إسلام ويب

العدة شرح العمدة [24]للشيخ : أسامة سليمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أحكام الجنائز في الشريعة الإسلامية واضحة بينة، ابتداءً من احتضار الميت وانتهاءً بالتعزية، فعلى المسلم أن يلتزم المشروع ويبتعد عن محدثات الأمور، سيما وأن مثل هذه الأحكام قد تدخلها العاطفة والجهل فيحيد الناس عن اتباع السنة وموافقة الشرع.

    1.   

    ما يرتبط بفقه الجنائز

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    أما بعد:

    أيها الإخوة الكرام الأحباب! مع كتاب الجنائز من كتاب العدة شرح العمدة للإمام موفق الدين بن قدامة المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى.

    الحقيقة أيها الإخوة الكرام! سنقوم اليوم بالشرح النظري؛ حتى نرتب المسألة العملية أكثر؛ وحتى نربط بين النظري والتطبيق، فقه الجنائز من أهم أنواع الفقه؛ فقد كثرت البدع فيه، وغاب عن كثير من المسلمين.

    وفقه الجنائز يتعلق به عدة موضوعات:

    الموضوع الأول: ما يجب على الحي تجاه الميت عند احتضاره وبعد موته، ثم تغسيل الجنازة. وهناك فرق بين الجنازة -الجنازة بفتح الجيم وبكسره- فالجنازة بفتحها: هو الميت، والجنازة: هي النعش الذي يحمل فيه الميت.

    ويرتبط بفقه الجنائز: غسل الميت، وتكفينه والصلاة عليه، ومن أولى الناس بالصلاة عليه، وطريقة الصلاة وصفتها، ثم اللحد في القبر، ثم القربات التي تصل إلى الميت بعد موته ما يصل منها وما لا يصل.

    ومما يرتبط أيضاً بهذا الفقه الهام أولاً: البدع التي انتشرت بين المسلمين في مسائل الجنائز، وحدث ولا حرج عن هذه البدع المنتشرة بين الناس وهو يحسبون أنها سنة، مثل وضع الجريدة على القبر بزعم أن هذه ليست خاصية للنبي عليه الصلاة والسلام، وهي خاصة به كما سنبين ذلك بالأدلة.

    ثانياً: ارتفاع القبور عن حدها الشرعي، وتزيينها وزخرفتها، والكتابة على ألواح رخامية: هذا قبر فلان الفلاني، والقطع له بالجنة، والندب والنياحة عليه، ونعيه كنعي الجاهلية، وإقامة السرادقات واستجلاب القراء، وتوزيع الدخان والسجائر، وكل هذا من بدع الجنائز، والموسيقى العسكرية التي تصاحب بعض الجنائز، ورفع الأعلام الصوفية في جنائز الأقطاب والأوتاد، وحدث ولا حرج، وكذلك التابوت الذي يحملون فيه الميت ويضعون فوقه غطاءً مكتوباً عليه أسماء الخلفاء الراشدين، وهذا التابوت ليس من ديننا، وحمل الميت عندنا له طريقة شرعية، ومعظم الذي نفعله الآن بشأن الميت فيه كثير من البدع.

    وسنبدأ بدراسة فقه الجنائز بتدبر ثم نقوم بتنفيذ الغسل والتكفين عملياً، ونوضح الفرق بين غسل الرجل وغسل المرأة، وبين كفن الرجل وكفن المرأة، ومن أحق الناس بتغسيل الميت، ومن أحق الناس بالصلاة عليه، وهذه أمور مهمة جداً ينبغي أن نكون على علم بها.

    1.   

    ما يعرف به الموت

    لا بد أولاً أن تتيقن أن الميت قد مات، ويتيقن من الموت بأمور عديدة، أولاً: عن طريق الأطباء أصحاب التخصص، أو بفتح العين والفم، وبرود الأطراف.

    ثانياً: أن مفاصل الميت تكون سهلة لينة، فمثلاً: إذا أغلقت فم الميت ثم عدت بعد ذلك وجذبت ما أغلقته به عاد مفتوحاً.

    1.   

    ما يفعل بالميت إذا مات

    فإذا تيقن موته فهناك أمور تفعل بالميت في الحال، وهي:

    أولاً: قوله: [ إذا تيقن موته غمضت عيناه ]. لأن (العين تتبع الروح) كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، فأول أمر ينبغي على الحي أن يفعله أن يغمض عين الميت.

    ثانياً: [ وشد لحياه ]. وشد اللحيين يعني: أن يشد الفم بقطعة قماش يربطها من أعلى رأسه إلى أسفل ذقنه حتى يغلق الفم؛ لأنه إذا ترك الفم مفتوحاً ربما يدخل فيه أشياء لا ينبغي دخولها، ولأنه يصبح منظره قبيحاً وقد تخرج منه رائحة.

    ثالثاً: [ وجعل على بطنه مرآة أو غيرها؛ لئلا ينتفخ البطن ]. والمعنى: أن يجعل على بطنه شيئاً ثقيلاً حتى لا ينتفخ؛ لأنه إذا تأخر دفنه لأسباب شرعية فيمكن أن ينتفخ بطنه.

    رابعاً: تليين مفاصله، ويكون ذلك بالضم والبسط ليديه ورجليه؛ لأنه إذا ترك الميت بعد موته بدون تليين الأعصاب والعظام فستصبح جامدة في يد المغسل، فلا بد من تليينها حتى إذا جاء المغسل وجد أعضاءه لينة، فيستطيع أن يتعامل معها برفق وسهولة.

