إسلام ويب

هاتوا برهانكم إن كنتم صادقينللشيخ : محمد الدويش

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الحجة والبرهان نور يضيء الطريق فيتضح الصواب من الخطأ، وإنما أرسل الله الرسل وأيدهم بالحجج الباهرات والأدلة النيرات حتى يعذر إلى الخلق ويقطع ألسنة المعاندين، ولذا ينبغي أن يتخذ المسلم في منهج حياته ألا يصدر ولا يرد إلا عن دليل.

    1.   

    مطالبة أصحاب الدعاوى بالبراهين والأدلة

    مطالبة الذين اتخذوا من دون الله آلهة

    الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، أما بعد:

    فموضوع حديثنا هذه الليلة: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين.

    ولعلنا نقف وقفات قد تطول حول آيات طويلة من كتاب الله عز وجل تؤيد هذا المعنى، وهي تطالب الناس جميعاً بأن يكون منطق الحجة والبرهان ولغة الدليل هي السائدة في الدعوى، فلا سيدعي أحد دعوى إلا بدليل وبرهان وحجة، وفي النقاش والحوار يكون النقاش والحوار أيضاً للحجة والبرهان، وحين حاولت أن أورد بعض الآيات في كتاب الله عز وجل رأيت آيات كثيرة جداً تشير إلى هذا المعنى، وهذا لعمق هذه القضية، ولكونها قضية مرتبطة بالمنهج، بالتلقي والحوار، والدعوة والإقناع.. كل هذه القضايا ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمنطق البرهان والدليل والحجة.

    وسبق أن تحدثنا حول المنهج وأهميته، وحول بعض جوانب الخلل في المنهج، وأننا بحاجة إلى أن نترسم ضوابط ومعالم للمنهج.

    إن وقوعنا في خطأ في قضية جزئية واحدة أمر قد يتجاوز، ثم هو أمر قد تكون تبعته ليست ذات بأس، أما أن يكون الخلل والخطأ في المنهج فإن هذا مدعاة لتوالد الأخطاء، ومدعاة لتكاثرها وتعاظمها، ومن هنا كان لا بد من الحديث عن المنهج، والحديث عن المنهج أيضاً ينبغي أن يكون مربوطاً بما سبق أن قلناه سابقاً، فليس ما نعيشه ونتوهمه ونتلقاه هو بالضرورة المنهج الذي نرسم من خلاله ما نراه من اقتناعات ومناهج، والذي نقيس من خلاله الناس ونجعله كالمسطرة التي نقيس بها بعد الناس ودنوهم من المنهج.

    القرآن يطالب بالبرهان ويطالب بالدليل، وأن يكون منطق الناس ورائدهم هو البرهان والدليل، وهذا الأمر نراه في كتاب الله عز وجل كثير، يتمثل من خلال أمور وجوانب عدة:

    الأمر الأول: المطالبة بالحجة والبرهان عند الدعوى.

    وهذا نجده في كتاب الله عز وجل كثيراً، بل مع فئات لا يشك أحد في بطلان دعواهم وأنها لا تعدو أن تكون دعوى صادرة عن الهوى والتشهي، وعارية عن الدليل والحجة، ومع ذلك يطالبهم الله سبحانه وتعالى بالبرهان.

    أولاً: قد طلب الذين اتخذوا من دونه سبحانه وتعالى آلهة -وهل يشك عاقل في بطلان هذه الدعوى- طالبهم سبحانه وتعالى بالبرهان: أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَءِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [النمل:64].

    وفي سورة المؤمنون يقول سبحانه وتعالى: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون:117] ومن يشك في بطلان ألوهية غير الله؟ ومن قد يختلج لديه شك في أن الله سبحانه وتعالى الرزاق الخالق هو الواحد الأحد المستحق للعبادة؟ لكن من ادعى خلاف ذلك فليأت بالبرهان والدليل والحجة، والذي معه الحق ويملك الحق لا يخشى بحال من مطالبة الناس بالدليل، ولا يخشى مطالبة الناس بالبرهان.

