إسلام ويب

سلسلة أصول الفقه [3]للشيخ : أسامة سليمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تناول الناظم رحمه الله تعالى في بيقونيته أنواع الحديث الضعيف، فذكر نحواً من ثلاثة وعشرين نوعاً، وذكر منها: الغريب والمعلل والمضطرب، وقد تناولها العلماء بالتعريف والبيان والأمثلة؛ لما للسنة من مكانة عظيمة في الشريعة المحمدية.

    1.   

    النهي عن القول على الله بغير علم

    الحمد لله الذي شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيّه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، بلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.

    اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، والملأ الأعلى إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    أيها الإخوة الكرام الأحباب! نواصل الحديث مع المنظومة البيقونية باعتبارها المتمم للمصدر الثاني من مصادر التشريع: السنة، وقبل ذلك نورد أموراً عجيبة في هذا الزمن! أخ كريم فضلاً عما سمعت يخبرني: أنه اليوم يسمع في إذاعة القرآن صباحاً أن أحد من يتحدث فيها يقول: إن الملائكة ليس لهم أجنحة، وإنما الجناح أطلق على سبيل المجاز كقول الله تعالى: وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [الإسراء:24]، فليس للإنسان جناح، وإنما هي إشارة إلى التواضع، وعلى هذا فليس للملائكة أجنحة!

    فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون! يا عبد الله! أما قرأت أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل وله ستمائة جناح؟! أما علمت أن جبريل حمل قرى لوط على جزء من جناحه؟! أما سمعت قول الله: جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ [فاطر:1] ؟! لكن الرويبضة نطق!

    وبالأمس أيضاً وأنا أستمع قدراً إذا بأحدهم يقول: ومن أسمائه صلى الله عليه وسلم طه ويس لما روى علي بن أبي طالب ، ولا ندري من أين جاء بهذا الأثر وما صحته؟!

    واليوم في جريدة الجمهورية -مسألة خلافية نعم- استند كاتب دكتور إلى حديث استناداً غير صحيح: (من مر على قبور وقرأ: قل هو الله أحد كتب له بعدد المقابر حسنات)، فهذا الحديث رواه الدارقطني وضعفه كل علماء الحديث، فانظروا إلى هذه الفوضى التي نحن فيها، لذا ينبغي أن يتقوا الله عز وجل في دين الله، وأن يعلموا أن الناس منهم المقلّدة العوام، فقد يقول واحد منهم: هل أتبع كلام شيخي العزيز أم الدكتور؟! وانتبه إلى كلمة الدكتور فهي كبيرة قليلاً!

    وأقول: إن المسألة الآن تحتاج منا إلى جهد لنعلم الناس العلم الصحيح؛ لأنه قد أصبح كل واحد يقول ما يشاء، وإن قلت لأحدهم: فوائد البنوك حرام قال لك: أقدم فتواك أم فتوى مجمع البحوث؟! فمجمع البحوث أصدر فتوى بحلها وانتهى الأمر، وكما يقول المثل: ( حطها في رقبة عالم واطلع سالم )، لن تخرج منها سالماً يا عبد الله! نحن الآن في الزمن الذي صوّره لنا النبي صلى الله عليه وسلم: (وسّد الأمر إلى غير أهله)، من المتحدث؟ لا أدري! نسأل الله العافية.

    الحديث الفرد

    يقول الناظم رحمه الله:

    والفرد ما قيّدته بثقة أو جمع أو قصر على رواية

    والحديث الفرد بصفة عامة: ما انفرد به راوٍ واحد في أي طبقة من الطبقات، كأن يكون في طبقة الصحابة رواه واحد، أو في طبقة التابعين رواه واحد، أو في طبقة تابع التابعين رواه واحد. هذا يسميه العلماء الحديث الفرد.