    1.   

    ما يجب على الأحياء تجاه الميت عند موته

    ومما يجب على الأحياء تجاه الميت عند موته أولاً:

    تلقينه الشهادة، و(من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة)، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. فإذا تلفظ بها فلا يعيدها عليه إلا إذا تكلم الميت بكلام آخر؛ حتى تكون آخر كلامه.

    ثانياً: تذكيره بسعة رحمة الله عز وجل، قال صلى الله عليه وسلم: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه) . فيذكره بصلاته وبصيامه وبجهاده وبمحاسنه، ولا يذكر عنده عذاب أبداً، وبعض الناس يجلسون عند رأس الميت ويقرءون فوق رأسه: إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا * لِلْطَّاغِينَ مَآبًا [النبأ:21-22]، حتى يفزع الميت، والعياذ بالله. والذي ينبغي هو ذكر آيات الرحمة وتبشيره بسعة رحمة الله عز وجل، وقد قال العلماء: ينبغي للعبد عند الاحتضار أن يغلب جانب الرجاء والطمع في رحمة الله عز وجل على جانب الخوف، وفي حال الصحة يغلب جانب الخوف. فهذه من الأمور التي ينبغي على الحضور أن يتنبهوا لها، وحدث ولا حرج عن غياب هذا الفقه في المستشفيات، وكثير من النساء ليس لهن خبرة بهذا الصنيع.

    ثالثاً: توجيه الميت إلى القبلة، وفيه خلاف، والراجح أنه يوجه؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمرنا عند النوم أن نضطجع على شقنا الأيمن وأن نستقبل القبلة، والنوم والموت صنوان؛ لأننا نقول بعد قيامنا من النوم: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا، وقال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: إن توجيه الميت إلى القبلة لم يصح فيه حديث، وأقول: لقد قال العلماء: إن توجيه الميت إلى القبلة عليه أدلة.

    ثم بعد موته يغطى مباشرة بغطاء كبير لا يكشف الوجه، وقد غطي النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، ولما جاء الصديق رفع الغطاء وقبل جبهة النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: طبت حياً وميتاً يا رسول الله!

    ويمكن أن نحصر ما يجب علينا تجاه الميت في الآتي:

    1- أفعال تجب قبل الغسل.

    2- وضوء الميت.

    3- غسل النظافة.

    4- غسل الميت.

    1.   

    ستر عورة الميت أثناء الغسل

    قال المصنف رحمه الله: [ فإذا أخذ في غسله ستر عورته ].

    فإذا جاء المغسل رفع الغطاء وجرد الميت من ثيابه، وينبغي أن يكون معه شيء يستر به عورته من فوق السرة إلى تحت الركبة، ولا يجوز له أن ينظر إلى عورة الميت، والبعض عند تغسيل الميت ينظر إلى عورته، وهذا لا يجوز أبداً، فلا بد من ستر عورته حتى الانتهاء من تكفينه، ثم تخلع عنه.

    1.   

    من يغسل الميت

    ولا بد من التعامل مع الميت برفق وليكن مع المغسل من يعينه على تغسيل الميت، ولا يدخل على الميت إلا من كان يحبه في حال الدنيا، ولا يدخل عليه الخصوم، فهذا لا يجوز، ولا يدخل عليه الرجل إلا إذا كان صالحاً. واليوم يغسل الميت من لا يصلي والساحر والمرأة المتبرجة، ولا يجوز للمرأة أن تغسل الرجل إلا إذا كانت زوجته، خلافاً للأحناف الذين قالوا: لا يجوز للزوج أن يغسل زوجته؛ لأن عقد الزواج قد انتهى، وهذا كلام باطل ولا دليل عليه، فقد صح: أن بعض الصحابة غسلوا زوجاتهم، حتى أن عائشة قالت: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل النبي صلى الله عليه وسلم إلا زوجاته. وهذا حديث صحيح.

    وأسماء بنت عميس غسلت زوجها الصديق ، والبعض يضعف هذا الحديث، وعلي بن أبي طالب غسل زوجته فاطمة ، والبعض ضعف هذا الحديث أيضاً، ولكن قول عائشة : لو استقبلت من أمري ما استدبرت لا شبهة فيه. فلا يجوز للمرأة أن تغسل الرجل، وليس للرجل أن يغسل المرأة أبداً بحال، إلا إذا كانت صغيرة لم تبلغ الحلم ولا تشتهي، ولم تبلغ الحيض حتى لا يفتن بها المغسل.

    1.   

    ما ينبغي للمغسل اصطحابه لغسل الميت

    يبدأ المغسل في إعداد الأشياء التي تساعده في الغسل، والتي تسمى عدة الغسل، وهي:

    1- كمامة يلبسها على فمه.

    2- خرقة؛ حتى لا يمس عورة الميت بيده؛ وحتى يزيل بها النجاسة عن الميت.

    3- حذاء كحذاء رجل المطافئ.

    ومن يساعد المغسل عليه إعداد هذه الأشياء أيضاً.

    1.   

    صفة ماء غسل الميت

    ولا ينبغي أن يغسل الميت بماء يتأذى منه الحي، ففي الصيف لا بأس أن تغسل الميت بماء بارد، ولكن لا ينبغي أن تغسله في الشتاء بماء بارد، فهذا يتأذى منه الحي، بل تسخنه قليلاً.

