للعلماء أن لا تجرهم هذه الشهرة ولا يجرون خلفها، والذين يجرون خلف ذلك بضاعتهم مزجاة ورديئة، كما أنها ظاهرة مؤقتة، كما يخرج علينا بين حين وآخر مطرب ثم يختفي، وكذلك هؤلاء أيضاً ظواهر ستختفي، فالعالم هو الذي يملك الأصول ويتحدث من أمهات الكتب، ويؤصل، وليس عنده عبرة بعدد ولا بشعبية ولا بجماهيرية، وإنما يسير على بصيرة، هذا هو العالم.

    وهناك شبهة لهذا الذي يتكلم، فهو يقول: إن لم أدع أنا هؤلاء الناس فمن يدعوهم؟ ومعنى ذلك عنده أن الغاية تبرر الوسيلة، فوسيلة الدعوة لا بد أن تكون شرعية، والمنكر إما أن تزول أنت عنه وإما أن يزول هو، فاجعل بينك وبينهن ستارة مثلاً، وأما متبرجة وبدون ستارة فلا، ونعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

    وبعض الناس يدافع عن هذا باستماتة، وهؤلاء الحقيقة بضاعتهم مزجاة. نسأل الله لنا ولهم العافية.

    1.   

    باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه؟ وهل يعرض على الصبي الإسلام؟

    قال البخاري رحمه الله: [ باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه؟ وهل يعرض على الصبي الإسلام؟ ]

    يعني: صلاة الجنازة على الصبي، ثم هل يعرض الإسلام على الصبي الذي لم يبلغ الحلم؟

    قال البخاري رحمه الله: [ حدثنا سليمان بن حرب ]. وسليمان بن حرب شيخ البخاري .

    [ حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن ثابت عن أنس رضي الله عنه قال: كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقعد عند رأسه. ]

    وهذا الحديث لا يستدل به على جواز عيادة أهل الكتاب؛ لقول أنس في مطلع الحديث: كان الصبي يخدمه، فلما مرض عاده النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأجل أن يعرض عليه الإسلام، وإلا فعيادة أهل الكتاب من مظاهر المودة القلبية، إلا إذا كان جاراً لك فعده بحق الجوار، وأما غير الجار فلا يجوز.

    قال: (فقعد عند رأسه فقال له: أسلم. فنظر إلى أبيه وهو عنده) .]

    والجار ثلاثة أصناف، فجار له حق، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق: فالجار المشرك تعوده بحق الجوار، وأما غير الجار فعيادته من مظاهر المودة، قال تعالى: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ [المجادلة:22].

    فلا تعد المشرك أياً كان إلا للدعوة، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام.

    فقال النبي صلى الله عليه وسلم للصبي: (أسلم)، فنظر الصبي إلى أبيه. وعندما ينزل الولد من بطن أمه ينزل على الفطرة، وهي العقيدة الإسلامية، ولذلك قال في الحديث: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يسلمانه؛ لأنه يولد أصلاً على الإسلام.

    ومن أسرار الكنيسة السبعة: سر المعمودية، فيأتون بالصبي بعد مولده بسنة ذكر ويغطونه في بئر وينصر ويدق له.. وإذا كان قد ولد على النصرانية فلماذا يعمدونه؟ ونحن لم نر مسلماً يأتي بولده الصغير ويغطسه ويقول: كن مسلماً؛ لأن المسلم يعلم أن الإسلام أصل في ولده، وأما النصارى فهم يخرجونه عن أصله.

    قال البخاري رحمه الله: (فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له الأب: أطع أبا القاسم) صلى الله عليه وسلم. وأبو القاسم كنية النبي صلى الله عليه وسلم، وهو القائل: (تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي، ومن رآني في المنام فقد رآني حقاً).

    والنهي عن التكني بأبي القاسم محمول على حال حياته؛ وذلك لعلة وروده، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في سوق فقال رجل: يا أبا القاسم فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا أريدك يا رسول الله إنما أريد هذا الرجل، فقال: (تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي). لأن قوله: لا أريدك يا رسول الله! لا يجوز مع شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (تسموا باسمي). فالحديث له علة، وأما بعد موته فيجوز التكني بكنيته.

