إسلام ويب

سلسلة أصول الفقه [1]للشيخ : أسامة سليمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أنواع الحديث الضعيف: الحديث الشاذ والحديث المقلوب، والحديث الشاذ هو: مخالفة المقبول من هو أرجح منه عدالة أو عدداً أو ضبطاً، والقلب إما أن يكون في السند أو في المتن، ولكل منهما أمثلة كثيرة في كتب الحديث.

    1.   

    الرد على من قال: إن النقاب عادة وليس عبادة

    الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، بلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، والملأ الأعلى إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    أيها الإخوة الكرام الأحباب! نواصل الحديث مع المنظومة البيقونية، وسنتحدث فيها عن الحديث الشاذ والحديث المقلوب، وقبل ذلك دفع لي أحد الإخوة بمقال لعله بجريدة الأهرام، عنوان هذا المقال: النقاب عادة وليس عبادة، لأستاذ مفكر إسلامي، نسأل الله العافية! وهكذا قد وكل الأمر إلى الأصاغر، ووسّد الأمر إلى غير أهله، ونطقت الرويبضة، نسأل الله العافية!

    سلف الأمة كـابن كثير والطبري وكل علماء الأمة من المفسّرين يقولون: إن النقاب عبادة مشروعة، بل هو واجب على رأي البعض، ومكرمة وفضيلة على رأي الآخرين، وإن كان الزمن زمن فتنة يصبح ستر الوجه أمراً واجباً لا شك فيه، والنصوص متضافرة وكثيرة في هذا الأمر، يقول ربنا سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ [الأحزاب:59]، واقرأ في التفسير معنى كلمة: الإدناء، وتفسير ابن عباس لها.

    ورحم الله نساء الأنصار لما نزلت آية الحجاب عمدن إلى مروطهن فشققنه ووضعنه على رءوسهن، وكن كالغربان من السواد، ولذلك يقول صفوان بن المعطل في حادثة الإفك: رأيت زوجة النبي صلى الله عليه وسلم عائشة، وكنت أعرفها قبل نزول آية الحجاب.

    ولما خرجت سودة بنت زمعة لتقضي حاجتها في المناصع بالبقيع، وكانت تلبس سواداً قال عمر : عرفناك يا سودة ! لا تخفين علينا، فعرفها من طولها وعرضها.

    ويقول نبينا صلى الله عليه وسلم : (لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين)، وقالت أمنا عائشة : كنا نطوف حول البيت، فإذا خالطنا الرجال أسدلنا.

    وكانت النساء إلى زمن قريب قبل حركة تحطيم المرأة لا تحرير المرأة في مصر ينتقبن، وآباؤنا وأجدادنا يذكرون هذا.

    والمصيبة أن بعض من ينتسبون إلى العمل الإسلامي، ويظنون أنهم الجماعة الأم، أن أتباعهم في الجامعة يقولون: إن النقاب خاص بزوجات النبي صلى الله عليه وسلم، وليس لنساء المؤمنين، فانظروا إلى التحلل والتفسخ، نسأل الله العافية! وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على الغربة الثانية التي نحن فيها: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء)، فيا أيها الغرباء! لا تعبئوا بأقوال العلمانيين، أو من ينتسبون إلينا وهم من جلدتنا ويتحدثون بألسنتنا:

    العلم قال الله قال رسوله وما سواه وساوس الشيطان

    ولعلهم لا يستطيعون أن يحكموا في بيوتهم، ولا يملكون أمراً على زوجاتهم، فيريدون أن يجدوا ترخصاً لأنفسهم، وهذا هو الشاهد في الأمر، فإنه لا أحد يكره العفاف.

    1.   

    الحديث الشاذ والحديث المقلوب

    يقول الناظم رحمه الله:

    وما يخالف ثقة فيه الملا فالشاذ والمقلوب قسمان تلا

    إبدال راوٍ ما براو قسم وقلب إسناد لمتن قسم

    يتحدث الناظم عن نوعين من الأحاديث الضعيفة: الحديث الشاذ والحديث المقلوب، فما هو الشاذ؟ وما هو المقلوب؟

    معنى الحديث الشاذ لغة واصطلاحاً

    الشذوذ لغة: المخالفة والمفارقة، يقول صلى الله عليه وسلم: (يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار)، أي: من خالف وخرج فهو من الشاذين.

    واصطلاحاً: مخالفة الراجح لمن هو أرجح منه عدداً أو عدالة أو ضبطاً.

