إسلام ويب

العدة شرح العمدة [74]للشيخ : أسامة سليمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الغصب هو الاستيلاء على مال الغير بغير حق قهراً، وهو ليس كالسرقة، فالسرقة إذا بلغت النصاب قطع السارق، أما الغاصب فلا يقطع وإنما يضمن العين المغصوبة سواء كانت مالاً أو عبداً أو أرضاً .. أو غير ذلك.

    1.   

    تعريف الغصب والفرق بينه وبين السرقة

    قال المصنف رحمه الله: [ باب الغصب ].

    الاستيلاء على مال غيره بغير حق قهراً

    وهذا القيد للتفريق بين الغصب وبين السرقة والاختلاس والانتهاب.

    فالغصب هو: أخذ المال بغير حق قهراً. أي: أنك تراه بين يديك ولا تستطيع أن تحافظ عليه.

    فالغصب أخذ المال قهراً عن صاحبه، أي: رغم أنف صاحبه، وأما السرقة فقد يكون صاحب المال نائماً أو خارجاً فلا أحد يقاوم السارق، فهو يسرق دون مقاومة، فهناك فرق بين الغصب وبين السرقة والاختلاس والانتهاب.

    فالغصب: أخذ المال بغير حق قهراً.

    والسرقة: أخذ المال بغير حق وبغير قهر، وبغير نصابها المعروف شرعاً.

    فالفرق بين الغصب وغيره أن الغصب يتم قهراً.

    والاستيلاء على المال قد يكون بحق وقد يكون بغير حق.

    فاستيلاء ولي أمر اليتيم الذي يقوم على رعاية مال اليتيم استيلاء بحق، وهنا الاستيلاء بغير حق.

    1.   

    حكم الغصب

    وحكم الغصب في الشرع حرام، قال تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ [البقرة:188].

    ويقول صلى الله عليه وسلم: (كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه) والمال قد يكون عقاراً أو منقولاً، فالعقارات هنا هي الأراضي والمباني، والمنقولات هي التي يسهل نقلها وتحويلها إلى نقد. والعقار أصل ثابت يصعب تحويله إلى نقد أو حمله، فالعقارات ثابتة، والمنقولات متنقلة.

    وسواء كان الغصب لعقارات أو لمنقولات فهي سواء، فالغصب يستوي فيه هذا وهذا.

    1.   

    ما يتحمله الغاصب

    والغاصب يتحمل كل شيء وزيادة، فلو اغتصب أرضاً وطرد صاحبها منها وزرعها فعليه في الشرع قلع الزرع، ومؤنة الخلع، وتسوية الأرض على نفقته، وغرامة ما أحدث في الأرض من ضرر، وأرش نقصها في مدة زراعتها، وإيجارها في هذه المدة. فنحن في الشرع نؤدب الغاصب. هذه قاعدة.

    وهناك غصب لشيء مشروع وغصب لشيء غير مشروع.

    فلو تملك رجل كلباً ليس للحراسة فقام شخص وأتلفه فلا يلزمه الضمان؛ لأن الكلب مهدر، ولو كان كلب حراسة للزمه الضمان، فهناك فرق بين كلب الحراسة والكلب العام، فالكلب العام لا يجوز اقتناؤه.

    ولو أن رجلاً ذمياً شرب كأس خمر فجاء رجل مسلم وكسر الكأس بما فيه -لأن الخمر حرام- للزمه الضمان؛ لأن الخمر ليست حراماً في شرع الذمي، وإنما هي حرام في شرعنا، والخمر لم تحرّم إلا على المسلمين.

    وإذا أتلف خمر المحارب فلا يلزمه الضمان؛ لأن دم المحارب مهدر.

    والذي يتلف هذا المال هو الذي بيده التغيير، فلا يذهب أحد إلى محارب يراه يشرب الخمر ويكسر عليه كأس الخمر؛ لأنه لا يستطيع ذلك.