    قال البخاري رحمه الله: (فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه بي من النار). ]

    فالحديث هذا حجة في أن هذا الصبي الذي لم يبلغ الحلم إن مات يهودياً أن مآله ومصيره إلى النار، والراجح أن أبناء المشركين يختبرون يوم القيامة، فربما يقصد النبي صلى الله عليه وسلم نار الاختبار؛ لأنه جاء عند ابن حبان : (أربعة يدلون بحجتهم يوم القيامة: رجل أصم -يعني: لا يسمع- يقول: يا رب! لقد جاء الإسلام وأنا لا أسمع)، وهذا ينطبق على من لم يسمع الدعوة إلى الآن في بعض البلاد، فالله يقول: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15]. وقال: لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام:19]، فلا بد من بلاغ الدعوة. (ورجل أبكم، ورجل هرم -يعني: بلغ من الكبر عتياً- ورجل من أهل الفترة)، أي: لم يسمع بالرسل، فيختبرهم الله عز وجل يوم القيامة فينشئ لهم ناراً ويأمرهم بدخولها، وتسمى هذه النار نار الاختبار، فإن دخلوها أدخلهم الله الجنة. فقد يكون المقصود بهذا الحديث نار الاختبار.

    يقول البخاري رحمه الله: [ حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان قال عبيد الله : سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول: كنت أنا وأمي من المستضعفين، أنا من الولدان وأمي من النساء. ]

    وفي هذا أيضاً جواز عرض الإسلام على الصبي.

    [ وفي حديث أبي اليمان أخبرنا شعيب قال ابن شهاب : يصلى على كل مولود متوفى، وإن كان لغية من أجل أنه ولد على فطرة الإسلام، يدعي أبواه الإسلام أو أبوه خاصة، وإن كانت أمه على غير الإسلام، إذا استهل صارخاً صلي عليه، ولا يصلى على من لا يستهل من أجل أنه سقط، فإن أبا هريرة رضي الله عنه كان يحدث قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم قرأ: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم:30]) ].

    فمذهب البخاري أنه يصلى على الصبي إن استهل صارخاً، والراجح إذا نزل بعد أربعة أشهر، فإن حملت المرأة ثم نزل من بطنها ميتاً بعد ستة أشهر صلي عليه.

    وقوله: يستهل أي: يظهر ويتضح، ومنه سمي الهلال؛ لأنه يستهل بين الناس، فإذا وجد في السماء ولم يستهل لأهل الأرض فلا يصومون، رغم أنه موجود، فالعبرة بالرؤية والظهور، فطالما أننا لم نره فلا نكلف، فنحن أمرنا أن نصوم للرؤية، وإن رآيناه بالأجهزة المتقدمة جاز أن نصوم لرؤيته.

    وقوله: (كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟)، يعني: كما تنتج البهيمة بهيمة لها قرون لا تحسون فيها مكسورة كذلك المولود يولد على أصل فطرته، وقوله تعالى: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ [الروم:30]، يعني: التي خلق الناس عليها.

    1.   

    باب إذا قال المشرك: لا إله إلا الله

    قال البخاري رحمه الله: [ إذا قال المشرك عند الموت: لا إله إلا الله ].

    ثم ذكر قصة دخول النبي صلى الله عليه وسلم على عمه أبي طالب عند الموت وقوله له: (يا عم! قل: لا إله إلا الله). وهذا الحديث مشكلة، فالمشرك إذا قال عند الاحتضار: لا إله إلا الله لا تنفعه، ففرعون قال عند الغرق: قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ [يونس:90]، فآمن عند الموت، ولكن الله قال له: آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ [يونس:91]. فمن قال عند احتضاره كلمة التوحيد لم تقبل منه، فكيف يعرض النبي صلى الله عليه وسلم على عمه الإسلام عند الاحتضار؟ قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم : إن النبي عليه الصلاة والسلام عرض على عمه الشهادة في مرض الموت قبل أن يصل إلى الاحتضار، فالمرض قد يستمر طويلاً، وقد لا يكون هو مرض الموت، وبذلك نجمع بين النصوص.

    قال البخاري رحمه الله: [ عن سعيد بن المسيب عن أبيه أنه أخبره لما حضرت أبا طالب الوفاة ]، يعني: مرض الموت ولما يدخل في السكرات، حتى نجمع بين النصوص، وإجابة ثانية: أن هذا خاصية للنبي عليه الصلاة والسلام، لو نطق عمه الشهادة عند الاحتضار لنفعته.

    قال البخاري رحمه الله: [ جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة ، قال صلى الله عليه وسلم لـأبي طالب : (يا عم! قل لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله. فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية : يا أبا طالب ! أترغب عن ملة عبد المطلب ؟) ].

    وهذا يبين خطورة الصاحب، فإن أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية كانا سبباً في موت أبي طالب كافراً.