    إنك تستطيع أن تطرح أي قضية على بساط البحث بكل وضوح وكل صراحة، وتستطيع أن تتحدى كل من يعارضك ويناقشك في هذه القضية التي تدعو الناس إليها، ولو كانت قضية بدهية، ولو كانت أكبر قضية من القضايا، هل هناك قضية أوضح وأجلى من قضية تفرد الله سبحانه وتعالى بالألوهية، ومع ذلك يطالب الله عز وجل أولئك الذين تنكبوا الطريق وعارضوا بالبرهان.

    وهكذا شأن من يحمل الحق، إن من يحمل الحق لا يخشى من الحوار، لا يخشى من النقاش، لا يخشى من الجدل؛ لأنه يملك الحق الذي لا لبس فيه ولا غموض، فما دام لديه برهان فليطالب الناس بالبرهان والحجة.

    مطالبة الذين ادعوا لله الولد

    ثانياً: طالب الله الذين اتخذوا الولد معه سبحانه وتعالى، مع شناعة هذه القضية: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا [مريم:88-94] ومع ذلك يقول الله سبحانه وتعالى في سورة يونس: قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [يونس:68].

    وفي سورة الصافات: أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَفَلا تَذَكَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ * فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [الصافات:151-157].

    وفي سورة الكهف يقول سبحانه وتعالى: وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا * مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا [الكهف:4-5].

    مطالبة الذين جعلوا الملائكة إناثاً

    مطالبة الذين جادلوا في آيات الله

    رابعاً: أيضاً طالب الله عز وجل بالبرهان والحجة والدليل أولئك الذين جادلوا في آيات الله عز وجل، ففي سورة غافر: الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا [غافر:35] إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ [غافر:56].

    وفي سورة الحج: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ [الحج:8].

    وفي سورة لقمان يقول سبحانه وتعالى: أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ [لقمان:20]، ولفظة العلم ترادف في كتاب الله عز وجل البرهان والحجة والدليل، إن العلم في شريعتنا ليست قضية لا يدركها إلا خاصة من الناس، قد يسوغ هذا الأمر عند النصارى الذين يرون أن رهبانهم لهم الحق وحدهم في فهم الكتاب المقدس، وفي تفسيره، وبيان مراد الله عز وجل، وقد يكون هذا الأمر سائغاً عند أولئك الذين يجعلون لهم أئمة عدد شهور العام هم وحدهم المؤهلون لمعرفة الدين، وهم وحدهم الذين يفهمون مراد الله عز وجل، وقد يكون هذا سائغاً عند أهل الخرافة الذين يرون أن التلميذ ينبغي أن يكون عند شيخه كالميت عند مغسله يقلبه كيف شاء، أما المسلمون فهم يقرءون في كتاب الله عز وجل: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر:17]، أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24]، كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ [ص:29]، ومن يقول إن هذه الآيات يخاطب بها اثنا عشر إماماً، أو تخاطب بها فئة خاصة من الناس، فليأت بالبرهان والحجة والدليل.

    إذاً: فقضية العلم ونفي العلم ونفي البرهان كلها تدور حول قضية الدليل، ولهذا قال أهل العلم: إن المقلد الذي يأخذ الحكم دون دليل ليس طالب علم.

    والعلم معرفة الهدى بدليله ما ذاك والتقليد مستويان

    مطالبة الذين ساووا بين المسلمين والمجرمين

    مطالبة اليهود والنصارى فيما ادعوا على الله

    سادساً: طالب الله عز وجل بالبرهان إخوان القردة اليهود والنصارى، وقد اعتاد الناس جميعاً مسلمهم وكافرهم أن أولئك لا يعرفون منطق الدليل ولا البرهان والحجة، أولئك لا يحسبون لكلماتهم أي حساب، فهم إما قوم مغضوب عليهم قد لعنهم الله عز وجل وطبع على قلوبهم، أو قوم ضالون، فاليهود قوم قد غضب الله عز وجل عليهم وطبع على قلوبهم، وصاروا لا يحسبون لكلمتهم حساباً، أليسوا هم القائلون: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [آل عمران:181]؟ تعالى الله عما يقولون، أليسوا هم القائلون أخزاهم الله: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة:64]؟ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ [المائدة:64] يلعنهم الله عز وجل في كتابه لعنات متتابعة إلى يوم القيامة، ومع سخف مقالتهم وشناعتها وسخف مقالة إخوانهم من الضالين النصارى الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم، هم أولئك الذين أعاروا عقولهم لطغاة الرهبنة والقساوسة حتى يفكروا بالنيابة عنهم، وحتى يفهموا الكتاب المقدس بالنيابة عنهم، وحتى يمسخوا عقولهم ويقولون: ليس لكم حق في فهم كتاب الله عز وجل، مع ذلك يدعي اليهود والنصارى دعوى عريضة مضحكة: وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى [البقرة:111]، فيجادلهم الله بالقرآن، يجادلهم بالحجة والبرهان والدليل، يقول الله سبحانه وتعالى حاكياً مقالتهم: وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:111].

