إسلام ويب

لبيك اللهم لبيكللشيخ : محمد الدويش

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الحج شعيرة من شعائر الإسلام، والقيام به هو استجابة لأمر الله عز وجل، وإن الناظر ليجد الحجيج من المسلمين يستجيبون لأمر الله عز وجل ويلبون نداءه ويعملون بما أمر في الحج وينتهون عما نهى رغم انطواء الحكمة من وراء ذلك؛ لكنهم ما أن ينتهوا من النسك ويعودوا إلى بلدانهم حتى ينهمكوا في المحرمات ويرتكبوا المناهي بكافة صورها ومراتبها، فكان من المهم أن يتعلم المرء من الحج الدروس والعبر التي تنفعه في سائر حياته.

    1.   

    وقفات حول التلبية

    الاستجابة لله ينبغي ألا تعقبها مخالفة

    الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، أما بعد.

    فهذه هي أول ليلة من هذا الشهر الحرام شهر ذي القعدة، ونحن نستقبل جميعاً وإياكم موسماً عظيماً، وأياماً فاضلة من أيام الله سبحانه وتعالى، تلك الأيام التي فضلها الله عز وجل على سائر الأيام، فما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله عز وجل من هذه الأيام، أي عشر ذي الحجة، وأفضل عمل صالح يؤدى في هذه الأيام هو الحج إلى بيت الله الحرام، ومن ثم أحببنا أن نقف في هذه الأمسية وفي هذا الدرس حول بعض المعاني المتعلقة بهذه الشعيرة العظيمة، ولهذا أقترح أن يكون عنوان هذا الدرس: لبيك اللهم لبيك، وهو لا يخرج عن العنوان المعلن فهي وصايا هامة.

    في هذا الدرس -معشر الإخوة الكرام- لن أتحدث عن أحكام الحج، ولن أتحدث عن آدابه، ولا عما ينبغي أن يفعله الحاج، أو عن الأخطاء التي يقع فيها الحجاج، وهي جوانب مهمة ولا شك ونحتاج إلى الحديث عنها كثيراً، وحين أختار ألا أتحدث عنها فإن هذا لا يعني بحال أني أرى أن ما أقوله هو أولى من ذلك، ولكني أردت أن أطوف وإياكم في هذه الأمسية حول واقع المسلمين الذين يفدون إلى بيت الله الحرام لنأخذ بعض الدروس وبعض الوقفات التي نتأمل فيها واقعنا جميعاً وخاصة واقع أولئك الحجاج الذين يلبون نداء الله عز وجل، ويأتون إلى هذا البيت ملبين مهلين، وأول قضية نقف عندها هي وقفات حول التلبية.

    الوقفة الأولى: ما إن يخلع الحاج ملابسه ويرتدي ملابس الإحرام حتى يجهر بهذا النداء وهذا الذكر: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. إنه يعلن استجابته لله عز وجل استجابة بعد استجابة، يعلن استجابته لنداء الله سبحانه وتعالى ولأمره، ويكرر هذا ويصدح به على رءوس الملأ، ويتعبد إلى الله عز وجل بهذا الذكر، لكنك حين ترقب هذا الذي يلبي في سائر حياته ترى له شأناً آخر مع حدود الله عز وجل، إنه يتجرأ على أن يتجاوز حدود الله عز وجل، ويتجرأ على أن يخالف أوامر الله سبحانه وتعالى، إنه يرى الأمر واضحاً أمامه مما أمر الله عز وجل به وافترضه عليه، ومع ذلك يترك هذا العمل عن عمد وسبق إصرار، وهو أيضاً يرى الأمر مما نهاه الله عز وجل عنه وحذره منه وتوعده عليه بأليم العقاب، ومع ذلك يتجرأ على مخالفة أمر الله عز وجل وعلى انتهاك حدوده، فأين تلك الاستجابة التي كان يعلنها وهو يقول: لبيك اللهم لبيك؟

    أين ذاك الخضوع الذي لم يكتف بأن يكون سراً في نفسه حتى جهر به وأعلنه على رءوس الملأ استجابة لله عز وجل بعد استجابة، وخضوعاً لله سبحانه وتعالى بعد خضوع؟

    إنه لو تأمل هذا المعنى لعاد به ذلك كثيراً ولفكر ملياً وهو يجهر بهذا الدعاء وهذا الذكر، ولعادت به الذاكرة إلى حياته تلك التي يسطرها بالصفحات المخالفة لأمر الله عز وجل، إن هذا الدافع الذي يدعوه إلى إعلان الاستجابة لأمر الله عز وجل على رءوس الخلائق ينبغي أن يدفعه للاستجابة لأوامر الله عز وجل ونواهيه في سائر حياته.