    ولو لبس رجل من أهل الكتاب صليباً وأظهره على صدره وسار به في الطرقات فإذا جذبه ولي الأمر وأتلف الصليب لزمه الضمان إن كان الصليب داخل الملابس، فإذا أظهره وأتلفه ولي الأمر فليس عليه الضمان.

    قال المصنف رحمه الله: [ ومن غصب شيئاً فعليه رده ]، أي: أنك إذا أخذت المال بالغصب لزمك الرد.

    قال المصنف رحمه الله: [ لقوله عليه الصلاة والسلام: (على اليد ما أخذت حتى تؤدي). أبو داود .

    وعليه أجرة مثله مدة مقامه في يده؛ لأنه فوت عليه منفعته، والمنافع لها قيمة، فيضمنها كالأعيان ].

    فإذا غصبك أحد جهاز التسجيل وظل عنده شهراً فيلزمه رده وإيجار الشهر.

    ثانياً: لو كان قيمة جهاز التسجيل يوم أخذ بخمسمائة جنيه واليوم بثلاثمائة فيلزم الغاصب الفرق، فالزيادة لصاحب الحق وليست للغاصب.

    وإذا غصبك شاة وكانت حاملاً فوضعت حملها عند الغاصب فعليه أن يرجعها بزيادتها، وإذا أنفق عليها الغاصب فإنها تعود بلحمها وشحمها ولا حق للغاصب.

    فأي غاصب يأخذ المال بغير وجه حق يلزم برده، وليس له فيه أي حق.

    قال المؤلف رحمه الله: [ وإن نقص فعليه أرش نقصه؛ لأنه يلزمه ضمان جميع المغصوب لو تلف، فيلزمه ضمان بعضه بقيمته قياساً للبعض على الكل ].

    أي: أنه إن نقص المال المغصوب عند الغاصب فيلزم الغاصب رد النقص أو أرشه.

    فإذا أخذ شخص كتاباً غصباً وظل عنده شهراً كاملاً فقُطعت منه ورقة ثم رفع الأمر إلى ولي الأمر فإن الواجب على الغاصب تجاه المغصوب أن يرد الكتاب، وأن يلتزم بالنقص الذي طرأ على الكتاب، ويثمّن بعد القطع والنقص ويدفع الغاصب الفرق.

    فالأرش: هو الفرق بين قيمته جديداً وقيمته مستعملاً.

    ثم يدفع إيجاره في الشهر.

    فيلتزم الغاصب بثلاثة أمور:

    أولاً: رد الكتاب.

    ثانياً: أرش النقص أو أرش الفرق.

    ثالثاً: الإيجار كما لو كان قد أُجِّر.

    وأرش الفرق أي: الفرق بين قيمته يوم الغصب ويوم الرد.

    1.   

    حكم الجناية على المغصوب

    قال المصنف رحمه الله: [ وإن جنى المغصوب فأرش جنايته عليه -يعني على: الغاصب- سواء جنى على سيده أو أجنبي ].

    يتحدث المصنف هنا عن العبد، فلو أن الغاصب أخذ مني عبداً قهراً ثم قام بضربه فجناية العبد على الغاصب.

    قال المصنف رحمه الله: [ لأنه نقص في حق العبد لكونه يتعلق برقبته، فكان مضموناً على الغاصب كسائر نقصه.

    وإن جنى عليه أجنبي ]، أي: إن غصب عبداً فضَربه أجنبي.

    قال المصنف رحمه الله: [ فلسيده تضمين من شاء منهما ]، أي: أن السيد يطلب قيمة العبد من الجاني أو من الغاصب.

    قال المصنف رحمه الله: [ الجاني لأنه أتلف، والغاصب لأن نقص العبد حصل وهو في يده ]. ولو أنه أخذ عبداً مني غصباً وبعد هذا أصبح العبد أعور فيلزمه الأرش، فمثلاً لو كان العبد السليم بمائة ألف والعبد الأعور بخمسين لزمه خمسون ألفاً؛ لأنه اعتور عند الغاصب، فيرد العبد، ويرد الفرق، ويرد الأجرة.

