إسلام ويب

وقف للهللشيخ : محمد الدويش

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن أنواع الوقف لله كثيرة، فمن الناس من يقف ماله، ومنهم من يقف داره ومنزله، ومنهم من يقف نفسه للدعوة إلى الله تعالى، ومنهم من يقف نفسه ووقته لتعليم المسلمين أحكام دينهم، فعلى المسلم أن يهب نفسه لله تعالى، وأن يوقفها في أعمال الخير، كي يفلح وينجح في الدنيا والآخرة.

    1.   

    ميل النفوس إلى الإبداع والتجديد في كل شيء

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فهذه فرصة طيبة أن نلتقي وإياكم في هذه الليلة المباركة، وفي هذا المكان المبارك، في بيت من بيوت الله، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من المتحابين بجلاله، وممن يجتمعون على تدارس كتابه والتواصي به.

    في بداية هذا اللقاء أشكر شكراً عامراً الإخوة في مركز الدعوة بالرس على دعوتهم وحسن ظنهم، وإن كان هذا الطلب لم يستجب له إلا متأخراً، فأشكرهم أولاً على حسن ظنهم ودعوتهم، وأشكرهم ثانياً على صبرهم علينا، ومراعاتهم لظروفنا، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في أعمالهم وفي جهودهم، إنه سميع مجيب.

    أيها الإخوة! تميل النفوس إلى التجديد والإبداع، وتمل التكرار والوتيرة الواحدة، وهي سنة لله سبحانه وتعالى في الكون كله، فالماء إذا بقي ساكناً لا يتحرك فإنه يأسن ويتغير، ولو عقدت مقارنة بين منزل بني منذ عشر سنوات ومنزل فرغ منه الساعة لوجدت بينهما بوناً شاسعاً، وذلك أن النفس دائماً تتطلع إلى التجديد والتغيير، وكذلك الكتاب يحرص القارئ والمقتني له على أن يقتني الطبعة الجديدة منه، والتي تتميز بإخراج حديث.

    وهانحن نرى أعداءنا الذين أصبحنا نستهلك سلعهم قد أصبحوا يستثمرون هذه الظاهرة في النفوس، فتراهم يطورون في موديلات المنتجات، وخذ مثلاً السيارات فإنهم يطورونها في المظهر دون المضمون، ولكن هذا التطوير والتجديد يحظى بقبول الكثير، فيأسر المستهلكين، ويشكل اختيار الموديل مطلباً أساساً، فقد يؤخر المرء قراره بشراء سيارة ما في انتظار موديل جديد؛ رغبة في التجديد والتنويع، والذي قد يكون في المظهر دون المضمون، وذلك أن النفوس دائماً تميل إلى التجديد.

    فالتجديد مطلب للجميع، ومسعىً للكافة، يتطلعون إليه، ويطالبون به، ويقدرون إبداع صاحبه، حتى ولو كان لا يعدو مجرد المظهر دون المضمون والجوهر.

    التجديد عند الدعاة إلى الله في الوسائل دون الخوض في الثوابت

    إذاً: فإذا كانت النفوس تتطلع إلى التجديد والابتكار، فلماذا لا يسلك الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى هذا المسلك؟ ولماذا لا يكون التجديد مطلباً لهم، فينوعون في أساليبهم وطرقهم ووسائلهم بما يكون محاطاً بسياج المنهج، محصوراً في دائرة الشرع، فلا يسوغ أن يسلط التجديد على الثوابت الشرعية فيقضى عليها باسم التجديد والابتكار؟

    لكن حين يكون تنويعاً وتشويقاً فلا بأس فالنفس تمل وتألف، ونحن نرى في تاريخ الحركة العلمية والفكرية في أمتنا أن الكثير من أسلافنا قد سلكوا هذا المسلك، فجددوا في التأليف، وجددوا في طرق التدريس، ولعل من يرصد الحركة العلمية والفكرية على مدى تاريخ الأمة يدرك ذلك واضحاً ظاهراً.

    وهذه المحاضرة هي محاولة لعرض هذا الموضوع بقدر من التجديد في الأسلوب دون المضمون، وفي طريق المعالجة دون الأفكار والمنطلقات، وكل الطرق تؤدي إلى مكة.

    إننا نطالب الناس دائماً بمطالب ملحة تشكل عندنا قضايا أساسية، وعلى قدر حاجتنا لهذه المطالب، وعلى قدر شعورنا بأهميتها، سيعلو صوتنا فيها، وستتكرر مطالبتنا، وسيتكرر نداؤنا، ولن يقف هاجس التكرار عائقاً لنا دون الإلحاح في المطالبة.

    إننا أيها الإخوة! ونحن نطالب بهذه المطالب الشرعية لسنا بأولى من الدائن الذي يطالب بدينه ويلح، ويرفع صوته صباح مساء، ويبدئ ويعيد ويكرر، إن مطلبنا أعظم وأبعد أثراً من مطلب صاحب الدين، إن مطلبنا هو المطلب الشرعي للناس أن يفيئوا إلى الله جميعاً، وهي كلمة واحدة إليها ندعو، وحولها ندندن، ونرفع دائماً أصواتنا يمنة ويسرة، نطالب بالعودة إلى الله عز وجل، وبالرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، وبالعمل لهذا الدين، والدعوة له، ونطالب المسلمين جميعاً أن يسيروا معنا في صف واحد، وأن يركبوا معنا القطار، ويخوضوا معنا المعركة في الفكر أولاً والعلم والحجة واللسان، والتي تهيئ بعد ذلك للملحمة الكبرى في مواجهة الكفر وأهله وقادته.

    إن من حقنا أيها الإخوة! ونحن نرى أن مطالبنا مشروعة، بل نرى أنها تتصدر قائمة المطالب المشروعة، من حقنا أن نكرر مطالبنا، وأن نرفع أصواتنا، وأن نبدئ ونعيد فيها، ومن ثم فقد نكرر كلاماً كثيراً، ولكن سنظل نكرر ونرفع الصوت حتى يستجيب الناس ويفيئوا إلى دين الله سبحانه وتعالى.

    فهذه محاولة لنوع من المطالبة، وقد لا يكون ثمة جديد في الموضوع والمضمون في حقيقتها، فهي حقيقة واحدة حولها ندندن، وإليها ندعو، لكن التجديد قد يكون في الأسلوب والمظهر.

    1.   

    أهمية الوقف والمال في نشر الدعوات والمبادئ

    يدرك أصحاب المبادئ والدعوات أن مبادئهم تتطلب منهم بذلاً منقطع النظير، وتضحية بالنفس والنفيس، ويسعون بكل جهد لابتكار الوسائل والطرق، وحشد الجهود لخدمة مبادئهم ومعتقداتهم، فهم يجمعون المال والتبرعات لخدمة دعوتهم، ونشر معتقداتهم، وكم نقرأ في الحديث والقديم من أن الطائفة الفلانية جمعت كذا وكذا من المال، أو قررت توفير كذا وكذا لخدمة المبدأ والطائفة، وأحياناً تقام الحفلات والبرامج العامة ليصبح ريعها وقفاً على جمعية إنسانية، أو نحلة أرضية، أو مذهب ضال.

    وفي تاريخنا الإسلامي نقرأ في كتب الفقه الكثير عن الأوقاف، والتي ساهمت مساهمة فعالة في خدمة الحركة العلمية على مدى تاريخ الأمة، فهذا وقف على مدرسة حنفية، وهذا وقف على مدرسة شافعية، وهذا وقف على مدرسة أهل الحديث والمشتغلين به، وهذا وقف على المشتغلين بالسنة ومواجهة أهل البدعة.

    إن نظرة عجلى في تاريخ المدارس وفي كتب الفقه تعطينا الدلالة على عمق هذه الظاهرة وأثرها في دفع المسيرة العلمية، ولقد كانت الحركة العلمية والنهضة العلمية التي سادت في هذه الأمة على قرون متطاولة تعتمد اعتماداً أساساً واعتماداً كبيراً على هذه الأوقاف، وفي الجهاد في سبيل الله عز وجل كان هناك من حبس أدرعه وأعتده في سبيل الله سبحانه وتعالى، أو أوقف غلة أرض على المجاهدين في سبيل الله عز وجل، أو ريع منزل من المنازل على المرابطين. وهكذا.

    فاقرءوا كثيراً عن الأوقاف وأحكامها وما يتعلق بها، ويفيض الفقهاء في الحديث عنها؛ لأنها كانت ظاهرة سائدة منتشرة على مدى تاريخ الأمة، فالوقف يبقى شجرة مباركة تؤتي أكلها كل حين، فيبقى أصله ويدر الثمرة، فهو من خير ما ينفق الإنسان، وأفضل ما يساهم به في سبيل الله عز وجل.

    1.   