    نعم إن كان لديكم دليل أو حجة أو برهان فهاتوا برهانكم، وهاتوا دليلكم.

    وكل ما سبق من المطالبة بالدليل والبرهان، من مطالبة الذين اتخذوا مع الله عز وجل إلهاً آخر، ومن مطالبة الذين اتخذوا الولد مع الله سبحانه وتعالى ونسبوا إليه الولد، ومن مطالبة الذين جعلوا الملائكة وهم عباد الرحمن إناثاً، ومن مطالبة المجادلين في آيات الله سبحانه وتعالى بغير علم، ومن مطالبة أولئك الذين ادّعوا التسوية في الدار الآخرة بين المؤمنين والكفار، وأخيراً مطالبة اليهود والنصارى بالدليل والبرهان على دعواهم أنهم وحدهم الذين يدخلون الجنة..

    إن كل ما سبق يعطينا دلالة أنه لا يحق لأحد أن يدّعي دعوى إلا ببرهان وحجة وسلطان مبين، وأيضاً أنه لا يحق لامرئ أن يجادل أو يناقش، أو يُبطل دعوى أخرى إلا بالبرهان والحجة والسلطان.

    ويتنوع الحديث عن الدليل في القرآن، فتارة يأتي بالبرهان، وتارة بالحجة، وتارة بالسلطان، وتارة بالعلم..، وكلها معان لها أثر ولها وقع في بيان مصدر التلقي، والحجة، والدليل، والجدل، والحوار..، كله إنما ينبغي أن يكون بلغة الدليل والحجة والبرهان، والكتاب، والعلم، والسلطان.. وهي كلها معان تدور حول معنى الحجة وبعيداً عن العاطفة، بعيداً عن الأحكام المسبقة، بعيداً عما سماه الله عز وجل أماني ودعاوى كاذبة.

    1.   

    عيب القرآن ونعيه على المقلدين من غير دليل

    الأمر الثاني: يؤيد هذا المعنى عيب القرآن ونعيه على أولئك الذين يقلدون غيرهم، فقد عاب الله سبحانه وتعالى على أولئك الذين يقلدون الآباء والأجداد، يقول عز وجل في سورة الزخرف: بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ * وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف:22-23] .

    إن لكل أمة تراثاً ورثوه من آبائهم وأجدادهم، ويعتزون به، وينافحون عنه، أما وقد وصلت القضية إلى مبدأ الاعتقاد والدين فينبغي أن يطّرح ما عليه الآباء والأجداد، وأن يكون الدليل والبرهان والحجة هو السائد في التلقي، هو السائد في التعبد لله عز وجل، وهو السائد في منطق الحجة والبرهان، وعليه فإن من ينعى عليك أنك قد خالفت أمراً ألفه الآباء والأجداد، أو أنك أتيته بأمر لم يعهده فإن هذا قد سلك منطق أولئك الذين قالوا: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ [الزخرف:23] ولو كان يملك دليلاً وبرهاناً وحجة على ما يقول لصاغه، ولهذا صار يُضرب في وجه كل من يدعو إلى إحياء سنة قد أُميتت، أو إلى إنكار منكر ألفه الناس بأن هذا أمر لم نعهده، وهذا أمر جديد، ولو أحسنوا لقالوا: مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ [المؤمنون:24].

    عيب من قلدوا الأحبار والرهبان

    ثانياً: ينعى الله عز وجل على أولئك الذين قلدوا الأحبار والرهبان، يقول سبحانه وتعالى في سورة التوبة: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة:31] وتأمل في هذه الآية الكريمة، كيف ربط الله سبحانه وتعالى الأمر بعبادته والخضوع له: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [التوبة:31].

