إسلام ويب

قراءة في السيرةللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله امتن على هذه الأمة برسول منهم، من أشرفهم نسباً ، وأحسنهم خلقاً، اختاره الله للرسالة، وتعهده من ولادته بالرعاية، فحري بالمسلم أن يتعرف على سيرته حتى يقتدي به.

    وفي هذه المادة جوانب من حياته صلى الله عليه وسلم: نسبه، ومولده، ورضاعته، ومسيرة حياته في البادية، وسفره إلى الشام، وحادثة تحكيمه صلى الله عليه وسلم في إعادة بناء الكعبة، ومعجزاته، ودعوة الناس سراً وما وجده النبي صلى الله عليه وسلم من البلاء، ثم مرحلة الجهر بالدعوة، وإسلام بعض الصحابة وحياتهم في الإسلام كبلال وعمر وعمار وابن مسعود وحمزة وغيرهم.

    1.   

    نسب النبي صلى الله عليه وسلم

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أيها المسلمون: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

    أولاً: نهنئكم بقدوم هذا الشهر الكريم أهلّه الله علينا وعليكم باليُمن والمسرات, وغفر لنا الذنوب والخطيئات, وجعلنا من عتقائه من النار.

    ثانياً: سوف نستصحب في كل ليلة قبل صلاة العشاء طيلة هذا الشهر المبارك -إن شاء الله- رسول الهدى عليه الصلاة والسلام في سيرته العطرة الكريمة, فنبدؤها بالدرس الأول في نسبه صلى الله عليه وسلم.

    وعنوان هذه الدروس: "قراءة في السيرة النبوية".

    النسب الشريف: محمد صلى الله عليه وسلم، السيد الأكرم الذي شَّرف الله الناس بوجوده, هو محمد بن عبد الله، أمه آمنة بنت وهب، هاشمي قرشي من أفضل العرب نسباً.

    نسب كأن عليه من شمس الضحى     نوراً ومن فلق الصباح عمودا

    تدوول عليه الصلاة والسلام في الآباء والأجداد, وولد كما ورد عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (ولدت من نكاح لا من سفاح) فلم يأتِ في نسبه -والحمد لله- لا في الجاهلية ولا قبلها زناً، وإنما أتى عن أب وجد إلى أن وصل عليه الصلاة والسلام إلى الدنيا, هذا نسبه فأبوه عبد الله يأتي خبره وأمه كذلك.

    كان عبد الله بن عبد المطلب من أحب ولد أبيه إليه, هذا والد الرسول عليه الصلاة والسلام, أحب أبناء عبد المطلب , وكان لـعبد المطلب عشرة من البنين، أقربهم إلى قلبه عبد الله والد الرسول عليه الصلاة والسلام, فقربه منه , وأحبه, وزوجه وهو في الثامنة عشرة من عمره.

    آمنة بنت وهب بن عبد مناف , وهي أفضل نساء قريش نسباً وموضعاً, ولما دخل عليها كان في وجه والد الرسول صلى الله عليه وسلم نور, فلما أفضى إليها ذهب هذا النور, قالوا: هذا النور هو الرسول صلى الله عليه وسلم, وقع في بطن أمه, وحملت به، وأثناء الحمل توفي أبوه عليه الصلاة والسلام, فهو لم يرَ أباه في الحياة, وما سعد بتقبيل أبيه، ولا بمزاحه وملاعبته, بل ولد يتيماً في الحياة صلى الله عليه وسلم, علَّه أن يتحمل هذه الحياة ومصائب الحياة, وينهج نهجاً فريداً يعتمد فيه بعد الله على نفسه, فنشأ عصامياً عليه الصلاة والسلام, يقوم بجهده، ويقوم بعرق جبينه, لأن الله أراد أن يرشحه لمهمة هداية العالم.

    وسوف تسمعون العجائب في سيرته العطرة عليه الصلاة والسلام، فإن سيرته تضوع بها المجالس, وما أوجد الله أبر ولا أشرف منه صلى الله عليه وسلم.

    قال: ولما دخل عليها حملت برسول الله صلى الله عليه وسلم, ولم يلبث أبوه أن توفي بعد الحمل بشهرين, ودفن في المدينة عند أخوال عبد المطلب من بني النجار، فإنه كان ذهب بتجارة إلى الشام -أي: عبد الله - فأدركته منيته وهو بـالمدينة وهو راجع, ولما تمت مدة حمل آمنة وضعت ولدها، فاستبشر العالم بهذا المولود الكريم, يقول أحمد شوقي:

    ولد الهدى فالكائنات ضياء     وفم الزمان تبسم وثناء

    فلما ولد هذا المولود الكريم الذي ما وقع على الأرض أشرف من رأسه, ولا أحسن من دمه! ولا أروع من قلبه! بث في أرجاء العالم روح الآداب, وتمم بنفسه مكارم الأخلاق.

    مولده صلى الله عليه وسلم

    كان مولده صلى الله عليه وسلم صبيحة يوم الإثنين، وسُئِلَ صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الإثنين كما في صحيح مسلم من حديث أبي قتادة قال: {ذاك يوم ولدت فيه، وبعثت فيه، وأوحي إليّ فيه} فأحب الأيام إلى قلوبنا يوم الإثنين الذي ولد فيه رسولنا صلى الله عليه وسلم, وصيامه سنة, وهو من أفضل الأيام التي تُصام.

    ولد في تاسع ربيع الأول، الموافق ليوم العشرين من إبريل سنة (571) من الميلاد, وهو يوافق السنة الأولى من حادثة الفيل, وكانت ولادته في دار أبي طالب بشعب بني هاشم, ولما وُلِدَ أرسلت أمه لجده عبد المطلب تبشره, فأقبل مسروراً وسماه: محمداً، سبحان من وفقه! فهذا الاسم لا يُعرف عند العرب, العرب تعرف حرباً وصخراً وحمزة وطلحة هذه أسماء العرب, لكن لما بشَّر عبد المطلب سيد قريش, وهو سيد الأبطح , هذا عبد المطلب كان عظيماً, كانت له سجادة لا يجلس فيها إلا هو , تفرش له تحت ميزاب الكعبة في العصر, وممنوع أن يقترب من هذه السجادة أحد، لو أتى ملك الدنيا لا يجلس عليها إلا عبد المطلب سيد قريش, فيجلس عبد المطلب، ويأتي أبناؤه العشرة حوله, وكانوا تسعة بعد موت ابنه والد الرسول صلى الله عليه وسلم, ثم يجلس أشراف مكة , ثم يجلس شعراؤها, ثم أشراف العرب, وهذه السجادة لا يجلس عليها إلا عبد المطلب , قالوا: ففرشوها ذات صباح فأتى عبد المطلب فجلس، فأتى صلى الله عليه وسلم وهو طفل يحبو، فجلس فأزاله الناس -الخدم- فرفض، فأتى فجلس مرة ثانية, فأزالوه, فلما جلس عبد المطلب زحف هو بنفسه وجلس, قال: والبيت ذي الحجب والنصب والشهب إن ابني هذا له سبب من السبب.

    هذا ابنك تدري أنه سيحول الكرة الأرضية من الكفر إلى الإيمان؟

    من هو المصلح الذي فجَّر الطاقة في الأرض مثل محمد صلى الله عليه وسلم؟

    من هو الرجل الذي يمكن أن يكون أنملة أو ظفراً في كفه صلى الله عليه وسلم أو غباراً على قدمه؟

    لا ندري بأحد, قال: فلما ولد سماه محمداً, يقول حسان:

    وشق له من اسمه ليجله     فذو العرش محمود وهذا محمد

    يقول: الله هو المحمود سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وهذا محمد، فالله شق له من اسمه، وذكروه بالتسمية عليه الصلاة والسلام.

    من أشرف أسمائه: اسم محمد, واسمه: العاقب والحاشر والماحي, وله أسماء أخر عليه الصلاة والسلام، وكنيته: أبو القاسم, فهذا اسمه صلى الله عليه وسلم، وسماه: محمداً ولم يكن هذا الاسم شائعاً قبل عند العرب, ولكن الله يريد أن يحقق ما قدره.

    ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح:1] , يقول أحد الكتاب العصريين: فتش في جوانحك، وابحث في خفاياك، أما شرحنا لك صدرك؟

    أما كان صدرك ضيقاً فشرحناه بلا إله إلا الله محمد رسول الله؟

    بلى والله! انشرح صدره عليه الصلاة والسلام, وأصبح صدره مشروحاً.

    وقال تعالى: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح:4] ليس أحد في العالم أشهر من رسول الله صلى الله عليه وسلم, يقول مجاهد في تفسير قوله تعالى: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ قال: [[لا أذكر إلا ذكرت معي]] ويقول الأستاذ علي الطنطاوي: ألا يكفي من شهرته صلى الله عليه وسلم أن منائر مليار مسلم اليوم كلما أذن المؤذن في باكستان أو الهند أو العراق أو المغرب أو السودان يقول: أشهد أن لا إله إلا الله, وأشهد أن محمداً رسول الله, هذا هو الذكر، فذكره صلى الله عليه وسلم بهذا الاسم.

    وذكره الله في القرآن في أربعة مواضع باسمه: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ [الفتح:29] وقال: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [آل عمران:144] وقال: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ [الأحزاب:40] وقال: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ [محمد:2].

    قال: وذكر في الكتب التي جاءت بها الأنبياء؛ كالتوراة والإنجيل بهذا الاسم, وسماه عيسى عليه الصلاة: أحمد, ومن أسمائه أحمد أيضاً, ويسمونه أحمد ولكن اشتهر عند العرب: محمد, فألهم جده أن يسميه بذلك إنفاذاً لأمره.

    وكانت حاضنته أم أيمن بركة الحبشية هي التي تولَّت رعايته وحضانته, وتربيته وملاعبته صلى الله عليه وسلم وهو طفل, وكان إذا عرته من الملابس لتغسله بكى وضم جسمه عليه الصلاة والسلام.

    وهذه أم أيمن استمر بها الحال حتى بعث صلى الله عليه وسلم نبياً، وكان لها ماعز ترعاها, فكان يأتيها في العوالي يزورها من باب حفظ العهد, وأتاها مرة وقد تغيَّب عليها كثيراً، فغضبت وتعتبت، وقالت: هجرتنا ولا تزورنا؟ وعتبت عليه صلى الله عليه وسلم, لأنه أصبح مشغولاً بالعالم, مشغولاً بقضايا الساعة، باليهود والنصارى والمنافقين والعرب، بالجهاد والاقتصاد، بالإدارة والسياسة والتعليم، ولكن وجد فراغاً فزار أم أيمن ووجدها ترعى غنماً لها ما يقارب مائة ماعز, فعتبت عليه، فأخذ يتبسم صلى الله عليه وسلم وما قال شيئاً, والله يقول: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4].

    1.   

    الرضاع ومسيرة الحياة

    وأول من أرضعته ثويبة أمة عمه أبي لهب , هذه ثويبة بشَّرت أبا لهب -لا بشَّره الله إلا بالخزي وقد فعل- فقالت له: ولد لأخيك عبد الله ابن سموه محمداً, قال: أنت عتيقة, فما كان جزاؤه عند الله؟

    جعل الله له سُبحَانَهُ وَتَعَالى عيناً من ماء، وهذا في صحيح البخاري،كلما أتى يوم الإثنين تفجَّرت، فشرب منها في نار جهنم جزاء عتقها, كلما أتى يوم الإثنين تفجرت من راحة أبي لهب عين يشرب منها، لأنه أعتق ثويبة , لكنه كفر بلا إله إلا الله, وأخذ التراب وحثا به على رأس الرسول صلى الله عليه وسلم, وهو الذي قال: تباً لك ألهذا دعوتنا؟ فأنزل الله: تَبَّتْ يَدَا أبي لهب وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ [المسد:1-2].

    وكان من عادة العرب أن يلتمسوا المراضع لمواليدهم في البوادي, ليكون أنجب للولد, وحتى يكون أفصح، وأفصح من يتكلم بالضاد هو رسولنا عليه الصلاة والسلام, ما تلعثم في كلمة, ولا توقف في خطاب وحديث: (أنا أفصح العرب بيد أني من قريش) ليس بصحيح لكن معناه صحيح, فليس هناك رجل أفصح منه صلى الله عليه وسلم, يرتجل الخطبة, ويتكلم في الجماهير, تكلم في الحج في مائة ألف, قالوا: فأوصل الله كلامه حتى بلغ كل أذن والناس في الخيام, وكان إذا صعد المنبر سمع للقلوب حنين من البكاء, حتى يقول شوقي:

    وإذا خطبت فللمنابر هزة      تعرو الندي وللقلوب بكاء

    هذا هو رسولنا عليه الصلاة والسلام, وكانوا يقولون: إن المربى في المدن يكون كليل الذهن، فاتر العزيمة, وهذا أمر ملحوظ، أبناء المدنية إذا ما فتحوا أذهانهم بالعلم والتربية الصحيحة يأتون بلداء أغبياء, ليسو كأبناء القرى, وأحد المؤرخين له كتاب عصري، يقول: إن عظماء العالم والمكتشفين حتى في الغرب كلهم من أبناء القرى, وحتى المشاهير, ليسوا في المدن, والمدن تحبس من قدرة الإنسان وتجعله -إن لم يرحمه ربك- جباناً، والآن انظر إلى ابن المدينة وابن القرية, هذا في الجملة، فترى ابن المدينة بعد صلاة المغرب وهو طفل لا ينزل, ويتخوف من كل شيء, وابن القرية الليل أخوه وهو أخو الليل.

    فالمقصود: ذهب به صلى الله عليه وسلم إلى بني سعد في الطائف , وكانوا من جيران الطائف، وأنتم تعرفون الآن مكان بني سعد, فأخذته حليمة السعدية -مرضعة الرسول صلى الله عليه وسلم- وكان لها ناقة عجفاء، ركبت عليها وأخذت هذا الطفل، من هذا الطفل؟ إنه محمد صلى الله عليه وسلم, أخذته على الناقة وهو ما زال طفلاً -وجلسنا بإذن الله، ثم بدعوته في هذا المكان- أخذته على الناقة عليه الصلاة والسلام وكانت ناقتها عجفاء, فلما ركب صلى الله عليه وسلم الناقة، مشت الناقة على أحسن ما يكون, فلما وصل إلى الديار, قالت: كانت ديارنا ممحلة قحطاء لا عشب فيها ولا لبن ولا ماء, فلما نزل, وصل الغيث بإذن الله, قال: فنبت النبات، وسار الزهر، وحلبوا من اللبن, وذلك فضل الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى, فجاءت نسوة من بني سعد بن بكر يطلبن أطفالاً ليرضعنهم, فكان الرضيع المحمود من نصيب حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية واسم زوجها أبو كبشة , وهو الذي كانت قريش تنسب له رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما يريدون الاستهزاء به، يقولون: هذا ابن أبي كبشة, وقد فعلها أبو سفيان اقترف في عرضه عليه الصلاة والسلام, عند هرقل لما أرسل صلى الله عليه وسلم بعد النبوة -انظر هذا التطور- يصبح صلى الله عليه وسلم من المدينة المنورة عاصمة الإسلام يرسل رسائل يتهدد ملوك الأرض, الإمبراطوري المجرم الدكتاتور هرقل يتهدده صلى الله عليه وسلم، ويروعه فيما بعد بأصحابه, بناصيته وينزله في الأرض، وتحكم دولته بلا إله إلا الله محمد رسول الله, اسمع الرسالة من الرسول صلى الله عليه وسلم، هذا من أوائل أحاديث البخاري: (بسم الله الرحمن الرحيم, من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم, السلام على من اتبع الهدى, أمَّا بَعْد: فأسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فعليك إثم الأريسيين) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران:64].

    وصلت الرسالة عند هرقل , وأقامت له الدنيا وأقعدتها, لأن الخطاب مهدده, بعد الرسالة وهي ثلاثة أسطر فيها خاتم رسول الله: (محمد سطر, ورسول سطر, والله سطر) بعدها جيش جرار يزحف من الجزيرة يحطم تلك الإمبراطورية الظالمة, ماذا فعل هرقل؟

    جمع القساوسة, والبطارقة، والوزراء، والحجاب, واجتمعوا ثم دعا أبا سفيان , وكان أبو سفيان عدواً للرسول صلى الله عليه وسلم آنذاك، وكان مشركاً, لكن كان يبيع ويشتري في الشام , فدعاه وسأله عن الرسول صلى الله عليه وسلم ما يقارب عشرة أسئلة وهي في أول صحيح البخاري , وفي الأخير قال: أخرجوه, فأخرجوه؛ فإذا اللغط قد كثر, قال أبو سفيان: لقد أمِرَ أمرُ ابن أبي كبشة إنه ليخافه ملك بني الأصفر -يقول: هذا الذي عندنا نستهزئ به في مكة أصبحت الدنيا تشتغل به, وأصبح حديث الناس في المجالس وحديث الساعة، نعم.

    قال تعالى: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى [النجم:1-5].

    ودرت البركات على أهل ذاك البيت، كما ذكر الشوكاني عن بعضهم:

    ألا إن وادي الجزع أضحى ترابه      من المسك كافوراً وأعواده رندا

    وما ذاك إلا أن هنداً عشية      تمشت وجرت في جوانبه بردا

    ويقول المتنبي في أحد العظماء:

    وكذا الكريم إذا أقام ببلدة      سال النضار بها وقام الماء

    يقول: الكريم إذا نزل في مكان يسيل الذهب, ويحيي الماء الأرض, وهذا أشرف من يقال فيه الرسول عليه الصلاة والسلام, وكانت مدته للرضاعة صلى الله عليه وسلم التي رضع فيها وبقي في البادية تربو على أربع سنوات عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    حادثة شق الصدر

    شق صدره صلى الله عليه وسلم وهو في البادية, يرعى هو وأخوه من الرضاعة ابن حليمة الآخر البهم, أي: أنه طفل لا يستطيع أن يرعى الغنم, لكن هذا الذي يرعى البهم يرعى الملوك ويرعى الدول, وأصحابه بعد خمسة وعشرين سنة من بعثته حكموا اثنتين وعشرين دولة من دول العالم, ثم بعد ثلاثين سنة دخلوا قرطبة مهللين مكبرين وطاشقند، وتركستان، ونهر الجنج، ووقفوا على مشارف السند يرفعون: لا إله إلا الله محمد رسول الله, هذا هو الذي يرعى الغنم.

    خرج في الصباح يرعى, وحصل له وهو بينهم حادثة مهمة، وهي شق صدره وإخراج حظ الشيطان منه, كل منا فيه مرارة سوداء هي موطن للشيطان, إلا الرسول صلى الله عليه وسلم، فأخرجت المرارة السوداء, أي: أجريت له عملية عليه الصلاة والسلام على أيدي الملائكة، وقطعت هذه المرارة السوداء فلا يأمره الشيطان ولا يقربه أبداً, فأحدث هذا عند حليمة خوفاً فردته إلى أمه، وحدثتها قائلة: بينما هو وإخوته في بهم لنا خلف بيوتنا, إذ أتى أخوه يعدو، وقال لي ولأبيه: ذاك أخي القرشي -يقصد الرسول صلى الله عليه وسلم- قد أخذه رجلان -الملكان- عليهما ثياب بيض -والملائكة دائماً لا تلبس إلا البياض(البسوا البياض وكفنوا فيها موتاكم) - فأضجعاه فشقا بطنه، فخرجت أنا وأبوه نحوه فوجدناه منتقعاً لونه خائفاً عليه الصلاة والسلام مرتعداً من هذا الحادث؛ لأنهم بطحوه في الأرض وشقوا صدره صلى الله عليه وسلم, وما وجد ألماً كأنه أغمي عليه, فلما شق صدره أخذوا -والحديث أصله عند مسلم في الصحيح - المرارة السوداء فقطعوها, وأخذوا قلبه فغسلوه بماء زمزم في طست من ذهب, ثم ردوا صدره, ولا زال وهو في ستين من عمره يرى الصحابة أثر الشق, وأثر هذه العملية في صدره صلى الله عليه وسلم.

    قال: فالتزمته والتزمه أبوه وقلنا له: ما لك يا بني؟ قال: أتاني رجلان عليهما ثياب بيض, فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ -يتأكد الملك من الرسول, أهذا هو المقصود الذي أرسلنا الله إليه؟ قال: نعم. فأقبلا يبتدراني فأضجعاني، فشقا بطني فالتمسا فيها شيئاً فأخذاه وطرحاه ولا أدري ما هو.

    إذاً المسألة مقصودة من زمان, حتى وهو حمل في بطن أمه.

    وعيسى عليه السلام كان يكلم النصارى به قبل مئات السنوات، يخبرهم أنه سوف يبعث في العالم، وسوف يكون خاتم الرسل عليه الصلاة والسلام, وسوف ينقذ به الله الأمة من الضلالة، هذا هو صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    حياة النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاة أمه

    اليتم يتدحرج معه صلى الله عليه وسلم, مات أبوه وأمه به حاملة, فلما نزل في الأرض ماتت أمه, فكفله جده, فمات جده, فكفله عمه, فمات عمه فالتفت إلى خديجة فماتت خديجة , لماذا؟ يقول بعض العلماء: حتى ينفصل صلى الله عليه وسلم عن كل ما سوى الله وتكون صلته بالواحد الأحد: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد:19] فهذه صلة الرسول صلى الله عليه وسلم بالله تبارك وتعالى.

    ثم إن أمه أخذته من حليمة وتوجهت به إلى المدينة لزيارة أخوال جده بني النجار وكانوا يحبونه لما هاجر صلى الله عليه وسلم, لأنهم أخوال جده, خرجوا من كل قبيلة من الأنصار كانوا ما يقارب ثمان قبائل خرجت كل قبيلة بالسيوف والرماح يعرضون ويرفعون السيوف ويقولون:

    طلع البدر علينا     من ثنيات الوداع

    وجب الشكر علينا     ما دعا لله داع

    أيها المبعوث فينا     جئت بالأمر المطاع

    جئت شرفت المدينة      مرحباً يا خير داع

    فكان يبتسم ويحييهم وهو على الناقة صلى الله عليه وسلم, ويريدون أن يأخذوا زمام الناقة حتى يتشرفوا بضيافته, فيقول: (دعوها فإنها مأمورة) اتركوها حتى تنيخ هي في مكان يناسبها.

    فسبحان الله! أراد أن يجبر خواطر أخوال أبيه فتركت الناقة كل بيت في الأنصار، وذهبت إلى بني النجار, فخرجت جواري الأنصار تقول:

    نحن جوار من بني النجار     يا حبذا محمد من جار

    فنزل عليه الصلاة والسلام يحيهم، ونزل عند أبي أيوب الأنصاري، وبينما أمه عائدة أدركتها منيتها في الطريق فماتت بـالأبواء , وكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا مر بالأبواء يستأذن ربه أن يزور قبر أمه؛ لأنها ماتت فأذن له -وقد ثبت كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة - قال: (استأذنت ربي أن أزور أمي فأذن لي، واستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي) فزارها صلى الله عليه وسلم وبكى وأبكى.

    كنز بحلوان عند الله نطلبه     خير الودائع من خير المؤدين

    كفالة عبد المطلب النبي صلى الله عليه وسلم

    فحضنته أم أيمن بعد أن ماتت أمه، وكفَّله جده عبد المطلب سيد قريش الذي لا يتكلم أحد إذا كان موجوداً, وإذا أراد أحد من قريش أن يتكلم يستأذنه في الحديث, وهو الذي قابل أبرهة الأشرم يوم هجم على مكة عام الفيل, وكان سيداً مطاعاً كهالة القمر, والرسول في الحروب كان إذا فر أصحابه لا يفر هو صلى الله عليه وسلم، كان يأخذ السيف، ويقول:

    أنا النبي لا كذب     أنا ابن عبد المطلب

    والبردوني شاعر اليمن يحيي الرسول صلى الله عليه وسلم في قصيدةٍ له، ويقول:

    في كفه شعلة تهدي وفي دمه      عقيدة تتحدى كل جبار

    نحن اليمانين يا طه تطير بنا     إلى روابي العلا أرواح أنصار

    إذا تذكرت عماراً وسيرته      فافخر بنا إننا أحفاد عمار

    هذا رسولنا صلى الله عليه وسلم كان يمتدح بجده هذا في المعارك, وهو الذي قابل أبرهة وهو مرتفع على سرير، وقد أراد اجتياح مكة، وقتل الأطفال واحتلال البيت, فنزلوا -وتعرفون قصة أصحاب الفيل- لقيه عبد المطلب وعندما أقبل عبد المطلب رأى عليه هالة كالقمر فنزل أبرهة إلى الأرض إكراماً لـعبد المطلب , ثم قام هو وإياه وأجلسه بجانبه على الكرسي, قال: ماذا تريد؟ ظن أنه يشفع في البيت، وأنه يشفع في الحرم, قال: أريد الإبل، عندي مائة ناقة أخذتها أنت وجيشك, قال: ظننت أنك عاقل، وظننت أنك سوف تسألني حماية البيت وتسألني الإبل؟ قال عبد المطلب: أما الإبل فأنا ربها، وأما البيت فله رب يحميه, فأعطاه الإبل فأخذ عبد المطلب الإبل وأدخلها مسارحها, ثم أتى إلى البيت فلزم باب الكعبة وقال:

    لاهم إن المرء يمنع      رحله فامنع رحالك

    لا يغلبن صليبهم      ومحالهم أبداً محالك

    انظر إلى الفصاحة! يقول: يا رب! الرجل يعدون على بيته فيحمي بيته، ويغضب على بيته، أما أنت فبيتك هذا لا نستطيع أن نمنعه, لأن معه جيشاً جراراً وهو من القوة العالمية الموجودة، أبرهة الأشرم , قائد الكتائب والذي معه أحابيش, لا يخافون الموت, ومعه من طوابير اليمنيين وطوابير العرب ما الله به عليم، لا تقف قريش ولا قبائل العرب تجاهه, بل سحق القبائل في طريقه, فأتى عبد المطلب قال:

    لاهم إن المرء يمنع      رحله فامنع رحالك

    لا يغلبن صليبهم      ومحالهم أبداً محالك

    وأخذ يبكي، ثم أخذ الأطفال والنساء وقال: اخرجوا على الجبال فإنه سوف تأتي أمور, كأنه متوقع, وهذا من فضل الله عز وجل أن تأتي الغارات والناس قد أخرجوا من الملاجئ, فخرجوا فلما أصبحوا في رءوس الجبال, رفع أصحاب قريش أكفهم إلى الله, والله يذكرهم بعد ما كذبوا: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا [القصص:57] أما حميناهم من الهجوم الكاسح من أبرهة؟ أما أطعمناهم؟ لماذا لا تقولون: لا إله إلا الله؟ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش:4] لكن ما قدروا نعمة الله.

    وفي الضحى أرسل الله عز وجل طيراً أبابيل، قال ابن عباس: خرجت من البحر, يقول: القواعد التي أتى منها هذا الهجوم لا ندري من أين أتت؟ وقال بعضهم كـأبي: لا. أتت من السماء, وقال بعضهم: لا. بل أتت من المشرق.

    دعها سماوية تجري على قدر     لا تفسدنها برأي منك منكوس

    والله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى إذا أراد زلزلهم أو أرسل عليهم ريحاً أو حريقاً، لكن انظر هذا الجيش العرمرم الذي يحمل السيوف، ويحمل كل ما جادت به قرائحه في تلك اللحظة, أرسل الله عليه طيراً أبابيل, يقولون: مكتوب على كل قذيفة اسم من ترميه من الجنود، فلان بن فلان! إذا كانت للضابط لا ترمي الجندي, الحبشي لا ترمي اليمني, كل واحد موسم, وكانت صغيرة مثل الحمص, قال تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ [الفيل:1] يخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم, أسمعت ما فعلنا بأصحاب الفيل في الغارة؟

    هذا مولده صلى الله عليه وسلم كان في عام الفيل أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ [الفيل:2-4] ولأهل العلم مبحث, هل كل واحدة ألقت قذيفتها فقط وعادت أم لا؟ والصحيح أن كل واحدة ألقت حبة ورجعت, أي: من كثرتها ظللت مكة , ثم ألقت حمولتها مرة واحدة, فقتلتهم شر قتلة.