    الاهتمام بوقف الطاقات البشرية فالمال ليس كل شيء

    قد ينفق الإنسان مبلغاً كثيراً من المال، ويساهم هذا المال ولا شك مساهمة فعالة في إطعام جائع أو مسكين، وفي نصرة مجاهد في سبيل الله عز وجل، وفي دعم برنامج دعوي، أو مشروع إغاثي، وفي جلب خير للأمة، ولكن هذا يبقى مجرد مساهمة تنقضي مع انقضاء هذا المال، وما أسرع ما يزول، وأما حين يوقف مالاً يبقى أصله ويدر غلته فإنه يبقى خيره عميماً بعد ذلك، (وأحب العمل إلى الله أدومه وإن قل).

    وليس هذا بالمال وحده، فلئن كان هذا شأن المال ودوره لدى كل صاحب دعوة ومبدأ، فهل صحيح أن بالمال وحده يستطيع الإنسان أن يحقق ما يريد؟ قد يسوغ أيها الإخوة! لأصحاب المبادئ الأرضية والدعوات الضالة أن يعتمدوا أساساً على المال، فيشتروا قناعات الناس وضمائرهم ومعتقداتهم مقابل المال، ولكن ما يشرى بالمال يمكن أن يأتي من يساوم عليه، والبيع لمن يزيد، والذي يبيع قناعاته ومعتقداته بالمال فهو على أتم الاستعداد أن يتخلى عنها حين ينقضي هذا المال.

    أقول: قد يسوغ لأصحاب هذه المبادئ أن يغروا الناس بالمال لاتباعهم، والسير وراءهم، وأما نحن فحين نقول: إن المال أساس وعصب مهم للدعوة إلى الله عز وجل، فإنا لا نقول ذلك لأنا نرى أن يعطى الناس، وأن تشترى معتقداتهم، وأن يحاسبوا بالدينار والدرهم على قناعتهم، إن هذا الدين حق، وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا [الكهف:29].

    إنه حق واضح لا مجال للمساومة عليه، نعم قد يكون تأليف الناس مطلوباً، والمؤلفة قلوبهم لهم سهم من الزكاة، لكن هذا شيء واشتراء ذمم الناس شيء آخر.

    إذاً أيها الإخوة! ليس بالمال وحده فقط تنتصر الدعوات، فمع أن المال مطلب ملح وأساس لكن ثمة طاقات أخرى ومطالب أخرى بحاجة إلى أن يعتنى بها، فهناك الطاقة الهائلة والجهد الذي لا يعوض وهو الطاقة البشرية بكل فروعها ومجالاتها، إننا بحاجة إلى أن نحشد الطاقات البشرية لخدمة دين الله سبحانه وتعالى والدعوة إليه، فهل نفكر في جعل صنف من الناس وقفاً لله تعالى؟

    نقرأ في القرآن الكريم أيها الإخوة! قوله تعالى عن امرأة عمران : إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [آل عمران:35]، لقد أحست بالحمل، وكانت خدمة دين الله عز وجل تتصدر قائمة اهتماماتها وتطلعاتها، فنذرت حينئذٍ أن تقف هذا المولود على خدمة دين الله؛ بأن يكون خادماً للمسجد الأقصى الذي بارك الله حوله، والذي اختاره الله عز وجل حيناً من الدهر قبلة يتوجه إليه في الصلاة، إنها الأرض المقدسة التي أمر موسى بني إسرائيل أن يدخلوها، والتي سار بهم إليها بعد ذلك نبي الله يوشع بن نون، والأرض التي هاجر إليها إبراهيم عليه السلام، والأرض التي أسري بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم إليها، والأرض والموطن المشهود له بالفضل على مدى التاريخ، والتي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها موطن الطائفة المنصورة حتى تشهد آخر ملاحم الإسلام حين ينزل عيسى بن مريم عليه السلام فيقتل الدجال .

    ومن ثم لا غرو أن يوقف هذا الغلام وهذا الوليد على خدمة هذا المسجد، واستجاب الله عز وجل لدعائها، ولكن الله عز وجل رزقها خيراً من ذلك كله، فاستجاب الله سبحانه وتعالى لها، فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا [آل عمران:36-37].

    فاستجاب الله دعاءها وأعاذها وذريتها من الشيطان الرجيم، فكان الشيطان ينخس كل مولود فيستهل صارخاً إلا مريم وابنها عيسى عليه السلام، استجابة لدعوة هذه الأم الصالحة، استجاب الله عز وجل دعاءها فكان هذا الحمل أنثى، وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى [آل عمران:36]، ولكنها كانت أماً لرسول من أولي العزم من الرسل، يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله؛ يحيي موتى الأبدان، وقبل ذلك معجزته الأهم والأولى والتي أرسله الله من أجلها أنه كان يحيي موتى القلوب، ويخرج الناس من الظلمات إلى النور.

    ونقرأ في القرآن أيضاً عن بيع وصفقة مع أولياء الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ [التوبة:111].

    لقد تم البيع أيها الإخوة! ولا مجال للخيار، فالبيع والعقد لازم لا خيار فيه، فلا مجال لعيب أو تدليس أو خلابة يفسخ بها العقد، فقد تم العقد وبيعت النفوس والأموال لله عز وجل، فحينئذٍ ينبغي أن تبقى هذه النفوس وهذه الأموال وقفاً لخالقها سبحانه وتعالى الذي امتن علينا، فأعطانا هذا المال، وأعطانا هذه النفوس، خلقنا ثم اشتراها منا سبحانه وتعالى بثمن بالغ؛ جنة عرضها السماوات والأرض، فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم، إنه بيع رابح.

    يحكي الله سبحانه وتعالى عن طائفة ممن باعوا أنفسهم لله عز وجل في مقابل من استحوذ عليه إعجاب الناس: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ [البقرة:204-206].

    في مقابل هذه المتفيهق، وهذا المتفاصح، وهذا الذي يستحوذ عليه إعجاب الناس، ويتظاهر بمظهر الإصلاح وهو يفسد، في مقابل هذا هناك من باع نفسه لله عز وجل، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [البقرة:207].

    ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم لـصهيب حين باع نفسه لله: (ربح البيع أبا يحيى ، ربح البيع).

    1.   

    أهمية وقف النية والقلب لله تعالى في كل الأعمال

    نحن نحتاج إلى من يكون وقفاً لله تعالى بقلبه وتوجهه، فلا يتوجه قلبه لغير الله عز وجل، فيخلع من قلبه قصد سواه، أو إرادة غيره، أو الميل إلى ما لا يرضيه سبحانه وتعالى، إنه يستقبل القبلة ببدنه خمس مرات كل يوم وليلة، ولكن قلبه يستقبل قبلة دائمة في منامه ويقظته، إنه ليس لقلبه إلا قبلة واحدة، فقلبه وقف لله تعالى.

    وحين يدعو ويسأل فأمام ناظريه قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله)، وقبل ذلك قوله سبحانه وتعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18].

    إنه لا يمكن أبداً أن يتوجه لغير الله عز وجل، أو يدعو غير الله سبحانه وتعالى، أو يسأل غير الله عز وجل، أو يستعين بغير الله سبحانه وتعالى، فهي أمور وقفت لله عز وجل، وصرفها لغير الله يعني انخلاع المرء من عبوديته لله سبحانه وتعالى إلى الذل والعار، إلى العبودية للمخلوق، والعبودية لما دون الله سبحانه وتعالى، فدعاؤه وعبادته وتوجهه وقف لمولاه سبحانه وتعالى.

    قد يكون للناس نوايا وتطلعات وشوائب من الرياء، والشهرة، وحب الظهور، والتعلق بحظوظ النفس، أما هو فيجاهد نفسه ويكابدها، وهو يدرك عمق المشكلة، وشدة خطورتها، لاسيما وهو يسمع عبارات السلف تهزه هزاً عنيفاً، يسمع عباراتهم في الدعوة إلى مجاهدة النفس في تصحيح النية وإخلاصها لله عز وجل، (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه).

    ولا يزال قول سفيان الثوري رحمه الله: ما عالجت شيئاً أشد علي من نيتي؛ لأنها تتقلب علي.

    وقول يوسف بن أسباط : تخليص النية من فسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد.

    لا تزال هذه الأقوال تطرق مسمعه وتتراءى أمامه، فحينئذٍ تصبح نيته وقفاً لله تعالى.

    إن قضية تصحيح النية ووضوح المقصد قضية بدهية لدى الناس جميعاً، لدى الغافل والمقبل على الله عز وجل، لدى قوي الإيمان وضعيف النفس والهمة، إن الجميع يقرون بضرورة تصحيح النية، والتوجه إلى الله عز وجل.

    إن الناس أيها الإخوة! قد يتوجهون لمطلب العلم، ولتحصيل العلم، هذا المطلب الملح الذي يتفق الناس جميعاً أنه مطلب شريف نزيه، وليس أولى وأدل على فضل العلم من أنه ما نسب امرؤ إلى الجهل إلا عد هذا عيباً وذماً وقبحاً، وما نسب إلى العلم إلا وعد هذا ثناء وخيراً.