    فمقتضى العبودية لله سبحانه وتعالى تعني أن يسلّم المرء أمره لله عز وجل، بعيداً عما ورثه عن آبائه وأجداده، بعيداً عمّا تلقاه من فلان وفلان من الناس، فيسلم الأمر لله سبحانه وتعالى، فلا يتعبد الله عز وجل إلا بما جاء في كتابه سبحانه وتعالى، وعن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

    عيب الذين قلدوا السادة والكبراء

    ثالثاً: ينعى عز وجل على أولئك الذين يقلدون السادة والكبراء كما نعى على الذين قلدوا آباءهم وأجدادهم، وعلى الذين قلدوا الأحبار والرهبان، يقول الله عز وجل في آيات كثيرة في كتاب الله سبحانه وتعالى تحكي لنا ذاك الحوار الذي يجري يوم القيامة بين أهل النار، يقول سبحانه وتعالى في سورة الأحزاب: وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا [الأحزاب:67-68].

    إن من يسير وراء سادته وكبرائه مغمضاً عينيه ينبغي أن يضع نصب عينيه هذه الآية الكريمة حتى لا يكون من أولئك الذين يقولون هذا الكلام: إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا [الأحزاب:67].

    وفي سورة غافر يقول سبحانه وتعالى: وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ [غافر:47-48] نعم لقد حكم الله سبحانه وتعالى بينهم بالعدل والقسط، وما كان الله سبحانه وتعالى ليظلم أحداً، لقد كان على أولئك الذين استُضعفوا أن يحكّموا عقولهم وأن يفكروا ملياً فيما ورثوه عن أولئك الذين استكبروا، وأن لا يغمضوا عيونهم ويسيروا وراء أولئك ويتبعوهم دون حجة أو برهان، ألم يخلق الله لهم عقولاً؟ ألم ينزل الله سبحانه وتعالى كتباً متلوة؟ ألم يرسل الله سبحانه وتعالى رسلاً يدعون الناس لكلمة الحق؟ فلماذا يغمضوا أولئك عيونهم؟ ولماذا يعطلون عقولهم ليسيروا وراء كبراءهم ويتبعوهم وتكون النهاية أن يتبرءوا منهم يوم لا تنفع البراءة!

    ومع مشهد آخر في كتاب الله يحكي أيضاً هذا الجدل والتعاتب في سورة إبراهيم، يقول سبحانه وتعالى: وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ [إبراهيم:21].

    وفي سورة سبأ يقول الله سبحانه وتعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ [سبأ:31-32] لقد سموه هدى وأتاهم الهدى أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [سبأ:32-33].

    نعم هذا عملهم، لقد كان باستطاعتهم أن يفكروا، كان باستطاعتهم أن يتبعوا الهدى الذي آتاهم الله إياه، الذي يقرءونه في كتاب الله عز وجل ويسمعونه من أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم، والله عز وجل يقول: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15] وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ [القصص:59].

    إذاً فتقليدهم لكبرائهم، تقليدهم لأسيادهم، تقليدهم لطغاتهم الذين دعوهم إلى أن يمرّغوا جباههم أمام أضرحة يرجون منها التبرك، تقليدهم لكبرائهم الذين أفتوهم أن الصلاة قد تسقط عنهم، وأن الصيام لا يعدو أن يكون كتم أسرار، تقليدهم لكبرائهم وطغاتهم الذين أصبحوا يفسرون لهم كلام الله عز وجل على ما لا يحتمل فيسيرون وراءه، أو تقليدهم لكبرائهم الذين يدعونهم إلى الشهوات وإلى أن يسيروا وراءهم.. قادهم إلى هذه النهاية المؤلمة عافانا الله وإياكم، وهي أن يتخاصموا ويتجادلوا يوم القيامة في النار لكن حين لا ينفع الجدل، ولا تنفع الخصومة، ولن يجزيهم الله عز وجل إلا بما كانوا يعملون وما كان الله سبحانه وتعالى ليظلم أحداً.