    زيارة النبي صلى الله عليه وسلم قبر أبيه مع أمه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: ثم إن أمه أخذته منها -أي: من حليمة السعدية - وتوجهت به إلى المدينة لزيارة أخوال جده بني النجار, وبينما هي عائدة أدركتها منيتها في الطريق، فماتت في الأبواء , فحضنته أم أيمن وكفله جده عبد المطلب , ورق له رقة لم تعهد له في ولده؛ عندما كان يظهر عليه من أن له شأناً عظيماً عليه الصلاة والسلام, فإنه من صغره صلى الله عليه وسلم تبين فيه علامات تدل على أن هناك له شأن عليه الصلاة والسلام, وسوف يكون له خبر، وما أعظم من خبره صلى الله عليه وسلم عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ [النبأ:1-2] والنبأ العظيم هو مبعثه صلى الله عليه وسلم, وكان يكرمه غاية الإكرام, ولكن لم يلبث عبد المطلب أن توفي بعد ثمان سنوات من عمر الرسول صلى الله عليه وسلم.

    كفالة أبي طالب النبي صلى الله عليه وسلم

    لقد كفل النبي صلى الله عليه وسلم شقيق أبيه، أبو طالب , الذي مات مشركاً, وحاول عليه الصلاة والسلام أن يهديه إلى الله عز وجل, ولكن سبق الكتاب، قال تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ القصص:56].

    وأبو طالب كان يدافع عن الرسول صلى الله عليه وسلم, وهو صاحب القصيدة المشهورة في وصف الرسول صلى الله عليه وسلم والتي يقول فيها:

    وأبيض يستسقىالغمام بوجهه     ثمال اليتامي عصمة للأرامل

    فكان له رحيماً، وعليه غيوراً, ويذكر في السيرة أن أبا طالب لما أتاه كفار قريش، وقالوا: يا أبا طالب! إن ابن أخيك سب آلهتنا، وشتمنا، وسفَّه أحلامنا, فإن كان ابن أخيك مطبوباً -أي: مسحوراً- داويناه, وإن كان يريد ملكاً ملَّكناه, وإن كان يريد مالاً جمعنا له مالاً, وإن كان يريد زوجة زوجناه بأحسن فتاة في مكة , فقال أبو طالب للرسول عليه الصلاة والسلام هذا الكلام, قال: {يا عم! والذي نفسي بيده، لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه} قال: وكان أبو طالب مقلاً من المال, فبارك الله له في قليله, وكان الرسول صلى الله عليه وسلم في مدة كفالة عمه مثال القناعة والبعد عن السفاسف التي يشتغل بها الأطفال عادة, كما روت ذلك أم أيمن حاضنته, لأنه صلى الله عليه وسلم كان مرشحاً لهداية الناس لرب العالمين, وبالفعل تم هذا, ولم تأخذ عليه الصلاة والسلام صبوة ولا انحراف في خلقه ولا في سلوكه, فكان إذا أقبل وقت الأكل، جاء الأولاد يختطفونه وهو قانع بما سييسره الله له.

    1.   

    السفر إلى الشام

    هذا أول سفر يخرج فيه صلى الله عليه وسلم من مكة إلى خارج مكة , ولما بلغ سنه اثنتي عشر سنة أراد عمه وكفيله السفر بتجارة إلى الشام فاستعظم الرسول صلى الله عليه وسلم فراقه, فرقَّ له وأخذه معه, يقول: دمعت عينا الرسول صلى الله عليه وسلم لما أراد أبو طالب أن يسافر، لأنه ما زال طفلاً وليس له من يرق عليه من مكة إلا أبو طالب , وخاف أن يفقده, وهناك قصيدة لأبي ريشة منها:

    يا عم لا تدعني هنا وحدي     مالي سواك من مفضال

    فتلقاه بالدموع وسارت      بهم الخيل في شعاب التلال

    فأخذه معه في هذه الرحلة وهي الأولى, ولم يمكثوا فيها إلا قليلاً، وقد أشرف على رجال القافلة وهم بقرب بصرى، وهي قرية في الشام وقيل: في أطراف العراق , وبحيرا الراهب نصراني له صومعة, فسألهم عما رآه في كتبهم -وهذه القصة نبَّه الذهبي على أن بلالاً لم يكن في القافلة؛ لأن بعض أصحاب السير يقولون: كان بلال مع الرسول صلى الله عليه وسلم, والصحيح أنه لم يكن معه, لأن بلالاً آنذاك ربما لم يكن قد قدم من الحبشة - فسألهم عما رآه في كتبهم المقدسة, من بعثة نبي من العرب في هذا الزمن, لأنهم كانوا يقرءون في التوراة والإنجيل خبره عليه الصلاة والسلام, فقالوا: إنه لم يظهر الآن, وهذه العبارة كثيراً ما كان يلهج بها أهل الكتاب من يهود ونصارى قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم: فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ [البقرة:89] وكان اليهود يخبرون بصفات الرسول عليه الصلاة والسلام, وأنه أحمر أو أبيض مشوب بحمرة، أقنى الأنف، ربعة من الرجال، وأنه سوف يخرج إلى أرض ذات حرتين, يقصدون المدينة , فلما خرج صلى الله عليه وسلم ورأوا أوصافه كانوا يتوقعون، وكان يتمنون أن يكون من اليهود, فلما كان من العرب حسدوه, لأن أكثر الأنبياء من اليهود, حسدوه عليه الصلاة والسلام وكذَّبوه, وما أسلم منهم إلا أربعة أو خمسة، والبقية كفروا حسداً وبغياً من عند أنفسهم.

    1.   

    حرب الفجار

    سميت حرب الفجار بهذا الاسم لكثرة ما وقع فيها من فجور, ولكثرة ما استحل فيها من المحارم, وهي وقعت بين قبيلتين من العرب بين قريش وكنانة من جهة، وبين قيس, وكان موقعها قريباً من سوق عكاظ , ويأتي سببها, وقد حضرها عليه الصلاة والسلام وذلك قبل أن يبعث.

    ولما بلغ عليه الصلاة والسلام سنة عشرين حضر حرب الفجار، وهذه الحرب كانت بين كنانة ومعها قريش، وبين قيس, وسببها: أنه كان 1000200>للنعمان بن منذر

    ملك العرب بـالحيرة تجارة يرسلها كل عام إلى سوق عكاظ لتباع له, هذا النعمان بن المنذر ملك من العرب؛ لكنه يتبع كسرى, فكسرى كان يتملك حتى على العرب, ذلك المجرم الدكتاتور الإمبراطور الفاجر، كان يحكم العرب قبل مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم, فما الذي حررنا؟

    ومن الذي أعتق رقابنا بإذن الله؟ من الذي رفع رءوسنا؟

    إنه هذا الدين ثم رسالة الرسول عليه الصلاة والسلام.

    هذا النعمان كان له يومان: يوم عفو ويوم قتل, فمن أتاه في العفو عفا عنه وأكرمه وأعطاه جائزة, ومن أتاه في يوم غضبه قتله, والنابغة الذبياني يُروى أنه نال من عرض النعمان بن المنذر، فوشي به إلى النعمان فأقسم النعمان أن يذبح النابغة هذا, فقال فيه قصيدة من أبدع ما يقال, يقول فيها:

    أبيت اللعن أنك لمتني      وتلك التي أهتم منها وأنصب

    فبت كأن العائدات فرشن لي     فراشاً به يغلو فراشي ويقشب

    ثم يقول:

    حلفت فلم أترك لنفسك ريبة      وليس وراء الله للمرء مذهب

    فإنك شمس والملوك كواكب     إذا طلعت لم يبد منهن كوكب

    فعفا عنه، هذا النعمان كان له تجارة يرسلها إلى سوق عكاظ , وكان يرسلها في أمان رجل ذي منعة وشرفٍ في قومه ليجيزها, فجلس يوماً وعنده البراض الكناني وهو فاجر من فجار العرب وخليع وماجن, وكان فاتكاً خليعاً، خلعه قومه لكثرة شره, وكان عند النعمان، عروة بن عتبة الرحال , قال: من يجيز لي تجارتي هذه حتى يبلغها سوق عكاظ؟ فقال البراض: أنا أجيزها على بني كنانة, فقال النعمان: إنما أريد من يجيزها على الناس كلهم, فقال عروة بن عتبة الرحال: أبيت اللعن -هذه كلمة تستخدم بين يدي الملوك, أي: أعوذ بالله أن أبوء بلعنة الملك- أكلبٌ خليع يجيزها لك؟ يقصد عروة بن عتبة الرحال: البراض - أنا أجيزها على الشيح والقيصوم من أهل نجد وتهامة , فقال البراض: أو تجيزها على كنانة يا عروة بن عتبة الرحال؟

    قال: وعلى الناس كلهم, فأسرَّها في نفسه وتربص به, فلما خرج عروة بن عتبة الرحال ذبحه البراض , فاختصمت العرب، وأتت بين دائرة وتواعدوا, قريش وكنانة في صف وقيس في صف, واجتمعوا في سوق عكاظ، ثم تواعدوا العام المقبل أن يجتمعوا, فاجتمعوا في مكان, وقد خرجت قريش يقودها حرب بن أمية والد أبي سفيان , وكان الرسول صلى الله عليه وسلم عمره عشرين سنة, حضر معهم ومع كنانة ومع أعمامه, لأن أباه قد توفي كما سلف, فلما حضر صلى الله عليه وسلم كان يعطي الأسهم لأعمامه، فاقتتلت العرب مقتلة ما سمع التاريخ بمثلها, وفي الأخير اصطلحوا وأديوا قتلاهم, وانتهى إلى هذا الحد، وقد حضرها صلى الله عليه وسلم، وهي من أشأم الحروب في حياة العرب.

    1.   

    حلف الفضول

    بعد أن انتهت المعركة, اجتمعت قريش في دار عبد الله بن جدعان التميمي وهو من قريش, وعبد الله بن جدعان أمره عجيب، كان فقيراً, ولم يدرك الإسلام, كان فقيراً لا يملك شيئاً, ذهب إلى عرفة يرعى غنماً له, فوجد كنوزاً من الذهب والفضة, فادخرها وكان يطعم العرب من أجل أن يقال: كريم, وقد قيل في صحيح مسلم: أن الرسول صلى الله عليه وسلم سألته عائشة تقول: (يا رسول الله! عبد الله بن جدعان كان يطعم الجائع، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق، هل ينفعه ذلك عند الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: لا يا عائشة إنه لم يقل يوماً من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين) ما مرت به لحظة قال فيها: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين, ومات كافراً, ولما قتل أبو جهل في بدر كان رأسه مقطوعاً وما عرفوا جثته, قال صلى الله عليه وسلم: (التمسوا جثته -بقية الجسم- قالوا: يا رسول الله! هل له علامة؟ قال: نعم. جرح في ركبة أبي جهل تصارعت أنا وإياه ونحن شباب على مائدة عبد الله بن جدعان فصرعته على الأرض، ففيه جرح) وكان قريباً من سنه صلى الله عليه وسلم، لكن انظر! هذا كان محرر العالم، وذاك كان فرعون هذه الأمة, فأتوا به فوجدوا الجرح في ركبته.

    هذا عبد الله بن جدعان مدحته العرب بأحسن المدائح, ويقول فيه أمية بن أبي الصلت:

    أأذكر حاجتي أم قد كفاني     حباؤك إن شيمتك الحباء

    إذا أثنى عليك المرء يوماً      كفاه من تعرضه الثناء

    فاجتمعوا في بيت عبد الله بن جدعان التميمي، وكان صلى الله عليه وسلم قد حضر معهم الاجتماع, وهذا من أحسن الاجتماعات في الجاهلية, وكان المتحالفون هم: بنو هاشم، وبنو المطلب بن عبد مناف، وبنو أسد بن عبد العزى، وبنو زهرة بن كلاب، وبنو تيم بن مرة, تحالفوا وتعاقدوا على ألا يجدوا بـمكة مظلوماً إلا رفعوا الظلم عنه, والسبب في ذلك: أن تاجراً من تجار اليمن أتى فاستلب تجارته أهل مكة وسرقها رجل منهم، فأتى إلى الناس، قال: من يجيرني يا أيها الناس؟ فما أجاروه, قال: سلبت تجارتي من يعطيني الدين؟ فرفضوا أن يعطوه, فقام عبد الله بن جدعان ومن معه، وقالوا: نحن نجيرك، ثم اجتمعوا في حلف الفضول في بيت عبد الله بن جدعان , وكتبوا بينهم عهداً أنَّ من وجدوه مظلوماً أن يرفعوا عنه الظلم وأن يردوا مظلمته، وكان هذا من أحسن العقود التي شهدها صلى الله عليه وسلم, قال: (لقد شهدت مع عمومتي حلفاً في دار عبد الله بن جدعان ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت) يقول: تلك الليلة التي حضرت فيها، وحضرت هذا الميثاق، ما أريد أن لي بذلك حمر النعم, وهذا يسمى حلف الفضول عند العرب, وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم مبعوث بمكارم الأخلاق، وهذا منها، وقد أقر دين الإسلام كثيراً منها, وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (بعثت بمكارم الأخلاق) فحديث فيه نظر, وفي سنده كلام.

    1.   

    رحلته إلى الشام المرة الثانية

    ولما بلغ سنه صلى الله عليه وسلم خمساً وعشرين سنة سافر إلى الشام للمرة الثانية, وذلك أن خديجة بنت خويلد الأسدية كانت تاجرة, وكان عندها مال، وتوفي عنها زوجها, وكان عمرها أربعين سنة, فالتمست شاباً في مكة يستطيع أن يقوم بالتجارة، وأن يبيع ويشتري لها ويكون أميناً، فما وجدت إلا الرسول عليه الصلاة والسلام, وكانوا يسمونه الصادق الأمين, وكانت ودائعهم عند الرسول عليه الصلاة والسلام, ولذلك يقول الوليد بن المغيرة لما اجتمعوا في ليلة سمر، لما بعث الرسول صلى الله عليه وسلم بلا إله إلا الله محمد رسول الله, قال كفار قريش: تعالوا نبحث لنا عن عيب وعن عار نلحقه بهذا الرسول، حتى يتسامع العرب أن فيه كذا وكذا، فلا يقبلون دعوته, فاجتمعوا وقالوا: ساحر, قال الوليد: لا يصلح هذا, قالوا: نرى أنه مجنون, قال: لا يصلح, قالوا: خائن, قال: كيف كنا نستأمنه وهو في الخامسة والعشرين من عمره، فلما ظهر الشيب في صدغيه -أي: أصبح في الأربعين- نقول: خائن؟ والله سُبحَانَهُ وَتَعَالى يرد عليهم: وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ [التكوير:22] بل كان أصدق الناس وأعظمهم أمانة، وكانت الودائع عنده صلى الله عليه وسلم.

    فاستأجرته خديجة، فذهب صلى الله عليه وسلم في التجارة، فكانت من أحسن السفرات, التي سافروا فيها للتجارة في تلك الفترة, لأن الرسول صلى الله عليه وسلم بينهم, وهذه بركته صلى الله عليه وسلم, وربحوا ربحاً عظيماً، ثم لما أتى عرضت خديجة نفسها على هذا السيد الكريم صلى الله عليه وسلم، فتزوجها، وكان الذي خطب الخطبة أبو طالب سيد قريش -وحضر أبو طالب فقال: الحمد الله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل وضئضيء معد، وعنصر مضر، وجعلنا حفظة بيته, وسواس حرمه، وجعله لنا بيتاً محجوجاً، وحرماً آمناً، وجعلنا حكاماً على الناس -فقريش سادة في الجاهلية، وسادة في الإسلام- ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يعدل به رجل شرفاً ونبلاً وفضلاً -يقول: ائتوني برجل يعادله من شباب مكة فلا تجدون- وإن كان في المال قل، فإن المال ظل زائل، وأمر حائل، وعارية مستردة، يقول: إذا كان قليل المال فالمعذرة، فإن المال لا يثبت بل ينتهي والمال عارية والمال يذهب, ولا تبقى إلا الرسالة.

    والرسول صلى الله عليه وسلم بقي فقيراً حتى مات, أتباعه فتحوا ثلاثة أرباع الدنيا، وبقي صلى الله عليه وسلم فقيراً حتى مات, تصور مثلاً: عبد الملك بن مروان بعد مبعثه صلى الله عليه وسلم بسنوات تولى الخلافة، وكان يحكم اثنتين وعشرين دولة عربية وغير عربية, أي: أن الجامعة العربية الآن ودولها كانت جزءاً من حكومة عبد الملك بن مروان الذي هو من التابعين للرسول صلى الله عليه وسلم, ومع ذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لما أتاه مرض الموت كان له حصير من خصف, ووردت رواية: أن ملكاً آتاه، قيل: جبريل وقيل: غيره، معه مفاتيح جبال الدنيا ذهباً, فقال: يا محمد! خذ هذه مفاتيح جبال الدنيا ذهباً, قال: (بل الرفيق الأعلى, بل الرفيق الأعلى, بل الرفيق الأعلى من الجنة) فقالت: عائشة خيرت واخترت يا رسول الله- ثم أخبر بالمهر وقال كذا, وعلى ذلك تم الأمر وكانت خديجة متزوجة قبله بـأبي هالة، توفي عنها ولها منه ولد اسمه هند بن أبي هالة وهو ربيب المصطفى صلى الله عليه وسلم, ولما تزوج خديجة كانت عاقلة، وكانت من أفصح النساء, وهي التي شدت من قلبه صلى الله عليه وسلم, وواسته في الأزمات, وكان يشكو إليها جراحه وآلامه ولوعته وحرقته, وما وجده من نكال وعذاب, حتى يوم أتى من غار حراء يرتجف صلى الله عليه وسلم, فقال: (خشيت على نفسي قالت: كلا والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الحق) ونزل جبريل مرة, فقالت: من هذا؟ قال: (هذا جبريل يقرئك السلام، ويبشرك ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب) والبيت في الجنة من قصب، من لؤلؤ مجوف لا صخب فيه ولا نصب, وكان صلى الله عليه وسلم إذا التجأ إلى شيء قطع الله هذا الشيء، ليلتجئ إلى الله, مات أبوه وهو في بطن أمه ماتت وهو طفل, فالتجأ إلى جده فمات جده, فالتجأ إلى عمه فمات عمه, فالتجأ إلى خديجة فماتت خديجة , لتبقى صلته بالواحد الأحد.

    1.   

    بناء البيت

    ما زلنا في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم والذكريات الأولى قبل البعثة، وما زلنا في سن شبابه صلى الله عليه وسلم.

    قال: ولما بلغ سنه عليه الصلاة والسلام خمساً وثلاثين سنة جاء سيل جارف، فصدع جدارن الكعبة, هدمها من كل ناحية، وهي كانت رضيمة من الحجارة قامة الإنسان فقط, وبناء إبراهيم كان زائداً اختصروا النباء لأنهم قلَّت بهم النفقة.

    فما استطاعت قريش أن تبني على المكان الذي بنيت عليه الكعبة، فاختصروا الكعبة اختصاراً مشيناً, فلما هدمت الكعبة وقع الحجر الأسود بعيداً, والحجر الأسود نزل من الجنة أبيض كاللبن, فسودته خطايا بني آدم, ولا يستلمه مسلم بصدق إلا أنطقه الله بلسان يوم القيامة، كما في الأثر الصحيح، وله عينان يشهد لمن استلمه بحق يوم العرض الأكبر, وهو خرج من ياقوتة بيضاء من الجنة, وتجده أملس, ولعلكم يوم تقبلونه تجدون فيه ضروب ثلاثة, هذه الضروب الثلاثة، ضربها أبو جناب القرمطي عليه لعنة الله, كان عنده دبوس من حديد، وأتى بالحرس وقتل الحُجاج في الحرم وقال:

    أنا بالله وبالله أنا      يخلق الخلق وأفنيهم أنا

    ثم أخذ الحجر الأسود فضربه ثلاث ضربات بالدبوس، كالفأس, فشج الحجر الأسود, ثم اقتلع الحجر الأسود وحمله إلى القطيف , جهة الأحساء وبقي وجلس هناك فترة, والعجيب أنه لما حمله، كان الجمل الأول يموت, فأعطاه جملاً ثانياً فمات في الطريق, إلى أن مات سبعمائة جمل, ولما ردوه كفاه جمل واحد حتى رجع.

    المقصود: هدمت الكعبة، فأتوا يبنونها, فلما أتوا إلى الحجر الأسود، أتت بنو هاشم أسرة الرسول صلى الله عليه وسلم, فسلوا السيوف في الصباح، وقالوا: والله لا يرفع الحجر الأسود إلى مكانه إلا بنو هاشم, من هي أشرف أسرة في الكرة الأرضية؟

    بنو هاشم, لا يوجد أشرف منهم في العرب, لا العرب ولا العجم ولا الترك ولا البربر, فأتوا جميعهم وكانوا ما يقارب مائة رجل، فتعاقدوا على ألاَّ يرفع الحجر الأسود إلا هم, فأتى بنو أمية بنو العمومة وهم ما يقارب مائة رجل، وقالوا: لا يرفع الحجر إلا نحن, وأتت بنو زهرة وبنو سهم حتى اجتمعت الأسر، كلها في طرف الحرم, تعاقدوا وتعاهدوا لا يرفع الحجر إلا هم, وفي الأخير أتى بنو هاشم بصحفة رحراح، من أعواد فملئوها دم ناقة، قالوا: ضعوا أيمانكم نتعاهد ونتعاقد على الموت، لا يرفع الحجر إلا نحن, لأن المسألة فيها خطورة؛ لأن هذا يسمى مصيراً ومستقبلاً, فقام أمية بن المغيرة عم خالد بن الوليد وكان شيخاً في الثمانين, وقال: يا معشر قريش! خفضوا أصواتكم, فخفضوا أصواتهم, قال: ضعوا سيوفكم, فوضعوها, قال: أترضون أن نحتكم إلى أول من يدخل من باب بني شيبة؟ قالوا: رضينا, قال: أول من يدخل من الناس نحتكم إليه, وما هي إلا لحظات، وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليهم, والرسالة لم تنزل عليه آنذاك, وكان عمره آنذاك خمساً وثلاثين سنة, وكان أجمل الناس! كان وجهه كالقمر!

    لو لم تكن فيه آيات مبينة      لكان منظره ينبيك بالخبر

    فشق الصفوف، والسيوف على الأرض، والناس تقطر عيونهم دماً أحمراً ينتظرون الموت, فقال: ماذا؟ فأخبروه الخبر, فأخذ رداءه الشريف عليه الصلاة والسلام، ووضعه في الأرض، وأخذ الحجر الأسود فوضعه على الرداء, وقال: ليقم بنو هاشم بهذا الطرف, وبنو زهرة هنا, وبنو أمية وبنو تميم وبنو كعب حتى عدَّد بطون مكة , فقام واحد من كل أسرة، فرفعوا الحجر حتى حاذوا به مكانه، فأخذه صلى الله عليه وسلم فرده مكانه, لأن الله لا يريد أن يرد الحجر الأسود إلا باليد الشريفة التي لم تلطخ بدم ولم تسرق ولم تخن, فوضعه عليه الصلاة والسلام, وتم البناء, وهذه قصة الحجر، قال سبحانه: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً [آل عمران:96-97].

    1.   

    معيشته عليه السلام قبل البعثة

    لم يرث عليه الصلاة والسلام من أبيه ميراثاً لا درهماً ولا ديناراً, مات أبوه فقيراً, وكان صلى الله عليه وسلم فقيراً محوجاً, لا يملك الثوب إلا في السنة, كان عليه من السنة إلى السنة ثوب واحد, ومع ذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم يظهر جسمه كالديباج يقول أنس: (صافحت الرسول صلى الله عليه وسلم، فوالله ما مسست حريراً ولا ديباجاً ألين من كفه, وشممت عرقه صلى الله عليه وسلم، فوالله ما شممت مسكاً ولا عبيراً أحسن وأزكى من رائحته عليه الصلاة والسلام).

    كفله عمه أبو طالب وكان أبو طالب عنده أطفال كثير, وكان فقيراً, فأخذ صلى الله عليه وسلم يرعى الغنم لـابن أبي معيط على حفنة من تمر, وما من نبي إلا رعى الغنم, وهذه من حكمة الله أن يرعى الغنم, قال أهل العلم: في رعاية الغنم مسائل منها:

    1- أن رعاية الغنم تكسب الإنسان رقة وانكساراً وتواضعاً, فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أشد الناس تواضعاً.

    2- ومنها: أنها تعلمه سياسة الناس، وتدبير شئون الناس, ولذلك دبَّر صلى الله عليه وسلم شئون الناس.

    3- ومنها: أنها من أحسن الكسب، فليست كالتجارة التي قد يدخلها الحلف أو الربا.

    فامتن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى بهذا بعد أن أغناه، قال: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى [الضحى:6-8] وكان صلى الله عليه وسلم يخبر دائماً أنه رعى الغنم, وما من نبي إلا رعى الغنم, ولما بعث صلى الله عليه وسلم أتاه وفود العرب, وكان كثير من الصحابة يقومون على رأسه بالسيوف المصلتة، فأتاه ملك من الملوك؛ فأخذ يهتز هذا الملك ويرتعش من هيبة الرسول صلى الله عليه وسلم, قال: (هوِّن عليك، فإني ابن امرأة كانت تأكل القديد بـمكة , وكنت أرعى الغنم قبل النبوة) يقول: لا تخف, وهذا من شدة تواضعه عليه الصلاة والسلام ورحمته.

    يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى عن السيرة الأولى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى:52] ولولا الله عز وجل ثم مبعثه عليه الصلاة والسلام كانت أنوف الأمة في التراب، وما كانت تعرف حضارة ولا مستقبلاً ولا رقياً ولا ازدهاراً وما كان لها تاريخ.

    تاريخنا من رسول الله مبدؤه     وما عداه فلا ذكر ولا شان

    ويقول أحدهم:

    في كفه شعلة تهدي وفي دمه      عقيدة تتحدى كل جبار

    1.   

    سيرته عليه الصلاة والسلام في قومه قبل البعثة

    هذه سيرته صلى الله عليه وسلم, ولما أخذته حليمة السعدية وكان طفلاً، كانت تدخله في الخيمة في الليل, وكانوا في بادية بني سعد في نواحي الطائف , فكان يخرج وينظر إلى النجوم متفكراً عليه الصلاة والسلام, من أبدع النجوم؟ من خلقها؟ من سوَّاها؟ من رفعها؟

    ويقول كما في صحيح مسلم: (إني لأعرف حجراً في مكة كان يسلم عليّ بالنبوة قبل أن أبعث) كان يمر يرعى الغنم، فإذا مر بحجر في الطريق, قال الحجر: السلام عليك يا رسول الله, هذا قبل أن يبعث عليه الصلاة والسلام, إلى غير ذلك من أخباره العظيمة.

    بل جعل ابن تيمية من أعظم دلائل نبوته: أنه عاش ثلاثاً وستين سنة ما كذب كذبة، ولا خان خيانة، ولا فحش ولا بدرت منه بادرة, بل كان على السداد حتى لقي الله عز وجل.

    هذه قطاف من سيرته صلى الله عليه وسلم, وأزيد مسألة وهي أنه ما شرب الخمر في مستقبل حياته أبداً, لم يشرب كأساً واحداً, وكفار قريش كانوا يشربون كلهم الخمر, وكانوا يعاقرون الخمر عند الحجر الأسود, أما هو فعصمه الله من شرب الخمر، ولا سجد لصنم أبداً, ويقول صلى الله عليه وسلم وهو يذكر حياته وذكرياته الأولى، يذكر ذلك لزملائه ولأصحابه بعد أن بعث بالرسالة يقول: كان في بيت آل فلان عرس -وهو يرعى الغنم، وهو شاب صلى الله عليه وسلم - قال: فسمعنا طرباً -معناه: حفلة شعبية, زيراً -وكمنجة ووتر وعود وأهل مكة كانوا أهل طرب- قال: فقال لي أحد الرعاة: أمسك عليك غنمك، وتذهب لتسمع وتحضر، ثم تمسك غنمي وأذهب وأسمع وأحضر, قال صلى الله عليه وسلم: لا بأس, فأمسك الرجل غنم الرسول صلى الله عليه وسلم، وذهب صلى الله عليه وسلم فلما اقترب ألقى الله عليه النوم في الطريق فما استفاق إلا من حرارة الشمس وما سمع صوتاً ولا حضرها؛ لأن الله أراد أن يسدده ليكون رسولاً للعالم، ولذلك ما وجدوا فيه مدخلاً بل تكلموا بكلام ليس له أساس من الصحة, فزاده الله عز وجل بذلك شرفاً ومكانة.

    1.   