    إن مطلب تحصيل العلم مطلب مشترك لدى الجميع، فمنهم من يسعى إليه، ومنهم من تقصر همته دون ذلك، ولكن قد يسعى المرء للعلم فتعترض له النوايا لتقطع عليه الطريق، فتتحول نيته فيصبح مطلبه أن يقال فلان كذا وكذا، وأن يتصدر في المجالس، وأن يحصل على شهادة يسترزق بها، وأن يستطيع أن يتحدث مع المتحدثين، وأن يتفيهق مع المتفيهقين، وأن يتفاصح مع المتفاصحين.

    إن العلم مهما كان عبادة وقربة لله عز وجل، ومهما كان مطلباً شريفاً يسعى إليه ذوو الهمم العالية، إلا أنه بحاجة إلى أن يصحح المرء فيه نيته، ويتفقدها ويتفقد إخلاصه، فيصبح علمه وطلبه للعلم وقفاً لله تعالى، فلا يتعلم إلا ونيته خالصة لله عز وجل، وإلا كان -عافانا الله وإياكم- أحد الثلاثة.

    والدعوة إلى الله عز وجل هي الأخرى أيضاً طريق الأنبياء والرسل، إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا [الأحزاب:45-46].

    وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33].

    ولكن هذا الطريق هو الآخر قد يعترض المرء فيه ما يعترض مما يكدر نيته، أو يقطع عليه طريقه، فتنحرف مسيرته حينئذٍ، إنه قد تأسره الشهرة، فينقاد وراءها، وقد يأسره حظ من حظوظ الدنيا، أو مطمع زائل، فتنحرف نيته وتزيغ، وقد يبدو له -وقد بدأ مخلصاً صادقاً سليماً- مطمع أو مطمح فيحرفه عن مسيرته.

    ومن ثم كان من أشد الناس حاجة إلى أن يصحح نيته، وأن يتفقد نيته، وأن تكون دعوته لله سبحانه وتعالى وحده، وأن يراقب نفسه ويراجعها؛ حتى تصبح دعوته وقفاً لله عز وجل، فلا يتطلع ولا يرجو غير مرضاة الله سبحانه وتعالى وابتغاء وجهه، قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف:108].

    والعابد الذي قد حنا ظهره، وأسهر ليله، وأظمأ نهاره، فأصبح يشار إليه بالزهد والورع والعبادة، هو أيضاً أحوج ما يكون إلى أن يراقب نيته، وأن يصحح مقصده.

    إن الشيطان أيضاً قد يجد سبيلاً ومسلكاً إلى هذا العابد، فيحرفه ويقطع عليه الطريق، ومن ثم كان هذا أيضاً بحاجة إلى أن تكون نيته وقفاً لله تعالى.

    إننا أيها الإخوة! جميعاً -في أي ميدان كنا وحيثما اتجهنا- بحاجة إلى أن نفرض رقابة صارمة على نوايانا حتى تصبح وقفاً لله عز وجل، فلا تلتفت يمنة ولا يسرة.

    1.   

    اجعل تفكيرك وقفاً لله تعالى

    لابد للمرء أن ينحصر تفكيره فيما هو نافع؛ من صلاح القلب، ومن تفكير في خلق الله عز وجل وآلائه، والتفكير فيما يقدمه خدمة لدين الله سبحانه وتعالى، والدعوة في سبيل الله عز وجل، فلا يبقى بعد ذلك في تفكيره مجال لأفكار رديئة، وخواطر هزيلة، وأحلام اليقظة، فضلاً عن التفكير في أوحال الشهوات، وأدران الشبهات، فقد أصبح تفكيره وقفاً لله عز وجل، فصار لا يفكر إلا فيما يرضي الله سبحانه وتعالى، وفي إصلاح نفسه وتعاهدها، وفي إصلاح عيوب نفسه، أياً كانت طرائق التفكير ومجالاته، وأياً كان مشربها ومسلكها، فكلها تصب في بحر واحد، وتؤدي إلى طريق واحد وهو: أن يكون تفكيره وقفاً لله تعالى.

    1.   

    اجعل مشاعرك وعواطفك وقفاً لله تعالى

    يجب على المرء أن يجعل مشاعره وعواطفه كلها لله، فإن أحب أحب لله، وإن أبغض أبغض لله؛ لأن لسانه يلهج دائماً بالدعوة الصادقة: (وأسألك حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يقرب إلى حبك)، فمشاعره هي الأخرى وعواطفه وقف لله تعالى.

    وحين يأخذ الحماس بلب أصحاب الأهداف الوضيعة، فيطير رياضي عشق الرياضة حماساً لانتصار فريقه، ويسيطر عليه هذا الحماس لتتولد عنه أعمال تدل على مبلغ صاحبها من العقل، وحين يطغى الحماس على شاب تائه ليستعرض بسيارته أمام الناس، فيمارس التفحيط، أو ما يسمى بالتطعيس، وينتج عن ذلك إزهاق للأرواح، وعطب للأبدان، وحين يسيطر الحماس نفسه على فنان عاشق للصوت الحرام؛ فيجعل الغناء شعاره ويشتري لهو الحديث، حين يطغى الحماس على هؤلاء جميعاً فصاحبنا ليس في نفسه إلا الحماس لدين الله عز وجل، فقد استهلكت خدمة الدين همه، واستنفدت طاقته، فلم يعد لها بعد ذلك مزاحم، وتتزاحم هذه المطالب التي يسعى إليها الناس إلى صاحبنا تبحث لها عن مكان، فلا تجد مكاناً؛ لأن حماسه قد أصبح وقفاً لله تعالى.

    ما أحوجنا إلى أن نحشد هذه الطاقات الهائلة، هذه الطاقات التي قد نهدرها: الحماس والعواطف وما ينشأ عنها من أعمال قد نراها بأعيننا، وقد تودي بصاحبها إلى أن يخاطر بنفسه، وأن يزهق روحه استجابة لحماسة ثائرة، ما أحوج الأمة أن توفر هذا الحماس وهذه الطاقة والمشاعر كلها خدمة لدين الله سبحانه وتعالى.

    وتخيلوا أيها الإخوة! حين تحشد هذه الطاقات من العواطف والمشاعر التي يتمتع بها الشباب جميعاً، والشاب يتدفق حيوية وحماساً وعاطفة؛ حين تحشد هذه الطاقات كلها خدمة لدين الله سبحانه وتعالى، فأي جهد سينتج عنها؟! وأي ثمرة نستطيع أن نجنيها بعد ذلك؟!

    حين يتزاحم الناس على قضاء أوقاتهم فيما تقودهم إليه نفوسهم عالية كانت أم دنيئة، فيقضي الأول وقته في الدنيا وتحصيل المال، فيصبح هذا الهم هو الذي يسيطر عليه، فحياته لجمع المال، فهو عبد للدينار والدرهم، إن أعطي رضي، وإن لم يعط لم يرض، فليس لديه فراغ للجلوس مع الناس، ولا للحديث معهم، بل إن أهله وأبناءه وزوجه لا يستطيعون أن يجدوا من وقته نصيباً؛ لأنه مشغول بهذه الدنيا وجمع المال، فقد سيطر هذا الهم وهذا الهدف على وقته.

    والثاني الذي يقضي وقته في التسكع في الطرقات والأسواق، أو عند مدارس البنات؛ بحثاً عن فريسة، أو مطاردة لتائهة.

    والثالث الذي يسيطر اللهو على حياته، فلا يسأل عنه حراماً كان أم حلالاً، فاللهو شعاره ومطلبه وهدفه الأساس، ومبلغه من العلم.

    والرابع والخامس والسادس والجميع الذين تسيطر هذه الأهداف على أوقاتهم، حين يتنافس هؤلاء في قتل الوقت، ووأد العمر .. وأد أثمن ما يملكون، فصاحبنا له منطق آخر مع وقته، ومقياس يختلف عن مقاييس هؤلاء جميعاً، فالوقت الضائع لديه هو كل وقت لم يكتسب فيه خيراً، أو يقدم فيه فضلاً، ولسان حاله:

    إذا مر بي يوم ولم استفد هدى ولم استزد علماً فما ذاك من عمري

    وهكذا فهو يدرك أن وقته هو الحياة، وأن الوقت هو أثمن ما يملك، والله عز وجل يقول: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92]، وهل هناك أنفس لديه من عمره وحياته ووقته؟ ومن ثم فقد جعل وقته وقفاً لله تعالى.