    أمثلة على الحديث الشاذ

    والشذوذ إما أن يكون في حديث، وإما أن يكون في حديثين، ونضرب أمثلة على ذلك:

    ففي حديث أبي هريرة في الصحيح قال صلى الله عليه وسلم: (لا تقدموا رمضان بصيام يوم أو يومين إلا أن يكون عادة)، والحديث في البخاري، وهو يبين جواز الصيام بعد نصف شعبان شريطة ألا تتقدم على رمضان بصيام يوم أو يومين إلا أن يكون صيام عادة.

    وهناك حديث آخر في السنن يقول: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا). ففيه دلالة واضحة على عدم جواز الصيام بعد نصف شعبان.

    فحديث السنن شاذ؛ لأنه خالف ما هو أرجح، وهو حديث البخاري ، فتقدم حديث البخاري ؛ لأن ما في البخاري أرجح، وقد خالف الثقة من هو أوثق، فتقدم الأوثق.

    ولذلك قال الإمام أحمد بن حنبل: إن حديث (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا) حديث شاذ. يعني: ضعيف.

    ومن الأمثلة أيضاً: حديث محمد بن عوف الطائي، وهو أن تقول بعد النداء: (اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه اللهم مقاماً محموداً الذي وعدته). فإن عشرة من الرواة رووا هذا الحديث بهذه الصيغة دون قولهم: (إنك لا تخلف الميعاد)، فجاء محمد بن عوف الطائي وزاد في روايته عند البيهقي : (إنك لا تخلف الميعاد) فيكون محمد بن عوف قد خالف عشرة من نفس الطريق -أي: من نفس السند- فنقول له: حديثك شاذ، وبالتالي فالثقة إذا خالف جماعة فإن حديثه شاذ.

    يقول المصنف: الشاذ أن يخالف الواحد الجماعة، أو يخالف الواحد من هو أوثق منه أو أرجح.

    كذلك من أمثلة الشذوذ: حديث الذهب المحلق، ففي السنن: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى المرأة أن تلبس الذهب المحلق.

    وفي البخاري من حديث جابر : (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر النساء بالصدقة عمدن إلى ما في آذانهن من خروصهن وتصدقن به في حجر بلال).

    إذاً: أثبت حديث البخاري أن النساء كن يلبسن ذهباً محلقاً، إذ أنهن عمدن إلى ما في آذانهن، وما في أيديهن، فنزعنه ووضعنه في حجر بلال، وعليه فحديث البخاري يخالف الحديث الذي في السنن، فيكون الحديث في السنن شاذاً.

    إمكانية الجمع بين حديثين يزيل الشذوذ

    قال العلماء: إذا أمكن الجمع فلا شذوذ؛ لأننا نقول بالشذوذ في حالة استحالة الجمع بين الحديثين.

    مثال ذلك: يقول عليه الصلاة والسلام: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا). وهو حديث صحيح، ويقول عليه الصلاة والسلام أيضاً: (لا تقدموا رمضان بصيام يوم أو يومين). وهو حديث صحيح أيضاً، ويمكن الجمع بينهما فنقول: حديث: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا) لمن لم يكن له عادة في الصيام، فلا يجوز له بعد نصف شعبان أن يصوم؛ لأنه سيدخل على رمضان وهو متعب، أما من له عادة في الصيام فلا بأس.

    فأنزل هذا الحديث على صفة، وأنزل الحديث الآخر على صفة، لكن ابن حنبل يقول بالشذوذ.

    كذلك: حديث الإشارة والتحريك في التشهد في الصلاة، فقد روى أكثر من عشرة من الرواة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشير بيده في التشهد من أوله إلى آخره)، لكنهم ما قالوا: إنه كان يحرك، فجاء زائدة بن قدامة وقال: (كان يشير ويحرك)، فنقول: زائدة زاد الحركة رغم أنه جاء من نفس طريق الرواة، فبعض العلماء قالوا: بالشذوذ للحركة، وبعضهم حاول الجمع، فإذا أمكن الجمع دون تعارض فلا بأس.

    والشيخ أبو إسحاق حفظه الله يقول: الإشارة تستلزم الحركة، لكن من العلماء من قال: إن الإشارة ما نقلت بحركة إلا من طريق زائدة .

    والشيخ ابن عثيمين يقول في حديث: (إنك لا تخلف الميعاد): إنها ليست شاذة؛ لأنها تتفق مع لغة القرآن.

    1.   

    الحديث المقلوب وأنواعه

    القلب ينقسم إلى نوعين: قلب في الإسناد، وقلب في المتن، والمصنف لم يتحدث عن قلب المتن، وإنما تحدث عن قلب الإسناد، وقلب الإسناد ينقسم إلى قسمين: فالأول مثل قولك: حدثني يوسف عن يعقوب، فقلت: حدثني يعقوب عن يوسف، فقلبت السند، حيث أنك ما سمعت من يعقوب، وإنما سمعت من يوسف، فهذا يسمى قلباً في الإسناد.