    وقال أحد أساتذة الحديث في جامعة الأزهر سنة 96م: إن أبا طالب مات موحداً مسلماً. قلت: كيف؟ قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم كلمة التوحيد منه، ولكنه أخفاها حتى لا يعارض القرآن. وهذا جاهل، فالله يقول: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى [التوبة:113]، والحديث واضح بين في البخاري ومسلم : [ (قل يا عم!: لا إله إلا الله، وأبو جهل يقول له: أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فقال: بل ملة عبد المطلب ، فما زال النبي صلى الله عليه وسلم يعرضها ويعودان بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال صلى الله عليه وسلم وقد سالت دموعه على خده حزناً على موت عمه مشركاً (والله يا عم! لأستغفرن لك ما لم أنه عنك) يعني: لأطلبن لك المغفرة من الله إلا إن نهاني الله عن ذلك. فأنزل الله في التوبة: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [التوبة:113] ]، وأنزل الله سبحانه: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التوبة:80]) وهذا تماماً يطابق موقف إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فإبراهيم عليه السلام وعد أباه أن يستغفر له كما في سورة مريم، فقال له: سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا [مريم:47]، فوعده بالاستغفار. يقول ربنا عز وجل: وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ [التوبة:114]، فتبرأ من أبيه، وهذا الولاء والبراء أصبح عقيدة ضائعة في بلاد المسلمين. والولاء لكل موحد ومؤمن، والبراء من مشرك وكافر في كل شيء. واليوم تجد حتى الشباب الصغار يلبسون فنايل رياضية ويكتبون عليها رقم عشرة واسم اللاعب البرازيلي رونالدو وهو مشرك، فما أفهموا أنه مشرك لا يجوز أن يحبوه ولا التشبه به، وحينما يستضيفون ممثلاً مسلماً أو ممثلة مسلمة في القنوات يسألون: من أسوتكم في الغناء؟ فيقولون: مايكل جاكسون . فيتأسون بمشرك في الباطل.

    والولاء والبراء أن تحب كل موحد، وأن تبغض كل مشرك، فالمشرك نبغضه بأمر الله سبحانه وتعالى لنا. وعندما ولى أبو موسى الأشعري رجلاً نصرانياً على كتابة حسابات البصرة أرسل إليه أمير المؤمنين عمر رسالة يقول فيها: يا أبا موسى ! اعزل الرجل، فكتب إليه أبو موسى : يا أمير المؤمنين! ليس في البلاد من هو أكفأ منه، فكتب إليه عمر : يا أبا موسى ! كيف تحبوهم وقد أبغضهم الله؟ كيف تكرموهم وقد أذلهم الله؟ فلا ينبغي أن تكون القوامة لغير المسلم على المسلم، فالإسلام له العزة، وحسن التعامل شيء والريادة والقيامة شيء، وقد كان في عهد عمر بن الخطاب لا يسمح لغير المسلم أن يرفع بيته فوق المسلم؛ لأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين. قال تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء:105]، فعباد الله الصالحين هم ورثة هذه الأرض.

    والبخاري رحمه الله لما عنون هذا الباب بإذا قال المشرك عند الموت: لا إله إلا الله لم يأت بجواب على القضية؛ لأنه لم يحسم المسألة بحكم فقهي.

    1.   

    باب الجريدة على القبر

    قال البخاري في الباب الواحد والثمانين: [ باب الجريدة على القبر: ]

    وذكر حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين يعذبان فقال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول -وفي رواية- لا يستنزه، وفي رواية: يستبرئ- وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة. ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين، ثم غرس على كل قبر واحدة، فقالوا: يا رسول الله! لم صنعت هذا؟ فقال: لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا).

    وهذا الحديث مهم، وهذه خاصية للنبي صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز لكل أحد أن يضع جريدة على القبر. قال الشيخ ابن عثيمين : وضع الجريدة على القبر إساءة ظن بالميت؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (هذان يعذبان) . فأنت حينما توقن أن الميت يعذب ضع له جريدة، وهل أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

    ثانياً: النبي صلى الله عليه وسلم لم يضع الجريدة بعد ذلك على أي قبر، والصحابة أيضاً لم يقوموا بوضع جريد على قبورهم ولا التابعين، وإذا دخلنا البقيع لا نجد على قبور الصحابة جريداً، ولا نجد هذا إلا في مصر، والبعض يظن أنها سنة بهذا الحديث، ونقول: هذه خاصية للنبي صلى الله عليه وسلم لدليلين:

    الدليل الأول: أن الله أطلعه على أهل القبرين فقال: (يعذبان)، وأنت لا تدري حال الميت، فلا يجوز أن تغرس جريدة على قبر؛ لأن هذه خاصية للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال الشيخ ابن باز : القول بالخصوصية هو الصواب؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يغرس الجريدة إلا على قبور علم تعذيب أهلها، ولم يفعل ذلك على سائر القبور، ولو كانت سنة لفعله للجميع، ولأن الخلفاء الراشدين وكبار الصحابة لم يفعلوا ذلك، ولو كان مشروعاً لبادروا إليه.