    مرة أخرى أقول أيها الإخوة! إن البشر هم الذين بتوفيق الله سبحانه وتعالى يصنعون التاريخ والحياة، وهم الذين جعلهم الله عز وجل وسيلة للتغيير في هذه الحياة وهذا الكون، وهم الذين استخلفهم الله سبحانه وتعالى في الأرض، فهم الطاقة التي لا يسوغ أن تهدر، ولا يسوغ أن تهمل وتذهب سدىً.

    ومن ثم فنحن أحوج ما نكون إلى أن نستثمر هذه الطاقة، وأن نستغل هذه الطاقة، وأن نوظف هذه الطاقة في خدمة ما خلقنا من أجله، فقد خلق الله سبحانه وتعالى الناس ليعبدوه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56].

    لقد خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان خليفة في الأرض؛ ليقوم بهذا المنهج وهذا الدين في الأرض، وسخر الله سبحانه وتعالى له كل ما في السماوات والأرض، فسخر الله سبحانه وتعالى له النعماء، وصرف سبحانه وتعالى عنه الضر والبأس، ويسر له كل هذا الكون بكل ما فيه، كل هذا تسخيراً لهذا الإنسان الذي ما خلق أصلاً ولا أوجد إلا ليكون عبداً لله سبحانه وتعالى، وإلا ليقوم بعبودية الله عز وجل بكل ما تحمله هذه الكلمة من معانٍ قريبة أو بعيدة قد تعظم وقد تصغر عند الناس، ولكنها عند الله سبحانه وتعالى عظيمة غالية؛ لأنها عبادة يتوجه بها إلى الله سبحانه وتعالى.

    إن هذا الإنسان الذي لم يخلق إلا لعبادة الله عز وجل لا يسوغ أبداً بحال أن تصرف طاقته وجهده في غير مرضاة الله عز وجل، وفي غير ما خلق من أجله، ونحن في هذه المرحلة التي تعيشها أمتنا، وفي هذا الواقع الأليم الذي تعاني منه المجتمعات الإسلامية أحوج ما نكون إلى حشد الطاقات، وأحوج ما نكون إلى أن نجمع الجهود، فنستنفر وندعو الناس جميعاً لأن يتبرعوا فيخرجوا لنا أناساً وقفاً لله تعالى، فكل ما يملكون من طاقات وجهود يسخرونها خدمة لدين الله سبحانه وتعالى، علّ هؤلاء أن يساهموا في قيادة الأمة إلى بر الأمان.

    1.   

    الوقف لأعمال الخير لا تتعطل منافعه

    أيها الإخوة! يتحدث الفقهاء عن حكم نقل الوقف، فيقررون أنه لا يسوغ نقله إلا حين تتعطل منافعه، فهل هذا الوقف الذي ندعو إليه كذلك؟

    والجواب: لا، إنه وقف دائم لا يسوغ نقله؛ لأن الوقف لا يسوغ نقله إلا حين تتعطل منافعه، وهذا الوقف لا يمكن أبداً أن تتعطل منافعه، فصاحبه إن أعياه التعب وأرهقه الجهد فقعد به عن عمل تتطلع نفسه إليه فلن يعجز لسانه عن دعوة صالحة للإسلام والمسلمين، وإن خرس لسانه فجوارحه لن تعجز أن تقدم خيراً، وإن شلت جوارحه فقلبه يلهج بحب الله ورجائه والتوجه إليه، فحتى وهو مقعد كسيح لا يستطيع حراكاً تنصر الأمة به، (أبغوني ضعفاءكم فإنما تنصرون وترزقون بضعفائكم)، وإن قعد به مرض أو سفر كتب له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    إنه لن تضيق أمامه الأبواب وهو يسمع التوجيه النبوي الكريم كما في الصحيحين من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: (سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل؟ قال: الإيمان بالله، والجهاد في سبيله، قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: أنفسها عند أهلها، وأكثرها ثمناً. قلت: فإن لم أفعل؟ قال: تعين صانعاً، أو تصنع لأخرق، قلت: يا رسول الله! أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: تكف شرك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك).

    وحتى حين يموت ويودع الحياة فالمسلم مبارك حياً وميتاً، وكم نرى ونشاهد أن رجلاً من الصالحين مات فاجتمع الناس لجنازته، فوافق ذلك أن حضرت جنازة أخرى، فصلى عليها هذا الجمع العظيم وساروا فيها، فصار هذا الرجل بركة في حياته وموته، وكم نسمع أن فلاناً من الناس قد تاب وأناب إلى الله عز وجل حين مات فلان الرجل الصالح، وكم نرى ونسمع أن بيتاً بأسره قد تغيرت أحواله، وتبدلت أموره إلى الصلاح؛ لأن أهله افتقدوا شاباً صالحاً قانتاً مطيعاً لله تخطفه الموت من بينهم، فهاهو المسلم تبقى بركته حياً وميتاً، فلا تتعطل منافعه، فهو حينئذٍ وقف دائم لا يسوغ نقله؛ لأن منافعه لا تتعطل.

    1.   

    الوقف عقد لازم لا خيار فيه ولا رجوع

    الوقف عند الفقهاء أيها الإخوة! عقد لازم لا خيار فيه، فحين يتبرع امرؤ بمال فيوقفه فلا يملك بعد ذلك أن يرجع، وهانحن بعد ذلك قد عقدنا الصفقة وتم البيع، فلا مجال للخيار؛ لأنه لا غبن ولا تدليس ولا خلابة، فقد تم البيع، إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلى أن قال الله عز وجل: فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ [التوبة:111].

    فلا مجال إلا الوفاء بالصفقة، والوفاء بالبيع، فاستحقاق الثمن حينئذٍ أو النكوص والنقض, وحينئذٍ يستحق صاحبه النكال عافانا الله وإياكم، فهو عقد لازم لا خيار فيه ولا مجال فيه للرجوع والتردد.

    جاء في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أرضه التي أوقفها في خيبر، وهو حديث عظيم وأصل من الأصول في باب الوقف، قال رسول الله: (لا جناح على من وليها أن يأكل بالمعروف)، فلناظر الوقف ووكيله أن يأكل منه بالمعروف، وينتفع من غلته بما لا يعود على مقاصد الوقف بالإبطال.

    1.   

    حكم ناظر الوقف هنا

    ومن هنا يتحدث الفقهاء عن ناظر الوقف، فيسوغ له أن يأكل ما يقيمه بالمعروف، ويسوغ له أن ينتفع منه بالمعروف، لكن هذا الانتفاع لا يسوغ أبداً أن يتحول إلى مصدر للتمول والتأكل، فحينئذٍ تتعطل منافع الوقف التي من أجلها وقف.

    وأما هاهنا فالواقف والموقوف وناظر الوقف شيء واحد، وله أن يمتع نفسه، أو يشغلها بالمعروف؛ لأن من ولي الوقف له أن يأكل منه بالمعروف، فالنفس تكل وتمل، وتحتاج إلى شيء من التسلية والانبساطة؛ حتى تعود بعد ذلك أكثر حماسة وعزيمة.

    ولنا في نبينا صلى الله عليه وسلم أعظم الأسوة وخير القدوة، فقد كان صلى الله عليه وسلم يمزح ولا يقول إلا حقاً، وكان صلى الله عليه وسلم يداعب أصحابه ويمازحهم، وكان كما يقول عنه جرير رضي الله عنه: (ما رآني صلى الله عليه وسلم إلا تبسم).

    ويوصي النبي صلى الله عليه وسلم من جاء يشتكي إليه من قسوة قلبه فيقول: (ساعة وساعة).

    إن من تمام حيوية المرء ونشاطه وهمته ومما يعينه: أن يأخذ لنفسه قسطاً من الراحة، والمزاح المشروع، واللهو المباح، ولكن هذا يجب أن يكون مقيداً بالمعروف، فلا يسوغ له أن يتجاوز، فإذا تجاوز حينئذٍ فأصبح اللهو والراحة واللذة مطلباً أساساً فحينئذٍ اعتدى على هذا الوقف، وهذا لا يسوغ له، فهو ناظر ووصي وولي لا يجوز له أن يأكل إلا بالمعروف، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (كل لهو باطل إلا ثلاث)، فاللهو وإمتاع النفس بما يهيئها لأن تخدم دين الله، (ملاعبة الرجل أهله، أو تأديبه فرسه، أو رميه بقوسه).

    1.   

    تعدد مجالات الوقف وتنوع مصارفه

    الوقف عند الفقهاء له مجالات شتى، ومصارف منوعة، فقد يكون وقفاً على الذرية، أو على ابن السبيل، أو طالب العلم، أو ربما طالب علم معين كفقه حنفي أو حنبلي، أو وقف على المجاهدين والمرابطين، ولن يضير المرء أبداً أن يقف شيئاً من ماله على مجال دون غيره مادام يرى أن هذا المجال بحاجة، وأنه أولى من غيره من الأبواب.