    ويغلب على هذه الأحاديث أنها تكون ضعيفة؛ لأنه ربما يكون للراوي ستمائة شيخ نقل عنهم، فينفرد واحد فقط من هذا العدد الكبير برواية، فنقول: من العسير أن يخطئ هذا العدد الكبير وينفرد هو برواية صحيحة؛ ولذلك يقول الشيخ ابن عثيمين في الشرح رحمه الله تعالى: الحديث الفرد في زمن الصحابة كان يميل إلى الصحة؛ لأن عدد الصحابة قليل، وكلما اتسع وتقدمنا إلى الأمام زاد احتمال الضعف.

    أقسام الحديث المفرد وأمثلة لكل قسم

    ينقسم الحديث الفرد إلى ثلاثة أقسام.

    يقول الناظم:

    الفرد ما قيدته بثقة أو جمع أو قصر على رواية

    إذاً: أول قسم من الحديث الفرد: ما قيّد بثقة.

    ثانياً: ما قيد بجمع.

    ثالثاً: ما قصر على رواية.

    سنضرب مثلاً للقسم الأول:

    حديث: (إنما الأعمال بالنيات) حديث فرد؛ لأنه انفرد به سيدنا عمر من طبقة الصحابة، وانفرد به أيضاً في طبقة التابعين راوٍ واحد، وفي طبقة تابعي التابعين راوٍ واحد، إلا أن الجميع ثقات، فهذا يسمى حديث فرد.

    ومثال ما قيد بجمع: أهل الشام ينقلون حديثاً واحداً فينفرد بخلافه راوٍ من أهل الشام، فهذا يسمى فرداً نسبياً يعني: خالف أهل بلدته أو أهل قبيلته.

    القسم الثالث من الحديث الفرد: هو الحديث الذي قصر على رواية. نقول: انفرد به فلان بهذه الرواية. هذا هو الحديث الفرد.

    الحديث المعلل

    قال الناظم:

    وما بعلة غموض أو خفا معلّل عندهم قد عرفا

    قلنا قبل ذلك: إن من شروط الصحيح عدم الشذوذ وعدم العلة؛ ولذلك علم العلة في الحديث علم الجهابذة، وطبيب الحديث في علله هو البخاري وعلي بن المديني وابن أبي حاتم والدارقطني ، فهؤلاء متخصصون في علم العلل، فظاهر الحديث الصحة: اتصال السند، عدالة الرواة، ضبط الرواة، عدم الشذوذ، فظاهر الحديث: أنه صحيح، لكن فيه علة لا يعرفها إلا المتخصص.

    مثال ذلك: يروي راوٍ عن شيخه حديثاً والسند فيه اتصال، وبالتنقيب والبحث وجد أن الراوي نزل هذه البلدة بعد موت الشيخ، والشيخ لم يفارق البلدة حتى نقول: ربما سمع منه في بلد آخر، فظاهر الحديث: السند متصل، وعدم الشذوذ، وعدم العلة، كل صفات الصحيح متوفرة إلا أن فيه علة قادحة لا يعرفها إلا جهابذة الحديث، وهذا الحديث المعلّل من الأنواع العسيرة على الكثير إلا من أعطاهم الله هذا العلم.

    الحديث المضطرب

    قال الناظم:

    وذو اختلاف سند أو متن مضطرب عند أهيل الفن

    المضطرب إما أن يكون اضطراباً في السند، وإما أن يكون اضطراباً في المتن، والاضطراب بمعنى: الاختلاف، فإن أمكن الجمع فلا اضطراب، وإن لم يمكن الجمع فهناك اضطراب، والاضطراب من أقسام الضعيف.

    نضرب مثلاً على ذلك: حجة النبي عليه الصلاة والسلام، ورد في شأنها أحاديث، منها حديث يقول: أن النبي صلى الله عليه وسلم حج مفرداً، وحديث آخر يقول: أنه حج قارناً، وثالث يقول: أنه حج متمتعاً، وأنواع النسك في الحج ثلاثة أنواع، ولندخل قليلاً في أنواع الحج:

    إن طواف القدوم سنة، والإفاضة ركن، والوداع واجب، والواجب يجبره دم، والركن لا يجبر بدم، فإن ترك الوداع يلزمه دم، وإن ترك الإفاضة فحجه باطل؛ لأن الأركان لا يجبرها دم.