    حينها يسدل الستار بعد أن يقول الشيطان كلمة الفصل بينهم في هذه الخصومة وهذا الجدل: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ [إبراهيم:22] نعم لم يكن للشيطان سلطان عليهم، نعم لم يكن حتى لكبرائهم وأسيادهم سلطان عليهم، إنما كان اتباع الهوى بعد أن أتاهم الهدى وكان هو السبب في أن يصيروا إلى ما صاروا إليه، وأن يصلوا إلى هذه النهاية.

    لا زلنا نواصل الحديث حول هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين.. فذكرنا الأمر الأول وهو المطالبة بالحجة والبرهان، والأمر الثاني النعي والعيب على الذين يقلدون غيرهم، الأمر الثالث أيضاً سياق قصص الأنبياء ومطالبتهم بالحجة والبرهان.

    1.   

    قصص الأنبياء ومطالبتهم بالحجة والبرهان

    لقد ساق الله عز وجل قصص أنبيائه في كتابه الكريم حتى تكون عبرة وعظة وقدوة، وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ [الأنعام:90].

    ومن جوانب الاقتداء بالأنبياء الاقتداء بهم في منهج الدعوة ومخاطبة الناس، وها هي بعض الأمثلة التي تبيّن أن الأنبياء أيضاً كانوا في دعوتهم لأقوامهم وخطابهم معهم يطالبونهم بالحجة والبرهان.

    هود عليه السلام يقول الله عز وجل عنه في سورة الأعراف: قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنتَظِرِينَ [الأعراف:71] فهو يرى أن من عوامل بطلان آلهة قومه أن الله لم ينزل بها من سلطان، فلو كان لديهم سلطان فليأتوا به وليذكروه له.

    ويوسف عليه السلام يقول الله عز وجل عنه في سورة يوسف: مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:40].

    وإبراهيم يقول الله عز وجل عنه: وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنعام:80-81].

    ومحمد صلى الله عليه وسلم يأمره الله عز وجل أن يطلب الحجة والبرهان: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الأحقاف:4].

    ولو استطردنا في ذكر قصص الأنبياء في مطالبتهم بالحجة والبرهان لأقوامهم لطال المقام، والمقصود أيضاً كما أن الله سبحانه وتعالى طالب المكذبين والمعرضين والمعاندين بالحجة والبرهان والدليل، فكذلك أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم كانوا يطالبون أقوامهم بالحجة والبرهان والدليل، مع أن دعواهم كانت دعوى فاسدة، وقضيتهم كانت قضية تافهة، فهم يطالبون الذين يتخذون آلهة من دون الله بالبرهان والدليل، ويطالبون الذين يسمونها آلهة من تلقاء أنفسهم، فما بالكم بمن هو دون ذلك مما قد يكون فيه مجال للخلاف والنقاش والأخذ والعطاء؟

    1.   

    الحديث عن الجوارح في القرآن

    امتنان الله على الخلق بالجوارح

    الأمر الرابع أيضاً الحديث في القرآن عن الجوارح، وهو حديث كثيف، فالحديث عن الجوارح في القرآن فيه الإشارة إلى قضية الدليل والبرهان والحجة.

    أولاً يمتن الله سبحانه وتعالى على عباده بأن سخّر لهم هذه الجوارح، يقول في سورة النحل: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ [النحل:78] وفي سورة الملك: وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ [المؤمنون:78] وفي سورة السجدة: ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ [السجدة:9] وفي سورة الملك: قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ [الملك:23] ماذا يعني امتنان الله عز وجل بأن جعل لهم السمع والبصر والعقل؟

    حين يمتن الله سبحانه وتعالى على عباده بالسمع والبصر والعقل، فهذا يعني بالضرورة أنها نعمة يمتن بها سبحانه وتعالى علينا، يعني أن تعطيلها من تعطيل خلق الله ومن تغيير خلق الله، ولا يجوز تغيير خلق الله بل هذا من تلبيس الشيطان، يقول الله عز وجل حاكياً سبيله وحجته: وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ [النساء:119].

    فلماذا يخلق الله للناس السمع والأبصار والأفئدة والعقل؟ وإذا كانت سنة الله في الناس أن يتبعوا غيرهم وأن يسيروا وراءهم، فلم لم يخلق الله سبحانه وتعالى لنخبة خاصة من الناس عقولاً وسمعاً وأبصاراً، ويترك البقية كالذي ينعق بما لا يسمع، أما وقد خلق الله للناس سمعاً وأبصاراً وأفئدة وامتن بها عليهم، فهذا يعني أن يحكّموها وأن يستخدموها في البحث والوصول إلى الحق.