    وهكذا فنحن نرى من يقف وقته على العبادة والذكر، ودعوة الناس بسمته وزهده، فتراه يقضي سحابة نهاره تالياً لكتاب الله عز وجل، وصائماً، وقانتاً، ومصلياً ومقبلاً على الله سبحانه وتعالى، فإذا رآه الناس ذكروا الله عز وجل، وتذكروا هدي الصالحين والسابقين، وحين يدعو ينفع الله سبحانه وتعالى المسلمين بدعوته.

    ونرى من يقف نفسه على إغاثة المحتاج وإعانة المنقطع، ونرى من يقف نفسه على دعوة غير المسلمين إلى دين الله سبحانه وتعالى، وإلى الدخول في السلم كافة، أو من يقف نفسه على إصلاح من قسا قلبه من المسلمين، وتنكب الطريق منهم، فصار جهده وهمه ووقته وتفكيره وحياته كلها مصروفة على دعوة هؤلاء، وعلى وعظهم، وعلى نصحهم، وعلى الأخذ بأيديهم ليسلكوا الطريق المستقيم، ويسيروا في ركاب الصالحين.

    ونرى من وقف نفسه على تعاهد النبتة الصالحة، وعلى تعاهد عدة الأمة وذخيرتها، على تعهد الشباب بالتربية والتعليم والتوجيه والدعوة لكتاب الله عز وجل، فثنى ركبتيه في بيت من بيوت الله سبحانه وتعالى يقرئهم كتاب الله عز وجل، ويعظهم بزواجره، ويرغبهم بفضائله، فوقف حياته ووقته على هؤلاء الشبيبة وأولئك الصبية، كل هذا إعداداً لمن ينفع الله سبحانه وتعالى بهم الأمة.

    ونرى من وقف نفسه على تعليم العلم الشرعي، فصار همه وحياته حتى أشغله عن سائر ما يتمتع به الناس من مصالح، فلم يعد وقته ملكاً له، وإنما هو ملك للناس، بل لم يعد هو حتى ملكاً لنفسه، فقد أصبح وقفاً لله تعالى.

    والآخر الذي وقف حياته على إنكار المنكرات الظاهرة، وهكذا نرى مجالات شتى، وجوانب متعددة كلها تصب في مصب واحد وطريق واحد.

    وفي صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أنه صلى الله عليه وسلم قال: (أربعون خصلة أعلاها منيحة العنز، ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها، وتصديق موعودها إلا أدخله الله بها الجنة).

    فلماذا نقسم العدد على أربعين قسمة ضيزى فنختصرها ونجعلها طريقاً واحداً وخصلة واحدة؟! ولماذا نوصد تلك الأبواب التي فتحها لنا النبي صلى الله عليه وسلم مشرعة؟!

    وفي صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل، فمن كبر الله، وحمد الله، وهلل الله، وسبح الله، واستغفر الله، وعدل حجراً أو شوكة أو عظماً عن طريق الناس، أو أمر بمعروف أو نهى عن منكر عدد الستين والثلاثمائة، فإنه يمسي يومئذٍ وقد زحزح نفسه عن النار).

    وهكذا فهي مصارف شتى للوقف، ومنافع متنوعة تسير في منظومة واحدة دون تنافر أو تناقض، فكلٌّ وقف نفسه على باب من أبواب الخير، ولسان حاله يقول كما قال إمام دار الهجرة: كلانا على خير وبر.

    1.   

    أمثلة من السنة النبوية للذين وقفوا أنفسهم لله تعالى

    ولنفتح بعض الصفحات من السنة النبوية؛ لنرى نماذج من هذه الأوقاف:

    عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من خير معاش الناس لهم: رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه، كلما سمع هيعة أو فزعة طار على متنه يبتغي القتل أو الموت مظانه، أو رجل في غنيمة أو شعبة من هذه الشعب أو بطن وادٍ من هذه الأودية يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين، ليس من الناس إلا في خير)، رواه مسلم .

    فالنبي صلى الله عليه وسلم يصور لنا نموذجاً من أولئك الناس: فهذا الذي وقف حياته في سبيل الله عز وجل، خدمة لدين الله سبحانه وتعالى، فهو على فرسه كلما سمع هيعة أو فزعة طار ولبى يبتغي الموت والقتل مظانه، فلم يبق له مطلب يسعى إليه، ولا هدف يسير إليه إلا هذا الهدف وهذا المطلب، فقد وقف حياته لله عز وجل.

    والآخر الذي لم يطق الصبر على الفتن والمصائب، وصار في عصر يقتضي منه العزلة بضوابطها الشرعية، فرأى أن يعتزل الناس ليعبد الله عز وجل في شعب من الشعاب.

    إن أولئك كلهم قد وقفوا حياتهم لله عز وجل، ويتمنى صلى الله عليه وسلم أمراً لم يمنعه منه إلا شفقته صلى الله عليه وسلم على المسلمين، وهو أرحم الناس صلى الله عليه وسلم، وأرقهم قلباً، كم نقرأ في سنته صلى الله عليه وسلم: (لولا أن أشق على أمتي)، (لولا أن أشق على الناسلَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128].

    يتمنى صلى الله عليه وسلم أمراً يعتذر عنه صلى الله عليه وسلم بعد ذلك شفقة على المسلمين، فيقول: (ولولا أن أشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبداً، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة، ويشق عليهم أن يتخلفوا عني).

    وفي هذا الحديث دعوة للمسلم أن يكون هذا مسعاه، فلا يتخلف عن سرية تغزو في سبيل الله عز وجل، ولا يسمع هيعة وفزعة إلا طار ولبى يبتغي الموت والقتل مظانه، إنه لا يتقاعس عن عمل يخدم فيه دين الله عز وجل، فما أن يسمع صوتاً يدعوه بحق وصدق أن يسلك هذا الميدان، وأن يجاهد هاهنا بيديه وسلاحه وسنانه، أو يجاهد هناك بقلمه، أو يجاهد هنا بلسانه، إلا طار ولبى؛ يبتغي نصرة دين الله سبحانه وتعالى وخدمته، فقد وقف حياته لله عز وجل.

    وحين قيل له صلى الله عليه وسلم إن خالداً منع الزكاة قال: (إن خالداً احتبس أدرعه وأعتده في سبيل الله عز وجل)، فخيل خالد وسلاحه وأعتده لم يعد لها غرض إلا الجهاد في سبيل الله عز وجل، وإعلاء كلمته، وحتى جسده رضي الله عنه قد جعله وقفاً لهذا الميدان وهذه الحياة، فمات رضي الله عنه وأرضاه وما في جسده موضع شبر إلا وفيه جرح يشهد بصدق بلائه، وصدق دعوته وإخلاصه لله عز وجل، وقد شهد زهاء مائة زحف، وهو القائل رضي الله عنه: ما من ليلة يهدى إلي فيها عروس أنا لها محب بأحب لي من ليلة شاتية في سرية من المهاجرين أصبح بها العدو.

    وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم قال: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار)، وأخرجاه أيضاً من حديث ابن مسعود ، وأخرج البخاري نحوه من حديث أبي هريرة .

    إنها صورة أخرى من صور الوقف؛ من وقف ليله ونهاره لتلاوة كتاب الله تعالى، ومن وقف ماله فأهلكه في الحق والإنفاق في سبيل الله آناء الليل وآناء النهار، كلها صور وإن تنوعت مجالاتها وطرقها، فكلها تصب في نهر واحد، وتؤدي إلى طريق واحد.

    1.   

    الأسئلة

    تعدد المجالات في خدمة دين الله تعالى

    السؤال: هل العمل للدين مقصور على طلب العلم أو إلقاء المحاضرات؟ وهل يمكن لمن لا يتمكن من ذلك العمل للدين، أفدنا أفادك الله؟

    الجواب: أظن أنه سبق الإجابة على هذا السؤال، وقلنا: إن الوقف له مجالات كثيرة شتى، فالمرء يبحث عن المجال الذي يمكن أن يخدم فيه دين الله سبحانه وتعالى، ولن تضيق الأبواب والطرق أمام امرئ جاد لخدمة دين الله سبحانه وتعالى، حتى ولو كان مقعداً كسيحاً.

    الاهتمام بدعوة الشباب المتواجدين خارج حلقات العلم

    السؤال: إن هناك شباباً وفقهم الله تعالى للخير قد أوقفوا أنفسهم لله تعالى عملاً لا قولاً، هؤلاء الشباب هم الذين يدرسون في حلقات القرآن الكريم، لكني كأحد الشباب ألاحظ عليهم عدم الاهتمام بمن هم خارج هذه الحلقات من الشباب، فما تعليقكم على هذا بارك الله فيكم وجزاكم الله خيراً؟

    الجواب: لا شك أن نصيحتنا لهؤلاء جميعاً ولغيرهم أن يدعو غيرهم إلى هذا الميدان وإلى هذا المجال، وألا يبخلوا على غيرهم بهذا الطريق الذي هداهم الله سبحانه وتعالى له، ومنّ عليهم بسلوكه، وإن من تمام شكر نعمة الله عز وجل عليك حين وفقك لحفظ كتابه، وحين وفقك لسلوك هذا الطريق أن تنقلها إلى غيرك، وأن تدعو إليها من حرم منها، ولعل هذا يكون أدعى إلى ثباتك على هذا الطريق بإذن الله سبحانه وتعالى.