    وليكن بجوارك إناء كبير وزيت كافور، فهو أصلح الأنواع لوقف نزيف الدم وتجليطه، ويخلط هذا الكافور بالمياه المعدة لغسل الميت.

    1.   

    حكم ملابس الميت

    ثم ينقل الميت إلى المغسلة بين يدي المغسل، فيجرده من ملابسه ويدفعها لأهل بيت الميت، وفي بعض الأرياف ملابس الميت تبقى أربعين يوماً، لا يقترب منها أحد؛ لأنها ملابس شؤم؛ ولا بأس بالتصدق بها أو لبسها، وهي من الميراث، فلا ينبغي أن يستأثر بها أحد الورثة دون غيره، وفي بعض القرى إذا رأى أحد الورثة عباءة جميلة أو بدلة محترمة أخذها، وكذلك الساعة أو الخاتم، وكل ذلك يدخل في تركة الميت.

    وقد حكي أن امرأة من السلف كانت تعجن عجين البيت فجاءها الخبر أن زوجها قد مات، فقالت: لا أقربك الآن، فقد أصبح لنا الآن فيك شركاء.

    1.   

    صفة غسل الميت

    عصر بطن الميت لإزالة الأذى

    بعد تجريد المغسل للميت من ملابسه يغطيه بسترة، ثم يضغط على بطنه ضغطاً يسيراً لتخرج البقايا والفضلات، ويكون بجواره إناء فارع يلقي فيه هذه الفضلات، ثم يضغط مرة أخرى ضغطاً خفيفاً على بطنه عند السرة وتحتها وفوقها ليخرج بقية الفضلات، ويمكن أن يجلس الميت على المغسلة لإخراج الفضلات، ويفعل هكذا حتى تخرج اليد بيضاء لا شيء فيها، ويتأكد أن جوف الميت قد صفا من كل الفضلات. وهذا معنى قول المؤلف: [ يعصر بطنه عصراً رقيقاً؛ ليخرج ما في جوفه من فضلة حتى لا يخرج بعد الغسل أو بعد التكفين فيفسد الكفن، ويلف على يده خرقة ثم ينجيه بها ].

    [ ولا يحل مس عورته؛ لأن رؤيتها محرم فمسها أولى ]. فلا يحل له أن يرى العورة ولا أن يمسها.

    وضوء الميت

    قال المصنف رحمه الله: [ ثم يوضئه وضوءه للصلاة ].

    والوضوء يكون قبل الغسل، وبعد تصفية ما في بطنه من فضلات يوضأ الميت كما يتوضأ الحي، إلا في المضمضة، فلا يدخل الماء داخل فمه وإنما يمسح مسحاً خفيفاً جداً خارج فمه، وكذلك لا يدفع الماء داخل الأنف وإنما من الخارج، ثم غسل الوجه واليدين مع المرافق ثم المسح على الرأس مع الأذنين، ثم غسل القدمين وتخليل الأصابع، وبهذا تكون قد وضأت الميت وضوءاً شرعياً صحيحاً.

    هذه السنة في غسل الميت، والغسل يجزئ عن الوضوء، وهناك فرق بين الكمال والإجزاء في الفقه، فلو أن رجلاً جنباً خلع ملابسه ونزل في الماء وتمضمض واستنشق وخرج فإنه يجزئه هذا، ولكنه لا يكون كاملاً إلا إذا غسل مذاكيره ثم توضأ ثم غسل رأسه ثم صب الماء على شقه الأيمن ثم على شقه الأيسر.

    قال المصنف رحمه الله: [ لما روت أم عطية أنها قالت: لما غسلنا ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب قال صلى الله عليه وسلم: (ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها). متفق عليه ]، يعني: ابدءوا بغسل الميامن ثم مواضع الوضوء. وحديث أم عطية عمدة في فقه الجنائز، كما أن حديث عمار عمدة في فقه التيمم.

    [ ولأن الحي يتوضأ إذا أراد الغسل فكذلك الميت فافعل بالميت ما يفعل بالحي ].

    كيفية غسل الميت

    قال المصنف رحمه الله: [ ثم يبدأ بعد ذلك بغسل مقدم رأسه ولحيته بماء وسدر؛ لتذهب عنه الأوساخ والأدران ] ولم يشر المصنف رحمه الله إلى غسل النظافة بعد الوضوء، فغسل النظافة مشروع في غسل الجنازة، فبعد أن توضئ الميت اغسل رأسه ثلاث مرات بالماء والصابون، ثم اسكب الماء على شقه الأيمن، وتتبع بالماء المغابن، وهي المفاصل والأماكن التي هي مظنة عدم وصول الماء، مثل: الإبطين، وبين الفخذين، فلا بد من تتبع المغابن بالماء عند الغسل؛ لأننا سنطيبها بعد الغسل.

    ثم بعد غسل النظافة نغسله الغسل الشرعي بالماء والسدر، والسدر ورق النبق، وهذا الورق يعطي رائحة طيبة للماء.

    قال المصنف رحمه الله: [ ثم يغسل شقه الأيمن ثم الأيسر ]. فبعد غسل النظافة نبدأ في الغسل الشرعي للميت، ونبدأ بغسل الشق الأيمن؛ لقوله عليه السلام: (ابدأن بميامنها).

    قال المصنف رحمه الله: [ ثم يغسله أكثر من مرة ] أي: مرتين أو ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً.