    ما أكرمه الله به قبل النبوة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: أول ما منحه الله، ما حصل له من البركات على آل حليمة الذي كان مسترضعاً فيهم, فلقد كان قبل حلوله بناديهم مجدبين, فلما صار بينهم نزل عليهم الغيث، بأمر الله وبإذنه سُبحَانَهُ وَتَعَالى, فالله سُبحَانَهُ وَتَعَالى هو الذي ينزل الغيث ويكشف ما بالناس, وهو الذي يقدر سُبحَانَهُ وَتَعَالى، ولكن قد يرحم الله كثيراً من الناس ببعض الناس, فلبركته عليه الصلاة والسلام رحم أهل البادية الذين سكن معهم صلى الله عليه وسلم كما سلف معنا, وأغاثهم الله عز وجل, فأصبحوا في نعيم مقيم, يقول البوصيري:

    وإذا سخر الإله سعيداً     لأناس فإنهم سعداء

    البوصيري مصري له منظومات لكن لاحظ عليه العلماء المبالغة في مدحه عليه الصلاة والسلام, وله نهج البردة التي يقول فيها من ضمن أبياتها:

    يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به     سواك عند حدوث الحادث العمم

    إن لم تكن في قيامي آخذاً بيدي      فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم

    وهذا شرك, يخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم, ويقول: ما لي من ألوذ به يا رسول الله إلا بك, وهذا خطأ وشرك في المعتقد, بل الذي يلاذ به الله عز وجل, ويعاذ به تبارك وتعالى، ولا يلاذ ولا يعاذ بغيره تبارك وتعالى, والرسول عليه الصلاة والسلام لا يكشف ضراً ولا يجلب نفعاً، ولا يحيي ولا يميت ولا يشفي ولا يرزق ولا يبتلي، إنما هو فقط يبلغ الرسالة، وإلا فهو بشر عليه الصلاة والسلام, فلينتبه الناس لهذه المسألة، وهي: أن الرسول صلى الله عليه وسلم بشر، وأن مهمته تبليغ الرسالة، وقد بلغها على أكمل وجه صلى الله عليه وسلم.

    ثم شرح الله صدره، وبعض المفسرين يقولون في قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح:1] يقول بعضهم: أما شققنا صدرك وأخرجنا منه المرارة السوداء؟ لأن المرارة السوداء التي كانت في قلبه صلى الله عليه وسلم أخرجت, فكان صلى الله عليه وسلم يرعى البهم في الصباح وعمره ما يقارب ثمان سنوات، أو أقل من ذلك, ومعه أخوه من الرضاعة ابن حليمة السعدية المرضعة, فلما رعوا البهم بجانب ديارهم وخيمهم في بادية بني سعد المعروفة تجاه الطائف , وإذا بملكين اثنين ينزلان من السماء، فيأخذان الرسول عليه الصلاة والسلام فيبطحانه على ظهره ويشقان صدره شقاً, ثم أخرجا المرارة السوداء، وغسلا قلبه صلى الله عليه وسلم.

    قال أهل العلم: غسلاه بماء زمزم في طست من ذهب, فيقول بعض المفسرين: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ) يقول الله عز وجل: أما شرحنا لك صدرك في هذه المرة؟

    والصحيح عند جمهور المفسرين: أي: جعلناه مشروحاً واسعاً, فأزال الله همه وغمه.

    ولذلك تجده صلى الله عليه وسلم في المعارك وقد كسرت رباعيته, وشج رأسه عليه الصلاة والسلام, وقتل سبعون من الصحابة وهو يتبسم, وفي الغار وقد أحاط به المشركون من كل جهة وهو يتبسم, وقتل كثير من أقاربه وهو يتبسم عليه الصلاة والسلام, ثم كان عليه الصلاة والسلام على كثرة المصائب مشروح الصدر, يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام:125] وقال: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر:22] وأول ما دعا موسى عليه السلام أن قال: قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي طه 25] وهي من أحسن الدعوات.

    فشرح الله صدره، وأخرج حظ الشيطان منه, ثم إن الله عز وجل منّ عليه أن جعل شيطانه يسلم، يقول صلى الله عليه وسلم: ( ما منكم من أحد إلا ومعه قرين قد وكل به، قالوا: حتى أنت يا رسول الله؟ قال: حتى أنا، لكن أعانني الله عليه فأسلم) فشيطانه أسلم ولا يأمره إلا بخير, أما نحن فكل واحد منا معه قرين يأمره بالشر إلا من عصم ربك, والله جعل لنا هذا ابتلاء ليرى إيماننا ويرى سُبحَانَهُ وَتَعَالى عملنا الصالح, وأحسن ما يستدفع به الشيطان الوضوء وذكر الله، وقراءة القرآن، والدعاء، والمعوذات، وآية الكرسي، فهذه يستدفع بها الشيطان نعوذ بالله منه.

    ثم إن الرسول عليه الصلاة والسلام سخر الله له الغمامة في سفره إلى الشام فاستظل بها, ونزلت القافلة إلى السوق وترك الرسول عليه الصلاة والسلام يرعى الإبل وهو في الشام , وعمره ما يقارب خمساً وثلاثين سنة، فأتت غمامة فظللته عليه الصلاة والسلام, وهذه من علامات نبوته صلى الله عليه وسلم.

    ثم إن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يمر فتسلم عليه الأشجار والأحجار بالنبوة قبل أن يبعثه الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى.

    1.   

    تبشير التوراة بالرسول صلى الله عليه وسلم

    أنزل الله التوراة على موسى عليه السلام, والله كتبها بيده, والعجيب أن التوراة كتبها بيده سُبحَانَهُ وَتَعَالى, والقرآن كتبه الكتبة, والإنجيل كتبه الكتبة, أما التوراة فكتبها الله عز وجل بيده, ولذلك لما التقى موسى عليه السلام وأبونا آدم في السماء السابعة، وقيل: في السادسة, وقيل: غير ذلك, فسلّم موسى على آدم, وبينهم آلاف السنوات وهذا ابنه, موسى لم يبعث إلا بعد آلاف السنوات, بعد أن رفع الله موسى كما ثبت في الصحيحين, قال: (أنت أبونا آدم؟ قال: نعم. قال: خيبتنا -موسى كان جريئاً, حتى يقول ابن تيمية: كان جريئاً وشجاعاً, حتى لما كلمه الله عز وجل يقول: قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف:143] - قال: خيبتنا وأخرجتنا من الجنة، وأهبطتنا إلى الأرض -لماذا تأكل الشجرة, نهاك الله أن تأكل الشجرة فأكلتها, فنزلت فنزلنا, ولو جلست في الجنة لجلسنا في الجنة كلنا, لكن أنت السبب الأول في نزولنا- قال آدم عليه السلام: من أنت؟ قال: موسى, قال: موسى بني إسرائيل؟ -لأنه يقرأ سيرته- قال: نعم. قال: أنت الذي اصطفاك الله برسالته وكلامه، بكم وجدت الله كتب علي ذلك -يقول كم رأيت في التوراة كتب عليَّ أن آكل من الشجرة- قال: بأربعين سنة, قال: أفتلومني على شيء قدره الله عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ فيقول عليه الصلاة والسلام: فحجّ آدم موسى, فحجّ آدم موسى, فحجّ آدم موسى) أي: غلبه, فسكت موسى عليه السلام.

    فلما أنزل الله التوراة على موسى قال المؤلف: كانت محتوية على الشرائع التي تناسب أهل ذاك الزمن, نوه بذكر كثير من الأنبياء الذين علم الله أنه سيرسلهم, ومما جاء به في التوراة تبشيراً برسولنا الكريم خطاباً لسيدنا موسى عليه السلام, وخطاب التوراة مترجم إلى العربية يقول وهذا يعرفه بنو إسرائيل جميعاً, حتى اليهود الآن الذين في فلسطين يعرفون هذا الكلام: " سوف أقيم لهم نبياً مثلك, من بين إخوتهم، وأجعل كلامي في فمه, ويكلمهم بكل شيء آمره به ومن لم يطع كلامه الذي يتكلم به باسمي, فأنا الذي أنتقم منه, فأما النبي الذي يجترئ علي بالكبرياء ويتكلم باسمي بما لم آمره به أو باسم آلهة أخرى فليقتل, وإذا أحببت أن تميز بين النبي الصادق والكاذب, فهذه علامتك، إن ما قاله ذلك النبي باسم الرب ولم يحدث فهو كاذب يريد تعظيم نفسه ولذلك لا تخشاه. هذا كلام من التوراة يخبر بالرسول عليه الصلاة والسلام.

    والعجيب أن الكتب التي أنزلها الله عز وجل لا تسمو إلى بلاغة أو إعجاز القرآن, إذا قرئ علينا في الصلاة كأنه أول مرة تسمعه, ويقول الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأنس وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الاسراء:88] وعرف اليهود أن الرسول صلى الله عليه وسلم سوف يبعث, ولكنهم أخذهم الحسد لأنه عربي, وهم يريدون أن يكون من اليهود.

    كان رجل في المدينة قبل أن يبعث الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان اليهود أهل النخل في خيبر , فكان يجمع اليهود كلهم -هذا عالم من علمائهم- ويقول: يا معشر اليهود! النبي سوف يبعث في هذه الأيام، وسوف يبعث من عندنا, قالوا: ما علامته؟ قال: ربعة من الرجال، أبيض مشوب بحمرة، يخرج من بين حرتين, لا يقرأ ولا يكتب, فأتى الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة فخرج من بين الحرتين, أبيض ربعة لا يقرأ ولا يكتب, فيقول اليهود لعالمهم الذي كان يقص عليهم بعد صلاة العصر: أهذا هو الرسول؟ قال: لا. فأنزل الله عز وجل: فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ [البقرة:89].

    ويقول عبد الله بن سلام: (كنت أقرأ وصف الرسول عليه الصلاة والسلام في التوراة -هذا يهودي من علمائهم- قال: فلما نزل صلى الله عليه وسلم المدينة جهة قباء -المسجد المعروف عند قباء - قال: فنزلت السوق فتركت نخلي وأتيت من مزرعتي، وإذا بالناس قد اجتمعوا على الرسول صلى الله عليه وسلم, قال: فزاحمت حتى أشرفت، فرأيت وجهه، فإذا هو كأنه القمر في ليلة أربعة عشر, قال: فعرفت أنه ليس بوجه كذاب, قال: فاقتربت منه وإذا هو يقول: يا أيها الناس! أفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخوا الجنة بسلام, فقلت له: من أنت؟ قال: أنا رسول, قلت: من أرسلك؟ قال: الله, قلت: ألك علامات؟ قال: سل ما بدا لك, قال: أسألك عن ثلاث مسائل -هذا عبد الله بن سلام وهو عالم من علماء اليهود- إن أجبتني عنها فأنت صادق يتحداه!! قال: ما هي؟

    قال:

    أولاً: ما أول علامات الساعة؟

    ثانياً: ما هو أول شيء يأكله أهل الجنة؟

    ثالثاً: لماذا يشبه الولد أباه أو يشبه أمه؟

    قال عليه الصلاة والسلام: أما أول علامات الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب قال: صدقت.

    قال: وأما أول ما يأكل أهل الجنة في الجنة فزيادة كبد الحوت، قال: صدقت.

    وقال: وأما لماذا يشبه الولد أباه أو أمه، فماء الرجل أبيض غليظ وماء المرأة رقيق أصفر، فإذا علا أحدهما الآخر أشبه أباه أو أمه, قال: صدقت! أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله, ثم قال: يا رسول الله! قال: نعم. قال: أنا من أحبار اليهود ومن علمائهم, وقرأت أوصافك في التوراة, فأدخلني هذه المشربة -المشربة غرفة دائماً تأتي وراء الغرف الكبرى- فأدخله عليه الصلاة والسلام وأغلق عليه الباب -باب خشب- وقال: ادع اليهود واسألهم عني وسوف تسمع, ثم أخبرهم أني أسلمت, فدعا صلى الله عليه وسلم عشرة من علماء اليهود الكبار الذين يحفظون التوراة، فأجلسهم أمامه, وعبد الله بن سلام وراء الباب, قال: كيف عبد الله بن سلام فيكم؟ قالوا: حبرنا وابن حبرنا، وعالمنا وابن عالمنا، وفقيهنا وابن فقيهنا, ففتح صلى الله عليه وسلم الباب له, وقال: أرأيتم إن أسلم؟ قال: أعاذه الله من ذلك, قال عبد الله بن سلام: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله, قالوا: شرنا وابن شرنا، وسيئنا وابن سيئنا، وخبيثنا وابن خبيثنا), وهذه لا تقبل نعوذ بالله من الخذلان, هؤلاء اليهود يعرفون مبعث الرسول عليه الصلاة والسلام, ولكنهم غضبوا لأنه عربي.

    ولذلك لا يقبلونا الآن غضباً؛ لأن دعوته غطت ثلاثة أرباع الكرة الأرضية عليه الصلاة والسلام, والمستقبل لدعوته وهم الآن شرقوا بها, ويموتون من ذكره صلى الله عليه وسلم, يقول سبحانه في مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ [الحاقة:44-46].

    يقول: لو زاد من عنده على كلامنا لقطعنا منه الوتين, قالوا: العرق الذي فيه الحياة, قال: لصرعناه أو لقتلناه وقيل: لذبحناه, يقول: ليس له أن يتكلم بكلمة إلا منا: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67].

    1.   

    عصمة الله لرسوله صلى الله عليه وسلم

    ثم إن الرسول عليه الصلاة والسلام مكث بين أعدائه من المشركين واليهود ثلاثاً وعشرين سنة يدعوهم إلى الله، ومع ذلك عصمه الله منهم، وأنزل عليه تطميناً لخاطره في سورة المائدة: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67].

    كان إذا أراد أن ينام صلى الله عليه وسلم في الليل جعل حارساً على الباب من الصحابة؛ معه سيف ورمح وخنجر يحرسه حتى الصباح, لأن الرسول صلى الله عليه وسلم خطير واغتياله سهل, والله عز وجل حماه في فترة طويلة، فخاف صلى الله عليه وسلم أن يعتدى عليه من قبل اليهود والمنافقين, قالت عائشة: (سافر صلى الله عليه وسلم مرة من المرات فنام صلى الله عليه وسلم في الصحراء ومعه خيمة, قال: ليت رجلاً صالحاً يحرسنا هذه الليلة, قالت: فإذا به يسمع صوت سلاح فقال صلى الله عليه وسلم: من؟ قال: سعد بن أبي وقاص -الذي دمر إمبراطورية كسرى وقيصر, هذا الذي فتح فارس الذي قتل الدكتاتور رستم , يقول صلى الله عليه وسلم إذا رأى سعد بن أبي وقاص: هذا خالي فليرني كلٌ خاله- فقال صلى الله عليه وسلم: من؟ قال: سعد بن أبي وقاص , قال: رحمك الله, فحرس النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الصباح أنزل الله عز وجل: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)) يقول: لا تخف لا تأخذ حراسة، فلن يعتدي عليك أحد, فترك صلى الله عليه وسلم الحراسة، فكان يمشي وحده بلا سلاح ولا حرس, وقد تعرض لإحدى عشرة محاولة اغتيال ونجاه الله, وأنا أذكر بعضها:

    رجل من قريش اسمه فضالة أخذ خنجراً كخافية النسر وسمّه حتى أصبح الخنجر أزرق, قال: (فلما أصبح صلى الله عليه وسلم يطوف جعلت الخنجر تحت إبطي، قلت: فسوف أتركه فإذا قبل الحجر طعنته, قال: فاقتربت منه، فكلما أردت أن أطعنه إذا كالبرق بين عيني, قال: ثم التفت وأنا بجانبه، قال: يا فضالة! ماذا تقول؟ قلت: أستغفر الله وأحمد الله وأدعو الله, قال: قل أعوذ بالله من الشيطان, فقلت: أعوذ بالله من الشيطان, قال: فأخذ يده فوضعها على صدري، فوالله ما رفعها حتى كان أحب الناس إلى قلبي).

    وقال عثمان بن أبي شيبة:(خرجت مع الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن قتل آباءنا في بدر فلما أهويت لأقتله حماه الله، قال: ثم التفت إلي صلى الله عليه وسلم ودعا لي وعفا عني فكان أحب الناس إلي).

    ومن محاولات الاغتيال: أن رجلين من العرب عامر بن الطفيل سيد العرب, كان عنده ألف مقاتل, وأربد بن قيس ذهب إلى المدينة , فقال عامر بن الطفيل لـأربد: سوف أشغل الرسول عنك وأحدثه، فإذا أشغلته فاقتله من ورائه, فلما وصلا إلى المدينة , قال للرسول: اخرج معنا إلى الصحراء نريدك, فخرج معهم صلى الله عليه وسلم, وليس لديه سلاح ولا أخبر أحداً من الصحابة, فلما أصبح وحده معهم, قام عامر بن الطفيل يحدث الرسول صلى الله عليه وسلم, ويشير بعينه إلى أربد , ومع أربد سيف يقول: اقتله, فتوقف أربد , فأشار له فتوقف, وأشار له فتوقف, ثم ترك عامر الرسول صلى الله عليه وسلم ومشى هو وأربد , فقال عامر لـأربد: والله لا أصحبك بعد اليوم، ولا رأيت أجبن منك في العرب, قال: ولِمَ؟ قال: أشغلت الرجل عنك وما قتلته؟ قال: والله ما هممت ولا رفعت سيفي لأقتله إلا وجدتك بيني وبينه أفقتلك؟ فالتفت صلى الله عليه وسلم وعرف أنهما خائنان لما مضى, قال: (اللهم سلّط عليهم ما شئت) فأما عامر بن الطفيل فسلط الله عليه غدة نزلت كثدي المرأة في حلقه, وهو في بيت عجوز من بني سلول، قال: غدة كغدة البعير في بيت امرأة من بني سلول! يقول: أنا أكرم العرب أموت في بيت هذه العجوز, فركب على الفرس فمات, وأما أربد بن قيس فقد أنزل الله عليه صاعقة فأحرقته وأحرقت جمله وسط السوق.

    يا غارة الله جدي السير مسرعة     في أخذ هذا الفتى يا غارة الله

    يقول سبحانه يرد على الرسول صلى الله عليه وسلم: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [الشورى:24] ومعنى الآية: هل تفتري علينا الكذب؟ فإذا شاء الله ختم على قلبك فلا تستطيع تتكلم, فمن الذي جعلك تتكلم؟ هذا المصحف الذي بين أيدينا أتى به عليه الصلاة والسلام, وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، لا تعلَّم ولا دخل مدرسة، ولا يعرف أن يكتب اسمه عليه الصلاة والسلام هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ [الجمعة:2] ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ [العنكبوت:48-49].

    ثم إن الله بشَّر به عليه الصلاة والسلام في الكتب السابقة، وعرفه الناس عليه الصلاة والسلام قبل مبعثه, ومن أوصافه صلى الله عليه وسلم في الكتب السابقة ما روى عبد الله بن عمرو بن العاص عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أجل والله! إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن, اسمع إلى كلام التوراة " يا أيها النبي! إنا أرسلناك شاهدا ومبشراً ونذيراً -وهذه جملة في القرآن- وحرزاً للأميين -أي: حرزاً لنا, الأميين الذين لم يقرءوا ولم يكتبوا, نحن أمة أمية لا نقرأ ولا نكتب- أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة -ما كان يرفع صوته صلى الله عليه وسلم ولا كان يصيح، وإذا أراد أن يلتفت لا يلتفت برأسه فقط، بل يلتفت بجسمه كله, ولا يشير بأصبعه ويشير بيده كلها, وكان عليه الصلاة والسلام لا يتثاءب أبداً منذ أن ولدته أمه إلى أن مات ما تثاءب, لأن التثاؤب من الشيطان, ولم يحتلم أبداً, وكان إذا قام يقول: (استووا استووا اعتدلوا.. إني أراكم من وراء ظهري) فكان يرى الصفوف من وارء ظهره, وكان صلى الله عليه وسلم إذا نام تنام عيناه ولا ينام قلبه, ويرى أحياناً أنه يدخل الجنة، وأحياناً يتكلم مع الملائكة عليه الصلاة والسلام، وله صفات كثيرة عليه الصلاة والسلام, كان العرق الذي يتصبب منه أحسن من المسك, وكانت الأنصار تأخذه في قوارير, ويأخذون منه قطرات يغسلون به المرضى فيتشافون بإذن الله.

    1.   

    لمحة من أخلاق النبي الكريم

    كان صلى الله عليه وسلم ينزل الأسواق, لكن ما كان يرفع صوته, ومرة من المرات نزل فأتى إلى زاهر وهو بدوي, كان زاهر هذا يأتي بالعسل والسمن للرسول صلى الله عليه وسلم يشتريه منه, فوجد زاهراً يبيع، فأتى الرسول صلى الله عليه وسلم من وراء زاهر، فاحتضنه من وراءه وأمسكه بقوة -وكانت قوته صلى الله عليه وسلم تعادل قوة ثلاثين رجل صلى الله عليه وسلم, ولذلك يقول أحد الأنصار: رأينا صخرة في الخندق اجتمع عليها نفر منا ما استطعنا لها, فأتى صلى الله عليه وسلم فرفع عن ساعديه فحملها، فوالله ما أنسى ذراع يديه وهو يحمل الصخرة حتى رماها بعيداً- فلما أمسكه قال: من يشتري العبد؟ يقولها صلى الله عليه وسلم وسط السوق, فأخذ زاهر يقول: اتركني اتركني.. لا يدري من هو هذا العربي الذي أمسكه, قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (من يشتري العبد؟ من يشتري العبد؟) فالتفت فرأى الرسول صلى الله عليه وسلم، فأخذ يتمحك بظهره بصدر الرسول صلى الله عليه وسلم للبركة, ثم قال: إذاً يا رسول الله تجدني كاسداً، قال:(لكنك عند الله لست بكاسد.

    وقريش يقولون: وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ [الفرقان:7] يقولون: لماذا يتكسب يبيع ويشتري؟

    لو كان رسول صدق لجلس في البيت, فالله أخبرهم أنه يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق، وأنه بشر يعرف آلامهم وآمالهم, ويعيش حوائجهم عليه الصلاة والسلام, ويجوع كما يجوعون, ويشبع كما يشبعون.

    قال: ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر, كل من أساء في حقه صلى الله عليه وسلم عفا عنه وغفر, لما دخل مكة وفتح عليه الصلاة والسلام مكة , أخذ بحلق باب الكعبة قال: (الحمد لله وحده، نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده) ثم قال لقريش الذين آذوه وقتلوا أصحابه وقاتلوه: (ما ترون أني فاعل بكم؟) يقول: ماذا تتصورون وماذا تتوقعون أني سوف أفعل؟

    أنا الآن منتصر, السيف في يدي, أنتم لا تملكون شيئاً مجردين من السلاح, وكان حراسته على الحرم اثني عشر ألف مقاتل من الصحابة- فأخذوا يتباكون، يقول أحد الصحابة: سمعت بكاء الأطفال والنساء والرجال, أي: يقولون: أنقذنا, فقام أبو سفيان فقال: أخ كريم وابن أخ كريم, يقولون: افعل ما بدا لك, نحن أسأنا وأخطأنا, قال صلى الله عليه وسلم: (عفا الله عنكم, وغفر الله لكم، اذهبوا فأنتم الطلقاء) فأخذ أبو سفيان يبكي عند الباب، ويقول: [[لا إله إلا الله ما أرحمك! ولا إله إلا الله ما أحلمك! ولا إله إلا الله ما أبرك! ولا إله إلا الله ما أوصلك!]] عليه الصلاة والسلام.

    والله يقول له: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [المؤمنون:96] وقال سبحانه: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] وقال سبحانه: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159].

    (جاء بدوي أعرابي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى الرسول صلى الله عليه وسلم برد نجراني غليظ الحاشية -جبة- فمشى صلى الله عليه وسلم بين أصحابه، فأدركه الأعرابي فسحبه سحبة شديدة حتى أثر البرد في عنقه, فالتفت صلى الله عليه وسلم إليه يتبسم صلى الله عليه وسلم, قال الأعرابي: أعطني من مال الله الذي عندك لا من مال أبيك ولا مال أمك -أعوذ بالله من الخطأ- قال صلى الله عليه وسلم: أعطوه, فأعطوه, ثم أسلم هذا الأعرابي, فقال صلى الله عليه وسلم: لو تركته وما فعل لارتد وارتد قومه معه) أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

    واعلم حفظك الله أنه صلى الله عليه وسلم، تميز بآيات عديدة منها: معجزات ظاهرة سوف تأتي معنا:

    ومنها: معجزات خُلقية وخَلقية.

    ومنها: أن العالم شهد بنبوته منهم من آمن ومنهم من كفر.

    ومنها: أن الله أتم له نوره وجعل العاقبة له, وجعل الدائرة على أعدائه.

    1.   

    تبشير الإنجيل ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم

    قال: المؤلف رحمه الله تعالى (بابٌ في تبشير الإنجيل بالرسول صلى الله عليه وسلم) أي: أن ذكره صلى الله عليه وسلم كان في الكتب السالفة، ومر معنا أنه وجد ذكره صلى الله عليه وسلم في التوراة، وقد بشر به موسى قومه بني إسرائيل.

    نسمع الآن إلى عيسى عليه السلام يبشر كذلك بني إسرائيل بالرسول عليه الصلاة والسلام، قال: بشر عيسى عليه السلام قومه في الإنجيل بالفار قليط، ومعناه قريب من اسم محمد أو أحمد، وهذه في لغتهم في الإنجيل، ولا يوجد بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين عيسى نبي، بل عيسى قبل الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم خُتم بمحمد صلى الله عليه وسلم، فهو خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم، قال: فكان يدعى في الإنجيل بالفار قليط، ومعناه قريب من محمد أو أحمد.

    ويصدقه القرآن في قول الله تعالى في سورة الصف: وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أحمد [الصف:6] وهو رسولنا عليه الصلاة والسلام، واسمه: أحمد ومحمد والعاقب والماحي والحاشر، أما اسم طه فلم يثبت عند أهل السنة أن اسمه صلى الله عليه وسلم طه، إنما قاله بعض الناس.

    وهنا وقفة لطيفة في الآية: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ [الصف:5] ولما أتى عند عيسى قال: وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ [الصف:6] فلماذا قال موسى: يا قوم؟ ولماذا قال عيسى: يا بني إسرائيل؟

    قال بعض أهل العلم: لأن موسى من بني إسرائيل، فأبوه من اليهود، أما عيسى فليس له أب، فما ينتسب إليهم، ما قال: يا قوم، إنما قال: يا بني إسرائيل، فناداهم كأنه بعيدٌ عنهم عليه السلام، قال الله: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ [الصف:6] التوراة التي أتى بها موسى عليه السلام، والتوراة كان فيها الأحكام والحدود، والإنجيل كان فيه الرقائق والمواعظ: وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أحمد [الصف:6] قيل: بينه وبين عيسى عليه والسلام خمسمائة سنة، وقيل: أربعمائة سنة، وقيل: ما يقارب ذلك.

    وقد وصف المسيح هذا بالفارقليط، بأوصاف لا تنطبق إلا على نبينا صلى الله عليه وسلم، فقال عيسى عليه السلام يصف الرسول صلى الله عليه وسلم لقومه: إنه يوبخ العالم على خطيئته، أي: الرسول صلى الله عليه وسلم يأتي؛ فيوبخ الناس على خطاياهم، وعلى معاصيهم، وإعراضهم عن الله، وأنه يعلمهم جميع الحق؛ لأنه ليس ينطق من عنده، بل يتكلم بكل ما يسمع، ومصداق ذلك في القرآن: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:1-4].

    فالرسول عليه الصلاة والسلام لم يأتِ بالشريعة من نفسه: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ [الحاقة:44-46] إنما أتى بوحي ينشره في الناس صلى الله عليه وسلم، ويتكلم بوحي من الله، ولا يمكن أن يفرض للناس ما لم يتنزل عليه، ومن علامة ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن عنده ثقافة، ولم يكن يقرأ ولا يكتب، إنما أنزل الله عليه هذا الوحي فبلغه للناس عليه الصلاة والسلام.

    وقد ورد في إنجيل برنابا، الذي ظهر منذ زمن قريب وأخفته حجب الجهالة، ذكر اسم الرسول عليه الصلاة والسلام صراحة، فورد في إنجيل برنابا اسمه محمد، وورد أن اسمه أحمد وهو رسولنا عليه الصلاة والسلام، واليهود والنصارى يعرفون أن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق، وأنه رسول من الله، وأنه نبي، لكن منعهم الحسد والبغي والغرور أن يؤمنوا به.

    1.   