    الدليل الثاني: أن البخاري لم يجزم، وإنما قال: [ باب الجريدة على القبر ].

    ورأى ابن عمر رضي الله عنهما فسطاطاً على قبر عبد الرحمن فقال: انزعه يا غلام! فإنما يظله عمله.

    وقول النبي عليه الصلاة والسلام: (وما يعذبان في كبير) البعض يفهمه خطأً، فليس معنى ذلك أنهما ليسا من الكبائر، وإنما يعني: أنه من اليسير عليهما أن يتجنباه، وإلا فالنميمة وعدم الاستتار من البول من الكبائر، وهما من أسباب عذاب القبر، وقد كان صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يقضي حاجته أبعد واستتر عن أعين الناس، فعدم الاستتار من البول يجر إلى عذاب القبر، ولما سأله الصحابة: يا رسول الله! لم صنعت هذا؟ -والصحابة كانوا يسألون عما أشكل عليهم، ويستفسرون عن بعض الأعمال التي لم يكن عندهم علم بها- قال: (لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا).

    1.   

    باب موعظة المحدث عند القبر وقعود أصحابه حوله

    قال البخاري : [ باب موعظة المحدث عند القبر وقعود أصحابه حوله ].

    والبعض يصر على موعظة القبر، وموعظة القبر فعلها النبي صلى الله عليه وسلم مرة وتركها مرات، فالإصرار عليها باعتبارها سنة لا يجوز، إلا إذا رأيت أن الناس انشغلوا في أمور الدنيا فتذكرهم بالموت ولا شيء في هذا، فالمسألة تخضع للمصالح والمفاسد، ولكن لو كنا في جنازة رجل من أهل السنة فلا نقيمها؛ حتى نعلم الناس أنها ليست سنة راتبة؛ لأن البعض في الأرياف يوعظون على القبر، وهذا لا يجوز، والبدعة الأكبر أن يقوم أحدهم على رأس الميت ويقول له: واعلم يا عبد الله وابن عبده وأمته! أنه سيأتيك بعد قليل ملكان شفيقان رحيمان على من أطاع الله، غليظان على من عصى الله، فإن أجلساك وسألاك: من ربك؟ فقل لهما: الله ربي حقا، ومحمد نبيي صدقا. وهذا لم يثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وإنما ثبت عنه أنه كان يقول لأصحابه: (استغفروا لأخيكم فإنه الآن يسئل) .فكل واحد يدعو له في نفسه: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه.

    والآن تحول الجنائز إلى مظاهرات ويأتون بمكبرات الصوت ويتبادلون الكلمات، ويقف الناس ثلاث ساعات عند القبور، مع أن السنة خفيفة على الناس، ففي مسند أحمد : (أن النبي صلى الله عليه وسلم وعظ على قبر رجل ولما يلحد) ، أي: لم يغطى بالتراب، فإذا أردت أن تعظ مرة فعظ وهم يدفنون، ولا تنتظر حتى الفراغ من الدفن، فالميت بعد دفنه بحاجة إلى استغفار، فاشتغل بالاستغفار للميت والموعظة للأحياء تكون عند الدفن، وأما بعد أن يهال عليه التراب ويغلق عليه القبر فهو بحاجة إلى استغفار، أي كلام غير الاستغفار لا ينبغي أن يكون منا، والبعض يريد أن يحول المآتم إلى مؤتمرات وتبادل الكلمات التي لم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هي بدعة من أهل البدع.

    قال البخاري رحمه الله: [يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ [المعارج:43]، من الأجداث يعني: من القبور.

    وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ [الانفطار:4]، بعثرت يعني: أثيرت.

    وقرأ الأعمش : كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ [المعارج:43]، نصب يعني: علم، والنصب: هو الشيء المنصوب يستبقون إليه.

    يَنسِلُونَ [يس:51]، يعني يخرجون ].

    فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ [يس:51]، ( من الأجداث ) أي: من القبور إلى ربهم يخرجون، ولما يبعث الله عز وجل العباد ويرى المشركون والمنافقون يوم القيامة ويعاينوه معاينة العين يقولون: يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا [يس:52]، فيجيب الأتقياء: هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [يس:52].

    يقول البخاري رحمه الله: [ عن علي : كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا النبي صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله. ]

    فالقعود من قيام، والجلوس من اتكاء، هذا لغة، قال تعالى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا [آل عمران:191]، فقعد النبي صلى الله عليه وسلم وقعد الصحابة حوله، وهذا من باب التواضع والهضم لحق النفس، واليوم حينما نقول للمشيعين: اقعدوا، يقول صاحب الكرفته: كيف أقعد؟ وهو نافخ لنفسه، فكيف يقعد على التراب؟

    يقول البخاري رحمه الله: [ فقعد النبي صلى الله عليه وسلم وقعد الصحابة حوله، ومعه مخصرة -يعني: عوداً- فنكّس، فجعل ينكت بمخصرته -يعني: ينكت بالعود الأرض- ثم قال: ما من نفس منفوسة إلا كتب مكانها من الجنة والنار وإلا قد كتب شقية أو سعيدة. فقال رجل: يا رسول الله! أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل، فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة؟ قال: اعملوا، فكل ميسر لما خلق له، فأما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل:5-10]. ]

    وفي رواية: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) . وهذا الحديث حجة في باب القدر، فالبعض يحتج بالقدر على فعل المعاصي، وهذا لا يجوز أبداً، فإذا قلت لأحدهم: صل. قال: لا أصلي، ولو أراد الله أن أصلي لصليت. وهذا صنيع المشركين، فقد احتجوا بالقدر على المعاصي والشرك، وهذا لا يجوز. قال صلى الله عليه وسلم: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له). والمعنى: أن الله بعلمه الأزلي علم أن العبد سيختار الصلاح أو الفساد، فكتب في كتاب عنده أن هذا من أهل الصلاح وهذا من أهل الفساد، وهذا ليس فيه إلزام للعبد.

    1.   

    الأسئلة

    ضلال النصارى ووجوب الرد عليهم من قبل أهل العلم

    السؤال: ظهر في الآونة الأخيرة في مجال الكمبيوتر جلسة بين أهل الكتاب من مصر يقولون عنها: إن هذه الجلسة لإثبات ألوهية المسيح من القرآن الكريم، ويقومون بقص الآيات، وظهر أيضاً فيلم آلام المسيح، وأنا أستطيع أن أرد على هذه الجلسة والفيلم بأسلوب ممنتج مع إدخال الآيات الصحيحة فهل أفعل؟

    الجواب: نعم؛ لأن هذا من الواجب عليك، وقد شاهدت الجلسة التي ذكرت، وفيها جهل فاضح، ولا يجوز لمن ليس عنده علم أن يشاهد هذا الهراء، وهذا الرجل الذي فعل هذه الجلسة جاهل جهل مركب، فهو يقرأ الآيات خطأ، ويستدل ببعضها على ألوهية المسيح، وهي عليه وليست له، فهو يقول: مرة في القرآن ذكر الصابئون ومرة الصابئين، وهذا تعارض، فهو لا يعرف الفرق بين اللفظين، ومرة ذكر عيسى بن مريم ومرة المسيح بن مريم ومرة المسيح وهذا يدل أيضاً على التعارض، هذا جهل مركب.

    ولما رأيت هذه الجلسة حمدت الله على نعمة الإسلام، فهؤلاء القوم عندهم مخاز، ويكفي أن تعلم أن سر الاعتراف أحد الأسرار السبعة عندهم، يعني: أن من أذنب ذنباً منهم ينبغي أن يذهب إلى من يعترف له بذنبه فيدعو له ربه ليغفر له، وقد قال قائل .. الشيخ فوزي المهدي الذي كان يستغفر لهم ثم هداه الله إلى الإسلام: وأنت إذا أذنبت من يستغفر لك؟ والله سبحانه وتعالى حليم ستّير، فلا ينبغي للعبد أن يهتك ستر الله عليه، وأن يكشف ستره لمن يستغفر له.

    ومن أسرارهم أيضاً: سر الصلب، وهو أن عيسى عليه السلام صلب ليكفر عن خطيئة البشرية التي ارتكبها آدم. والله يقول: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164]. ويقول: وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ [الإسراء:13] . فمن أخطأ يعاقب هو شخصياً، ويتحمل هو المسئولية، هذا هو العدل، وليس من العدل أن يعاقب الولد من أجل أن يكفر عن خطيئة أبيه، فهذا ظلم وتعارض واضح.