    قال المصنف رحمه الله: [ يمرر في كل مرة يده على بطنه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً إن رأيتن ذلك) ]. فإن كان هناك ضرورة للزيادة زاد، فإذا ضغط على بطنه وخرجت الفضلات مرة ثانية أزالها ووضأه مرة ثانية؛ لأن خروج الفضلات ناقض للوضوء، وكذلك يعيد الغسل إن كان قد غسله. ولو خرجت منه الفضلات كلما ضغط على بطنه فيضع قطناً في هذا الموضع ثم يغسله، فهناك بعض الموتى يكون عندهم نزيف داخلي متتابع، فلو مكثت مائة مرة فلن ينقطع.

    قال المصنف رحمه الله: [ وإن خرج منه شيء غسّله وسده بقطن، فإن لم يستمسك فبطين حر ]. وهذا إشارة إلى أنه يستخدم ما يوقف النزيف. وزيت الكافور يجعل هذه المواطن تتجلط إن شاء الله تعالى.

    قال المصنف رحمه الله: [ ثم ينشفه بثوب، وذلك مستحب؛ لئلا تبل الأكفان، وفي حديث ابن عباس في غسل النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فجففوه بثوب) ] فينشف بثوب بعد انتهاء الغسل.

    تطييب الميت

    قال المصنف رحمه الله: [ ثم يجعل الطيب في مغابنه ]، أي: بعد أن ينتهي من الغسل والتنشيف يجعل الطيب في المغابن، وهي المفارق التي هي مظنة عدم وصول الماء.

    [ في مغابنه ومواضع سجوده ]، ومواضع السجود سبعة وهي: الجبهة مع الأنف، ثم اليدان، ثم الركبتان، ثم القدمان، وإن عمم الطيب لكل الجسد فلا بأس، وإن عممه بالطيب وبالمسك على كل جسده فلا بأس.

    قال المصنف رحمه الله: [ لأن المغابن مواضع الأوساخ، وأماكن السجود تطيب لشرفها، وإن طيبه كله كان حسناً؛ لقوله عليه السلام: (واجعلن في الأخيرة كافوراً أو شيئاً من كافور) ].

    1.   

    تجمير الكفن

    قال المصنف رحمه الله: [ ويجمّر أكفانه ]. يعني: يبخرها كما يفعل الحي.

    1.   

    حكم الأخذ من شارب الميت وأظفاره أو تسريح شعره، وحكم ما يسقط منه

    قال المصنف رحمه الله: [ وإن كان شاربه طويلاً أو أظفاره أخذ منه؛ لأن ذلك سنة في حياته ]. وهذا مرجوح جداً، فلا ينبغي أن يأخذ من شعره شيئاً ولا من أظفاره، فهذا ضعيف في المذهب ولا دليل عليه.

    [ ويترك في أكفانه؛ لأنه من أجزائه ]، يعني: أنه يريد أن يقول: إذا أخذ من الأظفار والشارب فإنه يوضع في الكفن، وهذا كلام ضعيف.

    [ وكذلك كل ما يسقط منه، ولا يسرح شعره؛ لأن عائشة رضي الله عنها قالت: لا تسرّحوا شعره بالمشط؛ لأنه يقطع الشعر وينتفه.

    1.   

    ظفر شعر المرأة والحكمة منه

    قال المصنف رحمه الله: [ والمرأة يظفر شعرها ثلاثة قرون ويسدل من ورائها ].

    والحكمة من ظفر شعر المرأة أنه قد يكون طويلاً فيخرج من تحت الكفن، فإذا ظفر فإنه يستر بذلك، ولذلك إذا اغتسلت المرأة غسل الجنابة، فإنها تنضح الظفيرة ولا تفكها؛ لأنه أدعى للتحجب والستر. والشعر لو كان مفروداً فقد يصيب المغسل أو يخرج من تحت الكفن إلى غير ذلك. ولما أمر ابن عباس النساء بفك الظفيرة في غسل الجنابة قالت عائشة رضي الله عنها: عجباً لـابن عباس يأمر النساء بفك ظفائرهن ألا يأمرهن بحلق رءوسهن، لقد اغتسلت عند النبي صلى الله عليه وسلم فلم يأمرني بفك الظفيرة. فتنضح الظفيرة شريطة أن يصل الماء إلى منابت الشعر في غسل الجنابة.

    1.   

    صفة الكفن

    قال المصنف رحمه الله: [ ثم يكفن في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة، لقول عائشة رضي الله عنها : (كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية) ]، يعني: طيبة من أجود الأنواع، (ليس فيها قميص ولا عمامة). متفق عليه.

    ولأن أكمل أحوال الحي حالة الإحرام، وهو لا يلبس فيها قميصاً ولا عمامة، فكذلك حال الموت، يدرج فيها إدراجاً، فيؤخذ أحسن اللفائف وأوسعها فتبسط على بساط ليكون الظاهر للناس أحسنها ]. فتكون الأخيرة أطولها وأفضلها، ثم تبسط الثانية، ثم الثالثة كطبقات الرقاق، فيدرج في الأولى ثم تثنى عليه، ثم في الثانية وتثنى عليه، ثم في الثالثة يدرج إدراجاً.