    حركة الأفكار قبل البعثة

    قال المؤلف: بابٌ في حركة الأفكار قبل البعثة، وهذا يسهل لك فهم الحركة العظيمة من الأحبار والرهبان قبيل بعثته عليه الصلاة والسلام؛ فإن اليهود كانوا يستفتحون في المدينة على العرب، وكان اليهود مجاورين للعرب من الأوس والخزرج في المدينة، وكان اليهود يقرءون التوراة ويرون خبر الرسول عليه الصلاة والسلام، فكانوا يستفتحون على الذين كفروا، أي: يستفتحون على المشركين.

    يقولون: غداً سوف يظهر النبي يقاتلكم ونقاتلكم معه وسوف نكون معه، لماذا يقول هذا اليهود؟

    لأنهم ظنوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم سوف يكون من اليهود لا من العرب، وكانوا يقولون: صفته كذا، ربعة أبيض مشوباً بحمرة، أمي لا يقرأ ولا يكتب، يخرج بين النخل، يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة، أوتي قوة ثلاثين، تنام عيناه ولا ينام قلبه، لا يتثاءب ولا يحتلم، وهذه أوصاف الرسول عليه الصلاة والسلام.

    والأوس والخزرج من العرب ولم يكن عندهم كتاب، كانوا ينتظرون، فلما بعث عليه الصلاة والسلام فوجئ اليهود أنه بعث من العرب؛ فكفروا، قالوا: لا. ليس هذا بالرسول، قال الأوس والخزرج: هذا الذي أخبرتمونا به، هذه أوصافه، قالوا: لا. ليس هو، قال الله: فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ [البقرة:89].

    وكان في صفاته عليه الصلاة والسلام عند اليهود في التوراة أنه كلما أغضبته كلما زاد حلماً، كلما رفعت صوتك على الرسول صلى الله عليه وسلم كلما ازداد حلماً.

    فلما أتى صلى الله عليه وسلم إلى المدينة جاء تاجر من تجارهم اسمه زيد بن سنعة، رأى أوصاف الرسول عليه الصلاة والسلام؛ فأراد أن يختبر حلمه، هل هو صحيح أم لا؟ فأتى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: يا أبا القاسم! أنا رجل من تجار اليهود، وعندي مالٌ كثير، وأريد أن تأخذ من مالي تستعين به على غزواتك وعلى حوائجك، قال عليه الصلاة والسلام: لا بأس، فأخذ منه صلى الله عليه وسلم مالاً إلى الحول إلى سنة.

    وبعد شهر أتى اليهودي والرسول صلى الله عليه وسلم في المسجد في صلاة العصر يصلي بالناس، والصحابة قد اجتمعوا، فقال اليهودي التاجر: يا محمد! أعطني مالي الذي عندك، قال صلى الله عليه وسلم: أنت أعطيتني إلى حول -إلى سنة- قال: إنكم مطل يا بني عبد المطلب، أي: أنكم تماطلون الدائن، أنتم لا توفون، فتبسم عليه الصلاة والسلام، قال: أعطني مالي ولا تتبسم، فتبسم أكثر، فقام عمر -قال الرواي: تتدحرج عيناه رضي الله عنه من الغضب يريد اليهودي- فأجلس النبي صلى الله عليه وسلم عمر وقال: سوف أعطيك إن شاء الله، فأخذ اليهودي يرفع صوته وأخذ صلى الله عليه وسلم يتبسم، وأخذ يد اليهودي معه، وذهب به إلى بيته فقضاه، فقال اليهودي: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، ما من علامة في التوراة كانت مكتوبة إلا وجدتها فيك، إلا هذه العلامة فأردت أن أبتليك وأمتحنك فوجدتها فيك، فأشهد أنك رسولٌ من عند الله، وهذه صفاته عليه الصلاة والسلام.

    ثم لما بعث عليه الصلاة والسلام من العرب منعهم الحسد أن يؤمنوا به، وكان أمية بن أبي الصلت المتنصر العربي، كثيراً ما يقول: إني لأجد في الكتب صفة نبي يبعث في بلادنا، أمية بن أبي الصلت ثقفي من أهل الطائف وشاعر، وكان يقرأ التوراة والإنجيل، وهو الوحيد الذي يقرأ في الطائف، كانوا يجتمعون فيكتب لهم الرسائل، ويخبرهم أنه سوف يبعث نبي، وكان هو يعرض بنفسه، يقول: هو الذي سوف يبعث؛ لأنه يقول: ليس هناك رجلاً مثقفاً في الجزيرة العربية إلا هو، أي: أكاديمي، أما البقية فليس عندهم ثقافة، الرسول صلى الله عليه وسلم أمي لا يقرأ ولا يكتب، لكن أمية بن أبي الصلت، يقرأ وشاعر ويكتب، وذاك الوقت لو وجد في العرب من يقرأ ويكتب وشاعر فهو الكامل عندهم، وهو صاحب القصائد العجيبة التي يذكر الله فيها، يروي قصة موسى عند فرعون في قصيدة قديمة عربية، يقول: أن موسى ذهب إلى فرعون، فقال:

    فقولا له هل أنت سويت هذه      بلا عمد حتى استقلت كما هيا

    يقول: إن الله أرسل موسى إلى فرعون، فقال الله لموسى: قل له يا موسى: أأنت سويت السماء بلا عمد؟

    وله قصيدة يحيي فيها ملك اليمن سيف بن ذي يزن، يقول:

    اجلس بـغمدان ذاك القصر في وله في قصر غمدان حالاً دونه حال

    تلك المكارم لا قعبان من لبن     شيبا بماء فعاد بعد أبوالا

    لأن العرب كانوا يهنئون سيف بن ذي يزن في اليمن ويحيونه؛ لأنه طرد أبرهة الأشرم، وطرد الأحباش الذين احتلوا اليمن، فهذا أمية بن أبي الصلت، يقول عمرو بن الشريد أحد الصحابة وهو سُلمي، كان يحفظ الشعر، قال: (أركبني صلى الله عليه وسلم وراءه على الدابة، فقال لي صلى الله عليه وسلم: تحفظ لـأمية بن أبي الصلت شعراً، قلت: نعم يا رسول الله، قال: أنشدني، قال: فأنشدته بيتاً، قال: زدني، قال: فأنشدته ثانية، قال: هيه، فأنشدته ثالثاً، قال: هيه، حتى أنشدته مائة بيت، فقال صلى الله عليه وسلم: آمن لسانه وكفر قلبه).

    هذا أمية بن أبي الصلت لما بعث صلى الله عليه وسلم كفر؛ لأنه أسقط في يديه، لكن الله يقول: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام:124] أصلاً ليست بالانتخابات، الله أعلم بالقلوب، والله أعلم بمن هو المهيأ لقيادة العالم وإصلاح البشر، هذه مهمة صعبة، فاختار الله الرسول عليه الصلاة والسلام، وترك هذا؛ فكفر هذا.

    سلمان الفارسي والبحث على الهداية

    وحدث سلمان الفارسي رضي الله عنه عن نفسه: أنه كان في أرض فارس، وكان أبوه ملك النار، يوقد النار لأهل فارس ويعبدونها من دون الله، ويسجدون لها، فأتى يوماً من الأيام، فأرسله أبوه ليوقد النار، ومع صلاة المغرب يوقد المجوس النار، يقول محمد إقبال يحيي الرسول صلى الله عليه وسلم:

    أم من رمى نار المجوس فأطفئت     وأبان وجه الصبح أبيض نيرا

    ومن الألى دكوا بعزم أكفهم      باب المدينة يوم غزوة خيبرا

    يقول: من الذي أطفأ نار المجوس إلا أنت يا رسول الله.

    فذهب سلمان بعد أن أرسله أبوه قبل الغروب، قال: أوقد النار حتى يعبدها الناس، فمر في أثناء الطريق براهب نصراني عنده علم من التوراة، فأجلس سلمان وقال: عبادة النار شرك من دون الله عز وجل، وأرى أن تترك عبادة النار، فترك إيقاد النار؛ فخاف أبوه عليه؛ فقيده في البيت وربطه، وقال: لا تخرج من هذا البيت أبداً، فاحتال سلمان وهرب وترك الحبال، وذهب إلى نصراني يعبد الله فجلس معه يتعبد، فلما حان الأجل من هذا النصراني، قال له سلمان الفارسي: يا فلان! حانت منك الوفاة، وتعرف أنني يتيم، وأني تركت أهلي، فبمن توصيني؟

    قال: أوصيك بفلان، رجل في مدينة من مدن العراق، قال: فذهبت إليه؛ فخدمته، فكان من أسوأ الناس، يأخذ أموال الناس سرقة، ويزعم أنه يتصدق ولا يتصدق، قال: فأخبرت الناس به، فأتوا عليه؛ فهدموا صومعته وضربوه، وأخذوا قسيساً مكانه ووضعوه، فذهبت إلى القسيس هذا فوجدت فيه خيراً كثيراً، فلما حضرته الوفاة، قلت له: إلى من أذهب؟ قال: لا أجد رجلاً من القساوسة الآن في الدنيا، لكن سوف يبعث رسول قريب من أرض العرب من مكة، فإذا بعث فاذهب إليه، وله ثلاث علامات:

    العلامة الأولى: أن فيه خاتم النبوة عند كتفيه كزر الحمامة، قيل: بيضة الحمامة أو كذا.

    العلامة الثانية: أنه يقبل الهدية ويأكلها ولا يأكل الصدقة.

    العلامة الثالثة: يخرج بين حرتين.

    قال سلمان: فسمعت بمبعث الرسول عليه الصلاة والسلام، فجمعت ما عندي من مواشي، وما عندي من غنم وإبل، وجعلتها أجرة لأهل السفينة يحملونني في البحر فحملوه، فلما وصل إلى ساحل البحر نزل وذهب إلى المدينة، فأخذه اليهود الذين كان معهم في القافلة، وقالوا: هو عبد لنا وهو حر، لكن الخونة فعلوا ذلك، فأخذوه؛ فأنزلوه يشتغل في النخل ويعمل معهم، وفجأة سمع أن الرسول صلى الله عليه وسلم هاجر من مكة إلى المدينة، قال: فأخذت رطباً معي من النخلة، وأتيت به وتركت سيدي، وأتيت الرسول صلى الله عليه وسلم، وإذا أصحابه حوله، قلت: يا رسول الله! هذا صدقة لكم، قال: فردها صلى الله عليه وسلم، وقال لأصحابه: كلوا هذه صدقة، فأكلوا ولم يأكل صلى الله عليه وسلم.

    قال: وفي الليلة الثانية، أتيت بعذق رطب، وقلت: هذا هدية لك يا رسول الله. قال: فأكل مع أصحابه، قلت: هذه ثانية، قال: وحضرته وهو يشيع جنازة فجلس، فأتيت من وراء ظهره؛ فعرف أنني أريد أن أنظر إلى العلامة؛ فرفع الكساء، فوجدتها كزر الحمامة، وهو خاتم النبوة، قال: وبعث بين حرتين كما في الحديث، فأسلم سلمان الفارسي بهذه العلامات، هذا بعد مبعثه عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    مراسلة النبي صلى الله عليه وسلم لملوك الأرض

    ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم راسل ملوك الأرض، فأما النصارى منهم فأجابوا بهدوء، ولو أن بعضهم لم يسلم، ولذلك تجد النصارى أقرب قلوباً للمسلمين من اليهود، وتجد أن اليهود والشيوعية في معسكر واحد عداء للإسلام والمسلمين، أما النصارى فقد يكون عندهم احترام إنساني في مسألة الدين، وهم لا يريدون أن يتورطوا في مسألة التصادم بين الإسلام والدين.

    يونس خالص وهو أحد قادة المجاهدين دخل البيت الأبيض على ريغان، -والقصة معروفة، وموجودة ومنشورة- فيقول لـريغان: أسلم تسلم، إني أدعوك إلى الإسلام، فيقول ريغان: أنا أحترم الأديان السماوية، هم لا يريدون أن يستثيروا غضب مليار مسلم، ثم إنهم يعرفون أن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق، لكن لا يتبعونه، بزعم أنهم يؤمنون بعيسى عليه السلام، وهذا والعياذ بالله كفر بالرسول صلى الله عليه وسلم وبعيسى؛ لأن بعد رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم انتهت الرسائل وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران:85] أي: انتهت بعد مبعثه كل رسالة.

    رسالته صلى الله عليه وسلم إلى كسرى

    أرسل صلى الله عليه وسلم رسائل، منها: إلى كسرى وكان وثنياًلم يكن عنده كتاب، ولا يدري ما الرسول هذا، وكان يستعبد العرب، وكان له ملك يراجعه يملك العرب النعمان بن المنذر في الحيرة في العراق، كان يملك العرب ويأخذ أموالهم، ويأخذ منهم المكوس ويدفعها لكسرى، فلما بعث صلى الله عليه وسلم أرسل رسالة إلى كسرى؛ فمزقها، قال صلى الله عليه وسلم: {مزق كتابي، مزق الله ملكه}.

    ثم إن المجرم كسرى، أرسل إلى الوالي في اليمن قال: أرسل جنديين من عندك لسحب هذا المدعي النبوة من مكة حتى تأتوني به وأحاسبه في المدائن، فأرسل لـباذان أمير اليمن، أرسل جنديين حليقين -أي: لحاهم على الصفر- فوصلا إلى المدينة، فحياه بتحية الجاهلية، قال صلى الله عليه وسلم: من أمركما بهذا؟ أي: بحلق اللحية، قالا: ربنا أمرنا بذلك، يعنون: كسرى؛ لأن الدولة كانت تصدر مرسوماً أنهم كلهم يحلقون، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: {اغربا عني إن ربي أمرني بإعفاء لحيتي وقص شاربي} ثم قالا: نريد أن تذهب معنا، أي: أن الأمر سهل، الرسول صلى الله عليه وسلم مرسل من الله رب العالمين، يذهب معهم إلى كسرى، قال: أين؟ قالوا: تذهب معنا إلى ربنا، يقصدون: كسرى، قال: {إن ربي عدا على ربك البارحة فقتله} يقول صلى الله عليه وسلم أي: أنه اغتيل البارحة، ووجدوا في الليلة نفسها أن ابن كسرى اعتدى على أبيه في ظلام الليل؛ فذبحه على الفراش، وانتهت المناورة هذه.

    وبعد سنوات اكتسحه سعد بن أبي وقاص، ودمر رستم الدكتاتور وأمثاله، ودمر إيوان كسرى، وافتتح -والحمد لله- جنوب العراق وشمالها في قادسية لا إله إلا الله محمد رسول الله.

    وأما الملوك الآخرين الذين عندهم علم من التوراة والإنجيل، فبعضهم على ثلاثة أنواع:

    رسالته صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس

    بعضهم هادن الرسول صلى الله عليه وسلم مهادنة، فـالمقوقس ملك مصر أهدى للرسول صلى الله عليه وسلم جاريتين، وأهدى بعض البغال والمواشي، حتى يكون هناك تعايش سلمي، لا يريد أن يغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أن يستثير حفيظته.

    والثاني: لا يريد كذلك أن يكذب بالرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يدري أنه صادق، ولا يريد أن يسلم؛ لأنه لو أسلم ذهب ملكه فاحتار في المسألة، فرأى الحل الوسط أن يهدي له هدية، فأهداه فوصلت.

    رسالته صلى الله عليه وسلم إلى هرقل

    وأما هرقل عظيم الروم، فإن الإسلام دخل قلبه، فلما دخل قلبه جمع الناس، وقال: ما رأيكم نسلم وندخل مع هذا الرسول؟ فقال قومه: ماذا تريد منا؟

    قال: نريد أن ندخل في دين الله وأن نسلم للرسول صلى الله عليه وسلم، وقد أغلق عليهم حوشاً كبيراً فحاصوا كحيصة حمر الوحش من الغضب، وكان هو مرتفع على قبة، وكادوا يقتلونه، وتمزقوا يريدون أن يخرجوا من الأبواب، فإذا الأبواب مغلقة، قال: عودوا فعادوا، قال: إنما أردت أن أمتحن صلابتكم على دينكم، وأمتحن جدارتكم، ولا أريد أن أسلم، وهو أراد أن يسلم، لكن ما فعل.

    ونص رسالته صلى الله عليه وسلم إليه: {بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى هرقل عظيم الروم، أمَّا بَعْد: أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [آل عمران:64]}.

    هؤلاء الملوك استمروا حتى عزلهم صلى الله عليه وسلم بحكم الإسلام، وأرسل جيوشه وكتائبه، ففتحت مشارق الدنيا ومغاربها مهللة مكبرة.

    وأما ما سمع من الهواتف والكهان قبيل زمنه عليه الصلاة والسلام، فلا يدخل تحته حصر فهي كثيرة، وكانوا يسمعون الهاتف من الليل يهتف، قريش طاردت الرسول عليه الصلاة والسلام من مكة، وقالت: من يجد الرسول فله مائة ناقة، فلحقه سراقة بن مالك، ولا تدري قريش أين يذهب صلى الله عليه وسلم، هل ذهب المشرق أم المغرب، أو الشمال أو الجنوب؟ لم يعلموا أنه ذهب باتجاه المدينة؛ لأنكم تعرفون اتجاه المدينة عن مكة، والرسول صلى الله عليه وسلم خالفهم ونزل تجاه الجنوب في غار ثور؛ لأنه يعرف أنهم سوف يبحثون عنه في خط المدينة، فنزل في غار ثور فلحقوا به وطوقوا الغار ولم يدخلوه بإذن الله وأعمى الله أبصارهم ونجاه.

    فلما أصبح في الطريق لم تدرِ قريش أين ذهب، فلما اقترب من المدينة وإذا هاتف يهتف في مكة من الجن وهو يقول:

    جزى الله رب الناس خير جزائه     رفيقين حلاَّ خيمتي أم معبد

    هما نزلا بالبر ثم تروحا     فأفلح من أمسى رفيق محمد

    فيا لقُصيَّ ما زوى الله عنكمُ     به من فخار لا تُجاذى وسؤددِ

    سلوا أختكم عن شاتها وإنائها     فإنكم إن تسألوا الشاة تشهدِ

    هذا شعر الجن، فعرفت قريش أنه ذهب إلى المدينة.

    وهذا القصة: {أن الرسول صلى الله عليه وسلم نزل عند هذه المرأة أم معبد الخزاعية -وكانت في خيمة- وزوجها يرعى الغنم وهي عجوز كبيرة، فقال لها صلى الله عليه وسلم: أعندك شاة حلوب؟

    قالت: ما عندي من حلوب، قال: وما هذه الشاة؟

    قالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم، قال صلى الله عليه وسلم: هل لي أن أحلبها؟ قالت: إن وجدت بها حليباً فاحلبها، فأتى صلى الله عليه وسلم بإناء رحراح، ثم قال: بسم الله، تبارك الله، ثم حلب فملأ الإناء، فأعطاها فشربت العجوز حتى رويت، ثم حلب فملأ الإناء، فأعطاه أبا بكر فشرب، ثم حلب فملأ الإناء فشرب صلى الله عليه وسلم.

    قالت: من أنت؟ فأخبرها، قالت: ثم بقيت مذهولة ومشى صلى الله عليه وسلم فأتى زوجها فأخبرته الخبر وهي مذهلة، أتاها من الدهش ما لا يعلمه إلا الله، فأخبرت زوجها، قال زوجها: لعله الرجل الذي تطارده قريش، ويقول: إنه رسول الله، وبعد أن استقرت الرسالة أتت هي وزوجها بغنم هدية إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأسلموا فكساهم صلى الله عليه وسلم، وأعطاهم من المال ما الله به عليم، هذا من ضمن ما ورد من الأخبار عنه صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    بدء الوحي

    بدء الوحي، هو الانطلاقة الكبرى لتحرير الأمة، والخروج من الظلمات إلى النور، النور الآن يهبط على الرسول صلى الله عليه وسلم الذي بلغ الأربعين من عمره صلى الله عليه وسلم، كنا فيما مضى نتحدث عن سن ما قبل الأربعين، سن الشباب العشرين، والخمسة والعشرين والخمسة والثلاثين، الآن وصل الأربعين صلى الله عليه وسلم، اكتمل رشده وأشده: حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً [الأحقاف:15].

    فالرسول صلى الله عليه وسلم بلغ الأشد وهذه سن الأشد عند العرب، يقول الشاعر العربي سحيم بن وثيل:

    وماذا يبتغي الشعراء مني     وقد جاوزت حد الأربعين

    أنا ابن جلا وطلاَّع الثنايا     متى أضع العمامة تعرفوني

    فسن الأربعين هي اكتمال القوة الجسيمة والعقلية، فلما بلغ الأربعين صلى الله عليه وسلم كان يخرج من مكة يأخذ معه طعام ويجلس في غار حراء، وهو غار مرتفع يتعبد فيه، هل كان يصلي مثل صلاتنا التي علمنا إياها هو؟ قالوا: لا. يتجه إلى القبلة، ويتأمل في الكون، وينظر في النجوم وفي الليل، ويبقى الليالي الطويلة هناك، ثم يعود يتزود ويعود لمثلها.

    وبينما هو في الغار إذ جاء جبريل في صورة رجل، والرسول صلى الله عليه وسلم لا يعرفه، ولا أتاه سابق إنذار ولا إخبار، إنما كان يمر صلى الله عليه وسلم أحياناً بالحجر، فيقول الحجر: السلام عليك يا رسول الله، فيخاف صلى الله عليه وسلم، ويمر بالشجر، فتقول الشجرة: السلام عليك يا رسول الله فيخاف، فدخل عليه جبريل، فأتى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو جالس، فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ -وهو أمي- يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمََ [العنكبوت:48-49] وقال: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ [الجمعة:2] وقال: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى:52].

    قال: اقرأ -مرة ثانية- قال: ما أنا بقارئ، فأخذه جبريل هكذا، والرسول صلى الله عليه وسلم مقابله، فجعل صدره على صدره، ثم أمسكه بقوة، وقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْأنسانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ [العلق:1-3] فاندفع يقرأ صلى الله عليه وسلم معه، فنزل صلى الله عليه وسلم مرتعداً خائفاً من هذه المفاجأة، من أين أتى هذا؟ ثم نظر إلى جبريل فما وجده، فنزل ودخل على خديجة وهو يرتعد، قال: (زملوني زملوني) حمى، فزملته، وقال: (لقد خشيت على نفسي قالت: كلا والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الحق).

    تقول: لا. صفاتك أنت لا تخزى، أنت سوف يكون لك مستقبل، قال بعض أهل العلم: انظروا إلى هذه العاقلة كيف استدلت بحسن أفعاله على حسن مستقبله! فلما جلس إذا بجبريل يأتيه: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً [المزمل:1-2] يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [المدثر:1-5]. ثم ذهبت به خديجة إلى ورقة بن نوفل، وهو شيخ كبير في مكة من قريش، كان يقرأ الكتاب، تعلم الإنجيل، ويعرف اللغة العبرانية لغة اليهود، قالت خديجة: اسمع من ابن أخيك واسأله ماله، فأتى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فسأله، فأخبره صلى الله عليه وسلم بما رأى وما وجد، قال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، يا ليتني جذعاً، إذ يخرجك قومك، قال: أومخرجي هم؟!

    قال ورقة: نعم، ما أتى أحد بمثل ما أتيت به إلا أوذي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً.

    ثم مالبث ورقة أن مات، واستمر الوحي، وأخرج صلى الله عليه وسلم من مكة، وأتاه من القصص ما سوف يمر معنا، قصص تشيب الرءوس.

    في كفه شعلة تهدي وفي فمه     عقيدة تتحدى كل جبار

    وبين جنبيه وعدٌ ما سمعت به     وعد التحية من بر وإصرار

    ولما بلغ عليه السلام سنة الكمال وهي أربعون سنة، أرسله الله للعالمين بشيراً ونذيراً ليخرجهم من ظلمات الجهالة إلى نور العلم، وكان ذلك في أول فبراير سنة (610) من الميلاد، كما أوضحه المرحوم محمود باشا الفلكي، تبينت بعد دقة البحث أن ذلك كان في (17) رمضان سنة (13) قبل الهجرة، وذلك يوافق يوليو سنة (610) وأول ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، وذلك لما جرت عادة الله مع خلقه أن يتدرج بهم حتى يصلوا إلى درجات الكمال.

    فترة انقطاع الوحي

    قال المؤلف رحمه الله: "باب فترة الوحي" بعد أن أنزل على الرسول عليه الصلاة والسلام الوحي لأول مرة في غار حراء، وهي سورة العلق، فتر الوحي عنه عليه الصلاة والسلام، لم ينزل من السماء شيء ولم يأته جبريل، قيل: هذه الفترة كانت أربعين ليلة، لم يجد صلى الله عليه وسلم فيها وحياً ولم ينزل عليه قرآن، فأتاه من الخوف ما الله به عليم، وحزن صلى الله عليه وسلم واغتم؛ لأنه كان يطمع أن يكون -كما نزل عليه الوحي- رسول هذا العالم، وأن ينزل عليه الله هذا النور، وأن يأتيه هذا الوحي وهذا العلم، كما قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً [النساء:113].

    فلما وصل إلى هذه المرتبة فتر الوحي عنه عليه الصلاة والسلام، فاهتم هماً لا يعلمه إلا الله، حتى يذكر في بعض الروايات أنه كان يشرف صلى الله عليه وسلم من كثرة الهم من رأس بعض الجبال ليتردى، يريد أن يرمي بنفسه عليه الصلاة والسلام بعد هذه المأساة العظيمة، وبعد هذا الانقطاع الهائل من الوحي، وكانت تمر به عجوز، فتسأل، تقول: هل نزل عليه وحي؟

    فيقولون: لم ينزل وحي، قالت: قلاه ربه، تركه شيطانه.

    تقول: الشيطان الذي كان ينزل عليه تركه، وتعالى الله عما يقول هؤلاء علواً كبيراً، وتكرم عليه الصلاة والسلام عن هذه العبارة، قالت: تركه شيطانه، فأنزل الله عز وجل: وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضحى:1-3] هذا قسم بالضحى، وبالليل إذا أظلم، أن الله ما ودعك وما تركك ولا هجرك ولا قلاك ولا أبعدك، وأنك ما زلت حبيباً وخليلاً وقريباً ومكرماً، وبينما الرسول صلى الله عليه وسلم يسير، سمع هاتفاً يهتف، فالتفت، فإذا الملك بين السماء والأرض وإذا هو يخاطبه على كرسي، وأنزل الله عليه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ [المدثر:1-2].

    هذه هي فترة الوحي أربعون ليلة، انقطع الوحي فيها، والسبب في ذلك: ليشتاق الرسول عليه الصلاة والسلام للوحي، وأن يكون أكثر اشتياقاً له؛ ولذلك يقول بعض الفضلاء والحكماء: إذا أردت من أخ أن يتحبب إليك فحاول أن تبتعد عنه قليلاً، فإنه سوف يتعلق بك أكثر، فإن بعض الناس إذا تعلقت به حاول أن يبتعد عنك، فالله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى -وله المثل الأعلى- أراد أن يشوق رسوله عليه الصلاة والسلام إلى الوحي، ففتر الوحي أربعين ليلة ثم اتصل، أما قوله: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [المدثر:1] فإنه لما رجع عليه الصلاة والسلام -هذه غير رجعة الغار- رجع وهو ينتفض ويرتعد عليه الصلاة والسلام ويقول: {دثروني دثروني} مثل: {زملوني زملوني} أي: ألحفوني، قال سبحانه: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر:1-4] قيل: معنى ثيابك فطهر أي: طهرها من النجاسات وهذا شرطٌ في الصلاة، وقيل: من الأدناس والأوضار، وقيل: طهِّر عرضك من كل ما يصم العرض وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [المدثر:5] قيل: الرجز الصنم لا تعبده، وقيل: الرجز العذاب، يقول: كلما يستوجب عذاب الله وغضب الله فاهجره واتركه، هذا هو الرجز، فاهجر: اترك (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) يقول: لا تعط الناس عطية، وأنت تطمع أن يردوا عليك عطية أكثر منها؛ لأن هذا منٌ واستكثار من عطايا الناس، هذا توجيه الله له.

    مرحلة الدعوة سراً

    قام صلى الله عليه وسلم يدعو ولا يستطيع أن يجهر بالدعوة، كان إذا لقي الرجل وحده، تكلم معه بينه وبينه، ويستكتمه الخبر، وبدأ صلى الله عليه وسلم بالفقراء أولاً والعبيد الموالي، فكان يأتي إلى خباب بن الأرت، وكان خباب حداداً عنده كير، ينفخ عليه في الفحم وينتثر الرماد على وجوه الناس، ولا يأتي خباب أحد، فيأتي صلى الله عليه وسلم إلى خباب، فيجلس معه في الصباح وفي المساء، ويدعوه إلى لا إله إلا الله.