    والفقيه المخضرم ابن حزم الأندلسي له كتاب الفصل في الملل والنحل في خمسة مجلدات، أثبت في مجلد كامل منها أدلة تحريف التوراة والإنجيل بالأدلة العملية والعلمية والتاريخية والجغرافية، ومن هذه الأدلة: ما ورد في التوراة: أن موسى مر بشارع السليم الأول قبل 1800 سنة، وسليم الأول هذا عمره لا يتجاوز المائتين أو الثلاثمائة سنة، فهذا الشارع وجد بعد موسى بآلاف السنين. وهذا تحريف واضح.

    وفي التوراة: أن نبياً شرب الخمر وزنى بابنته.

    فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا [البقرة:79].

    ومن أسرارهم السبعة: سر العشاء الرباني، وهو فطيرة عليها خمر يزعمون أن دم المسيح قد حل فيها!

    أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الملك:22]، قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ [الزخرف:81]. سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:67].

    ولذلك أقول: أخي الكريم الفاضل! رد إذا استطعت أن ترد، لكن لا نريد أن ننشغل بمعارك جانبية، قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف:108]، وأما من ليس عنده رد فليقرأ وليحصن نفسه أولاً ثم يدخل، وأما أن يدخل وهو فارغ فهذه مشكلة.

    وفيلم آلام المسيح يبين أن النصارى يعتقدون أن اليهود قد صلبوا عيسى، ونحن نؤمن إيماناً جازماً يقينياً بقول ربنا في سورة النساء: وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [النساء:156-157]، وقوله تعالى: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [النساء:158].

    وهناك عالم يهودي فيلسوف اسمه اسبلوزا دلل بأدلة عقلية على تحريف التوراة فطروده ولعنوه، وهناك في كتاب اللاهوت تحريفاً، لكنها تحتاج إلى قوم يعرفونها جيداً ويتقنون قراءتها، فانتبه يا عبد الله!

    حكم إخراج المنبر خارج المسجد

    السؤال: هل يجوز إخراج المنبر إلى الشارع في خطبة الجمعة مع العلم أنه لغير ضرورة؟

    الجواب: هذا لم يفعله رسول الله عليه الصلاة والسلام، فالمنبر يكون داخل المسجد، وإن كان لضرورة ينظر في الضرورة، ففي العيدين من البدعة إخراج المنبر، وقد فعل هذا مروان بن الحكم في عهد الدولة الأموية فجذبه أبو سعيد الخدري وقال: غيرتم والله، إن النبي صلى الله عليه وسلم خطب العيد على الأرض وما أخرج المنبر، فهذه بدعة محدثة، فلا يجوز أن يخرج المنبر إلى الشارع أو الطريق العام في العيدين والجمعة، وأما الضرورة فتقدر بقدرها.

    حكم صلاة الجنب الذي لم يعلم بالجنابة إلا بعد خروج الصلاة

    السؤال: ما حكم من لم يعلم بالجنابة إلا بعد خروج وقت الصلاة؟

    الجواب: إن علمت بالجنابة فاغتسل وأعد الصلاة من آخر نومة لك، فإن نمت مثلاً بعد الظهر فهذه آخر نومة لك، فإن وجد الجنابة في العشاء فعليه قضاء العصر والمغرب والعشاء حتى وإن كانت قبل ذلك، فهو يبني على آخر نومة. والله تعالى أعلم.

    حكم السفر إلى بلاد الكفر

    السؤال: لي صديق سافر إلى فرنسا للعمل، وقد دعاني لزيارته للفسحة، فهل يجوز الذهاب إلى هذه البلاد؟

    الجواب: قال صلى الله عليه وسلم: (أنا بريء من كل مسلم أقام بين أظهر المشركين) . فلا يجوز لمسلم أن يسافر إلى بلاد الشرك والكفر إلا لوظيفة دعوية أو لتلقي علاج، أو لمهمة وظيفية حسب الوظيفة، أما أن يقيم هناك لعمل فلا يجوز.

    فلا تذهب إلى صديقك هذا إلى تلك البلاد الكفرية؛ لأن فيها المعاصي، ومن أسلم من أهلها فيظل فيها إلا إذا كان يضطهد في دينه ولا يأمن على أداء شعائره فيخرج منها.