    قال المصنف رحمه الله: [ ثم تبسط الثانية فوقها، ثم الثالثة فوقها، ثم يحمل فيوضع عليها مستلقياً؛ ليكون أمكن لإدراجه فيها، ثم يثني طرف اللفافة العليا على شقه الأيمن، ثم يرد طرفها الآخر على شقه الأيسر فوق الطرف الآخر، وإنما استحب له ذلك؛ لئلا يسقط عنه الطرف الأيمن عند وضعه في القبر، ثم يفعل بالثانية والثالثة كذلك، ثم يجمع ذلك طرف العمامة فيرده على وجهه ]. فلا بد أن تكون اللفافة أطول من جسم الميت، والزيادة التي فوق رأسه تجمع وترد على وجه الميت كأنها عمامة.

    قال المصنف رحمه الله: [ إلا أن يخاف انتشارها فيعقدها، فإذا وضع في القبر حلها ].

    يعني: إذا وضعها على وجهه فيمكن أن تنتشر، فيربطها ثلاثة أربطة عند العمامة، وفي وسطه عند الفخذين، وعند الرجلين أو القدمين.

    قال المصنف رحمه الله: [ وتكفن المرأة في خمسة أثواب ]، ويجوز أن تكفن المرأة في المخيط؛ لأنه يجوز لها أن تلبس المخيط في حال الإحرام، وكذلك في حال الموت.

    قال المصنف رحمه الله: [ وإن كفن في قميص ومئزر ولفافة فلا بأس ]، يعني: إذا لم يجد كفناً من ثلاث قطع يكفن في قميص ومئزر ولفافة، يعني: قميص يلبسه، ومئزر كالإزار، ولفافة تلفه بها، وهذا في حال عدم وجود ثلاث قطع؛ لأن مصعب بن عمير كفن في نمرة كان إذا غطى بها أعلاه بدا أسفله، وإذا غطى أسفله بدا أعلاه، فغطوا بها رأسه، ووضعوا على رجليه ورقاً، وكان عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه إذا تذكر حال مصعب بكى، وقال: مات أخي مصعب ، ولم نجد له شيئاً نكفه فيه.

    ويمكن أن يكفن الميت بثيابه التي كان يلبسها في حال الحياة، فإذا لم نجد له كفناً فلا بأس بقطع ثيابه وتكفينه فيها.

    فالأمور التي تفعل بالميت قبل الغسل:

    1- تغميض العينين.

    2- شد اللحيين.

    3- تليين المفاصل.

    4- وضع شيء ثقيل على بطنه.

    5- تغطيته.

    6- توجيهه إلى القبلة.

    والأمور التي تفعل بالميت عند الغسل:

    1- كشف الغطاء.

    2- تجريده من ثيابه.

    3- ستر عورته من السرة إلى الركبة.

    4- عصر بطنه عصراً رقيقاً وإخراج الفضلات حتى تخرج اليد بيضاء.

    5- الوضوء.

    6- غسل النظافة.

    7- الغسل الشرعي، ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً.

    8- تطييب المغابن ومواضع السجود.

    1.   

    أحق الناس بغسل الميت والصلاة عليه

    قال المصنف رحمه الله: [ وأحق الناس بغسله والصلاة عليه ودفنه وصيه ]. فإن أوصى أن فلاناً يغسلني، وفلاناً يصلي علي فلا يجوز ترك وصيته، ويقدم الوصي بلا خلاف، وإن لم يوص قدم في غسله أقرباؤه: الأب والجد والأخ؛ لأنهم أستر الناس عليه إن كان صالحاً.

    ويشترط أن يكون المغسل فقيهاً بالغسل. وإن لم يوص الميت بمن يصلي عليه صلى عليه إمام المسجد، ولا يقدم الأب أو الجد أو الأخ على إمام المسجد؛ لما ثبت أن إمام المدينة صلى على أم كلثوم بنت علي ، وكان خلفه ثمانية من الصحابة فلم ينكر عليه أحد منهم، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على الجنائز وخلفه الأب والأخ والعم والعصبات، ونحن اليوم نسأل عمن هو أقرب للميت ونقدمه يصلي عليه، وهو لا يعرف كيف يعمل، ولا يفهم شيئاً، فما دام الإمام الراتب موجوداً فيلغى كل الناس، والرجل لا يؤم الأمير في سلطانه، وإذا لم يكن الإمام الراتب موجوداً فإنه يستخلف، واليوم أصبحت هذه المسألة فوضى، فالمساجد ليس لها إمام راتب ولا من يستخلفه، بل كل واحد يقول لمن يريد: تقدم يا فلان! حتى أنهم ضربوا بعضهم بعضاً على الإمامة، وأصبحت المساجد الآن ليس لها نظام ولا ضبط ولا ربط، وإنما الذي يريد أن يصلي يصلي، حتى أنه في مرة من المرات صلى إمام بالناس وهو يلبس بنطلون جينز، وهو محشور فيه حشراً ولا يجيد قراءة الفاتحة، وقرأ تبت إيد أبو لهب وتب!

    وثلاثة أرباع أئمة المساجد يوقعون الثلاثين يوماً مقدماً، ودفاتر الحضور والانصراف تحت آباطهم، ويقول لك: أنا أريد وظيفة فقط، وبعد ذلك أبحث عن رزق ومشروع آخر، ويجلس إماماً على الورق، ولا يدخل المسجد إلا مرة في السنة، والله الذي لا إله غيره حتى الإمام إن عين لا يستطيع أن يقرأ الفاتحة، فكيف عين إماماً؟ وكيف يؤم بالناس؟ وفي مرة عين مؤذن أعرفه فقال لي: لو سمحت اكتب لي الأذان في ورقة؛ لأني لا أعرف أؤذن، فكتبته له، فأمسك الورقة وأذن من الورقة.