    والثاني: القلب في السند لمتن آخر، وهذا وقع في بغداد مع الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري المتوفى سنة 256هـ رحمه الله طبيب، الحديث في علله وأستاذ الحديث كما قال الإمام مسلم.

    فقد كانت بغداد قبلة العلماء -حدث ولا حرج واقرأ تاريخ بغداد- الجهابذة الأعلام: ابن حنبل ، الطبري ، الترمذي ، ابن ماجة ، أبو داود ، ابن أبي الدنيا ، الخرائطي، الحافظ البغدادي ، وكانوا يعتبرون من لم ينزل بغداد أنه لم يزل بعد في مرحلة طلب العلم؛ لأن بغداد كانت قلعة العلماء في العصر العباسي الأول، والعصر العباسي الأول كان عصر ازدهار، وقد وقع في زمن المعتصم والمأمون المصيبة الكبرى، وهي أنهم استجلبوا لنا من اليونان كتب الفلسفة وترجموها، والآن يدرسون عندنا الفلسفة والمنطق أرسطو وأفلاطون ، ولما علم ملك اليونان بالأمر قال: ما دخلت هذه العلوم في بلد إلا أفسدتها فأعطوها لهم، ولو قرأت في تاريخ الدولة العباسية لوجدت العجب العجاب من مظاهر الترف والإنفاق، فربما يقول شاعر بيت شعر واحد، ويعجب به ولي الأمر أو الخليفة فيأمر بإنفاق مليون ريالاً من بيت مال المسلمين للشاعر!

    والشاهد يا إخواني! أن البخاري نزل بغداد في رحلة لطلب العلم، ومن لم تكن له رحلة لن تكون إليه رحلة، أي: من لم يرحل لن يرحل إليه؛ ولذلك ضبط البخاري في كتاب العلم: باب الخروج إلى طلب العلم، أي: الهجرة والمهاجرة، لكن نحن من شبابنا من يذهب إلى النمسا وإلى ألمانيا ليس لطلب العلم، وإنما ليبيع الخمور وليخالط النساء ويفعل الزنا، فإن قلنا له: ارحل في طلب العلم من مدينة نصر إلى حدائق الزيتون لقال لك: يا الله! جهد علي كبير، سأركب (المترو) وأنزل محطة، أحضروا لنا الشيخ إلى هنا!

    وكما قال الدكتور مصطفى حلمي -حفظه الله- من أستاذة العقيدة في دار العلوم: حتى في المعاصي كسالى. قلت: كيف؟ قال: حينما يغني فريد الأطرش يقول: هاتوا لي حبيبي، وهكذا في عالم المعاصي يريدون المعصية أن تأتي إليهم، وهذا طبعاً يدل على الخمول والكسل.

    أعود فأقول: لما دخل البخاري بغداد أراد أهل بغداد أن يختبروه في حفظه في مجلس علم كهذا المجلس؛ فدفعوا إليه عشرة من الحفاظ، وأعطوهم عشرة أحاديث مقلوبة الأسانيد، فقام السائل الأول يسأل البخاري : ما تقول في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: حدثنا مكي بن إبراهيم عن الليث عن يعقوب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات)؟ فالحديث صحيح لكن السند غير صحيح، فقال البخاري : لا أعرفه، فالجهلاء قالوا: سقط في الامتحان، والعلماء قالوا: أدرك اللعبة؛ لأنه قال: لا أعرفه.

    ثم قام الثاني فألقى حديثه والبخاري يقول: لا أعرفه، وقال للثالث: لا أعرفه، وللرابع: لا أعرفه، حتى سمع العشرة، ولما انتهوا قال: أين السائل الأول؟ قال: أنا، قال: أنت قلت كذا، وسند الحديث كذا، ثم قال: للثاني مثل ما قال للأول وهكذا، يقول العلماء: ليس العجب أنه صحح السند، وإنما العجب أنه أعاد الأحاديث بنفس الترتيب.

    وصدق الله: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة:282].

    قول الناظم: (والمقلوب قسمان تلا)، أي: أن المقلوب نوعان.

    وقوله: (إبدال راوٍ ما براو قسم)، أي: بدلاً من يوسف عن يعقوب نقول: يعقوب عن يوسف، وهذا بدل.

    والناظم رحمه الله تحدث عن القلب في السند، ولم يتحدث عن القلب في المتن، والقلب في المتن مثل حديث: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومنهم: ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)، وفي رواية عند مسلم : (حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله)، فنقول: هذا فيه قلب؛ لأن اليمين هي التي تنفق، أما الشمال فلا تنفق، وبالتالي نقول: هذه الرواية ضعيفة، والقلب من أنواع الضعف؛ لأنه يدل على عدم الضبط.