    فأتى ذات مرة سيد خباب، قال: ماذا يفعل محمد يوم يأتيك؟ قال: يأتيني يتحدث معي، وهو يدعوه إلى لا إله إلا الله محمد رسول الله، وفي الأخير اجتمعت قريش، وقالوا: أتدرون لماذا يذهب محمد إلى خباب؟ قالوا: لا ندري، قالوا: يتعلم منه القرآن؛ لأن خباباً أعجمي وعنده علم من الكتاب، فمحمد يأتي في الصباح وفي المساء يأخذ العلم والقرآن من هذا، ويخبرنا به في الحرم في المساء، والقصة كلها رد الله عليه بآية: وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً [الفرقان:4-5] ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [النحل:103].

    يقول: هذا القرآن أليس بعربي؟ وخباب أليس بعجمي؟

    لا يعرف النطق بالعربية، كيف يتعلم منه القرآن والقرآن أفصح ما تكلم به الناس، لا تستطيع قريش أن تنسج مثل القرآن، ولا تنظم مثل القرآن، فكيف يأتي خباب العجمي المولى الحداد ويخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا؟

    ثم كان الرسول صلى الله عليه وسلم يلقى الرجل فيستكتمه الخبر حتى انتشر الخبر، يقول: كل سر جاوز الاثنين شاع، يأتي صلى الله عليه وسلم وما أسلم معه إلا أربعة: أبو بكر من الشيوخ، وعلي وكان دون العاشرة، وأبوه أبو طالب لم يسلم ورفض، وأسلمت خديجة زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم، وزيد بن حارثة، شيخٌ وصبيٌ ومولى وامرأة.

    كان صلى الله عليه وسلم يأتي في غرفة صغيرة، فيقرأ عليهم، فإذا رفع صوته قليلاً بكى أبو بكر حتى يسمع بكاؤه من وراء الحائط؛ لأن هذا القرآن شيء مذهل، وخاصة أنهم يفهمون القرآن، فالعرب ليسوا مثلنا، أمزجتنا نحن قد فسدت لا نفهم القرآن، لكن تصور إذا قرأ صلى الله عليه وسلم القرآن: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى [النجم:1-3] كان أبو بكر يغلبه البكاء، فكان إذا رفع صلى الله عليه وسلم صوته، أتى كفار قريش فاستمعوا من وراء الحائط وآذوه، وإذا خفض صوته ما سمع منه أبو بكر ولا المصلون وراءه، فقال سبحانه: ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً [الإسراء:110].

    قال: لا تجهر؛ فيؤذيك الناس، ولا تخافت بصوتك؛ فلا يسمع منك أصحابك، ولتكن قراءتك وسطاً حتى يسمعك أصحابك، واستمر صلى الله عليه وسلم يدعو، فدعا بلالاً إلى الله عز وجل فاستجاب له، حتى يقول هرقل عظيم الروم، وهو يسأل أبا سفيان وكان في تجارة بعد أن التقى به، قال: أأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟

    الذي يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم هم السادة أم الضعفاء؟

    قال: بل ضعفاء الناس، قال: هم أتباع الرسل، والله عز وجل يقول: وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً [الإسراء:16].

    وهذه من سنن الله في الكون إلا ما ندر، تجد المترفين أبعد الناس عن وعي الكتاب والسنة، حتى تجد قلب أحدهم مثل الحجر، لا يستمع إلى كتاب ولا سنة، وقد يمر به الوقت وهو لا يسمع إلا خطبة الجمعة، وتجده في آخر الصفوف لا يستمع إلى درس، ولا محاضرة، ولا يتدبر القرآن، ولا يعيش سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، إنما وقته في مسلسل، أو أغنية، أو تمثيلية، أو لعب بلوت، أو سكار، أو كمنجة، أو ما يطلبه المستمعون، فتجد أن قلبه كالحجر تماماً.

    فالله عز وجل ذكر هذه القاعدة، قال: وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً [الإسراء:16] ولذلك تجد أن عامة الناس وفقراءهم ومساكينهم هم الذين يملئون الجنة؛ لأن الجنة كما وصفها الله، يقول: إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ [الواقعة:1-3].

    قال أهل العلم: تخفض أناساً كانوا مرفوعين في الدنيا، أي: أن الدنيا كانت تشير إليهم، لا يأتي لهم ثمن، وترفع أناساً كانوا مخفوضين في الدنيا في الغرف العالية، نسأل الله من فضله.

    فتجد أن مساكين الناس هم أكثر الناس قرباً من الله، وحرصاً على الدروس، واحتفاءً بالدعاة، وأكثر الناس احتراماً لطلبة العلم، ولصوقاً بالعلماء، وأكثر الناس مسألة عن أمور الدين، وأكثر الناس حباً لرسالة الرسول صلى الله عليه وسلم، فالرسول صلى الله عليه وسلم ترك أبا جهل وأبا لهب والوليد بن المغيرة، ولو أنه كان يحاول أن يكون بينه وبينهم خيط ممدود أو يصل الحوار معهم، لكن كانوا متكبرين متجبرين ولم يكونوا يتكلمون معه، ولا يسلمون عليه، ولا يردون التحية، ويرسلون له الصبيان يضربونه ويرمونه بالحجارة، بل كان أبو لهب -عمه- يأخذ التراب، ويحثو به على رأس الرسول صلى الله عليه وسلم، ويقول: احذروا -أيها العرب- هذا الساحر! احذروا هذا الكاهن! احذروا هذا الشاعر!

    كان الرسول صلى الله عليه وسلم ينزل إلى الحرم في السحر، فكان أبو لهب يرسل امرأته أم جميل فتأتي بالشوك فتضعه في طريق الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا خرج صلى الله عليه وسلم أصابه الشوك، ومسح الدم من قدميه، وهو يقول: {اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون}.

    لقد وجد من الإساءات واللدغات، ومن الأسى واللوعة ما لم يجده أحد، ومع ذلك يقول:: {اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون} فينزل ملك الجبال، فيقول: يا رسول الله! ائذن لي أن أطبق عليهم الأخشبين، إنما هم جثث وطواغيت، لا يساوي الإنسان منهم شيئاً، وفي علم الله يفنيهم بكلمة (كن) فيقول صلى الله عليه وسلم: {لا، إني أرجو من الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئا} وفي الأخير يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: تَبَّتْ يَدَا أبي لهب وَتَبّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ [المسد:1-5] قالوا: من نار تتلظى جزاء ما فعلت.

    واستمر عليه الصلاة والسلام يدعو فاستجاب له الفقراء، فوجدوا من النكال ما لا يعلمه إلى الله، انظر إلى الموالي الآن، دعوته عليه الصلاة والسلام تحرر الإنسان، فالذي يريد الكرامة ينتهج دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يلغي العبودية للبشر، أن يأتي بشر مثلك يتسلط عليك، أو تعبده من دون الله، أو تستخذي له، هذا مرفوض في الإسلام، لا. إنما هو الحوار، أن تكون رجلاً وهو رجل، أن تكون محترماً، بأن تكون لك كرامة وإنسانية، هذا ما يريده الرسول صلى الله عليه وسلم.

    فلما سمع الموالي بدعوته صلى الله عليه وسلم، دخلوا في دين الله، أتى آل ياسر وهم أسرة موالي، منهم عمار بن ياسر؛ فدخلوا في دين الله، فأخذهم أبو جهل وعذبهم، فقال صلى الله عليه وسلم وهو يمر بهم: {صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة} ومر صلى الله عليه وسلم على بلال وهو يسحب في رمضاء مكة، في شدة الحرارة وقت الظهيرة على الصخور السود، ويسحب على ظهره وبطنه، فيقول: أحدٌ أحد، أحدٌ أحد، يقولها بلال، حتى انتصر بإذن الله، هذه كلها من أوائل العقبات التي واجهها صلى الله عليه وسلم وهو في مكة.

    ولكن أعظم شيء في دعوته صلى الله عليه وسلم، ومما حبب الناس إلى دعوته، أنها تجعل للإنسان احتراماً وقيمة؛ لأن بلالاً كان كالحيوان عند قريش لم يكن له احترام، كان مولى أسود، يقولون: ليس له حق في التعايش ولا تسمع كلمته، ولا يقبل رأيه، فرفض صلى الله عليه وسلم هذا كله.

    وقد وجد ذلك أيام الخلافة الراشدة، فهذا عمر بن الخطاب يقوم يوم الجمعة، فيقول: [[أيها الناس! ما رأيكم لو قلت عن الطريق هكذا]] أي: ملت، فيقوم أعرابي من آخر المسجد بدوي، فيسل سيفه، فيقول: [[والله الذي لا إله إلا هو يا أمير المؤمنين لو رأيناك قلت عن الطريق هكذا، لقلنا بالسيوف هكذا]] ماذا يفعل عمر؟ تدمع عيناه! ويقول: [[الحمد الله الذي جعل في رعيتي من لو قلت عن الطريق هكذا، لقال بالسيف هكذا]] فالرسول عليه الصلاة والسلام أتى بهذا المنهج، وهو تقدير الرأي واحترام الإنسان؛ فدخل الناس في دين الله عز وجل زرافات ووحدانا.

    كان أبي بن خلف مجرماً من العتاة الكبار وهو من سادات مكة، نزل والرسول عليه الصلاة والسلام يطوف، فجمع كفار قريش فاجتمعوا عليه، فبصق أُبي -عليه لعنة الله- في وجه الرسول صلى الله عليه وسلم، فأخذها صلى الله عليه وسلم وأسرها في نفسه، ثم وقف عند المقام فدعا عليهم.

    فأما السبعون الذين دعا عليهم فقتلوا جميعاً في بدر، يقول أحدهم بعدما أسلم: والله ما زلت أعلم أنهم سوف تصيبهم قارعة بعد أن دعا عليهم صلى الله عليه وسلم عند المقام، السبعون جميعاً ذبحوا على الكفر في بدر، هذه شلة أبي جهل، وأما أُبيّ بن خلف فإن الله أراد أن يخزيه، ولم يقتل في بدر فر وشرد ببغلته في أول المعركة فتوعده عليه الصلاة والسلام، فذهب إلى مكة فقال: أين أقاربي؟ فقالوا: قتلوا جميعاً في بدر، فأخذ يعلف فرسه، يأخذ صاع البر ويعطي فرسه، ويقول: كُلْ سوف أقتل عليك محمداً، ويأخذ السيف ويملؤه سماً شهراً كاملاً حتى أصبحت سلة السيف زرقاء من السم.

    فوصل الخبر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، قالوا: يا رسول الله! يقول أبي بن خلف سوف يقتلك، قال: أنا أقتله إن شاء الله، يقول المتنبي:

    وما كنت قرناً غالباً لقرينه     ولكنه التوحيد للشرك هازم

    حضر أبي بن خلف معركة أحد، فقال لكفار قريش: ما رأيكم أن تعفوني من المعركة وأنا أقتل لكم محمداً، قالوا: ما دام أنك تقتله فلا تقاتل معنا، فترك المعركة، وجلس في وادٍ وحده، فلما انتهت المعركة، انتهت بقتل سبعين من أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن الرماة خالفوا أمره، وانتهت وقد كسرت رباعية الرسول صلى الله عليه وسلم هذه، ودخل المغفر في رأسه؛ لأنه لم يكن يفر في المعركة، كان هو في الصف الأول دائماً، وانتهت والدم يغشى وجهه الشريف عليه الصلاة والسلام وبه من التعب والإعياء ما الله به عليم، ثم مر ووجد حمزة مقتولاً، وقد بقرت بطنه، فغضب وتغير عليه الصلاة والسلام، وقال: {والذي نفسي بيده، لئن ظفرت بهم لأمثلن منهم بسبعين} فأنزل الله لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ [آل عمران:128] فتأثر صلى الله عليه وسلم، وفي تلك اللحظة يقول للصحابة صلى الله عليه وسلم: {صفوا ورائي لأثني على ربي}.

    يقول أحد المفكرين: لله درك! في هذه الضربات الأليمة التي وصلتك في عرضك وجسمك وأصحابك وقرابتك، ومع ذلك تقول: أثني على الله، ثم صلى بهم العصر، فلما سلم وإذا بـأُبي بن خلف ذلك المجرم يقبل على فرس، يقول بعض الرواة: كأن الجبل أقبل معه، الفرس قوي والرجل شجاع، وأقبل ومعه سيف وقد تغطى بدرع كله من تحت الثوب، حتى لم يترك إلا مقدار الدرهم في نحره، فأقبل ومعه السيف يريد الرسول صلى الله عليه وسلم، فقام الأنصار بالسيوف يريدون أن يتناولونه، قال صلى الله عليه وسلم: دعوه، عليَّ بحربة، فأعطوه حربة، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: بسم الله، والله يقول: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى [الأنفال:17].

    يقول: أنت لم تسدد الرمية إنما أنت أطلقتها، لكن الله رمى.

    رمى بك الله جنبيها فحطمها     ولو رمى بك غير الله لم يصب

    قال: باسم الله، قال: فأرسلها فتركت كل جسمه، ودخلت في هذا المكان، فوقع رأس الحربة في نحره، فرجع هو على فرسه إلى كفار قريش: قالوا: مالك؟ قال: قتلني محمد، قالوا: ما قتلك إنما هي قطرة دم في نحرك، قال: دعوني، ثم أقسم بالله لو أن ما بي هذه الطعنة بأهل سوق ذي المجاز لماتوا عن بكرة أبيهم، يقول: لو أن هذه الطعنة أصابت العرب في سوق ذي المجاز، لماتوا فأقبلوا يدفئونه بالنار فأخذ يخور كالثور ثم مات مع الغروب، وصدق صلى الله عليه وسلم حين قال: {أقتله إن شاء الله}.

    وخرج أبو بكر وإذا الرسول صلى الله عليه وسلم قد اجتمع عليه كفار قريش عند الحجر الأسود، يقولون: لا تطف، ويقول: بل أطوف، انظر هذه الشراسة، قبيلة تتحدى الرسول صلى الله عليه وسلم في شخصه، حتى يبكي ويشكو إلى الله، يقول: {إلى من تكلني؟ إلى عدو يتجهمني، أم إلى قريب ملكته أمري، إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن ينزل بي سخطك، أو يحل عليّ غضبك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك} فينجده الله عز وجل.

    يأتي أبو بكر والناس قد تواطئوا عند الحجر يريدون ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم، قال: [[أتقتلون رجلاً أن يقول: ربي الله؟]] فمالوا على أبي بكر فضربوه حتى أغمي عليه، فلما رفعوه وأفاق، قال: كيف حال الرسول صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: بخير، قال: لا أهدأ ولا أرتاح حتى أراه، فأتوا بالرسول صلى الله عليه وسلم فدخل على أبي بكر الصديق، ولذلك قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ [الزمر:33].

    من الذي جاء بالصدق؟

    محمد صلى الله عليه وسلم.

    ومن الذي صدق به؟

    أبو بكر، وما اسم أبي بكر؟

    اسمه الصديق، وهذا المسجد اسمه مسجد أبي بكر الصديق، وهو واحد من آلاف المساجد في العالم الإسلامي في الكرة الأرضية باسم هذا الرجل الذي تولى الخلافة رضي الله عنه وأرضاه وتركها، لكن ما تركها عفوياً، لما أتته الوفاة، قال: [[والله ما أخذت من مال المسلمين قليلاً ولا كثيراً، إذا حضرت الوفاة فخذوا هذين الثوبين وهذه البغلة، واذهبوا بها إلى عمر وقولوا: هذا الذي بقي من مال المسلمين، واتقِ الله يا عمر، لا يصرعنك الله مصرعاً كمصرعي]].

    ووصلت هذه الرسالة إلى عمر فبكى حتى جلس، وقال: [[أتعبت الخلفاء بعدك يا أبا بكر]].

    هذا طراز أبي بكر وعمر، نحن قدمنا للعالم أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً وأحمد ومالك وابن تيمية وابن القيم؛ فدخلوا في دين الله أفواجاً، فلما قدمنا لهم الحجاج وأبا مسلم الخراساني والحاكم بأمر الله الفاطمي والخميني وصدام حسين رفضوا الإسلام؛ لأنهم يظنون أن هؤلاء يمثلون الإسلام في هذه الفترة، فعلينا أن نعود أصلاً إلى رسالته صلى الله عليه وسلم، وإلى سيرته العطرة.

    واستمر صلى الله عليه وسلم يدعو، وقام كثيرٌ من بيوت قريش، فما من بيت إلا ودخله الإسلام، ومنهم الشباب سعد بن أبي وقاص، خال الرسول عليه الصلاة والسلام، سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لما أراد عمر أن يفتح إمبراطورية كسرى، وأن يدمرها ويسحقها على رأس هذا المجرم كسرى أنوشروان. لقد حكم هو وأسرته ألف سنة، أراد عمر أن يفسد هذه الإمبراطورية ويخزيها ويسحقها، ماذا فعل؟ قال: أريد قائداً، وجهز عمر جيشاً، فبات الصحابة في الليل يريدون أن يختاروا قائداً، وفي الصباح رشَّح عمر نفسه، قال: أنا قائد الجيش، قال: علي بن أبي طالب: لا يا أمير المؤمنين، لا أرى أن تذهب أنت، أرى أن تبقى في عاصمة الإسلام، قال للصحابة: ما رأيكم؟

    قالوا: صدق علي، قال: التمسوا لي رجلاً يقود الجيش، قالوا: دعنا يا أمير المؤمنين نفكر، فدخلوا في الخيام والبيوت يفكرون وقليلاً وإذا عبد الرحمن بن عوف يقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، وجدت الأسد في براثنه، قال عمر: من هو؟ قال: سعد بن أبي وقاص، قال: صدقت، فولاَّه.

    هذا سعد رضي الله عنه، الذي قاد المعركة الفاصلة قادسية الإسلام، ليست قادسية صدام الكذب والخيانة، وقلة الأمانة، وقلة الحياء والفشل والخزي والعار إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

    هذا سعد بن أبي وقاص الذي رفعنا، ونحن الآن بدون سعد وعمر وأبي بكر، وبدون صلاح الدين لا نساوي صفراً، لأننا عندما تركنا مسيرة سعد وصلاح الدين ونور الدين وأمثالهم قتلتنا جولد مائير وأخزت جيوشنا وطردت شبابنا، وضربت مطاراتنا، وهي عجوز في السبعين من عمرها، فنحن في التراب حتى نعود إلى صلاح الدين ونور الدين وعمر وعمر بن عبد العزيز.

    أولئك آبائي فجئني بمثلهم     إذا جمعتنا يا جرير المجامع

    أما العروبة، والمظلة العربية، والأخوة العربية، والدم العربي:

    وحدويون والبلاد شظايا     كل جزء من جسمها أجزاء

    ناصريون نصرهم أين ولَّى     حين داست على الجباه اليهود

    هذه هي الناصرية، وهذه هي العروبة والقومية، قومية أيلول، وقومية الكويت، وقومية حماه، وقومية بعاث وداحس والغبراء.

    سعد بن أبي وقاص أسلم وهو شاب، فقالت أمه: لماذا تسلم؟

    صبأت عن دينك ودين آبائك وأجدادك، وهكذا يطارد الإنسان المهتدي، الآن بعض الشباب إذا اهتدى وكان في بيته طاغوتاً، أي: أب منحرف أو أم منحرفة، تقول: أصبحت مطوعاً، لماذا تقصر الثوب واللحية؟ تتبع من؟ أتيت لنا بدين جديد، نشأنا أنا وأبوك وجدك نستمع الغناء والحمد لله ليس بحرام -تفتيه- والمسلسل، ونصلي ونصوم ونعبد الله، ونختلط مع الرجال وليس في قلوبنا شيء، والحجاب هذا بدعة، وشددت علينا بهذا الدين، وهذا ما واجهه سعد بن أبي وقاص، كما يواجهه البشر دائماً، يقول: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف:23].

    فقالت أمه: والله لا آكل ولا أشرب حتى تعود عن دينك؟ قال: يا أماه! ديني حق، وأخبرها، قالت: والله لا آكل ولا أشرب حتى تعود عن دينك، قال: يا أماه! قالت: نعم. قال: [[والذي لا إله إلا هو، لو كان لك ألف نفس، فخرجت نفساً نفساً ما عدت عن ديني]] فلما قال ذلك، أنزل الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَوَصَّيْنَا الْإنسانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [العنكبوت:8].

    وأنا أنبه الشاب والأخوة جميعاً، أن بعض الأخوة يتصور مسألة أنه إذا وجد أباه عاصياً أو أمه عاصية، يرى أنه لا يجوز له أن يطيعهما، أو أن يواليهما أو ينفق عليهما أو أن يزورهما، وهذا خطأ، الأب ولو كان مشركاً، ولو كان طاغوتاً، ولو كان على مذهب ماركس، فعليك أن تزروه، وأن تنفق عليه، وأن تصاحبه بالمعروف، لكن لا تحبه ولا تواله، وبعض الناس تجده يعصي أباه، وإذا قلت له: لماذا تعصي أباك؟

    قال: لا يصلي في المسجد، فنقول له: لا يعفيك هذا في الإسلام، يقول سبحانه تعالى: وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً [لقمان:15] فمعروف الوالدين لا بد ولو كانا كافرين.

    عقيدة الولاء والبراء عند الصحابة

    هاجرت امرأة إلى المدينة تزور بنتها أسماء بنت أبي بكر، فأتت فنزلت -انظر مسألة الولاء والبراء عند الصحابة، دين فصل الوالد عن أبيه، دين جعل الإنسان قبل أن يعانق أباه يذهب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم،يقول: أتأذن لي أن أسلم على أبي؟ أتأذن لي أن أصاحب أبي؟ أتأذن لي يا رسول الله أن أضيف أمي؟

    فأتت فنزلت عند بنتها وهي امرأة مشركة، وبنتها أسماء بنت أبي بكر مسلمة مؤمنة، فنزلت فأقسمت ألا تُدخلها من الباب، حتى تستأذن الرسول صلى الله عليه وسلم، وإلا من يخبر صلى الله عليه وسلم أنها استقبلتها أو ضيفتها أو أهدتها، لكن الإيمان القوي العميق، قالت: اجلسي عند الباب حتى أستأذن الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فإن أذن لك أدخلتك وضيفتك، وإن لم يأذن فو الله لا تدخلين الباب، فذهبت؛ فاستأذنت الرسول صلى الله عليه وسلم، فتبسم عليه الصلاة والسلام وقال: {نعم! صلي أمك} والحديث أصله في صحيح البخاري.

    ويأتي أبو سفيان وهو يحارب الرسول صلى الله عليه وسلم يدخل فجأة في المدينة، يريد أن يسلم على بنته زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد كان صهره، فأتى إلى رملة أم حبيبة في بيت الرسول صلى الله عليه وسلم في غرفة، فدخل عليها، فلما دخل أراد أن يجلس على فراش الرسول صلى الله عليه وسلم فطوت عنه الفراش، قال: لمه؟ وهو أبوها، قالت: أنت مشرك نجس، والرسول صلى الله عليه وسلم نبي طاهر، هذه لا إله إلا الله التي فصلت هذا عن هذا.

    وهذا أبو عبيدة من العشرة المبشرين بالجنة، يقول عمر: [[تمنوا أيها الناس]] فتمنى كل إنسان، قال عمر: [[أما أنا فأتمنى من الله لو أن لي ملء هذا البيت رجالاً من أمثال أبي عبيدة]] وهو قائد الجيوش في الشام، الذي فتح الشام، أبو عبيدة يلتقي في بدر مع أبيه وهو مشرك، فيميل عنه أبو عبيدة لا يريد أن يقاتله، ثم في المرة الثانية يميل عنه، ثم في الثالثة يأخذه أبو عبيدة فيضرب رأسه فإذا رأسه في أرض وجثته في أرض، فيمدحه الله من فوق سبع سماوات: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ [المجادلة:22].

    هذا هو الدين الذي يفصل بين الوالد وولده، ورسالته عليه الصلاة والسلام اسمها: رسالة المفاصلة بين معسكر الكفر ومعسكر الإيمان.

    1.   

    إسلام بعض الصحابة في أول الإسلام

    إسلام أبي بكر الصديق

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: وأول من أجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه.

    أول من أجابه من الرجال أبو بكر، وأول من أنفق أمواله في سبيل الله أبو بكر، ولذلك كان هو الخليفة بعد الرسول عليه الصلاة والسلام وما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أفضل من أبي بكر الصديق.

    يقول عمر: {أردت أن أسبق أبو بكر يوماً من الأيام؛ فأخذت نصف أموالي وأتيت بها رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقال لي صلى الله عليه وسلم: ماذا أبقيت لأهلك؟ قلت: أبقيت لهم نصف مالي، ثم قلت: يا رسول الله هل سبقني أحد بشيء، قال: نعم سبقك أبو بكر الصديق بماله كله قال عمر: فو الله ما أستطيع أن أسابق أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه}.

    أسلم وصدَّق الرسول عليه الصلاة والسلام وأنزل سُبحَانَهُ وَتَعَالَى قوله: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [الزمر:33] يقول عليه الصلاة والسلام: {ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له كبوة، غير أبي بكر الصديق} أي: كان له توقف وكان له تأمل إلا أبا بكر رضي الله عنه فإنه أسلم وما تلعثم وما تأخر رضي الله عنه وأرضاه.

    إسلام عثمان بن عفان

    وممن أسلم في أول الإسلام عثمان بن عفان، وهو ذو النورين؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام زوجه ابنتيه، زوجه رقية ثم ماتت، ثم زوجه أم كلثوم، وهو رضي الله عنه عند كثير من المفسرين المقصود بقوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر:9] كان ابن عباس إذا قرأ هذه الآية، قال: ذاكم عثمان بن عفان، وقد آتاه الله مالاً كثيراً، وكان من تُـجَّار الصحابة، فأنفق أمواله في سبيل الله.

    يقول صلى الله عليه وسلم على المنبر: {من يُـجهِّز جيش تبوك وله الجنة؟} فتوقف الناس، فقال: {من يجهز جيش تبوك وله الجنة} فقام عثمان؛ فجهز جيش تبوك، فقال عليه الصلاة والسلام: {اللهم اغفر لـعثمان بن عفان ما تقدم من ذنبه وما تأخر، اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض} وقتل شهيداً رضي الله عنه.

    أبو بكر الصديق والصديق لا تأكله الأرض عند كثير من أهل العلم، وعمر قتل شهيداً، وقتل عثمان شهيداً، وقتل علي شهيداً، فـعثمان قتله الثوار عليه، وكان المصحف مفتوحاً بين يديه، وكان صائماً يوم قتل، وقد نام بعد صلاة العصر قليلاً، فرأى الرسول صلى الله عليه وسلم في المنام، وكأنه صلى الله عليه وسلم في الجنة معه أبو بكر وعمر، فقال له صلى الله عليه وسلم: يا عثمان! اصبر فإنك سوف تفطر عندنا هذه الليلة، فقتل قبل الغروب وما أفطر، وسال دمه على المصحف، على قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة:137] هذا عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه، رفع الله منزلته، وجمعنا به في دار الكرامة، ويتنقصه الرافضة عليهم غضب الله، وهو من السعداء عند الله عز وجل وهو ثالث الخلفاء الراشدين.

    إسلام الزبير بن العوام

    وممن أجاب أيضاً الزبير بن العوام: حواري الرسول عليه الصلاة والسلام، وكان صلى الله عليه وسلم يرسله في المهمات وكان من أشجع الناس، يقول ابنه عروة: [[كنت ألعب بجروح في صدر أبي وفي كتفه وفي ظهره من كثرة ما ضرب في سبيل الله]] هذه الجروح كانت مغارات من ضرب السيوف والرماح، قال: [[كنت ألعب بها بعدما برئت فيما بعد]] هذه جروح الزبير بن العوام، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة.

    حضر معركة الجمل، وبعدها رجع وفي أثناء طريقه وهو عائد إلى المدينة نام تحت شجرة، فأتاه رجل اسمه ابن جرموز، فوجد الزبير نائماً، فأخذ سيف الزبير وهو معلق؛ فذبح الزبير، فأتت عاتكة زوجة الزبير تقول:

    يا ذاك لو نبهته لوجدته     لا طائشاً رعش الجنان ولا اليد

    شلت يمينك إن قتلت لمسلماً     حلت عليك عقوبة المتعمدِ

    فلما قتله ابن جرموز هذا، كان يرى في المنام أنه يسبح في بحر من الدم، فأتى إلى عبد الله بن الزبير، فقال: خذوا بدمي من دم أبيكم اقتلوني بأبيكم، والله ما نمت بعده ليلة واحدة إلا رأيت في المنام أني أسبح في بحر من الدم، قال عبد الله بن الزبير: والله لا نقلتك بـالزبير، والله لا تساوي شراك نعل الزبير، ولكن نتركك لله، وقد صدق؛ لأن ابن جرموز ماذا يساوي مع الزبير بن العوام أحد العشرة؟! فتركوه.