    أمر الله عباده باستخدام هذه الجوارح

    ثانياً: أمر الله عز وجل خلقه باستخدام هذه الجوارح فيقول في سورة الحج: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46] أرأيت الذي يتلقف ما يسمع من فلان أو فلان دون أن يفكر ودون أن يتأمل ودون أن يسمع أو يبصر، أرأيت هذا قد أتى بأمر الله عز وجل فعلاً، وأتى بما أمره الله به؟ أرأيت الذي تُرفع له راية ويُعلى بصوت ويرى أمراً فيسير وراءه دون أن يسأل ويستخدم جوارحه، أترى هذا وذاك قد التزموا أمر الله سبحانه وتعالى أم تراهم ممن عابهم الله سبحانه وتعالى؟

    العقوبة بالطبع على الجوارح

    ثالثاً: أخبر الله عز وجل أن الطبع على هذه الجوارح عقوبة يعاقبهم الله بها، يقول الله عز وجل في سورة البقرة: خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ [البقرة:7].

    ويقول أيضاً: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد:23] عجباً..! يخبر الله سبحانه وتعالى أن الطمس على هذه الجوارح عقوبة يعاقب الله بها عباده، فكيف يطمس العبد جوارحه.. كيف يطمس قلبه ويطمس سمعه ويطمس بصره ليُصبح بعد ذلك إمّعة يقوده الناس فينقاد!

    الحساب على الجوارح

    رابعاً: أخبر الله عز وجل أنه سيحاسب الناس على هذه الجوارح: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36].

    الذي أمره الله أن يسمع، وأمره أن يبصر، وأمره أن يتفكر ويفكر، ولم يلتزم أمر الله عز وجل، أليس سيسأل عن هذا؟ سيسأله الله عن سمعه وبصره وفؤاده حين سمع ما حرّم الله، ونظر إلى ما حرّم الله، لكنه أيضاً سيسأل إذ عطّل هذا السمع والبصر والفؤاد وقد أمره الله بأن يسمع، وأمره الله بأن يُبصر، وأمره الله سبحانه وتعالى بأن يعقل بفؤاده.

    عيب الذين لم ينتفعوا بجوارحهم

    خامساً: لقد عاب الله عز وجل في القرآن على أولئك الذين لم ينتفعوا بهذه الجوارح ولم يستفيدوا منها، يقول سبحانه وتعالى في سورة البقرة: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ [البقرة:18]، ويقول: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [البقرة:171] وهذه الآية فيها جانبان:

    الأمر الأول: بأن الله عابهم بأنهم صم بكم.

    الأمر الثاني: أن الله شبههم بالذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء، وهي الماشية والبهيمة، فهم مثل رجل يدعو بهيمته فينعق بها، فالبهيمة لا تسمع إلا دعاء ونداء، لكنها لا تفقه ما يقوله الراعي، تفهم أن هذه الكلمة كلمة زجر، تفهم أن هذه الكلمة دعوة للطعام، أن هذه الكلمة دعوة للشراب، أن هذه الكلمة دعوة للمراح والمبيت.. وحين يكون الناس كذلك فهم كالأنعام بل هم أضل سبيلاً، فلقد عاب الله على الذين أصبحوا صماً بكماً وشبههم بالراعي الذي يقود القطيع، فينعق بما لا يسمع، حينها يأتي هذا القطيع يوم القيامة فيقولون: رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ [الأعراف:38]، ويقول عز وجل: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ [البقرة:166].

    إن هؤلاء الذين اتبعوا هم أولئك الذين كان يُنعق بهم، وكانوا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء.

    وفي سورة الأنعام أيضاً يقول الله عز وجل: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الأنعام:39] إذاً فالذي يُعطّل جوارحه عن سماع الحق وعن سماع الحجة والبرهان لا يسوغ أن يُمتدح بأنه يسير على الجادة، بل هو ممن قال الله عز وجل فيهم: صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الأنعام:39].