    التلبية يجب ألا يعقبها الشرك

    الوقفة الثانية حول التلبية:

    لقد كان أهل الجاهلية يعلنون الشرك الصراح وهم يلبون ويجاهرون به، فيقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك!

    فجاء الإسلام بتلبية التوحيد والإخلاص، إنه إعلان للبراءة من الشرك بكل صوره وأبوابه، من الشرك في ربوبية الله عز وجل، فالله سبحانه وتعالى هو وحده المتصف بصفات الجلال والتعظيم فاعتقاد أن أحداً من البشر يشاركه سبحانه وتعالى الخلق أو الرزق أو أنه يملك الضر والنفع هو إشراك مع الله عز وجل المتفرد بالربوبية، وكم يتجرأ أولئك الذين يعلنون هذا الدعاء صباح مساء: لبيك لا شريك لك .. كم يتجرأ هؤلاء على الشرك بالله عز وجل في مقام ربوبيته، فيعطون تفويضاً لمن يسمونهم بمشايخ الطرق أو الأئمة أو غيرهم، يعطونهم تفويضاً في التصرف في الكون فيعتقدون أن فلاناً ينفع، أو أن فلاناً يضر، أو أن فلاناً بيده هذا الأمر أو ذاك.

    واعتقاد أن هناك من يملك التشريع للناس والتحليل والتحريم هو أيضاً خرق لسياج التوحيد، واستخفاف بالله عز وجل وعظمته، وهو القائل: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى:21] وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [الأنعام:121] وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:45] وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:47].

    إنها قضية واضحة كل الوضوح لا لبس فيها ولا غموض ولا مجال فيها للمجادلة والمراء، إن إعطاء حق التشريع والإباحة والتحريم لأحد غير الله عز وجل خرق لسياج التوحيد وإشراك بالله عز وجل في ربوبيته، ويصدق على أولئك قول الله عز وجل: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ [التوبة:31] فما بال هذا الرجل الذي يُعلن التلبية ويصدح بها نافياً للشرك عن الله عز وجل، يتجرأ في الإشراك بالله عز وجل ومنازعة الله سبحانه وتعالى في ربوبيته وأمره: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف:54]، وقد قرن الله عز وجل الحكم بشرعه بعبادته: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف:40].

    والتوجه لغيره سبحانه وتعالى بالدعاء وطلب الحاجة إعلان ممن فعل ذلك أنه يجهل قدر الله عز وجل، وأنه لا يعظّم الله عز وجل حق التعظيم، وهو القائل: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18] وهو القائل: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر:13-14] فما بال البعض ممن يعلن البراءة من الشرك هاهنا ويكررها، حين يعود إلى بلاده يتوجه إلى غير الله عز وجل فيدعو غير الله عز وجل، ويرغب إلى غير الله سبحانه وتعالى، ويتوجه إلى غيره عز وجل.

    الجهر بالتلبية

    الوقفة الثالثة حول التلبية:

    يسن الجهر بالتلبية، فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أفضل الحج العج والثج) والمقصود به رفع الصوت بالتلبية وإراقة الدم في سبيل الله عز وجل، وحين أحرم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا يلبون رفعوا أصواتهم فما بلغوا الروحاء حتى بحت أصواتهم.

    إنه مشهد جميل ورائع وصوت شجي وندي يملأ الميادين والأزقة والطرقات معلناً التوحيد لله عز وجل: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك! لكنك ترى المسلم الذي يجهر بالتلبية ويعلنها ويكررها ويرفع بها صوته، تراه حين يعود بعد ذلك إلى بلده يستحي أن يجهر بما ينبغي أن يجهر به، فهو يستحي أن يعلن انتماءه الحقيقي وولاءه لدينه، يستحي أن يصلي النافلة وربما صلاة الجماعة، يستحي أن يترك معاقرة الخمرة، يستحي أن يفعل ذلك أمام الناس وهو الذي كان يجهر بالتلبية لله عز وجل.