    إسلام عمر رضي الله عنه

    وممن أسلم: عمر رضي الله عنه وأرضاه، وهو من المتقدمين في الإسلام، خرج متوشحاً سيفه يريد أن يقتل الرسول عليه الصلاة والسلام، وفي أثناء طريقه إلى دار الأرقم بن أبي الأرقم، عرض له رجلٌ من قريش أو ممن أسلموا، فأخذ عمر يسب هذا المسلم، ويقول: كيف تصبأ وتترك دينك؟ قال: اترك عنا هذا يا ابن الخطاب، فإن الإسلام قد دخل بيتك وأختك قد أسلمت وزوجها، فعاد غاضباً ومعه السيف، وكان كبير الجسم وشجاعاً، فأقبل إلى أخته وزوجها، فضربهم حتى شج رءوسهم وسالت دماؤهم.

    وسمعهم يقرءون في صحف فطلبها، فقالا: لا. أنت نجس حتى تغتسل، فاغتسل ثم فتح الصحف، فوجد فيها: طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى [طه:1-4] فأسلم، وأتى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم مسلماً، فخرج له صلى الله عليه وسلم لما رآه بالسيف، وأخذه صلى الله عليه وسلم بتلابيب ثوبه، يظن أنه لا يزال مشركاً، قال: [[أما آن لك يا ابن الخطاب أن تسلم حتى ينزل بك ما نزل بـالوليد بن المغيرة؟ فقال عمر: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله]] فأسلم.

    ولما هاجر وقف على الصفا وقال: [[يا معشر قريش، من أراد أن تثكله أمه فليلقني ببطن ذاك الوادي]] فما قام له أحد، كان من أشجع الناس، حتى يقول حافظ إبراهيم:

    قد كنت أعدا أعاديها فصرت لها     بفضل ربك حصناً من أعاديها

    إسلام طلحة بن عبيد الله

    وأسلم طلحة بن عبيد الله ذو الجود، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وكان من أكرم الناس يداً، وأنفعهم لرسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد حضر الغزوات كلها مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وشلت يده يوم أحد، ضرب بالسيوف والرماح والنبل حتى شلت يده، فلما انتهت المعركة قال له الصحابة: كيف وجدت نفسك؟

    قال: والذي نفسي بيده، ما في جسمي شبر إلا وفيه ضربة بسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، فكان أبو بكر يبكي على المنبر ويقول: [[أما يوم أحد فقد ذهب بأجره طلحة بن عبيد الله]] وكان من أشجع الناس.

    وقد قتل طلحة يوم معركة الجمل التي وقعت بين علي من جهة ومن معه، وبين عائشة ومن معها، وهي فتنة وقعت تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [البقرة:134].

    ومن معتقد أهل السنة والجماعة ألا يخوضوا فيما شجر بين الصحابة ولا يتكلموا ولا يخطئوا بعض الصحابة، ويقولوا: الصواب مع فلان أو مع فلان، لا، بل يكفوا ألسنتهم كما كفوا أسيافهم، قيل لـعامر الشعبي: ما رأيك في أهل الجمل وأهل صفين عندما فر بعضهم من بعض؟

    قال: أولئك أهل الجنة التقوا فاستحيا بعضهم من بعض.

    طلحة بن عبيد الله قتل في المعركة، وكان في الصف المقابل لـعلي، وسبب خروجه من المدينة أنه يريد أن يقاتل قتلة عثمان فلما خرج قتل، فنزل علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما رأى طلحة، وكان زميله وحبيبه وصديقه ومن العشرة المبشرين بالجنة معه، فنزل علي وأخذ يمسح التراب عن وجه طلحة وهو مقتول، ويقبله ويبكي، ويقول: [[يعز عليّ يا أبا محمد أن أراك مجندلاً على التراب، لكن أسأل الله أن يجعلني وإياك ممن قال الله فيهم: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الحجر:47]]].

    قيل: هذه الآية نزلت في الصحابة وفي المسلمين عامة، فممن أسلم طلحة رضي الله عنه.

    إسلام صهيب الرومي

    وممن أسلم أولاً: صهيب الرومي الذي اشترى نفسه من الله، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ [البقرة:207].

    خرج مهاجراً إلى المدينة، وكان من أرمى الناس في الأسهم، يرمي رمياً هائلاً، فلحقه كفار قريش، وقالوا: لنقتلنك، وحوطوا عليه، فأخرج كنانته وأسهمه، وقال: إنكم تعلمون أني من أرمى الناس، والله لا أترك سهماً إلا رميت به، ولكن خذوا مالي واتركوني، قالوا: أين مالك؟ فأخبرهم بمكان المال، فلما رجعوا وجدوا ماله؛ فأخذوه كله، وذهب بلا مال إلى الرسول عليه الصلاة والسلام في المدينة، فلما رآه عليه الصلاة والسلام قال: {ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع أبا يحيى} صهيب كنيته: أبو يحيى، وقد اشترى نفسه من الله، فيقول الله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ [البقرة:204] ثم قال بعدها بآيات: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ [البقرة:207].

    إسلام ابن مسعود

    ومن السابقين الأولين: عبد الله بن مسعود، وهو هذلي، كان يرعى الغنم، نحيف الجسم، يقولون: كان جسمه إذا قام يعادل الجالس إذا جلس، أي: وأنت جالس وهو قائم يعادل رأسك، وكان نحيف الجسم جداً، حتى صعد مرة يأخذ سواكاً للرسول عليه الصلاة والسلام من شجرة، فهبت الريح، فاهتزت الشجرة وعليها ابن مسعود كالصقر، فأخذ الصحابة يتضاحكون من خفته ومن دقته، فقال صلى الله عليه وسلم: {أتعجبون من دقة ساقيه! والذي نفسي بيده، إنهما في الميزان يوم القيامة أثقل من جبل أحد}.

    ولذلك ترى بعض المجرمين مثل السارية وهو مجرم لا يساوي عند الله فلساً، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ [المنافقون:4] ويقول حسان في بعض المجرمين، لما رآهم طوالاً، قال:

    لا بأس بالقوم من طول ومن قصر     جسم البغال وأحلام العصافير

    أسلم ابن مسعود وكان له لقاء تاريخي مع الرسول صلى الله عليه وسلم قبل أن يسلم، خرج صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وفي أثناء الطريق وإذا راعي هذا الضأن يرعى -وهو ابن مسعود - لهذيل، وهذيل قبيلة قريبة من البحر الأحمر، فاقترب صلى الله عليه وسلم، فقال: يا غلام! أفي غنمك حلوب؟ فقرب لهم، وقيل: قرب لهم حائلاً؛ فدعا صلى الله عليه وسلم فحلب بإذن الله، فقال له ابن مسعود: علمني يا هذا مما تعلم؟ سمع دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم وهو يتبسم: {إنك غلام معلم} ثم ذهب صلى الله عليه وسلم، ولما عاد أسلم ابن مسعود رضي الله عنه وأخذ من فم الرسول صلى الله عليه وسلم سبعين سورة مباشرة.

    وكان جميل الصوت، يقول مسروق بن الأجدع: [[استمعت لـابن مسعود وهو يقرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] في صلاة المغرب، والله ما سمعت صنجاً، ولا ناياً، ولا وتراً، أجمل من صوته، وودت أنه قرأ بنا بسورة البقرة]].

    كان صلى الله عليه وسلم يقول: {اقرأ عليّ القرآن، قال: كيف أقرأ عليك وعليك أنزل؟ فيقول صلى الله عليه وسلم: إني أحب أن أسمعه من غيري -يقول: أنا أتلذذ بالقرآن من غيري- فبدأ يقرأ سورة النساء، حتى بلغ قوله تعالى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً [النساء:41] فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حسبك الآن، يقول ابن مسعود فنظرت؛ فإذا عيناه تذرفان عليه الصلاة والسلام}.

    قام ابن مسعود يقرأ سورة الرحمن عند المقام، وأبو جهل جالس هو وكفار قريش فأخذ يرفع صوته ويقول: الرَّحْمَنُ *عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإنسانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ [الرحمن:1-5] هل يستطيع بشر أن يقول مثل هذا الكلام؟

    هل سمعتم أجمل من هذه العبارات؟! (الرَّحْمَنُ) (عَلَّمَ الْقُرْآنَ) (خَلَقَ الْإنسانَ) (عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ) (وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ) فقام أبو جهل؛ فأخذ يضربه على وجهه بيده، وابن مسعود لا يتوقف يندفع يقرأ ويضربه ويضربه ثم أخذ بأذنه وجعل يطوف به في الحرم.

    فلما أحق الله الحق، وأتت معركة بدر، حضرها ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، فلما قتل أبو جهل وأصبح في الرمق الأخير، أتى ابن مسعود ومعه سيف؛ فأخذ يحز عنق أبي جهل، قال أبو جهل: سيفك هذا لا يصلح، خذ سيفي، يريد أن يريح نفسه بالموت؛ لأنه مطعون ودمه يسيل، فأخذ سيف أبي جهل وصعد على صدر أبي جهل، قال أبو جهل: لقد ارتقيت مرتقاً صعباً يا رويعي الغنم، يقول: تصعد على صدري، فلما حز رأسه أتى برأسه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، يسحبه بخيط في أذنه، فتبسم صلى الله عليه وسلم، وقال: {هذه بتلك} وقيل في بعض الروايات: {الأذن بالأذن والرأس نافلة} يقول: سحبك بأذنك في الحرم، وأنت تسحبه الآن بأذنه.

    ثم قال صلى الله عليه وسلم: {هذا فرعون هذه الأمة} قالوا: يا رسول الله! كيف نعرف جثته؟ قال: {تعرفون جثته بجرح في ركبته، فإني تصارعت أنا وأبو جهل ونحن شباب على مائدة عبد الله بن جدعان في مكة؛ فصرعته في الأرض فهو مجروح في ركبته} فأتوا إلى ركبة أبي جهل وإذا فيها آثار جراح، فسحبوا جثته فلما ألقي في القليب قام عليه الصلاة والسلام فيهم ثم قال: {يا معشر قريش! هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا فقال عمر: يا رسول الله! ماذا تحدث من جثث لا حراك بها؟ قال: والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم}.

    إسلام أبي ذر الغفاري

    وممن أسلم كذلك: أبو ذر الغفاري رضي الله عنه في مكة، وهو من المتقدمين، وفي بعض الروايات أنه يحشر مع عيسى عليه السلام، وورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر الغفاري} وهو الزاهد الكبير والعابد.

    أما سبب إسلامه فإنه كان في البادية، في قبيلة غفار في شمال مكة، وكانت بادية لم يكونوا حاضرة، فسمع بمبعث الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال لأخيه أنيس: يا أنيس! اذهب إلى هذا الذي يدِّعي النبوة في مكة، فأعطني منه خبراً، فأتى أنيس فركب جمله، وأبو ذر يرعى إبل وغنم أخيه مع إبله وغنمه، فذهب أنيس هذا؛ فدخل مكة؛ فلقيه أبو لهب، قال أنيس: من هذا الذي يدعي النبوة عندكم؟

    قال: كذاب، ساحر، شاعر، خرج علينا يسب آلهتنا، فخرج أنيس وما أخذ الخبر.

    وأتى إلى أبي ذر، قال: يقولون: كذاب، ساحر، شاعر، قال: ما أنصفتني وما شفيت غليلي، فركب جمله رضي الله عنه وأرضاه، فوصل إلى مكة فدخلها في ظلام الليل.

    فالتقى بـعلي بن أبي طالب وهو شاب، قال لـعلي: دلني على هذا الذي يدعي النبوة؟ قال: هو ابن عمي، وصدق، فالرسول صلى الله عليه وسلم هو ابن عم علي فهذا علي يبكي في معركة تبوك ويقول: يا رسول الله! خلفتني مع النساء والأطفال؟ قال صلى الله عليه وسلم وعيونه تهراق بالدموع: {يا علي! أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي} ويقول صلى الله عليه وسلم لـعلي: {لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق}.

    فالمقصد: أن خرج علي بن أبي طالب وقال لـأبي ذر: إذا توقفت أصلح حذائي أتظاهر كأني أصلح حذائي فهو الرجل القريب مني؛ لأنه لا يريد أن يكشف نفسه لكفار قريش، فأتى علي فنزل مع أبي ذر إلى الحرم، فلما اقتربوا كان صلى الله عليه وسلم يجلس في وسط الحرم؛ دائماً هو في عراك -كل يوم وكل ليلة- مع كفار قريش، يقول: {قولوا: لا إله إلا الله} ويقولون: لا. وثلاثمائة وستين من الأصنام حول الكعبة لم يهدمها؛ لأنه ينتظر بها مستقبل لا إله إلا الله، حتى يهدمها إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً [الفتح:1-3] فوقف صلى الله عليه وسلم وهو جالس، وتوقف علي يصلح حذاءه، فتقدم أبو ذر وعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: عم صباحاً يا أخا العرب -هذه تحية الجاهليين- العرب إذا التقى أحدهم أخاه في الجاهلية، يقول: عم صباحاً يا أخا العرب، ويقول امرؤ القيس في قصيدته الشهيرة:

    ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي     وهل يعمن من كان في العصر الخالي

    فقال صلى الله عليه وسلم: {إن الله أبدلني بتحيةٍ خيراً من تحيتك} قال: ما هي؟ قال: {السلام عليكم ورحمة الله وبركاته} قال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، قال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، قال: من أنت؟ قال: {أنا رسول} قال: من أرسلك؟ -هذا يسمى اللقاء الحار- قال: {الله} قال: بماذا أرسلك؟ قال: بعبادة الله وحده وإقام الصلاة، وصلة الرحم، والبر، ثم ذكر له، قال: أسمعني مما أنزل الله عليك، قال: بسم الله الرحمن الرحيم، وبدأ صلى الله عليه وسلم يقرأ عليه من القرآن، قيل: من سورة فصلت، فقال أبو ذر: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، قال صلى الله عليه وسلم: {من أين الرجل؟ قال: من غفار، فتبسم عليه الصلاة والسلام، ورفع طرفه إلى السماء، وقال: إن الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}.

    أبو جهل وأبو لهب عند الحجر الأسود، رفضوا لا إله إلا الله، ويأتي هذا من غفار يسلم، قال: يا رسول الله! ائذن لي أن أجهر بالدعوة، قال: لا. -انظر الحكمة! يقول: لا تجهر الآن- فخرج أبو ذر ووقف على الصفا، وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فقام عليه كفار قريش، وضربوه حتى سال دمه وأغمي عليه، فأتى العباس عم الرسول صلى الله عليه وسلم، قال: يا معشر قريش! هذا من غفار، والله إن سمعت قبيلته، لتمنعن عنكم تمر وحب الشام فلا يصلكم منه شيء، فتركوه.

    وبعدما هاجر صلى الله عليه وسلم، أتى أبو ذر بقبيلة غفار بكاملها، كأنها جيش، ودخلوا في دين الله أفواجاً وأسلموا، وهو سيدهم عند الله، وله قصة طويلة شائقة.

    قد بكت غربتي الرمال وقالت      يا أبا ذر لا تخف وتأسا

    قلت لا خوف لم أزل في شباب      من يقيني ما مت حتى أدسا

    أنا عاهدت صاحبي وخليلي     وتلقنت من أماليه درسا

    جمعنا الله وإياهم في دار الكرامة، ووفقنا وإياكم لسيرة محمد صلى الله عليه وسلم، وهدانا لا تباع سنته، وحشرنا في زمرته، وسقانا شربة من حوضه لا نظمأ بعدها أبداً.

    1.   

    مرحلة الجهر بالدعوة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب الجهر بالتبليغ) لما أسر صلى الله عليه وسلم دعوته وكتمها في صفوف الناس لم تجدِ كثيراً هذه السرية ولو أنها من لوازم الدعوة، وكان صلى الله عليه وسلم يرى أول العهد أن يكتم دعوته، حتى لا تتصور قريش أنه يريد ملكاً أو مالاً أو يريد سبباً آخر.

    فأنزل الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى عليه: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الحجر:94] ومعنى اصدع بما تؤمر: أي: تكلم بما يأمرك به سُبحَانَهُ وَتَعَالى أو بما ينزل ربك عليك. واصدع كلمة جميلة، معناها: ارفع صوتك صادعاً بالحق، وبما تؤمر، وفيه أن كل ما أنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم فهو وحي: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى [النجم:1-3] فلم يأتِ بشيء من عنده عليه الصلاة والسلام، ودائماً يقول: إنما أنا بشر يوحى إلي، ودائماً يتبرأ صلى الله عليه وسلم من الحول والقوة، ويقول: لا أعلم الغيب وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ [الأعراف:188].

    وقوف النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا يدعو كفار قريش

    فلما أنزل الله ذلك وقف صلى الله عليه وسلم على الصفا، وقد كان هناك وادٍ بين الصفا والمروة قبل أن تسوى الآن، وقبل أن يصلح حالها ويطبطب، واد فيه شجر ولم يكن مغطى، وكانت الصفا من أرفع أماكن الحرم، وتحتها قرى قريش حول الحرم، فوقف صلى الله عليه وسلم ورفع صوته بالنداء، يدعو كفار قريش بطناً بطناً: يا بني فهر! يا بني عدي! يا بني كعب: فلما نادى القبائل اجتمعت، يقول الراوي: كان الرجل إذا سمع الصوت ولم يستطع أن يأتي أرسل ابنه أو أخاه؛ لأن المسألة صعبة وقريش إذا سمعت النداء، فمعناه إما عدو هجم عليهم، وإما رجلٌ منهم قتل، وإما جيش عرمرم يريد اجتياح الحرم، هذه احتمالات.

    فاجتمعوا حتى ملئوا الحرم، منهم من اجتمع بالسلاح، ومنهم من كان لابساً رمحه، ومنهم من تدرع، وأتى الشيوخ والنساء والأطفال، فلما اجتمعوا: قال: يا قريش! قالوا: نعم، قال: {أرأيتم لو أخبرتكم أن ببطن هذا الوادي خيلاً تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟} هذا سؤال عجيب، يقول: لو أخبرتكم أن جيشاً يريد اجتياحكم أتصدقوني أم لا؟ قالوا: ما جربنا عليك كذباً هل سمعتم أن الرسول صلى الله عليه وسلم في عمر أربعين سنة، هل يمكن أن يكون له فيها كذبة أو خيانة أو سرقة أو غش؟ هل سمع في التاريخ بهذا؟ {قالوا: ما جربنا عليك كذباً، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا}.

    فقال الله: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] تلاها على الصفا، والله يقول له ذلك في مكة وليس عنده إلا أربعة: أبو بكر وخديجة وزيد وعلي بن أبي طالب، فأخذ بعض الكفار يلتفت في بعض ويضحك، ويقول: أي رحمة للعالمين وهو يتخفى بصلاته، لكن أراد الله عز وجل ذلك، ويقول: وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [التوبة:32].

    وبعد خمس وعشرين سنة، أما سارت كتائبه إلى قرطبة؟ أما وصلوا إلى الحمراء؟ أما فتحوا الهند والسند؟ هذا رحمة للعالمين.

    فقال أبو لهب لما سمعه وهو عم الرسول صلى الله عليه وسلم وقد كان وضيء الوجه، لكنه ليس وضيء المبادئ، وهذا دين فرق بين الوالد وولده، وبين الأخ وأخيه إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56] والهداية هبة ربانية، لا تأتي للأسر، ولا للأموال، ولا للأولاد، يمنحها الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى الفقير، ويحرمها الغني متى شاء.

    ذكر ابن جرير وغيره أن موسى عليه السلام تربى في بيت فرعون الطاغية، فرباه فرعون وأعطاه فرعون التعاليم، ولقنه المبادئ، لكن لم يستمع لأي جملة من مبادئه تماماً، وموسى السامري رباه جبريل عليه السلام، فلما رباه جبريل على التوحيد وصل هذا عمره أربعين وهذا أربعين، هذا الذي ربَّاه جبريل كفر بالله العظيم، وهذا الذي وصل الأربعين -موسى- أصبح نبياً من أنبياء الله عز وجل من أولي العزم، قال الشاعر:

    فموسى الذي رباه جبريل كافر      وموسى الذي رباه فرعون مؤمن

    موقف أبي لهب من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم

    يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56] قام أبو لهب؛ فقال للرسول صلى الله عليه وسلم: تباً لك ألهذا دعوتنا؟ ألهذا جمعتنا؟ يقول: أتعبتنا من أجل هذه الكلمة؟! فتولى الله الرد عليه، وقال: تَبَّتْ يَدَا أبي لهب وَتَبّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ [المسد:1-5] يقول بعض أهل التفسير وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ [المسد:4] أي: تمشي بالنميمة، وقال بعضهم: بل وضعت الشوك في طريق الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الظاهر.

    فتصدعت القبائل تريد قتله عليه الصلاة والسلام وتجمعوا وذهبوا عامدين بسيوفهم وسلاحهم إلى بيت أبي طالب، وهو أكبر أهل مكة ذاك الوقت وهو الذي يديرهم، فاجتمعوا؛ فقالوا: نشكو إليك ابن أخيك هذا، سب آلهتنا، وسفَّه أحلامنا، إن كان يريد ملكاً ملّكناه، وإن كان يريد زوجة زوجناه، وإن كان مسحوراً بحثنا له عن طبيب فداويناه وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ [التكوير:22] يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: صاحبكم عنده دواء الجنون، أما أن يكون مجنوناً فلا؛ لكنه يداوي المجانين: وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ * وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ * وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ [التكوير:22-24].

    يقول: هل سمعتم أنه يخون الغيب أو أنه بخيل بالغيب أو أنه مظنون بعدالته؟ لا يكون ذلك فيه عليه الصلاة والسلام، اجتمعوا، فقال أبو طالب وكان عاقلاً: أرجئوني يوماً، قالوا: لك يومين -وكانوا عندهم عقول، لكن ما أجدت وما أغنت عنهم، عقول لكن في الدنيا مثل عقول بعض الناس: ثقافته في الدنيا لكن ليس له ثقافة فيما يقربه من الله، ليس عنده ثقافة في الإيمان، يعرف كل شيء إلا أمور الإيمان- فذهبوا، فأتى أبو طالب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، إلى هذا اليتيم الذي يريد أن يشق العالم، وقال له: ماذا تريد؟ قال: يا عم! أريد أن يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، قال: إنهم عرضوا عليك أموراً، وأرى أن تكف عنهم ويكفوا عنك، وأخبره، قال: {والذي نفسي بيده، لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه} فقام وتركه، ثم رجع له أبو طالب، فقال: يا بن أخي! افعل ما بدا لك، والله لأحمينك وأنصرنك حتى لو أقتل دونك، ثم نظم فيه قصيدة لامية رائعة، هي موجودة في السير، يمدح فيها الرسول صلى الله عليه وسلم:

    وأبيض يستسقى الغمام بوجهه     ثمال اليتامى عصمة للأرامل

    ويقول في قصيدة أخرى:

    والله لن يصلوا إليك بجمعهم     حتى أوسد في التراب دفينا

    يقول: لن يصل إليك كفار قريش أبداً، وهو صادق، فاستمر في حمايته، واستمر صلى الله عليه وسلم يصدع ويخطب، ثم مرت به اللدغات واللذعات والأسى واللوعة، واسمع إلى بعض المواقف.

    في اليوم الثاني: نزل صلى الله عليه وسلم، فجلس في الحرم، فحانت وقت الصلاة؛ فقام صلى الله عليه وسلم يصلي عند المقام، فلما سجد قال أبو جهل: مَن مِن شبابكم يذهب فيأتي بسلى ناقة آل فلان فقد ولدت؛ فيضعها على رأسه، فذهب رجل: يشتد أي: يسعى حتى أتى بها، فلما سجد صلى الله عليه وسلم وضعها على رأسه، قال ابن مسعود: وكنت أنظر وما أغني عن الرسول صلى الله عليه وسلم شيئاً، لأن ابن مسعود فقير ويتيم ولا يستطيع أن يفعل شيئاً، والحرم كله يمتلئ بهؤلاء الطواغيت، قال: فأتت فاطمة؛ وألقت عنه الأذى وأخذت تبكي، فقام صلى الله عليه وسلم؛ فاستقبل القبلة؛ ورفع يديه ودعا، قال ابن مسعود: {والذي لا إله إلا هو، لقد كانوا في الحرم سبعين، وما من أحد ممن رأيت إلا رأيته قتيلاً في بدر}.

    السبعون كلهم قتلوا جميعاً في بدر، وقد ألقى فيهم صلى الله عليه وسلم خطبة عصماء وتكلم فيهم، وقال: {هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً، فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً}.

    واستمر عليه الصلاة والسلام، قال الله له: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [الشعراء:215-216] فجمعهم صلى الله عليه وسلم، وقال: {إن الرائد لا يكذب أهله، والله لو كذبت الناس جميعاً ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعاً ما غررتكم، والله الذي لا إله إلا هو إني لرسول الله إليكم خاصة وإلى الناس كافة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون}.

    كل شيء تفهمه قريش إلا مسألة كيف يعود الإنسان إذا مات: وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية:24] زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [التغابن:7].

    أتى أعرابي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: {يا محمد! أومن أن ما جئت به حق وأصدقك، لكن هناك مسألة حاكت في صدري، قال: ما هي؟ قال: كيف يبعثنا الله بعدما نموت؟ قال: أأنت في شك من ذلك؟ قال: بلى. قال: أما مررت بروضة خضراء؟ قال: بلى مررت بها} يتكلم الرسول صلى الله عليه وسلم معه؛ لأنه صاحب غنم يعرف الروضة الخضراء، ولذلك ترى القرآن يخاطب الأعراب الأوائل، بالجمل، والسماء، والنهر، والماء، والشجرة، والخيمة، والصوف في سورة النحل؛ لأنهم هم الذين يعرفون هذه الأمور، قال: {أما مررت بروضة خضراء؟ قال: بلى مررت بها، قال: فمررت بها بعد حين؟ قال: نعم قال: فكيف وجدتها؟ قال: وجدتها ميتة هامدة، قال: فمررت بها بعد حين؟ قال: نعم. قال: فكيف وجدتها؟ قال: وجدتها خضراء مزهرة، قال: فمن أحياها؟ قال: الله، قال: فالذي يحيي هذه يحيي هذه}.

    موقف العاص بن وائل

    أما العاص بن وائل المجرم، أتى من الحرم معه عظام في جيبه -انظر الإجرام والسخرية بالرسول صلى الله عليه وسلم كل إنسان يأتي بمصيبة- فلما استمعوا وجلسوا، أخرج العظام وهي باليه، فقال: يا محمد! قال: نعم. قال: أتزعم أن ربك يحيي هذه، قال: {نعم، يحييها ويدخلك النار} لا يحييها فقط، لكن يحييها ويدخلك النار، فأتى جواب القرآن، نزل جبريل والرسول صلى الله عليه وسلم جالس، أمامه العاص بن وائل، قال: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس:78-79].

    والآن تأتي الاعتراضات على الرسول صلى الله عليه وسلم، اسمع إلى قول الله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ [البقرة:170] الرسول صلى الله عليه وسلم يخرج عليهم، ليلة أربعة عشر، وهي ليلة اكتمال البدر، يصبح القمر في كبد السماء جميلاً وبديعاً ويقول: {أيها الناس! قولوا: لا إله إلا الله} لم يأمرهم صلى الله عليه وسلم أولاً بالصلاة، ولا بالزكاة، ولا بالصيام، ولا بتقصير الثياب، ولا بإعفاء اللحى، إنما يقول: قولوا لا إله إلا الله، حتى لما اجتمعوا مرة، قال: أريد منكم كلمة، قال أبو جهل: نعطيك عشراً، فما هي كلمتك؟

    قال: قولوا: لا إله إلا الله، قال: أما هذه فلا؛ لأنها ما دخلت أمزجتهم: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5].