    والإفاضة في الحديث عن آيات القرآن الكريم يطول، وأظن أن فيما تحدثنا عنه كفاية في دعوة الناس إلى أن يتعبدوا لله عز وجل بما في كتابه سبحانه وتعالى، وبما أتاهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم، بعيداً عمّا ورثوه من آبائهم وأجدادهم، بعيداً عن تلك التقاليد والرسوم التي عهدوها وألفوها، بعيداً عمّا يسمعونه من رأي فلان وفلان من الناس، سواء كان عالماً متبوعاً أو كان سيداً مطاعاً.

    إن هذا كله أيضاً دليل على أن أولئك الذين يسيرون ويعطلون عقولهم ليسوا أهلاً للمدح والثناء بل هم أشبه بأولئك الذين ذمهم الله عز وجل وعابهم وأخبر أنهم ضالون.

    1.   

    معاناة السلف من المقلدة وذمهم للتقليد

    والسلف لهم مقالات طويلة في العيب على المقلّدة، وذمهم ونقدهم، ليس هذا وقت حصرها، لكني أورد أبياتاً لإمام المغرب ابن عبد البر رحمه الله يقول:

    يا سائلي عن موضع التقليد خذ عني الجواب بفهم لب حاضر

    وأصخ إلى قولي ودن بنصيحتي واحفظ عليّ بوادري ونوادري

    لا فرق بين مقلد وبهيمة تنقاد بين جنادل ودعاثر

    تباً لقاض أو لمفت لا يرى عللاً ومعنى للمقال السائر

    فإذا اقتديت فبالكتاب وسنة ال مبعوث بالدين الحنيف الطاهر

    ثم الصحابة عند عدمك سنة فأولاك أهل نهى وأهل بصائر

    ولا يزال المصلحون يعانون من هذا الصنف من الناس الذي يحتج دائماً بما ورثه عن آبائه وأجداده، أو بما قلده عن فلان وفلان، وهي معاناة لا تعدو أن تكون كمعاناة الأنبياء حين يأتيهم قومهم يقولون: مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ [المؤمنون:24].

    المنذر بن سعيد رحمه الله كان مصلحاً، وكان يدعو للإصلاح، ولهذا يحكي معاناته مع قومه فيما رواه عنه ابن عبد البر يقول:

    عذيري من قومي يقولون كلما طلبت دليلاً هكذا قال مالك

    فإن عدت قالوا هكذا قال أشهب وقد كان لا تخفى عليه المسالك

    فإن زدت قالوا قال سحنون قبلهم ومن لم يقل ما قاله فهو آفك

    فإن قلت قال الله ضجوا وأكثروا وقالوا جميعاً أنت قرن مماحك

    وإن قلت قد قال الرسول فقولهم أتت مالكاً في ترك ذاك المسالك

    نعم كان يعاني من أولئك الذين يحتجون عليه بقول الرجال، فإن قلت قال الله عز وجل ضجوا وصيحوا، وإن قلت قال النبي صلى الله عليه وسلم قالوا إن فلاناً أعلم بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يترك ذاك إلا وقد أتته الحجة والبرهان في هذا.

    1.   

    لا اعتقاد ولا عبادة إلا بحجة وبرهان

    وبعد هذا السرد الطويل لهذه الآيات في كتاب الله عز وجل ولبعض ما روي عن سلف الأمة من عيبهم لأولئك لا بد من الحجة والبرهان في اعتقادنا وعبادتنا، فلا يسوغ أن نعتقد أمراً في ذات الله سبحانه وتعالى إلا وعندنا فيه حجة وبيّنة وبرهان، وإلا كنا مثل أولئك الذين حينما يأتيهم نبي يقولون: مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ [ص:7] مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ [المؤمنون:24] إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف:22].

    وفي عبادتنا أيضاً لا يسوغ حين يدعونا فلان من الناس ومعه حجة من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعونا إلى أن نترك أمراً مبتدعاً في دين الله، فنحتج عليه بأنه أمر ورثناه واعتدنا عليه، ولم نشهد له نكيراً، فهذا هو منطق أولئك الذين يقولون: مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ [المؤمنون:24].

    ولا يسوغ حين يُنكر علينا منكر، أو حين نؤمر بمعروف أو أمر لم نعهده، لا يسوغ حين نُدعى لذلك بدليل وبرهان من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم أن نقابل الحجة والبرهان بما تلقيناه وورثناه من آبائنا وأجدادنا، أو ما سمعناه من فلان وفلان من الناس.