    حكم العمليات الاستشهادية

    السؤال: ما حكم العمليات الاستشهادية في فلسطين هل تجوز أم لا؟

    الجواب: هذه المسألة فيها خلاف، وأنا أميل إلى جوازها؛ لأنهم لا يملكون إلا هذه الوسيلة للدفاع عن أعراضهم، وليس عندهم دبابات ولا صواريخ ولا قنابل، فلا يؤثرون في عدوهم إلا بهذه الطريقة.

    إشكال حول نفع النطق بالشهادتين للصبي اليهودي مع أنها لا تنفع عند الموت

    السؤال: إذا كانت الشهادة عند الموت لا تنفع فكيف نفعت الصبي اليهودي؟

    الجواب: الصبي اليهودي حتى وإن مات على كفره فإنه يختبر في الآخرة، وقد اختلف العلماء في حكم أبناء المشركين إلى خمسة عشر قولاً، ذكرها ابن القيم رحمه الله، وهذه من شفاعات النبي صلى الله عليه وسلم.

    وإذا سمع الإنسان بالإسلام فإنه يحاسب، وإن لم يعرف ولم يصله فلا حساب عليه.

    حال بعض طرق الصوفية والمتصوفة

    السؤال: تنتشر في مصر الطرق الصوفية المتعددة، مثل: البرهانية، والشاذلية الجعفرية، والخليلية الخلواتيه، وغيرها من الطرق الأخرى، وبعض هذه الطرق يأخذ مشايخها العهد من الأتباع، ويلتزمون بقراءة الأوراد وإقامة حلقات الذكر، ويفسرون القرآن بطريقة لم نسمعها من سواهم، ويختلط الأمر عند بعض المسلمين عندما يسمعون أن بعض مشايخ هذه الطرق لهم كرامات، وقد تكون لاتصالهم بالجان، فهل يوجد من كتب السنة والتوحيد ما يشرح مخالفاتهم بالدليل؟

    الجواب: هناك كتب كثيرة جداً، منها: كتاب الشيخ عبد الرحمن الوكيل هذه هي الصوفية، وكتاب الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة، وكتاب الشيخ ربيع بن هادي المدخلي الصوفية، وكتب عنها أيضاً محمود المراكبي وكان شيخ طريقة. والطرق الصوفية من صنع أعداء الإسلام، وهناك التقاء بينهم وبين الشيعة، ومن مبادئ وأسس أهل التصوف: إيمانهم بالعلم الباطن ويسمونه العلم اللدني، وإيمانهم بعلم الخرق، وعلم المنامات، فلا تجد صوفياً يقرأ في البخاري ، بل يقول: إن الذين يقرءون البخاري هم أناس مشعوذون، وأنا لست محتاجاً للبخاري ، فأنا أتلقى العلم من الله عز وجل بوحي منامي وإلهامات، ولذلك لما قيل لرجل منهم: ألا ترحل لتسمع الحديث من عبد الرزاق ؟ قال: وماذا يصنع بالسماع من عبد الرزاق من يتلقى من الخلاق؟

    حتى إن بعضهم يقول لك: لقيت الشيخ في منامي فقال لي: الشاي حرام والقهوة حرام. ويحرمون بالمنامات. وبعض الناس يقوم من النوم ويطلق زوجته، ويقول: جاءني الوحي أمس وقال لي: طلق زوجتك! ويؤمن بهذا! حتى أنه اتصلت بي أخت فاضلة أخوها يدعي أنه يلهم ويأتيه الوحي، تقول: إنه جاء إليها في الصباح وقال لها: جاءني الوحي وقال لي: لا تزوري أمك وقاطعيها. يعني: أن الوحي يأمر بقطيعة الرحم. ويؤمنون بأن الأولياء أعلى مرتبة من الأنبياء، وبأنهم يعلمون الغيب. وفي إحدى القرى كان الشيخ قاعداً والناس حوله -والشيخ لا أحد يقترب منه- فقال الشيخ في الساعة الثانية مساءاً في رمضان في الوقت الذي يبدأ الناس يتسحرون فيه للمضيف صاحب البيت: لا تأتي بزبادي، غيّر الزبادي الذي أعددته وائتنا بشيء آخر، فالشيخ يعرف الغيب، فقد عرف أن داخل البيت زبادي، ويضحك بذلك على عقول المغفلين. وشخص تقاعد من الجيش بسبعين ألف جنيه مكافأة فانضم إلى الطريقة، فكانت تأتي إليه الشلة كل ليلة حتى فني ماله فطردهم، ثم يتواعدون غداً بعد العشاء عند فلان، وبعد غد عند فلان، وهذا موجود الآن في واقعنا، حتى أنني استعديت لشهادة في محكمة لامرأة أفسدها شيخ من هؤلاء الشيوخ على زوجها حتى طلبت منه الطلاق، فقد أمرها الشيخ أن تطلق نفسها، وقالت: إن الشيخ قد عينها نقيبة، وأن سيدنا الخضر أتى إلى الشيخ وقابله، وقد باعت الذهب والسيارة على الشيخ، فهو من أولياء الله الصالحين، ومن غلط عليه وقع في مصيبة، والشيخ لا يصلي الجمعة ولا الفجر، ويشرب السجائر، نسأل الله العافية. فالمصيبة كبيرة، وطالما المغفل موجود النصاب بخير، والمغفلون كثر، فقد باع أحد الناس عندنا مزرعة ليمون بأكثر من عشرين ألفاً، فأخذ عشرة آلاف ووضعها في حجر الشيخ؛ لينفقها على الساحات الشعبية.