    والطواف على الحاج المفرد ثلاثة: حينما ينزل إلى مكة يطوف طواف القدوم وهو سنة ثم يسعى للحج وليس عليه إلا سعي واحد، ثم يوم العيد يطوف طواف الإفاضة، ثم عند الرحيل يطوف طواف الوداع.

    فإن قيل: هل هناك فرق بين الحاج المفرد والحاج القارن في النسك بالنسبة للطواف أو السعي؟

    الجواب: لا فرق. الحاج القارن أيضاً يطوف للقدوم ويطوف للإفاضة ويطوف طواف وداع، وعليه سعي.

    أما المتمتع لا يطوف طواف القدوم في تكليفه الفقهي، لكن لا فرق في عدد الطوافات، فالحاج المتمتع عليه ثلاث طوافات: طواف عمره، وطواف إفاضة، وطواف وداع؛ وعليه سعيان، فالمتمتع يطوف طواف العمرة أولاً ويسعى للعمرة ثم يتحلل، ثم يطوف طواف الإفاضة ويسعى للحج.

    إذاً: حينما نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم حج مفرداً فإن الحديث صحيح؛ لأننا نقصد بكلمة مفرد: أنه أتى بأعمال المفرد لكنه يقيناً حج قارناً؛ لأنه ساق الهدي وقال لأصحابه: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولأحللت بعمرة)، يعني: لجعلتها عمرة؛ لأن حج التمتع -وهو أفضل النسك كما تعلمون- فيه خلاف بين العلماء، فالحاج المتمتع يلبي من الميقات بعمرة ثم يؤدي العمرة: يطوف ويسعى ويتحلل: يحلق أو يقصر، ويظل إلى يوم ثمانية ذي الحجة -يوم التروية- ثم يلبي بحج ويؤدي مناسك الحج.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم ظل محرماً؛ لأنه حج قارناً بين عمرة وحج، ومذهب الحنابلة -وهو الراجح- أنه لا يجوز إدخال الحج على العمرة، فطالما أنت نويت حجاً مفرداً لا يجوز أن تدخل على الحج العمرة، لكن يجوز أن تدخل بعد أداء العمرة الحج عليها.

    فأنت ستجد أحاديث تدل على أنه حج قارناً، وأحاديث على أنه حج متمتعاً، وأحاديث على أنه حج مفرداً، فستقول: فيه اضطراب؛ لأن فيه اختلاف، لكننا نقول: لا اضطراب، فإن شيخ الإسلام جمع بين الأحاديث الثلاثة وإذا أمكن الجمع تقول: لا اضطراب. قال شيخ الإسلام رحمه الله: حج مفرداً باعتبار أنه أتى أفعال الحاج المفرد، وحج متمتعاً باعتبار أنه أدى العمرة والحج كما يؤديهما المتمتع، فأنشأ سفراً واحدً لعمرة وحج، وحج قارناً وهذا هو اليقين؛ لأنه ساق الهدي وما تحلل من إحرامه عليه الصلاة والسلام، فإنه بعد أن طاف طواف القدوم ثم سعى ظل على إحرامه حتى أدى النسك، ثم أدى طواف الإفاضة، ثم تحلل بعد ذلك صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: إذا أمكن الجمع فلا اضطراب.

    من أمثلة الاضطراب مثلاً: حديث بريرة مع مغيث ، فـمغيث كان عبداً مملوكاً، وبريرة كانت مملوكة أيضاً، لكن بعض الروايات تقول: إن مغيثاً كان حراً، والرواية الأخرى تقول: كان عبداً، إذاً: هناك اضطراب للاختلاف الذي بين الروايتين، فلابد أن أحدهما الحديثين ضعيف والآخر صحيح.

    قال الناظم:

    وذو اختلاف سندٍ أو متن مضطرب عند أهيل الفن

    يعني: عند أهل الصنعة، والله تعالى أعلم.

    1.   

    الحديث الفرد وأقسامه

    قال الناظم رحمه الله:

    والفرد ما قيّدته بثقة أو جمع أو قصر على رواية

    الحديث الفرد بصفة عامة: ما انفرد به راوٍ واحد في أي طبقة من الطبقات، كأن يكون في طبقة الصحابة رواه واحد، أو في طبقة التابعين رواه واحد، أو في طبقة تابعي التابعين رواه واحد.