    إن هذا الشعور الذي يدفع المسلم للجهر بالتلبية ينبغي أن يدفعه إلى أن يجهر بانتمائه وبدينه وأن يعلنها صريحة واضحة أمام الناس: ها أنا مسلم أدعو الله عز وجل وأدعو إليه وأنتمي لدينه، ها أنا مسلم أتعبد لله عز وجل بفعل ما أمر واجتناب ما نهى ولو خالف ما عليه الناس.

    1.   

    الحج وإبراهيم

    النقطة الثانية: الحج وإبراهيم.

    الولاء لله ولدين الإسلام وأهله

    الحج يربط المسلم ويذكره بنبيه إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم، فهو الذي بنى البيت، وهو الذي أذن في الناس بالحج فجاءوا رجالاً وركباناً على كل ضامر من كل فج عميق يستجيبون لهذا النداء، وهو الذي نبع ماء زمزم لابنه إسماعيل حين تركه وودعه وأمه، فنادته أمه قائلة: إلى من تتركنا.. إلى من تتركنا؟ فلا يجيب إبراهيم النداء ولا يلتفت إليها، ثم تسأله فتقول: آلله أمرك بهذا؟ فيقول: نعم فتقول: إنه لن يضيعنا.

    وتبقى تلك المرأة مع ولدها إسماعيل في واد غير ذي زرع، وحين يفارقهم إبراهيم يرفع يديه إلى السماء ويدعو الله عز وجل: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ [إبراهيم:35-37] وتأتي حين يجوع ولدها ويبكي، تذهب ذات اليمين وذات الشمال، فتصعد الصفا وتصعد المروة وتتردد هنا وهناك حتى يمن الله عز وجل عليه بهذا الماء.

    إن المسلم هناك وهو يطوف بالبيت، ويصلي خلف المقام، ويسعى بين الصفا والمروة، ويشرب ماء زمزم، وهو يتنقل بين هذه المناسك.. إنه يشعر بأنه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بإبراهيم عليه السلام، وهذا يعني..

    أولاً: أن هذا يشعره بالانتماء والولاء لإبراهيم عليه السلام، وللحنيفية التي جاء بها، إن إبراهيم هو الذي دعا الله عز وجل: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ [البقرة:129] إن إبراهيم هو الذي سمانا المسلمين من قبل، هو الذي أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم وأمر أمته من بعده أن تتأسى به وأن تنتمي إليه.

    ما بالنا نرى هذا المسلم الذي يأتي إلى البيت والذي يشعره بالولاء لإبراهيم، نراه حين يعود إلى بلاده يوزع ولاءه ذات اليمين وذات الشمال، فهو تارة ينتمي لاتجاه قومي، وتارة لاتجاه وطني، تارة يتبنى منهجاً علمانياً، تارة يتبنى منهجاً يعارض الملة الحنيفية التي جاء بها إبراهيم عليه السلام.

    إنه هو الذي كان يطوف بالبيت وكان يصلي خلف المقام، وكان يطوف بين الصفا والمروة، هو الذي لا يستحي بعد ذلك أن يُعلن أمام الناس أنه قومي أو وطني أو علماني، إنه هو الذي يستقبل القبلة البيت الذي بناه إبراهيم كل يوم خمس مرات ويردد في صلاته: كما صليت على إبراهيم وعلى آله إبراهيم .. كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم.. إنه هو هو الذي يوزع ولاءه وانتماءه، ولهذا يأمر الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن تجهر بها صريحة وتعلنها واضحة في وجه من يدعوها لمنهج منحرف: وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [البقرة:135] .

    ولئن كان الله عز وجل قد أمر المخاطبين بها لأول مرة أن يقولوها في وجه من يدعوهم لليهودية، أو من يدعوهم للنصرانية، فهو أمر لمن يدعوهم بعد ذلك لنحلة أرضية أو مذهب مادي، إن أمة الإسلام حزب واحد، وجماعة واحدة، وأمة واحدة لا يعرف فيها المسلم الولاء إلا لمنهج واضح المعالم، ذاك المنهج الذي اختصه إبراهيم عليه السلام: مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [البقرة:135].