    والمساجد كثيرة، وربع المساجد الموجودة هي التي فيها أئمة، و75% بلا أئمة، بل متروكة لمن هب ودب هكذا بدون ضابط ولا رابط.

    قال المصنف رحمه الله: [ لأن أبا بكر رضي الله عنه أوصى أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس فقدمت لذلك، وأوصى أنس أن يغسله محمد بن سيرين ففعل، ولأنه حق للميت، فقدّم الوصي على غيره كتفريق ثلثه؛ ولأن الصحابة أجمعوا على أن الوصي في الصلاة مقدّم على غير الوصي.

    فإن أبا بكر أوصى أن يصلي عليه عمر ، وأوصى عمر أن يصلي عليه صهيب وابنه حاضر ]. فقد أوصى عمر أن يصلي عليه صهيب وابن عمر حاضر، فلم يقدم الابن على الوصي.

    قال المصنف رحمه الله: [ وأوصى ابن مسعود أن يصلي عليه الزبير، وأوصى أبو بكرة أن يصلي عليه أبو برزة ، وأوصت عائشة رضي الله عنها أن يصلي عليها أبو هريرة ، ولم يعرف لهم مخالف مع كثرته وشهرته فكان إجماعاً؛ ولأن الغرض من الصلاة الدعاء والشفاعة إلى الله، فالظاهر أن الميت يختار لذلك من هو أظهر صلاحاً في نفسه وأقرب إلى الله وسيلة ليشفع له ].

    فالصلاة دعاء وشفاعة فيختار الأصلح والأقرب والأرجى إجابة عند الله.

    قال المصنف رحمه الله: [ ثم الأب؛ لمكان شفقته، ثم جده كذلك، ثم ابنه وإن نزل كذلك، ثم الأقرب فالأقرب من عصباته، ثم الرجل من ذوي أرحامه ثم الأجانب.

    وأولى الناس بغسل المرأة الأقرب فالأقرب من نسائها، أمها ثم جدتها ثم ابنتها، ثم الأقرب فالأقرب، ثم الأجنبيات كالرجل.

    إلا أن الأمير يقدم في الصلاة على الأب ومن بعده -والأمير يعني: الإمام الراتب- لقوله عليه السلام: (لا يؤمن الرجل في سلطانه) ، رواه مسلم .

    وروى أحمد بإسناده: أن عماراً مولى بني هاشم قال: شهدت جنازة أم كلثوم بنت علي فصلى عليها سعيد بن العاص وكان سعيد بن العاص أمير المدينة وخلفه يومئذ ثمانية من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم منهم ابن عمر والحسن والحسين وزيد بن ثابت وأبو هريرة ، ولأنها صلاة شرع لها الاجتماع فأشبهت سائر الصلاة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على الجنائز مع حضور أقاربها والخلفاء، ولم ينقل أنهم استأذنوا ولي الميت في التقدم ].

    فالإمام الراتب يقدم، ولكن إن كان الإمام الراتب صاحب معصية أو كبيرة ويصر عليها فيقدم الولي؛ لأن الصلاة على الجنازة فيها شفاعة ودعاء فيتقدم الأصلح للميت، فلا يقدم الإمام الراتب إلا للظن أنه على علم وتقوى، ولا يحتل هذا المكان في الشرع إذا كان جاهلاً أو صاحب كبيرة.

    فيقدم في غسل الميت والصلاة عليه الوصي، فإن لم يوص قدم الأب، ثم الجد، ثم الابن، ثم الأقرب فالأقرب، ثم الأجانب، وهذا إذا كان هؤلاء يتقنون الغسل، وكانوا على علم وصلاح.

    ومن السنة أن لا يكون الكفن مخيطاً، بل كالإحرام تماماً، وأولى الناس بغسل المرأة الأقرب فالأقرب، وهكذا.

    1.   

    كيفية الصلاة على الميت

    قال المصنف رحمه الله: [ والصلاة عليه يكبر ويقرأ الفاتحة؛ (لأن النبي صلى الله عليه وسلم كبر على النجاشي أربعاً) ، متفق عليه.

    ويقرأ الحمد في الأولى؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب) .

    وصلى ابن عباس على جنازة فقرأ بأم القرآن وقال: لتعلموا أنها من السنة، أو قال: من تمام السنة. ]

    ولا يقرأ دعاء استفتاح في الجنازة، بل يقرأ الفاتحة بعد التكبير مباشرة، وكان ابن عباس أحياناً يجهر بها ليعلمهم، يعني: كأن يقول: الله أكبر، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:2-4]. يعني: يعلم الذين خلفه.

    قال المصنف رحمه الله: [ ثم يكبر الثانية ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لما روى ابن سهل عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم. ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات لا يقرأ في شيء منهن ثم يسلم سراً في نفسه ]، يعني: لا يجهر بالتسليم.

    قال المصنف رحمه الله: [ ثم يكبر ويدعو للميت في الثالثة؛ لقوله عليه السلام: (إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء) ؛ ولأنه المقصود فلا يجوز الإخلال به، ويدعو بما روى أبو إبراهيم الأشهلي عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى على الجنازة قال: (اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا).

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه وزاد فيه: (اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام والسنة، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده) .