    ولما رأيت ورد الطريقة البرهانية وجدت فيها ألفاظاً صبيانية: كدٍ كدٍ كدٍ بدرد، هيهات هيهات، هو هو، فقلت لأحدهم: ما هذا؟ قال: هذا تعليم شيخنا، وانتبه تعترض فتنطرد.

    ويقولون: حينما تدخل على شيخك فاخلع عقلك كما تخلع الحذاء، واحذر أن تعترض، فالشيخ يرى ما لا ترى، وبعضهم أغلق على نفسه باب الحجرة ولم يخرج منذ أكثر من عشرين سنة، لا يصلى جمعة ولا جماعة، ويعيش في الظلام، فقد لعبت به الجن. وقد قابلت أحدهم في الفجر فقال: اللبن ما زال في لساني. قلت له: لبن ماذا؟ قال: حبيبي جاءني وسقاني اللبن. فهم مخابيل. نسأل الله العافية.

    وهؤلاء يعتبرون من أسباب تأخر المسلمين، فبلاد المسلمين كلها غارقة في هذه الخرافات، فعلينا أن نوضح للمجتمعات هذه القضية، فنكتب الكتب، ونسجل الأشرطة، ونستخدم كل الوسائل المتاحة لذلك. والمصيبة الثانية: أن الإذاعات والقنوات لا تفتح إلا لهؤلاء، ولا يرتقي المناصب إلا هم؛ لأن الصوفية تنزع من الإسلام الجهاد، والجهاد عندهم جهاد مسبحة وتوكل، وهذه مصيبة كبيرة طبعاً. نعم.

    والشيعة والصوفية صنوان يسقى بماء واحد، فالصوفية من عباءة التشيع خرجت، وهناك أناس كثر في هذه الطرق، وحينما تحدثهم بالحديث والسنة يقولون: نحن لنا علم الخرق وأنتم لكم علم الورق، والورق تبغض الأولياء، ولقد سمعت رئيس جامعة الأزهر السابق في مولد البدوي يقول في المكبر: لا يبغض الأولياء إلا السفهاء.

    وقال في أحد برامجه التي قدمها في إذاعة القرآن: إن سيدي البدوي ذهب إلى الروضة المباركة في المدينة فأخرج له النبي صلى الله عليه وسلم يده وصافحه. فالنبي صلى الله عليه وسلم أخرج يده لسيده البدوي ، ولم يخرجها للصديق ، وما زالوا يؤمنون أن النبي صلى الله عليه وسلم يرى يقظة، وأنه يخرج لتوديعهم، وقال بعضهم:

    رأيت المصطفى كالبدر يأتي يزور حسينه حيناً وحينا

    يعني: كل يوم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم من قبره، ويأتي إلى الحسين يزوره ويعوده إلى قبره.

    وهذه مصائب في التصوف وانحرافات فكرية لا بد أن تواجهها الأمة، وما سقطت البلاد الإسلامية إلا بنشر هذا الفكر التواكلي.

    وقد طفحت المكتبة الإسلامية برسائل الماجستير والدكتوراه في التصوف، ولم تعد تقبل الرسائل في هذا الموضوع؛ لأن المكتبة زاخرة عامرة بهذا.

    وهنا أسوق بشرى، وهي أن رئيس جامعة الأزهر السابق أعفى لحيته والتزم منهج السنة، فاللهم اهد قلبه يا رب العالمين!

    نكتفي بهذا القدر إن شاء الله تعالى، ولنا لقاءات قادمة بإذن الله عز وجل.

    اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، اللهم اهدنا واهد بنا، اللهم اهدنا واهد بنا، اللهم اهدنا واهد بنا، آمين آمين آمين.

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.