    ويغلب على هذه الأحاديث أنها تكون ضعيفة؛ لأنه ربما يكون للراوي ستمائة شيخ نقل عنهم، فينفرد واحد فقط من هذا العدد الكبير برواية، وعليه فنقول: من العسير أن يخطئ هذا العدد الكبير وينفرد هو برواية صحيحة؛ ولذلك يقول الشيخ ابن عثيمين في الشرح رحمه الله تعالى: الحديث الفرد في زمن الصحابة كان يميل إلى الصحة؛ لأن عدد الصحابة قليل، وكلما اتسع وتقدمنا إلى الأمام زاد احتمال الضعف.

    قال الناظم:

    الفرد ما قيدته بثقة أو جمع أو قصر على رواية

    القسم الأول: ما قيّد بثقة.

    القسم الثاني: ما قيد بجمع.

    القسم الثالث: ما قصر على رواية.

    وسنضرب مثالاً لكل قسم.

    فمثال القسم الأول: حديث: (إنما الأعمال بالنيات)، فقد انفرد به سيدنا عمر من طبقة الصحابة، وانفرد به أيضاً في طبقة التابعين راوٍ واحد، وفي طبقة تابعي التابعين راوٍ واحد، إلا أن الجميع ثقات، فهذا يسمى حديثاً فرداً.

    ومثال القسم الثاني: أن أهل الشام ينقلون حديثاً واحداً فينفرد بخلافه راوٍ من أهل الشام، فهذا يسمى فرداً نسبياً، أي: أنه خالف أهل بلدته أو أهل قبيلته.

    ومثال القسم الثالث: نقول: انفرد به فلان بهذه الرواية.

    1.   

    الحديث المعلل

    قال الناظم:

    وما بعلة غموض أو خفا معلّل عندهم قد عرفا

    قلنا قبل ذلك: إن من شروط الحديث الصحيح عدم الشذوذ وعدم العلة، وعلم العلة في الحديث هو علم الجهابذة، وطبيب الحديث في علله هو البخاري وعلي بن المديني وابن أبي حاتم والدارقطني ، فهؤلاء متخصصون في علم العلل.

    وظاهر الحديث الصحة؛ لأنه توفرت فيه شروط الصحيح من اتصال السند، وعدالة الرواة، وضبط الرواة، وعدم الشذوذ، إلا أن فيه علة لا يعرفها إلا المتخصص.

    مثال ذلك: يروي راوٍ عن شيخه حديثاً والسند فيه اتصال، وبالتنقيب والبحث وجد أن الراوي نزل هذه البلدة بعد موت الشيخ، والشيخ لم يفارق البلدة حتى نقول: ربما سمع منه في بلد آخر، فظاهر الحديث: السند متصل، وعدم الشذوذ، وعدم العلة، وكل شروط الصحيح متوفرة، إلا أن فيه علة قادحة لا يعرفها إلا جهابذة الحديث، وهذا الحديث المعلّل من الأنواع العسيرة على الكثير إلا من أعطاهم الله هذا العلم.

    1.   

    الحديث المضطرب

    قال الناظم:

    وذو اختلاف سند أو متن مضطرب عند أهيل الفن

    المضطرب إما أن يكون اضطراباً في السند، وإما أن يكون اضطراباً في المتن، والاضطراب بمعنى: الاختلاف، فإن أمكن الجمع فلا اضطراب، وإن لم يمكن الجمع فهناك اضطراب، والاضطراب من أقسام الضعيف.

    مثال ذلك: حجة النبي عليه الصلاة والسلام، فقد ورد في شأنها أحاديث، منها حديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم حج مفرداً، وحديث آخر يقول: إنه حج قارناً، وثالث يقول: إنه حج متمتعاً.