    وعن عوف بن مالك قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازة فحفظت من دعائه: اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقّه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره وأهلاً خيراً من أهله وزوجاً خيراً من زوجه، وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار) ، يقول عوف : حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت. رواه مسلم ]

    فقد كان صلى الله عليه وسلم يجهر أحياناً ليسمع من خلفه للتعليم، كما كان يجهر بأذكار ما بعد الصلاة في أول البعثة، كما في البخاري ، فما كانوا يعرفون انقضاء الصلاة إلا بالتسبيح. وهذا كان في أول البعثة كما قال ابن بطال في شرح البخاري .

    وفي الرجل تقول: ارزقه زوجاً، أي: من الحور العين أفضل من الزوجة، وأما الزوجة فهي لآخر أزواجها في الدنيا، ولذلك أم الدرداء أبت أن تتزوج بعد أبي الدرداء ، ولما تقدم لخطبتها كثير من الصحابة قالت: ما مثلكم يردون، ولكني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (المرأة لآخر أزواجها في الدنيا) ، فأريد أن أكون زوجة لـأبي الدرداء في الجنة؛ وفاءً له، فلا يجوز أن تقول في الدعاء للمرأة: وارزقها زوجاً خيراً من زوجها، وإنما يجوز أن تقول ذلك للرجل.

    وفي الدعاء السابق: (اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا) . وهذا للداعي وللميت.

    قال المصنف رحمه الله: [ ثم يكبر ويسلم تسليمة واحدة عن يمينه ]. ومذهب الحنابلة أنه يسلم تسليمة واحدة. والمختار: أن التسليمة أو التسليمتين جائزتان؛ وهذا خلاف سائغ كالرفع وعدم الرفع.

    قال المصنف رحمه الله: [ ويرفع يديه مع كل تكبيرة؛ لأن عمر رضي الله عنه كان يرفع يديه في تكبيرة الجنازة والعيد؛ ولأنها تكبيرة لا يتصل طرفها بسجود ولا قعود فسن لها الرفع كتكبيرة الإحرام. ]

    ورفع اليدين في التكبير فعله عمر وابنه على مرأى كثير من الصحابة، ولم يعلم لهما مخالف، وإن علم لهما مخالف فهو تعدد فعل واختلاف تعدد، وليس اختلاف تضاد وتعارض، فهذا ثبت وهذا ثبت، فهذا من الخلاف السائغ الذي لا يجوز أن نتطاحن فيه وأن نتقاتل عليه.

    قال المصنف رحمه الله: [ والواجب من ذلك التكبيرات والقراءة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وأدنى دعاء للميت والسلام ].

    1.   

    من يدخل الميت في قبره

    ولا يجوز أن يلحد الميت في قبره إلا رجل لم يجامع زوجته، ففي البخاري : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دفن أحد بناته سأل الحضور: (هل منكم أحد لم يجامع زوجته البارحة؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله! قال: انزل معها فالحدها) . قال ابن حجر مبيناً العلة: لا ينزل مع الميت من جامع زوجته بالأمس؛ لأنه يكون حديث عهد بشهوة وبدنيا وإلى غير ذلك من الأمور.

    وقد اختلف العلماء في العلة، وأقربها إلى الأفهام: أن الذي جامع زوجته بالأمس يكون حديث عهد بشهوة دنيا.

    1.   

    الصلاة على القبر

    قال المصنف رحمه الله: [ ومن فاته الصلاة عليه صلى على القبر ] فمن فاتته الصلاة على الميت صلى على قبره، وتوقيت مدة الصلاة على القبر بشهر مذهب مرجوح، والصواب: أن المدة مطلقة، وتقييد الصلاة على القبر بشهر قيد بغير دليل.

    والنبي عليه الصلاة والسلام لما سأل عن المرأة السوداء التي كانت تنظف المسجد، فقالوا له: يا رسول الله! ماتت بالليل فغسلناها وكفناها وصلينا عليها ثم دفناها وكرهنا أن نوقظك من نومك، قال: (دلوني على قبرها، ثم صلى عليها صلى الله عليه وسلم، وقال: إن هذه القبور تمتلئ ظلمة على أهلها، وإن الله منورها لأمتي بصلاتي عليهم) .

    قال المصنف رحمه الله: [ لما روى ابن عباس : (أنه مر مع النبي صلى الله عليه وسلم على قبر منبوذ فأمهم وصلوا خلفه) .

    ولا يصلى على القبر بعد شهر إلا بقليل ]. وهذا تحكم لا دليل عليه.

    قال المصنف رحمه الله: [ لأن أكثر ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه صلى على أم سعد بن عبادة بعدما دفنت بشهر) ]. وهذا ليس دليلاً على هذا الفعل.

    قال المصنف رحمه الله: [ ولأنه لم يعلم بقاؤه أكثر من شهر فيقيد به ] والصحيح: أنه يصلى عليه مهما طالت المدة.

    حكم صلاة الولد على قبر أبيه

    السؤال: مات أبي ولم أصل عليه، فهل أذهب إلى قبره لأصلي عليه؟

    الجواب: اذهب وصلِّ عليه؛ لأن الصلاة دعاء وتشفع للميت، فيجوز أن تصلي عليه في قبره ولا شك في هذا.