    فلما دخل صلى الله عليه وسلم الحرم، كانوا بعد صلاة العشاء والبدر في كبد السماء، قال: {قولوا: لا إله إلا الله} قال أبو جهل: ما دليلك على أنك رسول؟ قال: ما أردت، قال: وأقسم باللات والعزى لا أومن لك حتى تشق لي هذا القمر، قال صلى الله عليه وسلم: لئن شققته أتؤمن لي؟ قال: نعم. فرفع صلى الله عليه وسلم يديه، وسأل الله أن يشق القمر، فشق الله القمر، فلقة ذهبت تجاه عرفة، والفلقة الأخرى ذهبت تجاه جبل أبي قبيس، فقام أبو جهل ينفض ثيابه، ويقول: سحرنا محمد، سحرنا محمد؛ فأنزل الله: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ [القمر:1-3].

    1.   

    حادثة الإسراء

    أسري بالرسول صلى الله عليه وسلم وعاد في ليلة، وصلى في بيت المقدس، وفرض الله عليه خمس صلوات، فلما رجع مع الفجر أتى إلى كفار قريش.

    موقف كفار قريش من حادثة الإسراء

    قال أبو جهل في الصباح: ما هي أخبارك يا محمد البارحة؟ لأن القصة طويلة، والصراع طويل، وكل يوم هو في قصة قال: أسري بي إلى بيت المقدس، هذه أطم وأعم لا يتصورها إنسان، هو يصيح من مسألة ادعائه النبوة، قال: إلى أين؟ قال: إلى بيت المقدس، قال: وبعدها؟ قال: وعرج بي إلى السماء السابعة، فضحك أبو جهل حتى تمايل على زملائه، قال: في ليلة؟! قال: في ليلة، وأقسم باللات والعزى أن المسافر منا يسافر إلى بيت المقدس في شهر ويعود في شهر، وأنت سافرت وذهبت إلى السماء السابعة وعدت في ليلة!

    قال: انتظر حتى يسمع الناس، فذهب فجمع كفار قريش، قال: تعالوا اسمعوا خبراً، فاجتمعوا؛ فلما ملئوا الحرم قال: ماذا تقول يا محمد؟ قال: أقول كذا وكذا، قال: من يصدقه منكم؟ قال أبو بكر: أشهد أنه صادق، أبو بكر الصديق، قال تعالى فيه: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [الزمر:33]

    وصف النبي صلى الله عليه وسلم لكفار قريش بيت المقدس

    قال الوليد بن المغيرة: لا تكذبوه يا معشر الناس -هذا من شيوخهم عاقل، لكنه مات كافراً هو أبو خالد بن الوليد، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: {ولعل الله يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً} فأخرج الله من صلب هذا المجرم -الوليد - خالد بن الوليد سيف الله المسلول، هذا خالد أبو سليمان، الذي أدب الطغاة على مر التاريخ، أرسل أبو بكر برسالة إلى مسيلمة الكذاب، يدعوه إلى ترك النبوة ويدعوه للدخول في الدين فرفض، قال أبو بكر على المنبر: والله لأرسلنّ لك أبا سليمان خالد بن الوليد يخرج منك وساوس الشيطان؛ فأرسل له خالداً؛ فذبحه، هذا خالد بن الوليد بن المغيرة - إنما الوليد بن المغيرة المقصود- قال: يا معشر الناس! لا تستعجلوا عليه بالتكذيب، أنا أعرف بيت المقدس -وهو من تجار قريش- وقد ذهبت، فأنا أعرف أبوابه وسراديبه ومداخله، فإن كنت صادقاً -يا محمد- أنك ذهبت إلى بيت المقدس فصف لنا بيت المقدس، أليس هذا هو الحكم العدل؟ بلى. حكم عدل، فهذا إنصاف يرضاه ويؤيده العقل، وهذا هو الحوار.

    الرسول صلى الله عليه وسلم دخل في الليل الدامس، ولم يرَ شيئاً من البيت، إنما دخل بيت المقدس وصلَّى بالأنبياء وعرج به، ولم يرَ شيئاً، قال: فأخذت الرحضاء والعرق يسيل من جبين الرسول صلى الله عليه وسلم، ويلتفت إلى الله عز وجل ألاَّ يخيبه -هذا موقف صعب؛ لأنه سوف يكون نتيجة لسنوات عديدة، أو لتاريخ الدعوة إلى آخر الأبد- قال: فالتفت إلى دار الأرقم بن أبي الأرقم تجاه الحرم، فأتى الله بصورة بيت المقدس مكبرة؛ فوضعها أمامه، فأخذ يصفه لهم باباً باباً، وسرداباً سرداباً، وغرفة غرفة، قال الوليد بن المغيرة: والذي لا إله إلا هو، ما زدت ولا نقصت على وصف بيت المقدس بهذه، فأسلم جماعة من الجلوس وكفر آخرون.

    قال الله: وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ [الحجر:14] اسمع أسلوب القرآن، يقول: لو فتحنا عليهم باباً سلماً، وصعد أبو جهل ومن معه حتى رأوا الملائكة والجنة، وظلوا فيه يعرجون: لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ [الحجر:15] فيقول الله لهم استهزاءً إذا أدخلهم النار يوم القيامة، قال: أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ [الطور:15] يقول: ذوقوا أفهذا السحر مثل سحر الدنيا أم لا؟

    واستمر عليه الصلاة والسلام، قال الله فيهم: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ [المائدة:104] وأتى صلى الله عليه وسلم وجمع حصيلته في الدعوة بعدما يقارب ثلاثة أسابيع، تدرون من الذي استجاب له؟

    صهيب الرومي وخباب بن الأرت نافخ الكير الحداد، وبلال الحبشي من أرض الحبشة، وأمثالهم وأضرابهم، وابن مسعود راعي الغنم من هذيل، هؤلاء حصيلته عليه الصلاة والسلام.

    فاقترب أبو جهل هو وكفار قريش، قالوا: يا محمد! نريد مجلساً معك، قال: اجلسوا، قالوا: والله ما نجلس معك وهؤلاء الأعبد والموالي معك، أخرجهم ونجلس معك، فأراد صلى الله عليه وسلم أن يخرجهم ويطردهم ويأتي بهؤلاء السادة على منطق الجاهلية، فأنزل الله وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [الكهف:28] وقال: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ [الأنعام:52] فقال صلى الله عليه وسلم: {بل أكون معكم، بل أكون معكم} وطرد هؤلاء السادة؛ لأنهم لا يهتدون.

    وفي اليوم الثاني جلس عبد الله بن أم مكتوم في الحرم، ورأى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد اجتمع به سادات مكة، فأتى إليه يسأله مسألة فأعرض عنه صلى الله عليه وسلم، سأله وكان أعمى لا يرى والرسول صلى الله عليه وسلم يريد أن يكسب هؤلاء السادات حتى يدخلوا في الدين، فأعرض عنه؛ فأنزل الله: عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى [عبس:1-2] عبس: يخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم خطاب الغيبة، يقول الله: عبس هذا من العتاب الحار أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى [عبس:2] سماه أعمى، يقولون: هنا من باب جلب عطف الرسول عليه الصلاة والسلام، بينما في سورة الرعد يقول: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ [الرعد:19] ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46] فعمى العين سهل، ولكن عمى القلب هو البعيد والسحيق والمخيف، قال: عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى [عبس:1-4] قال: وما يدريك أن يكون منارة من منارات الأرض تتلقى نور السماء: أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى [عبس:5-7].

    يقول: أنت مشغول به وما عليك ألاَّ يتزكى، دعه في رجسه ونجسه، وفي الأخير تركهم عليه الصلاة والسلام وما استجابوا.

    وأصبح ابن أم مكتوم قائداً عسكرياً ومؤذناً وعذره الله من الجهاد، وقال: والله لأخرجن بالراية، فقتل في القادسية، أما أولئك فإلى النار.

    واستمر عليه الصلاة والسلام يدعو، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ [الزخرف:24] هذا أبو جهل يقول: لو كان فيما جاء به محمد هداية كان أبي وجدي دخلوا فيه، لكن ماتوا على غير الهداية، وقال الوليد بن المغيرة: لو كان في دينه هداية ما سبقنا هؤلاء الأعبد إلى دينه، كيف يسبقنا بلال؟

    فيقول ابن القيم: نادى منادي الحق على الصفا فقال أبو جهل: لا سمع ولا طاعة، وقال الوليد بن المغيرة: لا نسمع ولا نطيع، وقال أبو لهب: تباً لك ألهذا دعوتنا؟ وقال بلال من أرض الحبشة: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، دينه صلى الله عليه وسلم يناسب الضعفاء والمساكين، ويصعب على المترفين، لذلك ترى الظلمة والمستبدين لا يريدون أن يحكموا الإسلام في حياتهم، ولا يريدون أن ينتشر الإسلام؛ لأن الإسلام يلغي قداسة البشر، وظلمهم واستبدادهم.

    ولذلك الشيوعية الآن عندما تنتشر لا تنتشر إلا في المناطق الضعيفة الفقيرة بدعاوى: رفع الظلم.. الكادحين.. الفقراء.. حقوق الشعب.. الضمائر.. فتنتشر في هذه الأوساط، أما الإسلام كله حق، ليس فيه تورية، يرفض الظلم، فوجد بلال هذا النور سوف يرفع الظلم عنه، فدخل هو والفقراء والمساكين، وترك المترفون دين الله ودائماً هم أعداء الرسل عليهم الصلاة والسلام، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً [الإسراء:16] وفي قراءة: أَمّرْنَا مترفيها [الإسراء:16] ومعنى أمَّرنا، قيل: كثرنا، وقيل: (أمَّرنا): جعلناهم ولاة أمر، وقيل: (أمَّرنا): جعلنا سوادهم كثيراً، وجعلنا لهم بقعة أو شريحة من المجتمع كثيرة، هذه سنة الله عز وجل.

    واستمر عليه الصلاة والسلام، ووصل إليه من الإيذاء ما لم يجده رسولٌ قبله عليه الصلاة والسلام، وحتى كان يتذكر أيامه الأولى صلى الله عليه وسلم وهو في المدينة، يقول: {والله لقد أخفت وما خاف أحد} أي: في أول الدعوة، يقول: كنت أخاف أنا وحدي في هذا العالم، في الكرة الأرضية لا يخاف إلا هو {وجعت وما كان يجوع أحد، ويسرت وما كان ييسر أحد، وأوذيت وما كان يؤذى أحد} وكان عليه الصلاة والسلام يسجد، ويبكي طويلاً ويسأل الله عز وجل، وكان سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يرفع من قيمته صلى الله عليه وسلم، ويرفع من معنويته، ويقول: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:64] ويقول: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ [الفرقان:58] ويقول: وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهَ [الأنفال:62] وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ [الأنفال:71] إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128].

    يصل به اليأس إلى درجة الإحباط أحياناً، فيقول الله عز وجل له: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً [الكهف:6] يخاف من القتل، فيقول الله له: وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67] أي: يمنعك، يخاف أن يغلب، فيقول الله له: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [غافر:51-52] يخاف أن يهزم، فيقول الله له: وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات:173].

    هذه ساعات ودقائق ولحظات من حياته عليه الصلاة والسلام طواها الزمن لكن ما طوتها القلوب، وعفا عليها التاريخ ولكن ما عفت عليها القلوب والأرواح والأفئدة التي تعيش معه صلى الله عليه وسلم أينما حل وارتحل، فقد سكن في ضمير كل مسلم في كل بقاع الأرض.

    1.   

    إيذاء المشركين للرسول صلى الله عليه وسلم

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب الإيذاء) أي: إيذاء المشركين للرسول عليه الصلاة والسلام، ورأى صلى الله عليه وسلم من المشركين الأذى الكثير؛ فصبر واحتسب، استهزءوا به، سفهوه في رأيه، اتهموه بالجنون والشعر والسحر والكهانة، ومع ذلك صبر حتى أتم الله نوره، وأكمل دينه، وأتم على الأمة النعمة بمبعثه عليه الصلاة والسلام.

    أبو جهل من أشد الناس إيذاءً للنبي صلى الله عليه وسلم

    من أشد من تعرض له صلى الله عليه وسلم بالإيذاء: أبو جهل عليه غضب الله، اسمه عمرو بن هشام، ولم يؤمن، وقتل كافراً في بدر، يقول لقريش: يا معشر قريش! لأحملن صخرة على رأسي، وأخدش بها رأس محمد، فامنعوني أو أسلموني، يقول: إن شئتم قوموا معي وإن شئتم اتركوني، فذهب بالصخرة والرسول عليه الصلاة والسلام جالس، فلما اقترب منه دنا ليرمي الصخرة، وإذا بصورة فحل -جمل- مقبل هائج على أبي جهل، فرمى الحجر وفر فزعاً خائفاً وجلاً، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ [العلق:15] والناصية: مقدمة الرأس، أي: يؤخذ بناصيته ويجر في نار جهنم نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ [العلق:16] وهي ناصية أبي جهل وأمثاله، أي: لا تعرف الصدق فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ [العلق:17] لأنه يقول هو: يا معشر قريش! يقول محمد: إنه سوف يدعو الملائكة وسوف أدعو عليه أهل النادي، يقصد: كفار قريش، قال سبحانه: فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبَْ [العلق:17-19].

    وقد آذى الرسول عليه الصلاة والسلام إيذاءً بالغاً، ولكن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى حمى رسوله حتى أتم به النعمة.

    إيذاء عقبة بن أبي معيط للنبي صلى الله عليه وسلم

    ومنهم أيضاً عقبة بن أبي معيط، كان الجار الثاني للرسول عليه الصلاة والسلام، جمع الناس في وليمة، ودعاهم جميعاً، فحضر صلى الله عليه وسلم وقال: والله لا آكل طعامك حتى تؤمن بالله، فتشهد عقبة، فبلغ ذلك أبي بن خلف الجمحي، وكان صديقاً له، فقال: ما شيء بلغني عنك؟ قال: لا شيء، دخل الرجل منزلي فأبى أن يأكل طعامي حتى أشهد له، فاستحييت أن يخرج من بيتي ولم يطعم فشهدت له، قال أبي: وجهي من وجهك حرام، إن لقيت محمداً فلم تطأ عنقه وتبصق في وجهه وتلطم عينه، فلما رأى عقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل به ذلك، فأنزل الله فيه سورة الفرقان وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإنسانِ خَذُولاً [الفرقان:27-29].

    هذا عقبة حضر يوم بدر، وكان في صف المشركين فوقع في الأسارى، وقع أسيراً في يد المسلمين، فمر صلى الله عليه وسلم وهو محجل بالحديد -في يديه سلسلة من حديد- وفي أقدامه سلسلة من حديد وهو كالجمل، وهو من أشجع الناس، فرآه صلى الله عليه وسلم بين الأسرى، فقال صلى الله عليه وسلم: من يقتل هذا؟ قال علي بن أبي طالب: أنا يا رسول الله، فتقدم علي بن أبي طالب بالسيف المسلول، فيقول عقبة بن أبي معيط: يا محمد! لمن الصبية؟

    قال صلى الله عليه وسلم: إلى النار، فتقدم علي بن أبي طالب فقتله؛ لأنه آذى الإسلام وآذى رسول الله صلى الله عليه وسلم إيذاءً بالغاً، وهو الذي بصق في وجه الرسول صلى الله عليه وسلم وآذاه في مكة واعترض على المسلمين وعذب كثيراً من المؤمنين، وكذلك قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم معه النضر بن الحارث، ثم ذهب صلى الله عليه وسلم فنزل في الأثيل وهي قرية قريبة من بدر ومعه الجيش، فأتت أخت عقبة تقول: دلوني على الرسول صلى الله عليه وسلم فدلوها فوقفت بين يديه، قالت: عندي أبيات أريد أن أنشدها بين يديك، قال صلى الله عليه وسلم: قولي، قالت:

    أمحمد يا نسل كل كريمة     من قومه والفحل فحل معرق

    ما كان ضرك لو مننت     وربما منّ الفتى وهو المغيظ المحنق

    ثم أخذت تنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: {والذي نفسي بيده، لو سمعت هذا قبل أن أقتله ما قتلته} لكن إلى النار؛ لأنه عدو لله وللمؤمنين.

    واستمر صلى الله عليه وسلم يصبر ويحتسب ويدفع بالتي هي أحسن حتى بلَّغ الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى دينه مبلغ الليل والنهار.

    العاص بن وائل وأذيته للنبي صلى الله عليه وسلم

    قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عن العاص بن وائل، وكان هذا العاص -كما قلت لكم- هو أبو عمرو بن العاص - السهمي قتل في بدر، أتى إلى خباب بن الأرت، فصقل له سيفاً، وخباب كان يعمل على الكير، فقال خباب: أعطني الأجرة، قال: أتؤمن بمحمد؟ قال خباب: نعم أومن، قال: وتؤمن أن الله يبعثنا بعد الموت، قال: نعم أومن، قال: فانتظر حتى يبعثنا الله فأعطيك الأجرة؛ لأني سوف أكون كثير المال يوم القيامة -يضحك- قال: كيف تكون كثير المال؟

    قال: لأني إذا بعثت سوف أكون على وضعي في الحياة الدنيا، وأنت سوف تكون على وضعك، يبعثك الله كياراً حداداً، ويبعثني غنياً تاجراً.

    اسمع رد القرآن، ليس برد البشر: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً * كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً * وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً [مريم:76-80] هذا رد القرآن، يقول: انظر إلى هذا المجرم الذي يتقول على الله، وكأن عنده عهداً من الله عز وجل أو أثارة من علم، أنه سوف يبعث غنياً -كذاب وهو مجرم- ويقول الله بعدها؛ لأن هذا المجرم العاص بن وائل يقول: سوف أبعث من القبر في أسرتي، بني سهم سوف يخرجون معي من القبور، فيحمونني من ملائكة محمد الذي يزعم أنهم يأخذون الرجل فيكبونه في النار، قال سبحانه: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً [مريم:93-95].

    وهذا رد على كل طاغية في الأرض، فلا حرس ولا موكب ولا حراسة ولا حماية إلا حماية الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وهذا في الحياة الدنيا، وأكبر آية أن الإنسان يدفن بدون أن يدخل معه أحد.

    هارون الرشيد الذي حكم ما يقارب نصف الكرة الأرضية المشرق كله من السند إلى أسبانيا، قال لما حضرته الوفاة، قال: يا من لا يزول ملكه! ارحم من قد زال ملكه، وعبد الملك بن مروان الخليفة الأموي، لما حضرته الوفاة، قال: يا ليتني كنت غسالاً، يا ليتني ما عرفت الحياة، يا ليتني ما توليت الملك، وهذه هي مصائر الناس، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام:94].

    الوليد بن المغيرة وأذيته للنبي صلى الله عليه وسلم

    وممن آذى الرسول صلى الله عليه وسلم الوليد بن المغيرة، أبو خالد بن الوليد، كان عنده عشرة أبناء، وكان تاجراً وذا مالٍ في مكة، كان يكسو الكعبة سنة، وكفار قريش يجتمعون في كسوة الكعبة في سنة، الوليد بن المغيرة كان الذهب عنده يقسم بالفئوس، إذا أراد أن يحضر نوادي مكة أو ولائم مكة جعل خمسة من أبنائه عن يمينه وخمسة عن يساره، هو صاحب عشرة أبناء، فالله سوف يعترض عليه الآن وسوف يدمغه القرآن بعد قليل.

    أتى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وجمع كفار قريش، قال: يا معشر قريش! دعوني أذهب إلى محمد وأفاوضه، قالوا: اذهب، فجلس أمام الرسول عليه الصلاة والسلام وطلب منه أن يترك دعوته، وطلب منه ألا يقطع الأرحام، كأن الذي قطع الأرحام رسول الله صلى الله عليه وسلم -وألاَّ يسب الآلهة، أي: الأصنام، قال: وألاَّ يثير على قومه فتنة، ولا يفتح عليهم باب قتل، فقال صلى الله عليه وسلم: انتهيت يا أبا المغيرة؟ قال: نعم انتهيت، قال: اسمع، لا يرد صلى الله عليه وسلم من عنده، يرد بسورة فصلت، فبدأ صلى الله عليه وسلم من أولها، ثم قرأ عليه بصوت الرسول صلى الله عليه وسلم، وذاك مبهوت أمام الرسول صلى الله عليه وسلم كالصنم، ثم بلغ صلى الله عليه وسلم قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ [فصلت:13].

    فقام الوليد فجعل يده على فم الرسول عليه الصلاة والسلام، وقال: أسألك بالله والرحم، يقول: أسألك بالله لا تزيد علينا من هذا؛ لأنه بلغ إلى أضلاعه وأقطار نفسه ودخل قلبه، فقام بوجه كقطع الليل المظلم متأثراً، فرجع إلى كفار قريش، قال كفار قريش: والله لقد جاءكم الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، قالوا: ماذا رأيت؟ قال: سمعت الشعر هزجه ورجزه وليس بشعر، وسمعت السحر نفثه ورفثه، وليس بسحر، وسمعت الكهانة وليس بكهانة، قالوا: ما هو؟ قال: كلام يعلو ولا يُعلى عليه، أسفله مغدق وأعلاه مثمر، له حلاوة، وعليه طلاوة، قالوا: لا تبرح من هذا المكان حتى تقول فيه كلاماً وإلا قاطعناك.

    فجلس، والقرآن ينقل لنا صورة الرجل وهو يتكلم، قال: فجلس وفكر، ثم رفع طرفه يبحث عن كلام يغمز به القرآن، ثم تأمل قليلاً ثم عاد، فقال: إن هو إلا سحر يؤثر، اسمع كيف يرد عليه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً [المدثر:11] يقول للرسول صلى الله عليه وسلم: اتركني وهذا المجرم، وأنت إذا تركتني لهذا المجرم أنا أنصفك منه، كقولك ولله المثل الأعلى: اتركني وفلاناً، لا تتدخل بيني وبين فلان أنا أكفيك فلاناً، فالله يقول: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً [المدثر:11] يقول: هذا خلقته واحداً، لكن عنده عشرة أبناء الآن: وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً [المدثر:12] من الذي جعل له المال؟ من الذي خوَّله؟ من الذي أعطاه؟ الله، يقول: أنا الذي أعطيته، وأنا الذي سوف أحاسبه وَبَنِينَ شُهُوداً [المدثر:13] قال أهل التفسير: يشهدون المحافل معه، منهم خالد بن الوليد لكنه أسلم، وأحد الأئمة رحمه الله، يقولون: كان يصلي في الحرم، وكان وراءه خالد بن الوليد، فصلى خالد رمضان هناك، فلما أتى الإمام إلى هذه السورة قفزها.

    هذا مشرك نعم، لكن تقدير المشاعر وارد، أبوه الوليد في النار، لكن خالد هو سيف الله المسلول، هذا أبو سليمان الذي فتح المشرق وراءه، قال: فمن احترامه وتقديره قفز في سورة المدثر، وهذه ذكرها التاريخ، لأن خالداً يعرف من هو المقصود، أنت تصور في أسرتك أنه يقرأ عليك في الحرم القرآن وهو في أبيك وفي أسرتك ألا تتأثر ولو كان أبوك كافراً؟ البشر بشر، قال: قفزها وتركها، فقالوا: يسمونه النبيل، سموا هذا الإمام نبيلاً لعقله وذكائه وفطنته، وإلا فلا يهدر شيء من كلام الله عز وجل.

    قال: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً [المدثر:11-14] أي: أصلحت له الأمور، ولذلك ترى كثيراً من الكفرة تتكسر العقبات في طريقهم، تجد الفاجر يعيش ستين سنة لا يبكي أبداً، ولا يتضور من الجوع ولا يظمأ ولا تحدث له مشكلة، كل شيء معبد في طريقه، إن ذهب يراجع فالشفاعات أمامه، إن ذهب في مصلحة وجدت الواساطات قبله، إن أراد شيئاً وجد الفيتامينات، تسمى فيتامينات (و) تسهل عليه كل مهمة.

    بينما تجد بعض الصالحين الأولياء الكبار، مبهذل في الحياة، جائعاً وأسرته جائعة، وإذا تقدم إلى طلب رُفِضَ طلبه.

    ثبت في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالساً مع الصحابة، وعنده أبو ذر الغفاري، فمر رجل على فرس في ديباج أخضر ومعه سيف، وفرسه له إشارة طويلة، فقال صلى الله عليه وسلم لـأبي ذر: ما رأيك في هذا الرجل؟ -هذه موازين محمد عليه الصلاة والسلام، ليست موازين العروبة والقومية الخاسرة القبيحة- قال أبو ذر: هذا جدير إن شفع أن يشفع -أي: إذا توسط عند الناس أن تقبل وساطته- وإذا نكح أن ينكح -إذا أراد أن يخطب امرأة زوجوه ولم يردوه- وإذا قال أن يسمع له، فتبسم صلى الله عليه وسلم وسكت.

    فمر رجلٌ فقير يمشي على الأرض، عليه ثياب مقطعة مرقعة وجائع وعليه تضور الجوع والفقر، قال: يا أبا ذر! ما رأيك في هذا؟ قال: هذا جدير إذا شفع ألا يشفع -لا تقبل له وساطة، ولذلك بعض الناس لا يدخل من الأبواب، ينام على الرصيف، ولا يقبل كلامه، ولا يلتفت ولا ينظر إليه، ولا يسلم عليه أصلاً- قال: وجدير إذا نكح ألا ينكح -لا يزوج- وإذا قال: ألا يسمع، قال صلى الله عليه وسلم: يا أبا ذر! والذي نفسي بيده، إن هذا الرجل خير من ملء الأرض من ملء ذاك} لماذا؟ لأن الموازين عند الواحد الأحد.

    يقول: إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ [الواقعة:1-3] قال أهل التفسير: تحفض أناساً كانوا مرفوعين في الدنيا بالكذب، وترفع أناساً كانوا مخفوضين في الدنيا، هذه موازين الله عز وجل.

    والمقصود، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزيد [المدثر:15] هذا المجرم كذلك يطمع أن أزيد أمواله وهو يفعل كذا: كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآياتنَا عَنِيداً [المدثر:16] بآيات الله عز وجل الشرعية القرآنية سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً [المدثر:17] الصعود: جبلٌ في جهنم نعوذ بالله منه، يقول: يصعده يصعده وله نفس، فإذا بلغ منتهاه سقط إلى آخره، ثم يصعد، وهذه تسمى الأعمال الشاقة التي اكتشفها هتلر، أن يصعد الإنسان، لكن عذاب الآخرة أشد وأخزى، فإذا صعد ووصل رأس الجبل، يقولون: يصعده ما يقارب سبعين سنة، فإذا انتهى إلى أعلاه سقط إلى آخره وهكذا.

    إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ [المدثر:18] الآن يصف لك المجلس الذي جلسه، فكر، أي: ماذا يريد أن يطعن في هذا القرآن، ماذا يريد أن يتقول على هذا القرآن، أعظم معجزة هو هذا القرآن، أحد المستشرقين أسلم، وأنتم تعرفونه أنه يوسف، اعتنق الإسلام وحيته الصحف، يقولون: إن من أسباب إسلامه، ولو أنها رويت عن رجل أمريكي آخر، لكنها نقلت عن هذا كذلك، أنه أتى يقرأ القرآن، الآن أي كتاب يؤلف من كتب البشر التي بأيدينا، كل كتب المكتبات الإسلامية في أولها يقول المؤلف: وأنا أعتذر إلى الإخوة القراء، أو كلام يشبه هذا، إن ند بيان، أو تلعثم لفظ، أو أخطأت في مسألة، فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان، والله ورسوله منه بريئان، فالمعذرة، هكذا البشر يقولون إذا ألفوا كتاباً اعتذروا إلى قرائه، أما الله عز وجل فما اعتذر لأحد من الناس، يقول في كتابه: (الم) ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة:2] يقول: أتحدى أن يوجد فيه ريب أو خطأ، ويقول بعدها: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء:82] ثم يقول: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإنس وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء:88].

    الآن اسمع في صلاة التراويح، كأن الآية أول مرة تسمعها في حياتك، كأنك ما سمعت بها إلا هذه الليلة، كأنها أنزلت هذه الليلة فحسب.

    لما مات صلى الله عليه وسلم، قام عمر يقول: [[يا معشر الناس! من زعم أن محمداً قد مات ضربتُ عنقه بهذا السيف]] فأتى أبو بكر، فقال: [[رويدك يا ابن الخطاب]] ثم قام أبو بكر يتلو قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران:144] قال عمر: [[والله الذي لا إله إلا هو، كأنها أول مرة أسمع هذه الآية]] ثم أغمي على عمر، هذه جدارة القرآن.

    يقول: إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّر * ثُمَّ نَظَرَ [المدثر:18-21] الآن بدأ يصف لنا مجلسه مع كفار قريش.