    إمكانية أن يقف الإنسان نفسه لله تعالى في جهتين فأكثر

    السؤال: هل يمكن للإنسان أن يقف نفسه لله في جهتين: كالعلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟

    الجواب: الناس طاقات شتى ومواهب متنوعة، فالبعض من الناس قد لا يجيد إلا ميداناً واحداً ومجالاً واحداً، فينبغي له أن يستغل جهده وطاقته في خدمة دين الله سبحانه وتعالى واستثمار ما منحه الله عز وجل من قدرة خدمة لما يريد الله سبحانه وتعالى، ومن الناس من رزقه الله عز وجل الموهبة.

    والناس ألف منهم كواحد وواحد كالألف إن أمر عنى

    فهو كالغيث أينما نزل نفع، فتارة ينبت العشب لينتفع به الناس، وتارة يبقى ماء يحتبس يشرب منه المارة، وتارة ينزل في الأرض فينتفع به من يحفر بئراً، فمن الناس من رزقه الله عز وجل مجالات وجوانب شتى، فهذا حري به أن يساهم فيما يستطيع، وعلى كل حال فالناس أصناف شتى، فمنهم من لا يصلح إلا في ميدان واحد، ومنهم من يصلح في أكثر من ميدان، ومنهم من يكون أمة وحده.

    الاهتمام بحفظ كتاب الله تعالى والعمل به

    السؤال: هناك جانب قد غفل عنه الكثير من الشباب ألا وهو حفظ كتاب الله، وتدبره، والعمل به، ونشره بين الناس، فما ترى يا فضيلة الشيخ! لو كان للمرء وقت لحفظ كتاب الله والعمل به؟

    الجواب: سبق أن ذكرنا نموذجاً من ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: (لا حسد إلا في اثنتين ... قال: ورجل آتاه الله الكتاب فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار)، فهذا مما يغبطه الناس عليه ويحسده الناس عليه، والذي يحفظ كتاب الله عز وجل يكون قد حفظ وقته أولاً في استثماره فيما يعود عليه بالنفع دنيا وآخرة، وقد كرر تلاوة كتاب الله عز وجل، وله في كل حرف حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، ويضاعف الله سبحانه وتعالى بعد ذلك لمن شاء أضعافاً كثيرة.

    ويقال له يوم القيامة: (اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في دار الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ بها)، وهذا الكتاب يأتي شفيعاً يوم القيامة لأصحابه، فيحاج عن صاحبه الذي كان يقرؤه به، وأولى الناس بالإمامة والصلاة، وأولاهم بأن يتولى أمورهم، وبعد ذلك أيضاً كله هو الذي يستطيع أن يقرأ القرآن في كل أحواله: أن يقرأ وهو قائم، وهو جالس، وهو مضطجع، وهو يمشي، أن يقرأ في الظلام والضياء، وأما غيره فلا يستطيع أن يقرأ القرآن إلا في حال يتهيأ له فيها أن يتطهر، وأن يكون المصحف أمامه يقرأ منه، فتتهيأ له أبواب وتنفتح له طرق من العبادة لا تنفتح لغيره، فيكفي هذا فضلاً لحفظ كتاب الله سبحانه وتعالى.

    الوسائل التي تعين الإنسان على أن يجعل أعماله وقفاً لله تعالى

    السؤال: ما هي الوسائل التي تعين الإنسان على أن يجعل أعماله وقفاً لله تعالى؟

    الجواب: النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)، فإذا وقف المرء قلبه لله عز وجل توجهت بعد ذلك سائر جوارحه، فأصبحت كلها وقفاً لله تعالى، وإذا وقف قلبه على شهوة أو شيطان توجهت جوارحه بعد ذلك لذلك.

    الاهتمام بالدعوة إلى الله تعالى مع مجاهدة النفس في تجنب الرياء

    السؤال: عندي من العلم -ولله الحمد- شيء لا بأس به، ولكن حينما أريد الظهور إلى الناس لإلقاء الدروس والمحاضرات تأتيني الأوهام والوساوس من جهة الخوف من الرياء، فكيف أرد هذا الأمر عن نفسي، أرجو التوجيه بما ترى، ولك جزيل الشكر؟

    الجواب: نحن نحفظ جميعاً أيها الإخوة! النصوص عن السلف في التورع عن الرياء، والبعد عن مضان الشهرة، وتشديدهم في ذلك، ودعوتهم للإخلاص، ومجاهدة النفس، ومع ذلك تصدروا لما تصدروا له، والتقاعس عن أداء الواجب الشرعي خوفاً من الرياء يجعل المرء عرضة لأن يترك واجباً يحاسب عليه أمام الله عز وجل، فالله عز وجل يسأل عبده يوم القيامة فيقول: ما منعك إذ رأيت المنكر ألا تنكره؟ ويقول صلى الله عليه وسلم: (لا يحقر أحدكم نفسه، قالوا: وكيف يحقر نفسه؟ قال: يرى أمراً لله عليه فيه مقال، فيسأله الله عز وجل فيقول: يا رب! خشيت الناس).

    فقد يمنعه خشية الناس، وقد يمنعه ورع كاذب، وقد يمنعه هذا الأمر أو ذاك، فالمهم أياً كان هذا الأمر الذي يمنعه سيبقى عائقاً له عن أداء الواجب الشرعي، فما دام المرء قد وجد عنده علماً وخيراً فينبغي له أن يبادر وأن يدعو الناس وأن يعلمهم، ولو لم يتصدر ويدعو ويعلم الناس إلا من أحس أنه قد بلغ الغاية من العلم لم يتصدر أحد، ولم يدع أحد، ولم يؤلف أحد إلا المرائين الذين لا يراد منهم خير.

    كيفية إعادة النية الفاسدة إلى مكانها الصحيح

    السؤال: تكلمت عن تصحيح النية، فكيف نصحح النية حيث إنه كثيراً ما يبدأ الشاب مشواره بإخلاص ونية صحيحة، ثم نجد أن نيته تتغير إما شهرة أو طمعاً في الدنيا أو غير ذلك، فكيف نعيد النية إلى مسارها الصحيح؟

    الجواب: أن يفرض الإنسان على نفسه رقابة صارمة، وأن يواجه نفسه دائماً، ويتعاهد نفسه، ثم يكثر من عبادة الله عز وجل، وخاصة عبادة السر التي تدعوه إلى أن يجاهد نفسه، وأن يشعر بحاجته وفقره إلى الله سبحانه وتعالى، ويستعين بالله عز وجل على ذلك.

    كيفية معرفة أن النفس مخلصة أو غير مخلصة

    السؤال: كررت كثيراً خلال هذه المحاضرة: أن الأعمال لابد لها من إخلاص النية لله سبحانه وتعالى، فما الذي يدل المرء على أنه مخلص لله في عمله؟

    الجواب: إذا وجدت نفسك تتوجه يمنة ويسرة إلى مطامع أياً كانت وتغلفها بغلاف الخير والصلاح، فراجع نيتك.

    كيفية جعل التفكير وقفاً لله تعالى مع وجود المنكرات المنتشرة

    السؤال: كيف أجعل تفكيري وقفاً لله تعالى وأنا أرى المحرمات والمعاصي أمامي دائماً: إما في مجلة خبيثة، أو في تلفاز ودش ملعونين، أو في أسواق مليئة بالملاحظات، فلماذا لا يزال السبب المانع لوقف العقل على الله تعالى؟

    الجواب: لا شك أن إزالة المنكرات ومظاهر الفتنة أمر مطلوب، ولكن هذا لا يعفيك، فقد وجد من عاش في بيئة تغص بالشرك والوثنية ودعاء غير الله، وهي بيئة أشد فتنة من هذه الفتنة، ومع ذلك كان من مات من هؤلاء مات على الشرك؛ لأنه لم يقل: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين.

    فوجود الفتنة والشهوات أمامك ليس عذراً لك بحال في أن تسلك طريق الغواية والضلال، بل المطلوب منك أن تقبل على الله عز وجل وتئوب إليه، وأن تساهم أنت في وقف هذا السيل الجارف من هذه الفتن والشهوات، نسأل الله عز وجل أن يعصمنا وإياكم منها.