    وفي دعوتنا حين ندعو الناس ينبغي أن ندعو بالحجة والبرهان والدليل، وهكذا كان أنبياء الله.

    وفي المحاجة والمخاصمة حين نجادل وحين نخاصم الناس لا بد أن نُحاج بالدليل والبرهان والحجة، أليس الله عز وجل قد حاج الذين اتخذوا من دونه آلهة وطالبهم بالبرهان؟

    أليس قد طلب السلطان من الذين جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً؟

    أليس الله سبحانه وتعالى قد طلب من الذين ادعوا أنهم وحدهم هم الذين يدخلون الجنة يهوداً كانوا أو نصارى، قد طلب منهم البرهان؟ فأن يُطلب البرهان من غيرهم من باب أولى.

    ومن هنا فلا مقام في ميدان الحجة والجدل إلا بالدليل والبرهان مهما كنا نفترض بطلان حجة من نجادله ونُحاجه.

    صاحب البرهان هو الذي ينجح ويقنع الناس؛ لأن البرهان والحجة والدليل لا يقف أمامها أحد، ويخضع لها الناس الصادقون الذين ليس لديهم هوى وميل إلى حظوظ النفس.

    صاحب البرهان والحجة هو وحده الذي لا يتناقض، أما الذي تحكمه العواطف فهو يقول قولاً اليوم ثم تأتيه عاطفة أخرى فيقول بخلافه، ويوماً يقول القول وينقضه غداً، أما الذي دافعه ورائده الحجة والبرهان فإنه لا يتناقض، ولو رأى الدليل في غير ما قاله بالأمس فإنه يستطيع أن يقول وبكل ثقة وطمأنينة: قد كنت قلت هذا القول فبدا لي خلافه، والحق ضالة المؤمن، والرجل الشجاع الصادق هو الذي يرجع إلى الحق حين يستبين له.

    صاحب البرهان هو الذي يستطيع أن يطرح رأيه بوضوح بعيداً عن الضجيج والصخب والاتهام، والإرهاب الفكري، إن الذين يجنحون إلى الألقاب الواسعة والفضفاضة، الذين يعمدون إلى لغة الصخب والضجيج ورفع الأصوات، الذين يعمدون إلى مصادرة أصوات الخصوم هم أولئك الذين لا يملكون حجة ولا برهاناً، أما الذين يملكون الحجة والبرهان فهم يطرحون رأيهم بوضوح وهدوء، ويحملون أتم الاستعداد على أن يدافعوا عن قولهم، وينافحوا عنه بعيداً عن الاتهام والصخب والضجيج، والحديث عن النوايا والألفاظ المنمقة.

    وأخيراً: صاحب الحجة والبرهان والدليل هو الذي ينجو يوم القيامة ولو أخطأ.. نعم ولو أخطأ؛ لأن الله عز وجل سيسأل يوم القيامة: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص:65].

    فالناس جميعاً سيسألون: ماذا أجبتم المرسلين فيما أتوكم به من كتاب الله سبحانه وتعالى؟ وفيما أتوكم به مما قالوه لكم وهم لا ينطقون عن الهوى؟ فلئن اجتهد المرء في أمر واتبع نصاً من كتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فلم يوفق لاتباع الحق فهو مأجور على اجتهاده، أما الذين يتبعون البشر فيا ويلهم حين يسألون هذا السؤال: ماذا أجبتم المرسلين؟ فماذا عساهم أن يقولوا؟

    ولهذا يقول ابن القيم رحمه الله في خصامه مع أهل البدع:

    لا بد أن نلقاه نحن وأنتم في موقف العرض العظيم الشان

    وهناك يسألنا جميعاً ربنا ولديه حقاً نحن مختصمان

    فنقول: قلت كذا وقال نبينا أيضاً كذا فإمامنا الوحيان

    فافعل بنا ما أنت أهل له نحن العبيد وأنت ذو الغفران

    أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا وإياكم اتباع كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن يجنبنا وإياكم الأهواء ومضلات الفتن إنه سبحانه وتعالى سميع قريب مجيب.

    هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2741956195

    عدد مرات الحفظ

    684653150