    يقول: نظر إلى السماء يتفكر ماذا يطعن في القرآن: ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ [المدثر:22] عبس وجهه: أظلم وجهه، وبسر: كلح، هذا أسلوب القرآن يخاطبهم باللغة العربية الفصحى: ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ [المدثر:23-24] أي: ينقل إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سأُصْلِيهِ سَقَرَ [المدثر:25-26].

    الفيصل مع هذا المجرم، وذكره سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وقال: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ [القلم:10] وكان كثير الحلف فجوراً وإعراضاً وصداً عن منهج الله، ووصفه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فقال: هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ [القلم:11] الهماز: هو العياب الطعان، مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ: ينقل الأحاديث للإفساد بين الناس: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ [القلم:12-13] عتل: غليظ القلب، بعد ذلك زنيم، قيل: بخيل أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ [القلم:14-16] يقولون: ضرب على أنفه الخرطوم، وقيل: في الآخرة سوف يضرب على أنفه الخرطوم، وإنما قال: الخرطوم، وإلا كان يقول: الأنف، لكن من باب أن يلحقه بعالم الحيوانات؛ لأن الخرطوم للفيل ولأمثاله، فقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ [القلم:16] والعرب تدري بهذا، وتعرف ما هي دلالة هذه الألفاظ.

    أذية النضر بن الحارث للنبي صلى الله عليه وسلم

    ومن المستهزئين النضر بن الحارث العبدري، من بني عبد الدار، كان إذا جلس الرسول صلى الله عليه وسلم مجلساً للناس يحدثهم ويذكرهم ما أصاب من قبلهم، قال النضر: هلموا يا معشر قريش، فإني أحسن مثل هذا الحديث، فقام يحدثهم عن فارس، وعن الروم، وعن أساطير وأخبار عجائز الجاهلية فيتضاحكون.

    يحدثهم الرسول صلى الله عليه وسلم عن فرعون وعاد وثمود، فيأخذ هو كرسياً ويجلس بجانب الرسول صلى الله عليه وسلم، فيحدثهم عن عجائز الجاهلية، فلانة، وفلانة، فيضحكون استهزاء.

    ينقل في السير: [[أن عمر دخل المسجد فوجد قاصاً من المسلمين -لكنه مغفل- أخذ كتاب دانيال، فأخذ يقص على الناس في المسجد، وعمر داخلٌ من الباب، قال عمر: ما هذا؟ قالوا: قاص، قال: وما قاص؟ قالوا: يقص علينا من أخبار دانيال، أخبار مثل: تودد الجارية، مثل: داحس والغبراء، مثل: المهلهل، ومثل: الزير سالم، ومثل هؤلاء الذين هلكوا في الجاهلية، قال عمر: خير، ثم ذهب، وأتى بعصا ودخل عليه، وهو عند الكرسي، فأتى؛ فأمسكه وضربه على رأسه.

    قال: يا عدو الله! يقول الله عز وجل: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [يوسف:3] وأنت تقص علينا قصص دانيال، أي: هل أصبحت أفضل من قصص القرآن؟! هل هي أحسن من قصة يوسف، وقصص الصالحين، وقصص الهالكين؟ أي: كأن الأمة تعيش فراغاً فكرياً، مثلما نعيش الآن، نحن نعيش خواءً عقدياً، أي: تجد الأمة محتاجة لقال الله وقال الرسول، وتجد المسلسل يأخذ ساعة ونصف أو ساعتين في كلام فارغ (افتح يا سمسم).

    أي: ضياع للأمة، وضياع للضمائر، الأغاني أربع ساعات، ونحن بحاجة إلى حدثنا، ورواه البخاري ورواه مسلم، ولذلك انظر واقع العالم الإسلامي، الطباشير مستوردة، أمة تأكل وتشرب وتنام وترقص، تخرج اللاعب والمغني والموسيقار، هذه جودتنا أمام العالم، وهذا بسبب الترف الفكري والضياع الذي ما شهده عمر رضي الله عنه، يسمى الخواء العقدي، فإذا فرغت الأمة تصبح هكذا.

    يقولون: إذا لم يتشاغل الإنسان بالكتاب والسنة يصبح فارغاً، حتى تجد -الآن- أناساً في الأربعين والخمسين، بل منهم من بلغ الستين، ينطلق بعد التراويح إلى المقهى يلعب البلوت إلى الساعة الثانية ليلاً، لا يقرأ قرآناً، ولا يستمع حديثاً، ولا يقرأ من ثقافة الأمة، أو من ثقافة تنفعه في الدنيا والآخرة، ولا يتقرب إلى الله إنما يلعب البلوت إلى الثانية ليلاً أو إلى السحور، وهذا موجود لا ينكره إلا مكابر، وشريحة في المجتمع تفعل ذلك؛ لأن هناك خواء عقدياً، لم يحمل الكثير إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فنحن نشكو حالنا إلى الله.

    يقول سبحانه في هؤلاء الكذبة: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ [لقمان:6] القرآن شيء، ولهو الحديث شيء آخر، لهو الحديث ضياع للمجالس: لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ [لقمان:6] قصده الصد عن منهج الله، تجد بعضهم يرتاح لسماع الأغنية ولا يرتاح لسماع القرآن، ولا يريد أن تحدثه ولا تعظه، بل إذا حدثت في المجلس، قال: عندنا خير، واستفدنا والحمد لله، واتركونا من هذه الأحاديث اتركونا نتكلم في حديث آخر، هذا من الذين يصدون عن سبيل الله: وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [لقمان:6-7].

    1.   

    إسلام حمزة بن عبد المطلب

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب إسلام حمزة عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، حمزة أحد الأعمام التسعة للرسول عليه الصلاة والسلام، وكانوا أبناء عبد المطلب عشرة، منهم: أبو الرسول صلى الله عليه وسلم، وحمزة، وأبو طالب، والعباس، كلهم أعمام له صلى الله عليه وسلم.

    فـحمزة كان من أشجع الناس، وحمزة في لغة العرب اسمٌ للأسد، والأسد له ما يقارب مائة اسم، من أسمائه حمزة، وحيدرة، والليث، وهزبر، فسمى عبد المطلب ابنه هذا بـحمزة، فأتى اسماً على مسمى، ولذلك كان هو من أشجع الناس، كان يأخذ ريش نعامة فيضعه في عمامته وقت المعركة، فإذا ركب ريش النعامة عرف الناس أنه سوف لا يحجم، ولا ينكسر حتى يفل خصمه.

    سبب إسلام حمزة أنه كان يصطاد في وادي نعمان فوق عرفة، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يدعو إلى الله في الحرم، وفي النهار أتى بين الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي جهل كلام، فقام أبو جهل فسب الرسول صلى الله عليه وسلم وآذاه وتكلم عليه، وكان من أشد الناس إيذاءً للرسول صلى الله عليه وسلم.

    فجاء حمزة إلى أهله بصيد صاده من البرية، إما طير أو غزلان أو أرانب، قال: هل وقع اليوم شيء؟ قالوا: ترافع صوت ابن أخيك محمد وصوت أبي جهل اليوم في الحرم، فسبه أبو جهل أمام الناس، فقام، فأخذ قوسه الذي يصيد به وذهب والناس مجتمعون في الحرم، وأبو جهل في أكبر حلقة، فعمد إلى أبي جهل فضربه على رأسه فشجه؛ فإذا الدم على وجهه، فأراد أن ينتقم، فقامت الأسر بعضها تحامي عن بعض، فلما أخذته الحمية ذهب حمزة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم؛ وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.

    مادام أنه بلغ هذا الإيذاء وعلم الله انتصاره للرسول صلى الله عليه وسلم، فهداه للإيمان: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القصص:56] واستمر حمزة مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان من أحب أعمامه إليه، قريباً من قلبه، ومواقفه البطولية لا تنسى أبد الدهر.

    حياة حمزة مع الرسول صلى الله عليه وسلم

    هو أول من بارز في معركة بدر، دعاه صلى الله عليه وسلم للمبارزة حمزة عمه، لئلا يقول الناس: دعا الناس للمبارزة والقتال وترك أقاربه، جعل كل المبارزين أقاربه صلى الله عليه وسلم، حمزة، وعبيدة بن الحارث وعلي بن أبي طالب، يقول علي بن أبي طالب في الصحيح: [[أنا أول من يجثو يوم القيامة، ومن بارز يوم بدر؛ لقوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج:19]]] الذين تبارزوا يوم بدر هم أول من يجثو للخصومة بين يدي الرحمن يوم القيامة، ثلاثة من المؤمنين، وثلاثة من المشركين.

    ثم بدأت المعركة، يقول أحد من حضر المعركة: [[والله إني كنت أنظر إلى حمزة وبيده السيف، وإن الناس يتفللون بجانبه وأمامه كالمعزى في الليلة الشاتية، أي: الرجال يصبحون أمامه كالمعزى إذا رأت الأسد، وإلا فهم شجعان، أشجع العرب هم قريش، لكنهم بلوا برجل من أشجع الناس، وحضر معركة أحد، وكان أكثر السبعين الذين قتلوا يوم بدر من كفار قريش على يد حمزة.

    فأتت هند امرأة أبي سفيان، فأخذت قلادتها، وأخذت ذهبها وحليها، وأتت إلى وحشي مولى من الموالي، وقالت: هذه الحلي، وأعتقك إن قتلت حمزة في معركة أحد، وحضر الجمعان أهل لا إله إلا الله محمد رسول الله، قائدهم رسول الهدى عليه الصلاة والسلام، ومعه عمه حمزة، ولما بدأت المعركة، أخذ حمزة ووضع ريش النعامة على صدره، مستعداً لمعركة ويوم كيوم بدر، فأتى ابن عرفطة، فنزل حمزة والتقى معه وبدأت المعركة، قال حمزة لـسباع بن عرفطة: يا ابن أم مقطعة البظور! أتيت تحاد الله ورسوله، يقول: يا ابن الختانة! لعنك الله، ثم قتله.

    وقد قتل سبعة من قادة قريش ومن حملة الراية، فلما أتى في منحنى الوادي، قام وحشي وكان من الحبشة معه حربة، فهزها وحمزة لم يدرِ أن هذا قد كمن له في شجرة، وإلا لو كان أمام الأرض كان رآه، فضربه بالحربة حتى أخرجها من بطنه، قال بعض الرواة: إن حمزة ضرب الشجرة حتى قطع غصونها، لكنه لم يدرك وحشياً، وسبقه الدم فوقع صريعاً على وجهه.

    فأتت هند بعدما قتل حمزة، فبقرت بطنه، وجدعت أنفه، وأخذت كبده فلاكتها، ثم لفظتها ولكنها لم تستطع أن تبتلعها من الحقد والغيظ والضغينة؛ لأنه قتل أقاربها الكفار، فمر صلى الله عليه وسلم على القتلة، فلما رأى حمزة وقف طويلاً، وبكى وغضب عليه الصلاة والسلام، وقال: {والذي نفسي بيده، لئن ظفرت بهم لأمثلن منهم بسبعين} فأنزل الله لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ [آل عمران:128].

    هذا هو حمزة الذي أسلم، وهذه أيامه ومشاهده، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ [القصص:5].

    1.   

    حياة بلال بن رباح

    وممن أوذي في سبيل الله بلال بن رباح، الذي أتى من أرض الحبشة مجيباً لداعي الله عز وجل، فأجاب دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام، وركب في سفينة التوفيق مع رسول الهدى عليه الصلاة والسلام، سحبوه في الرمضاء، وهو يقول: أحد أحد، وأحرقوه في الشمس، وهو يقول: أحد أحد، وضربوه بالسياط وهو يقول: أحد أحد.

    مر أبو بكر الصديق وبلال رضي الله عنه وأرضاه يعذب، وهو يصيح: أحد أحد، فقال أبو بكر لـأمية بن خلف سيده -عليه غضب الله- هذا أمية بن خلف المجرم، هذا الذي عذَّب بلالاً، من سادات قريش.

    أبو بكر الصديق يشتري بلالاً من أمية بن خلف

    قال له أبو بكر: أتبيع مني بلالاً؟ قال: خذه لو أخذته بدرهم بعته منك، قال: وأنت لو قلت: بمائة ألف دينار أخذته منك، فأعتقه أبو بكر، فكان عمر يقول: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا؛ لأن عمر دخلت في قلبه لا إله إلا الله وإلا لو أنه كان مشركاً لما قال هذه الكلمة، كان كفار قريش لا ينظرون إلى بلال ولا يُسلِّمون عليه ولا يجلس معهم، واستمر بلال فجعله صلى الله عليه وسلم مؤذناً للرسالة الخالدة.

    كان يؤذن دائماً بصوته الجميل العاطر الندي، فيرتفع صوت الأرض إلى السماء، وكان صلى الله عليه وسلم دائماً إذا حزبه أمر، يقول: {أرحنا بها يا بلال} أرحنا بالصلاة، وكان دائماً مع الرسول صلى الله عليه وسلم قريباً من راحلته، وأحياناً ربما حمل معطف الرسول صلى الله عليه وسلم، أو حمل أدواته وحاجياته الخاصة عليه الصلاة والسلام.

    بلال بن رباح مؤذن الرسول صلى الله عليه وسلم

    ونام الجيش في ليلة من الليالي، والحديث في البخاري والرسول صلى الله عليه وسلم معهم، فقال: {من يحرسنا هذه الليلة، ويحبس علينا صلاة الفجر} أي: يوقظنا لصلاة الفجر، هبط في معرس من الأرض يريد أن يوقظهم أحد الصحابة، قال بلال: أنا يا رسول الله! فوقف مع ناقته يصلي ويتهجد، فلما قرب الصبح، جلس بجانب الناقة فنام حتى طلعت الشمس، فلما طلعت الشمس، حمي الناس من الشمس، لم يقم أحد من الجيش، معهم المشرع المعصوم عليه الصلاة والسلام، وإلا فالله كان يوقظه؛ لأنه تنام عيناه ولا ينام قلبه، لكن أراد الله أن يشرع للأمة، يخبرنا ماذا يفعل الإنسان إذا نام.

    وعند الإمام مالك في الموطأ، حديث يقول: {إني لأنسى لأسن} وهو منقطع لكن معناه صحيح، أنسى، أي: ينسى صلى الله عليه وسلم ليسن للناس، ينسى ليشرع للناس، فكان أول من استيقظ لحرارة الشمس عمر بن الخطاب، وكان رجلاً مهيباً جلداً صابراً حازماً، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم نائماً -وانظر إلى الأدب كيف صاغ الله هذه الأمة حتى أصبحت تتعامل مع رسولها عليه الصلاة والسلام! أتظن أن عمر يأتي ويقول: يا رسول الله! قم تأخرت عن الصلاة، أو يقول: يا رسول الله! ويرفع صوته، لا. يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [النور:63] لا تتعاملون مع هذا الرجل كبعض الرجال، إنه رسول، إنه معصوم، إنه نبي- فأتى عمر فوقف بجانب الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم قال: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، فاستيقظ صلى الله عليه وسلم.

    فلما استيقظ الناس وإذا بهم من الخوف والهلع ما الله به عليم، أول مرة في تاريخهم تطلع عليهم الشمس، وهم لم يصلوا الفجر، فقل لي بالله كم من ملأ لا يصلون الفجر دائماً إلا بعد طلوع الشمس، لكن يقول المتنبي:

    من يهن يسهل الهوان عليه     ما لجرح بميت إيلام

    فقال صلى الله عليه وسلم: ما عليكم، أي: لا تخافوا ولا تحرجوا، ثم أمرهم بالاستيقاظ والمشي، فمشوا من هذا الوادي، يقول صلى الله عليه وسلم: {هذا وادٍ بات معنا فيه شيطان} قيل: وادي العقيق، وقيل: وادٍ غيره، ولكن يهمنا أن هذا الوادي بات شيطان مع الصحابة فناموا، فلما مشوا قليلاً، قال صلى الله عليه وسلم: أعندكم ماء؟، قالوا: ما عندنا يا رسول الله شيء، فالتمسوا في القرب فما وجدوا ماءً، يريدون أن يتوضئوا، جيش ما يقارب ثمانمائة مقاتل، قال صلى الله عليه وسلم: يا علي! - وهو رجل المهمات أبو الحسن:

    فلسان يدعو وعقل يشير     وحسام يمضي وفكر جدير

    قال: يا علي! ويا زبير! التمسا لنا الماء، والزبير كذلك رجل المهمات، حواري الرسول صلى الله عليه وسلم، وهما من أشجع الناس.

    فذهبا على فرسين في الصحراء، وإذا بهم بأعرابية أقبلت على جملين تريد الماء لأهلها، هذه بدوية ذهبت تستقي من غدير وركبت القرب على الجمال، وذهبت تريد أهلها، فاعترضها علي بن أبي طالب والزبير، فقالا لها: كلمي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: الصابئ؟ أي: المنحرف عن دين آبائه وأجداده إلى دين غيره، وهذه كلمة من التشويش الإعلامي الذي وقع له صلى الله عليه وسلم، قالوا: هو الذي تريدين، صلى الله عليه وسلم، وهذا جواب لطيف، لو قالا: نعم. لكانا أخطأ، ولو قالا: لا، لما عرفت هي، ولذلك قالا: هو الذي تريدين.

    فذهبا قبلها بالفرسين وهي وراءهم بالجمال، فلما اقتربوا أخذ صلى الله عليه وسلم قربة من قربها، فقال: صبوها عليَّ، فأخرج يده البيضاء النظيفة الجميلة، التي لم تعرف سفك الدماء ولا السرقة، ولا أكل أموال الشعوب، ولا اللعب بالمبادئ، اليد التي أخرجتني وأخرجتك وأخرجت هذا العالم من الظلمات إلى النور، فقال: صبوا، قال: بسم الله الرحمن الرحيم، قال أنس: [[والذي نفسي بيده، إني رأيت الماء ينبع من بين أصابعه كالأنهار]] ليس من القربة، إنما من بين يديه، فأخذت الصحاف تمتلئ ويغتسل الناس ويتوضئون ويملئون القرب من قربة واحدة.

    فلما انتهت، دعا صلى الله عليه وسلم بالبركة لها، فامتلأت قربتها، لم ينقص منها شيء ولم تذهب منها قطرة، وأعادها على الجمل، ثم قال للناس: اجمعوا طعاماً لهذه الأعرابية، فجمعوا طعاماً ووضعوه على جمالها، ثم ذهبت.

    هذا من قصص بلال، الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: {إن بلالاً يؤذن بليلٍ، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم} كان يؤذن قبل أن يوتر الناس، وابن أم مكتوم ينادي مع الفجر، أتى صلى الله عليه وسلم ليلة من الليالي -والحديث صحيح- وفي الصباح قال للصحابة: {يا بلال! دخلت الجنة البارحة، فسمعت دفَّ نعليك في الجنة، فماذا كنت تصنع؟ قال: ما توضأت في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بعده ركعتين}.

    بلال بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم

    هذا بلال منادي رسول الله، وكان جميل الصوت، وذكر بعض أهل السير -والله أعلم بذلك- أن بلالاً مات في الشام في حمص، لكنه لما سافر إلى الشام مكث هناك فترة طويلة، بعدما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم رفض أن يؤذن للناس، توفي صلى الله عليه وسلم، وقام هو يؤذن صلاة الفجر، فرفع صوته الجميل في المدينة يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، فلما بلغ أشهده أن محمداً رسول الله، بكى وخنقه البكاء، فما استطاع أن يكمل الأذان فنزل؛ لأنه تصور الرسول صلى الله عليه وسلم قد انتهى.

    قال أبو بكر: أذن لنا يا بلال؟

    قال: والله لا أؤذن لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا ما شاء الله، ولما فتح عمر بيت المقدس، تقدم عمر رضي الله عنه وأرضاه إلى الصخرة.

    رفيق صلاح الدين هل لك عودة     فإن جيوش الروم تنهى وتأمر

    رفاقك في الأغوار شدوا سروجهم     وجيشك في حطين صلوا وكبروا

    تقدم، قال: يا بلال! عزمت عليك أن تؤذن هذا اليوم، فرقى بلال عند بيت المقدس، وقال: الله أكبر، فانفجر الصحابة يبكون؛ لأنه ذكرهم أيام الرسول عليه الصلاة والسلام، فقام بلال في الشام، وفي ليلة من الليالي رأى الرسول صلى الله عليه سلم في المنام، قال: هجرتنا يا بلال! أي: لا تزورنا حتى في المدينة، هذه الفترة لم نرك، فشد بلال جمله وذهب إلى المدينة، فوصلها ليلاً ووجد المؤذن قد تأخر تلك الليلة عن الأذان، فقام بلال يؤذن، قالوا: فما بقي بيتٌ سمع نداء بلال وصوته إلا بكى.

    مصرع أمية بن خلف على يد بلال بن رباح

    ذهب بلال إلى الله، ولكن بقي بلال في قلب كل مسلم من مسلمي الكرة الأرضية يعيش معه، ويتفاعل معه، ويحبه، ويتولاه، وذهب أمية بن خلف وأبو جهل والوليد بن المغيرة، ولم يبق قلب مسلم إلا يبغض هؤلاء ويلعنهم ويتبرأ منهم إلى قيام الساعة.

    قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عن أمية بن خلف وعن أبي بكر الصديق، في قصة البيع والشراء: فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى * لا يَصْلاهَا إِلَّا الْأَشْقَى [الليل:14-15].

    هذا أمية بن خلف رفض أن يخرج يوم بدر، يقول له كفار قريش في بدر: اخرج معنا نلاقي هذا الصابئ محمداً، قال: لا. إني رأيت محمداً دعا علينا عند الكعبة، وأخاف أن أخرج فأقتل هناك -وإذا كتب الله أن يقتل فسوف يخرج- فرفض أن يخرج وأرسل أبناءه وأرسل أجيراً له، فأتى أبو جهل إليه بمبخرة، فركب فيه البخور والجمر، وقال: يا أمية بن خلف! تجمر مثل النساء، أما القتال فلا تحضر معنا.

    قال: أنا أشجع منك ومن أبيك ومن جدك، ثم أقسم أن يخرج -هذا أحرجه حتى يورده الموت- فخرج معهم، فلما أصبح في معركة بدر أي: أمية بن خلف وفر الناس وفر أمية بن خلف، فرآه بلال من آخر الوادي -هذا صاحبه الأول- فأخذ بلال يرفع السيف، ويقول للأنصار: [[أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا، أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا]] أي: صاحب الصفحات والفعائل السوداء، فلحقه الأنصار فاشتبكوا معه، فأتى عبد الرحمن بن عوف فألقى رداءه وألقى جسمه على أمية بن خلف، فاستخرج الأنصار أمية بن خلف ورفعوا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وهو يريد الإصلاح، فتناولوه بالسيوف فقطعوه إرباً إرباً، هذا أمية بن خلف قتل في معركة بدر، ورحل إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم.

    فيقول: الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى [الليل:16] هذا هو أمية بن خلف وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى [الليل:17] هذا الصديق الأكبر أبو بكر الصديق الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى [الليل:18-21].

    ذكر ابن ماجة لكن في سنده كلام، أن الله عز وجل أول من يلقى بعد الرسل والأنبياء في الجنة أبا بكر الصديق، والذي نعتقده أن أفضل الناس بعد الأنبياء والرسل هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه بلا خلاف.

    1.   

    إسلام عمار بن ياسر

    وممن أسلم أيضاً: عمار بن ياسر رضي الله عنه وأرضاه، وأخذه كفار قريش وعذَّبوه، حتى قدموا له الجعل وقدموا له الحشرات، فيقولون: ربك هذا؟ قال: نعم ربي. قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النحل:106].

    تعذيب كفار قريش لعمار بن ياسر

    ومن هذه القصة أن من عذب عذاباً شديداً ولا يستطيع أن يتحمل، له أن يتفوه بشيء يوافق من عذبه حتى ينجو من العذاب إذا كان قلبه مطمئناً بالإيمان.

    الآن انظر إلى الأنظمة الفاسدة التي عذبت البشر، مثل بعض المذكرات: نظام الحكم مثلاً في العراق الذي عذب الدعاة، كانوا يقولون: أنت متواطئ مع الصهيونية، يأخذون العالم من المسجد المفتي عالم المسلمين، ويقولون: أنت متواطئ مع موشي ديان، فيقول: لا. فيجلسونه على منضدة من كهرباء، ويركبون الفيش حتى يحترق، فيقول: نعم أنا تعاملت مع موشي ديان.

    وهذا يفعله الناس كذا، والإنسان له أن يتكلم بكلام حتى يرفع عنه الضيم إذا بلغ به هذه المسألة، فيقول: ربك هذا، قال: نعم ربي، ثم حرج رضي الله عنه وخاف بعدما قال هذا، فقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ [النحل:106].

    وصل صلى الله عليه وسلم المدينة، ولما وصل هناك واستقر أتى النبي صلى الله عليه وسلم يبني مسجده، فأخذ اللبنة الأولى، فوضعها في مكانها، من يأخذ اللبنة الثانية؟ أبو بكر الصديق عرف الناس أنه رجل الساعة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم فأخذها ووضعها، ثم قام عمر فأخذ اللبنة الثالثة، فقام عمار كان يأخذ الناس لبنة لبنة، وهو يحمل لبنتين، فأتى إليه صلى الله عليه وسلم، فمسح التراب عن رأس عمار رضي الله عنه وقبله، وقال: {ويحك يا ابن سمية! تقتلك الفئة الباغية} هذه من دلائل النبوة، كل يوم برهان من براهين النبوة، وحجة من حجج الرسالة: {ويحك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية تدعوهم إلى الجنة ويدعونك إلى النار} قال عمار: أعوذ بالله من الفتن، لم يعرف ماذا ينتظره المستقبل وينتظره القدر.

    مقتل عمار رضي الله عنه

    واستمر الحال بـعمار حتى بلغ السبعين، وقيل: الثمانين من عمره، فلما حضر معركة صفين التي كانت بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عن الجميع تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [البقرة:134] مرض عمار في أول المعركة، فقال ابنه: يا أبتاه! أوصِ بدينك فأني أظنك تموت، قال: [[والله لا أموت حتى أقتل في المعركة، وعد خليلي الصادق المصدوق ما كذب ولا كذب]] ولما حضر المعركة أتوه بكوب من لبن، قال: أشهد بالله أنه آخر شرابي من الدنيا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبرني أن آخر ما أذوقه من الدنيا شربة لبن.

    فشرب وخرج وكان من أشجع الناس، وتصور ابن ثمانين يقاتل، وقاتل حتى قتل في سبيل الله وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبر بعض الناس أنه سوف يقتل، هذه من أقوى دلائل النبوة التي عاشها صلى الله عليه وسلم والتي قدمها للإنسانية { كان رأس الرسول صلى الله عليه وسلم في حجر علي مرة فتبسم، قال علي: مالك يا رسول الله؟ قال:أتدري من أشقاها؟ -يقول صلى الله عليه وسلم: أتدري من أشقى الأمة؟- قال: ما أدري، قال: أشقاها قاتل الناقة وأشقاها من يخضب هذه بهذه، ثم أشار إلى لحية علي بن أبي طالب وكانت كثة} هذا أشقى الأمة عبد الرحمن بن ملجم.

    فأتى علي رضي الله عنه، ومرض ليلة بالحمى، فقام الحسن والحسين يدفونه، ويقولون: مرض الموت يا أبتاه مرض الموت، قال: لا. والله لا أموت حتى تخضب هذه من هذه، وعد الرسول عليه الصلاة والسلام.

    وليس على الأقدام تدمى كلومنا     ولكن على أعقابنا تقطر الدما

    تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد     لنفسي حياة مثل أن أتقدما

    وبالفعل قتله عبد الرحمن بن ملجم الخارجي عليه غضب الله، ولما قتله قال عمران بن حطان مادحاً له:

    يا ضربة من تقي ما أراد بها     إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

    إني لأذكره يوماً فأحسبه     من خير خلق عباد الله إنسانا

    هذا خارجي يمدح خارجياً، فرد عليه أحد شعراء أهل السنة، فقال:

    يا ضربة من شقي ما أراد بها     إلا ليبلغ من ذي العرش خسرانا

    إني لأذكره يوماً فألعنه     وألعن الكلب عمران بن حطانا

    فنسأل الله أن يرفع منازل الصالحين، ويجمعنا بهم، هؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنتم من تلك السلالة، ومن ذاك الموكب، (ومن يشابه أبه فما ظلم) وحبهم يدخلكم مع العمل الجنة، ومن تولاهم في الدنيا تولاه الله في الآخرة، نشهد الله على حبهم، وعلى توليهم، وعلى بغض أعدائهم، ونسأل الله أن يجمعنا بهم في دار الكرامة، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.