    نصيحة للشباب الذين كانوا يحفظون كتاب الله تعالى ثم فرطوا في ذلك وفرطوا في الاستقامة

    السؤال: ما نصيحتكم للشباب الذين كانوا حفظة لكتاب الله، ثم أخذ شيئاً فشيئاً يتدرج إلى النزول، فاستبدل الأشرطة الدينية بأشرطة الغناء والعياذ بالله؟

    وهذا أيضاً سؤال مشابه، يقول: لي صديق ملتزم ويدرس في حلقة ويشارك في النشاط المدرسي، وقد بدأت الآن تطغى عليه بعض المظاهر غير اللائقة بالشباب المستقيم، وقد ترك الحلقة والنشاط المدرسي ورفض الحضور، فماذا أفعل وأتصرف مع هذا وأمثاله، أرجو توجيهي لأتدارك صديقي من الانتكاس أعاذنا الله من ذلك؟

    الجواب: هذه ظاهرة نشاهدها كثيراً، وهي تتكرر على مدى التاريخ، لكن أيضاً مع أن هذه الظاهرة مزعجة ومقلقة، إلا أنها تبقى ظاهرة قليلة في مقابل الذين يسيرون على طريق الاستقامة والخير؛ لأن الذي ينحرف ويزيغ هو الذي يلفت انتباهك، وأما الذي يسير أصلاً على الطريق السوي والصحيح فلا يلفت انتباهك، وقد سبق أن تحدثت عن هذا الموضوع بالتفصيل في محاضرة بعنوان: الحور بعد الكور، فأحيل الأخ إليها.

    وقف الإنسان نفسه لتعليم الناس أمور دينهم

    السؤال: كثير من المسلمين ممن يعيشون بين أظهرنا لا يعرفون واجبات دينهم، فهل هناك من يقف نفسه لتعليم هؤلاء في القرى والهجر والمدن أيضاً؟

    الجواب: لا شك أن من يقف نفسه على تعليم هؤلاء ودعوتهم هو ممن وقف نفسه على خدمة دين الله سبحانه وتعالى.

    ينبغي للمسلم أن يكون صاحب همة عالية في أعمال الخير

    السؤال: أنا شخص من المسلمين وأحب أهل الخير والدعاة إلى الدين، وأريد خدمة هذا الدين، وكأني أفهم من كلامكم أنه لابد لي أن أكون صاحب طاقة عالية، وأنا أشعر أنني لست كذلك، فهل هناك خدمة خاصة لأصحاب الطاقات، مع المعذرة إن كنت أسأت الفهم، ودلني حفظك الله على أعمال بسيطة أستطيعها؛ لعلي أكون ممن يحشر مع الصالحين وإن لم أكن منهم؟

    الجواب: هذه همة غير عالية، ولا يسوغ أن يكون مطلب الإنسان: دلني على أعمال بسيطة وسهلة أعملها، فينبغي أن يكون هم الإنسان وتطلعه إلى أن يكون مع المصلحين، وإلى الهمة العالية، هذا أولاً.

    وإن قعدت به نفسه فالله عز وجل لا يظلم أحداً، وخدمة دين الله سبحانه وتعالى مجالاتها واسعة؛ بمال ينفقه في سبيل الله على محتاج، أو على مشروع دعوي لخدمة دين الله سبحانه وتعالى، أو بكلمة طيبة، أو بنصيحة صادقة، أو بأي جهد يبذله خدمة لدين الله سبحانه وتعالى.

    وأظن أن الأبواب والطرق والمجالات لا يمكن أبداً أن تضيق عن رجل مهما كانت طاقته، ومهما كانت قدرته، ومهما كان علمه؛ لن تضيق المجالات لخدمة دين الله سبحانه وتعالى والدعوة إليه، لكن ينبغي أن نتطلع نحن إلى الصورة الأعلى، ولا يسوغ للإنسان أن يبحث عن أعمال سهلة وهينة يعملها، فتكون همته دنية، بل ينبغي له أن يكون صاحب همة عالية.

    نصيحة في أن يهتم الإنسان بما ينفعه في الدنيا والآخرة

    السؤال: السواد الأعظم في بلدنا وكذلك في كثير من البلاد قد أوقف ماله ووقته وجهده على ملذات نفسه، فترى الشخص مظهره طيباً، ولا يسمع إلا طيباً، ويملك من الطاقات المالية والعقلية الشيء الكثير، وإذا نظرت في حاله فلا ترى له في الدعوة ولا في نفع نفسه نصيباً، فما توجيهكم لمثل هؤلاء؟

    الجواب: توجيهنا لمثل هؤلاء هو أن يحشدوا طاقاتهم وجهودهم لما ينفعهم أولاً، ولما يدخرونه عند الله سبحانه وتعالى، وأن ينفقوا أنفس ما يملكون لخدمة دين الله عز وجل، هذا أكثر ما نستطيع أن نقول لهؤلاء.

    دعوة إلى أن توقف جماعات نفسها لله تعالى

    السؤال: لعل هذه الصورة التي رسمتها لذلك الشخص الذي وقف كل جانب من جوانب حياته وشخصيته لله صورة مثالية، فهل ترى إمكانية وجودها، أم نفهم أن المطلوب هو التسديد والمقاربة كل بحسب جهده وطاقته وقدرته، أرجو التوضيح؟

    الجواب: أولاً: قلت: إنه لا جناح على من ولي الوقف أن يأكل بالمعروف، فلا جناح على الإنسان أن يمتع نفسه بما يمتع به سائر الناس، لكن هذا ينبغي ألا يعود على مقاصد الوقف بالإبطال، وهذا لا شك مطلب عالٍ، لكنه ليس مثالياً، مطلب أن يتصدر للأمة جمع يوقفون أنفسهم ومشاعرهم وهمهم وحياتهم لله عز وجل، لكن أن تكون الأمة كذلك لا شك أن هذا مطلب مثالي لا يمكن تحقيقه، فنحن نطلب أن يتصدى جمع وفئام من الناس لهذا المطلب، فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة:122].

    فنحن ندعو إلى أن ينفر من الشباب طائفة، ومن النساء طائفة، ومن الرجال ومن الجميع أن ينفر طائفة يجعلون أنفسهم وقفاً لله عز وجل، فيصبحوا منارات يسير بها الناس، ثم يبقى بعد ذلك سائر الناس كل يشارك بما يستطيع وما يتيسر له، لكن أنت ينبغي أن تتطلع إلى أن تكون من هؤلاء، وأن تسابق في الخيرات وتنافس فيها.

    نصيحة للآباء في أن يوقفوا من أبنائهم لخدمة دين الله تعالى

    السؤال: ما تقول للآباء وما نصيحتك لهم في جعل أولادهم وقفاً لله تعالى لخدمة هذا الدين، فإن الخير سيعود إليهم؟

    الجواب: على الأب أن يساهم في تربية ابنه، وأحياناً للأسف تجد الأب يغرس في ابنه الهمم الدنيئة والنازلة، فهو يربي ابنه من الصغر، ويكرر له هذه المقولة: يا بني! تكبر إن شاء الله وتتعلم وتأخذ شهادة وتتوظف وتكد على نفسك وعلى عيالك، فيظل الابن يسمع هذا الكلام دائماً من أبيه، وكأن الله عز وجل خلق هذا الابن كما خلق بعض الكائنات التي تأكل وتشرب وتتمتع بالشهوات.

    فالأب صالح وخير، ويغضب عندما يرى ابنه على معصية، وعندما يراه مقصراً في طاعة، لكن هذه المعاني التربوية يغفل عنها، فمن من الآباء دائماً يكرر على ابنه: نريدك أن تكون حافظاً لكتاب الله، وأن تخدم دين الله عز وجل، وأن تكون مجاهداً في سبيل الله، وأن تكون داعية إلى دين الله عز وجل، فيغرس عنده هذا المفهوم، ويغرس عنده هذه الهمة، ويربيه على هذا الأمر حتى يصبح وقفاً لله عز وجل، فبعد ذلك يكون امتداداً لعمله كما قال صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له).

    وقد يقول بعض الآباء: فاتنا القطار، ولا أستطيع أن أساهم الآن، فنقول: أمامك أن تهيئ أبناءً صالحين يكونون خلفاً لك، ويكونون من كسبك، (إن أطيب ما أنفقتم من كسبكم، وإن أولادكم من أطيب كسبكم)، (أنت ومالك لأبيك).

    فحين يقوم الأب بتربية ابن صالح، وتقوم الأم بتربية ابن أو بنت صالحة، فحينئذٍ هؤلاء يقدمون خيراً لأنفسهم أولاً، فيبقى ذلك امتداداً لعمله الصالح، (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، ومنها: أو ولد صالح يدعو له)، والولد في لغة العرب يشمل الابن والبنت، ويقدمون خيراً للأمة بعد ذلك حينما يقدمون هذا النموذج الفعال المنتج.