    قال المصنف رحمه الله: [ وإن كان الميت غائباً عن البلد صلى عليه بالنية، لما روى أبو هريرة : (أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي رحمه الله في اليوم الذي مات فيه، فصف بهم في المصلى وكبر أربعاً) ]. فالنبي صلى الله عليه وسلم صلى على النجاشي صلاة الغائب، وصلاة الغائب فيها خلاف، فلا نصلها إلا إذا علمنا أنه لم يصل عليه، وأما إذا صلوا عليه في بلده فلا صلاة.

    1.   

    كيفية العمل بمن تعذر غسله

    قال المصنف رحمه الله: [ ومن تعذر غسله لعدم الماء أو للخوف عليه من التقطع كالمجدور أو المحترق، أو لكون المرأة بين الرجال أو الرجل بين النساء فإنه ييمم ]. فإذا ماتت امرأة ولم تجد من يغسلها إلا رجلاً فتيمم؛ لأنه لا يجوز أن يغسلها أجنبي، وكذلك الرجل إذا مات ولم نجد من يغسله إلا امرأة، وكذلك المحروق ومن مات تحت حائط، والغريق الذي يخاف تقطع جسده، فهؤلاء ييممون إذا تعذر غسلهم.

    1.   

    غسل أحد الزوجين للآخر

    قال المصنف رحمه الله: [ إلا أن لكل واحد من الزوجين غسل صاحبه؛ لأن أبا بكر أوصى أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس ، وعائشة قالت: لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا ما غسّل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نساؤه.

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم لـعائشة : (لو مت قبلي لغسّلتك وكفنتك) .

    وقد غسّل علي فاطمة رضي الله عنهما ولم ينكره منكر، فكان إجماعاً؛ ولأنه أحد الزوجين فأشبه الآخر، وكذلك للسيد مع أم ولده؛ لأنها محل استمتاعه فأشبهت الزوجة ]. يعني: السيد مع أم الولد.

    1.   

    حكم الشهيد

    قال المصنف رحمه الله: [ والشهيد إذا مات في المعركة لم يغسّل ولم يصل عليه ] فالشهيد لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يوضع على جسده طيباً ولا يغطى رأسه، وهذه خاصة بالشهيد الذي مات في المعركة.

    قال المصنف رحمه الله: [ لما روى جابر : (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بدفن شهداء أحد في دمائهم، ولم يغسلوا ولم يصل عليهم) . رواه البخاري .

    وينحى عنه الحديد والجلود ثم يزمّل في ثيابه، لما روى ابن عباس رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد وأن يدفنوا في ثيابهم بدمائهم) .

    وإن كفن في غيرها فلا بأس ]. يعني: يكفن في ملابسه أو في غيرها، والشهيد لا يغسل، وإنما يدفن بدمائه؛ لأنه يبعث يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك، ولأنه ما مات، وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران:169]، فهو ينتقل من حياة إلى حياة.

    قال المصنف رحمه الله: [ لأن صفية أرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثوبين ليكفن حمزة فيهما، (فكفنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحدهما وكفن في الآخر رجلاً آخر) .

    وعنه -يعني: رواية أخرى عن أحمد - : أنه يصلى على الميت وإن قتل في المعركة. ]. يعني: هناك رواية عن أحمد أنه يصلى على الشهيد، وهذه الرواية مرجوحة.

    قال المصنف رحمه الله: [ لما روى عقبة بن عامر : (أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوماً فصلى على أهل أحد صلاته على الميت ثم انصرف) ]. والمراد بالصلاة هنا الدعاء للميت؛ لأن الثابت أنه صلى الله عليه وسلم لم يصل على شهداء. والله تعالى أعلم.

    1.   

    حكم المحرم

    قال المصنف رحمه الله: [ والمحرم يغسل بماء وسدر، ولا يلبس مخيطاً، ولا يغطى رأسه، ولا يقرب طيباً ]. فالمحرم هو: الذي مات محرماً، فيغسل بماء وسدر، ولا نلبسه مخيطاً ولا نغطي رأسه.

    قال المصنف رحمه الله: [ لما روى ابن عباس قال: بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فمات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه، ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) ]، أي: يبعث على الحال الذي مات عليه. وهذا معناه: أن المحرم له حالة خاصة.

    قال المصنف رحمه الله: [ ولا يقطع شعره ولا ظفره كحال حياته ].

    1.   

    صفة القبر

    وبعد أن تحدث المصنف عن الغسل والتكفين انتقل إلى القبر وكيفية إدخال الميت فيه، فقال:

    [ ويستحب دفن الميت في لحد وينصب عليه اللبن نصباً ] واللحد: الشق في بطن الأرض، وهو: أن يفتح في بطن الأرض فتحة جانبية بحيث يلحد فيها الميت ثم يوضع عليه لبنات طوب لم تحرق بالنار، هذا هو كلام أهل العلم بالنسبة لكيفية لحد الميت.

    قال المصنف رحمه الله: [ لقول سعد بن مالك : (ألحدوا لي لحداً وانصبوا علي اللبن نصباً، كما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم) .

    ولا يدخل القبر آجراً ولا خشباً ولا شيئاً مسته النار؛ لما روي عن إبراهيم قال: كانوا يستحبون اللبن ويكرهون الخشب والآجر وكره ما مسته النار للتفاؤل بالنار ].

    أيها الإخوة الكرام! فقه الجنائز من أهم أنواع الفقه الغائب.

    اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، اللهم ارزقنا علماً نافعاً، اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، آمين آمين.

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.