    ولندخل قليلاً في أنواع الحج الثلاثة فنقول:

    إن طواف القدوم سنة، وطواف الإفاضة ركن، وطواف الوداع واجب، والواجب يجبره دم، والركن لا يجبر بدم، فإن ترك طواف الوداع يلزمه دم، وإن ترك طواف الإفاضة فحجه باطل؛ لأن الأركان لا يجبرها دم.

    والطواف على الحاج المفرد ثلاثة: وذلك حينما ينزل إلى مكة فيطوف طواف القدوم وهو سنة، ثم يسعى للحج وليس عليه إلا سعي واحد، ثم يوم العيد يطوف طواف الإفاضة، ثم عند الرحيل يطوف طواف الوداع.

    فإن قيل: هل هناك فرق بين الحاج المفرد والحاج القارن في النسك بالنسبة للطواف أو السعي؟

    الجواب: لا فرق، فالحاج القارن أيضاً يطوف للقدوم ويطوف للإفاضة ويطوف طواف وداع، وعليه سعي.

    أما المتمتع فلا يطوف طواف القدوم في تكليفه الفقهي، لكن لا فرق في عدد الطوافات، فالحاج المتمتع عليه ثلاث طوافات: طواف عمرة، وطواف إفاضة، وطواف وداع، وعليه سعيان، فالمتمتع يطوف طواف العمرة أولاً ويسعى للعمرة ثم يتحلل، ثم يطوف طواف الإفاضة ويسعى للحج.

    إذاً: حينما نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم حج مفرداً فإن الحديث صحيح؛ لأننا نقصد بكلمة مفرداً: أنه أتى بأعمال المفرد، لكنه يقيناً حج قارناً؛ لأنه ساق الهدي وقال لأصحابه: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولأحللت بعمرة)، أي: لجعلتها عمرة؛ لأن حج التمتع -وهو أفضل النسك كما تعلمون- فيه خلاف بين العلماء، فالحاج المتمتع يلبي من الميقات بعمرة ثم يؤدي العمرة: فيطوف ويسعى ويتحلل: يحلق أو يقصر، ويظل إلى يوم ثمانية من ذي الحجة -يوم التروية- ثم يلبي بحج ويؤدي مناسك الحج.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم ظل محرماً؛ لأنه حج قارناً بين عمرة وحج، ومذهب الحنابلة -وهو الراجح- أنه لا يجوز إدخال الحج على العمرة، فطالما أنت نويت حجاً مفرداً فلا يجوز أن تدخل على الحج العمرة، لكن يجوز أن تدخل بعد أداء العمرة الحج عليها.

    فأنت ستجد أحاديث تدل على أنه حج قارناً، وأحاديث على أنه حج متمتعاً، وأحاديث على أنه حج مفرداً، فستقول: فيه اضطراب؛ لأن فيه اختلاف، لكننا نقول: لا اضطراب، فإن شيخ الإسلام جمع بين الأحاديث الثلاثة، وإذا أمكن الجمع فتقول: لا اضطراب. قال شيخ الإسلام رحمه الله: حج مفرداً باعتبار أنه أتى أفعال الحاج المفرد، وحج متمتعاً باعتبار أنه أدى العمرة والحج كما يؤديهما المتمتع، فأنشأ سفراً واحداً لعمرة وحج، وحج قارناً وهذا هو اليقين؛ لأنه ساق الهدي، وما تحلل من إحرامه عليه الصلاة والسلام، فإنه بعد أن طاف طواف القدوم، ثم سعى ظل على إحرامه حتى أدى النسك، ثم أدى طواف الإفاضة، ثم تحلل بعد ذلك صلى الله عليه وسلم.

    ومن أمثلة الاضطراب أيضاً: حديث بريرة مع زوجها مغيث ، فقد كان مغيث عبداً مملوكاً، وبريرة كانت مملوكة أيضاً، لكن بعض الروايات تقول: إن مغيثاً كان حراً، والرواية الأخرى تقول: كان عبداً، إذاً: هناك اضطراب للاختلاف الذي بين الروايتين، فلابد أن أحد الحديثين ضعيف والآخر صحيح.

    قول الناظم: (عند أهيل الفن)، أي: عند أهل الصنعة، والله تعالى أعلم.