    أهمية المال في تسيير الدعوات ونهوض المجتمعات

    السؤال: تكلمت -حفظك الله- عن أهمية الطاقة البشرية وضرورة استغلالها، وقللت من أهمية الطاقة المالية، وقلت: إن الاهتمام بهذا الجانب عند أصحاب المبادئ الأرضية فقط، ألا ترى أن الجانب المالي مهم لمسيرة الدعوة؟

    الجواب: هذا كلام غير صحيح، بل أنا قلت في البداية: إن من يرصد الحركة العلمية على مدى تاريخ الأمة يجد أنها قامت واعتمدت على الأوقاف، فهناك من وقف ماله على مدرسة من المدارس، وهناك من وقف ماله على طلبة العلم الفقهي أو الحديث أو العقيدة .. أو غير ذلك.

    وهناك من وقف ماله على المرابطين والمجاهدين في سبيل الله عز وجل، وقلت: إن المال مطلب وضروري ومهم، ولكن الطاقة البشرية أهم، وعندما نقول: إن الطاقة البشرية أهم من الطاقة المالية لا يعني أبداً أن نقلل من شأن المال وقيمته، هذا أولاً.

    والأمر الثاني: أن الطاقة المالية ثمرة من ثمار استغلال الطاقة البشرية، فتوظيف الطاقة البشرية يساعد أصلاً على وجود الطاقة المالية، وإذا وجد المال دون أشخاص فلا يمكن أن يصنع شيئاً.

    الاهتمام بالأهل والأقارب قدر المستطاع

    السؤال: إذا نظرت إلى واقعي شيئاً قليلاً أجد أنني قد صرفت الكثير منه وقفاً لله تعالى، وأسأل الله أن يكون كذلك، فقد صرفته ما بين إصلاح النفس، والنشاط، والدعوة مع الآخرين، وما بين حلقة، ونشاط مدرسي، وجماعة مسجد .. وغير ذلك، إلا أنني أجد نفسي مقصر جداً تجاه الأقارب وأهل البيت خاصة؛ وما ذلك إلا لأني أجد استجابة من غيرهم أكثر، فما رأي فضيلتكم؟

    الجواب: الإنسان عليه أن يسعى ويسدد ويقارب، وبعد ذلك لا يكلف الله عز وجل نفساً إلا وسعها، فعليه أن ينذر عشيرته، ويسعى إلى إصلاحهم قدر الإمكان، لكن حينما يكون غيرهم أكثر استجابة وأكثر إقبالاً، فيستجيب ويهديه الله عز وجل في حين يرفض أولئك أن يستجيبوا لك، فلا ضير عليك؛ لأن المرء ليس عليه إلا الدعوة والتبليغ، والقلوب بيد الله سبحانه وتعالى.

    نصيحة في عدم جعل المجالس للكلام في أعراض العلماء وطلبة العلم وتقييمهم

    السؤال: ما رأيك فيمن لهم مجالس عملهم فيها هو الحديث في تقييم العلماء وطلبة العلم، ويزعمون كما يدل لسان حالهم على أن هذه المجالس وقف لله تعالى؟

    الجواب: هذه المجالس وقف للشيطان، ووقف للهو والباطل، وهؤلاء من أقل الناس عملاً ونصيباً، ولا يستحقون أن نقول فيهم أكثر من هذا.

    نصيحة لمن يقضون مجالسهم في المباحات أو الكلام في أعراض العلماء

    السؤال: ما رأيك في مجالس الملتزمين -وجلهم من طلبة العلم الشرعي- الذين يقضون وقت مجالسهم في المباحات، وأحياناً في الكلام في أعراض العلماء والجماعات؟

    الجواب: أولاً: أن تطالب الناس دائماً ألا يتكلموا إلا في قضايا جادة أو قضايا علمية أو وعظ، هذا مطلب مستحيل، لكن أن نطالب الناس أن يحفظوا أوقاتهم، وأن يحرصوا على استغلال الوقت فيما ينفع، وأن يمنعوا مجالسهم من الحرام، فهذا مطلب مهم.

    وأما الانشغال بالكلام في أعراض العلماء والناس فهذا شأن الناس البطالين وغير العاملين، وكما قلت لا يستحق هؤلاء أن نجعل منهم قضية نتحدث عنها.

    إصلاح الإنسان لنيته وقصده

    السؤال: إن بعض الشباب هداهم الله قد أصيبوا بمرض خطير ألا وهو الشهوة الخفية، وهي حب الصدارة قبل أن ينضج فكرياً وعلمياً، فهل من كلمة لهؤلاء قبل أن يضيعوا في الدنيا والآخرة؟

    الجواب: نعم هذه بوابة خطيرة يا إخوة! ومدخل خطير، ونحن يجب دائماً أن نراجع أنفسنا في نوايانا، فيراجع الإنسان نفسه في عبادته لله عز وجل، وأن يراجع نفسه في طلبه للعلم، وفي دعوته، وفي كل عمل يقدمه، ويحاسب نفسه حساباً عسيراً قبل أن يتعرض للحساب الذي لا عمل بعده، وما أشق على الإنسان وأشد عليه من نيته ونفسه التي بين جنبيه، واقرءوا ما يقوله السلف عن الإخلاص، ومجاهدة النية التي يقولون: إنها من أشد الأمور على العابد لله عز وجل.

    نصيحة في الاهتمام بالشباب، ومخاطبتهم بما يناسبهم

    السؤال: إننا نلاحظ على كثير من الشباب في المدارس وفي الشوارع وفي النشاطات خيراً كثيراً وحباً للخير، لكن المشكلة تكمن في البيوت وفي أولياء الأمور عموماً، فهلا قدمت كلمة توجيهية لنا في دورنا في هذه الحالة، وكلمة أخرى لأولياء الأمور، وجزاك الله خيراً؟

    الجواب: نحن يجب أن نتخلص من عقدة السبب الواحد والمشكلة الواحدة، المشكلة ليست في البيت وحده، البيت جزء من المشكلة، لكن المشكلة موجودة في الشارع وفي البيت وفي المدرسة وعند الجميع، فالتقصير من الجميع بدأً بإمام المسجد، وخطيب الجمعة، والمدرس، والأب، نحن جميعاً مقصرون في حق هؤلاء.

    إن هذا الشاب يحضر الجمعة، لكنه لم يسمع من خطيب الجمعة يوماً من الأيام حديثاً عقلياً مقنعاً هادئاً يخاطب عاطفته وقلبه، ولا يسمع إلا حديثاً يرى أنه لا يخصه، ولم يسمع من أستاذه كلمة ناصحة مشحونة بالود والعاطفة والمحبة، وكذلك والده والجميع.

    أقول: إن التقصير من الجميع، ولا يسوغ أن نرمي التقصير على فئة دون أخرى، فيجب أن نتكاتف ونتعاون جميعاً؛ لنتجاوز هذا التقصير، ونسعى لاستنقاذ أنفسنا أولاً، واستنقاذ إخواننا.

    التزام الألفاظ الشرعية في الكلام

    السؤال: قلتم: إن الكلام تكون نيته لله ورسوله، وكررتم: خدمة دين الله، فهل هذا التعبير صحيح؟ أوليس الأولى نصرة دين الله كما جاء في كتاب الله؟

    الجواب: نشكر الأخ على هذا التنبيه، وأحياناً الإنسان عندما يتحدث قد لا يستطيع أن يضبط ألفاظه وعباراته، فعلى كل حال إن قلنا: نصرة دين الله عز وجل، فلا شك أن هذا مصطلح شرعي، إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ [محمد:7]، ولنستبدل هذه الكلمة بغيرها.

    والمهم أن المقصود والمطلب واحد، وأيضاً التأدب في الألفاظ الشرعية مطلوب ولا شك، فنشكر الأخ على ملاحظته.

    الخطاب في غالب أحكام الشريعة عام للرجال والنساء

    السؤال: نسينا النساء في هذا اللقاء مع العلم أنهن معنيات أيضاً في وقف أنفسهم لله، فهلا أشرتم إلى هذا؟

    الجواب: الخطاب للرجال تدخل فيه النساء تبعاً في كتاب الله عز وجل وسنة نبيه، والنساء لهن حق علينا، ولهذا -إن شاء الله- ستكون هناك محاضرة في الأسبوع القادم يوم الأربعاء في مدينة الرياض بعنوان: يا فتاة! وهي خاصة بالنساء، ولعل من لا يتيسر له حضورها أن يسمعها من خلال أجهزة التسجيل.

    نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا وإياكم العلم النافع، والعمل الصالح، وأن ينفعنا وإياكم جميعاً بما نسمع، وأن يرزقنا إخلاص القلوب، وتوجه الأعمال له سبحانه وتعالى، وألا يفرق هذا الجمع المبارك إلا بذنب مغفور، وعمل صالح مقبول، ويجعلنا وإياكم ممن اجتمعوا في بيت من بيوته على ذكره سبحانه وتعالى، وأن يرفع درجاتنا وإياكم في المهديين.

    هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.