    والحر لا يُغتصب.

    1.   

    حكم غصب الجارية

    قال المصنف رحمه الله: [ ويجب أرش نقصها إن نقصت بالولادة ].

    فإن غصب جارية ثم ولدت ونقصت بالولادة -أي: نقص سعرها- فيجب على الغاصب الفرق، أي: الفرق بين ثمنها قبل أن تلد وبعد أن ولدت.

    فلو أن قيمة الجارية عشرة آلاف جنيه قبل ولادتها، وبعد الولادة أصبح سعرها ثمانية آلاف فإنه يلزم الغاصب أن يدفع له ألفي جنيه، وهي أرش نقص الجارية نتيجة الولادة.

    قال المصنف رحمه الله: [ كما يلزمه أرش نقص الأرض إذا زرعها ].

    فإذا اغتصب أرضاً وزرعها لزمه أرش نقص الأرض، أي: نقص القيمة.

    قال المصنف رحمه الله: [ ويجب عليه أجرة مثلها؛ لكونه شغل ملك الغير بغير إذنه ]، أي: أنه لو غصب أرضاً فيلزمه أجرة المثل كما لو استأجر الأرض، فيدفع الإيجار فضلاً عن أرش الأرض؛ لأنه شغل أرض غيره بغير إذنه.

    قال المصنف رحمه الله: [ ويجب عليه أجرة مثلها ]. والكلام هنا على الجارية أيضاً، أي: أنه يجب عليه مثل أجرة الجارية، كأنه استأجرها، فيدفع أجرة مدة غصبها ].

    قال المصنف رحمه الله: [ وإن كانت بكراً لزمه أرش بكارتها مع المهر؛ لأنه بدل آخر منها ]، أي: أنه لو غصب جارية بكراً ثم دخل بها فيلزمه مثل مهر الجارية.

    قال المصنف رحمه الله: [ وإنما اجتمعا؛ لأن كل واحد منهما يضمن منفرداً، بدليل أنه لو وطئها ثيباً وجب مهرها، ولو افتضها بإصبعه وجب أرش بكارتها، وعنه: لا يلزمه مهر الثيب ]. والصواب: أنه يلزم.

    وهذه المسألة لا توجد في الواقع، ولكنها لتفتيح الأبواب في الغصب.

    1.   

    حكم بيع الغاصب للجارية المغصوبة

    قال المصنف رحمه الله: [ وإن باعها فوطئها المشتري وهو لا يعلم فعليه مهرها ]. فلو غصب الغاصب جارية ثم باعها ووطئها المشتري وهو لا يعلم أنها مغصوبة فعليه مهرها، أي: على المشتري؛ لأنه لا يعلم أنها مغصوبة. والضمير يعود إلى أقرب مذكور.

    قال المصنف رحمه الله: [ لأنه وطئ جارية غيره بغير نكاح، وإن ولدت منه فهو حر؛ لأن اعتقاده أنه يطأ مملوكته منع انخلاق الولد رقيقاً أو يلحقه نسبه، وعليه فداؤه؛ لأنه فوت رقه على سيده باعتقاده حل الوطء، ويفديه ببدله يوم الوضع، قال الخرقي : يفديه بمثله، يعني: في السن والجنس والصفات ].

    ثم ختم المصنف كتاب الغصب بقوله: [ ويلزمه أجرة مثلها كما لو غصب بهيمة، ويرجع بذلك على الغاصب؛ لأن المشتري دخل على أن يتمكن من الوطء بغير عوض، وأن يسلّم له الأولاد، فإذا لم يسلم له ذلك فقد غره فيرجع إليه كالمغرور بتزويج الأمة ]، أي: أن المشتري يعود على الغاصب بما غرر به عليه.

    هنا ينتهي كتاب الغصب وهو مهم جداً في واقعنا وفي أحكامه.