    عدم صرف العبادة لغير الله تعالى

    ثانياً: إن منهج إبراهيم وملة إبراهيم لها معلم بارز وشعار ظاهر بيّنه الله لورثة إبراهيم، فقد اختصم اليهود والنصارى وكل منهم يدّعي أنه سائر على منهج إبراهيم، فجاء الوحي: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [آل عمران:67] إن مجرد نزاع أولئك على الانتماء له والادعاء بالسير وراءه لأعظم دليل على سمو الانتماء لهذا النبي الكريم، إن ملة إبراهيم هي كما حكى الله عز وجل: كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [آل عمران:67] وفي سورة الأنعام يقول حين أعلن بطلان إلوهية ما سوى الله: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام:79].

    وفي سورة النحل يصفه الله عز وجل بذلك: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل:120] ثم يأمر الله عز وجل نبيه، والأمر له أمر لأمته من بعده: ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل:123].

    أترى أخي المسلم وأختي المسلمة بعد ذلك أولئك الذين يصرفون العبادة لغير الله في شتى أنحاء بلاد المسلمين يحق لهم أن ينتسبوا وينتموا لإبراهيم؟ ومع هذا التأكيد على ملة إبراهيم فيوحي الله إليه محذراً إياه من الشرك ومبيناً له أن من أهم ما يقتضيه حج بيت الله الحرام إعلان البراءة من الشرك والخلوص منه: وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [الحج:26] ثم يخاطب الله عز وجل أمة الإسلام في ثنايا آيات الحج: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج:30-31].

    وقد أخبر الله عز وجل في كتابه وهو العليم الحكيم أن الكثير ممن يدعي الإيمان يقع في الشرك فقال: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف:106] فما بال البعض ممن يحج إلى البيت وينتسب لإبراهيم يقعون في الشرك ويتوجهون لغير الله عز وجل؟ أيظن أولئك أن مجرد الانتساب للإسلام كاف لخلاصهم من الشرك وقد قال الله: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف:106]، أم يظنون أن مجرد إقرارهم بالإيمان والدين كاف وقد أخبر الله عز وجل أن أنبياءه لو أشركوا لحبطت أعمالهم: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر:65].

    لقد حكى الله عز وجل عن المشركين أنهم وهم يتوجهون لأوثانهم بالعبادة ما كانوا يقصدون عبادة تلك الأوثان، بل كانوا يتخذونها وسيلة وزلفى إلى الله عز وجل: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3].

    فبالله عليكم ما الفرق بين أعرابي كان في ذلك العصر البائد يتوجه إلى حجارة يركع لها ويسجد ويرى أنها تقربه إلى الله زلفى، وبين رجل في القرن العشرين في عصر العلم والوعي أصبح يطوف على رفات قد مضت عليها السنون، ويعتقد أن صاحب هذا الضريح يقربه إلى الله زلفى ومنزلة إلى الله عز وجل؟

    إنها صورة واضحة، إنه الشرك بالله عز وجل .. إنه الشرك الذي جاء هذا الدين لمحوه، هو الذي أرسل الله محمداً صلى الله عليه وسلم لإبطاله والقضاء عليه، فما أجدر المسلم وقد أجاب نداء إبراهيم فجاء ملبياً أن يحرص على أن يتعلم ملة إبراهيم، أن يحرص على أن يعرف هذا الطريق وهذه الملة ليبتعد عن موجبات الشرك صغيره وكبيره.

    عقيدة البراءة من المشركين

    ثالثاً: لقد ورثت الأمة الإسلامية من أبيها إبراهيم عقيدة البراءة من المشركين وعداوتهم؛ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة:4].

    فقد أعلنها إبراهيم صريحة واضحة: كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ [الممتحنة:4] ولحكمة عظيمة تنزل آية براءة في موسى الحج، ويرسل النبي صلى الله عليه وسلم من يقرأ بها في الموسم: بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ [التوبة:1-2].

    فهل يُدرك المسلم وهو يلبي نداء إبراهيم أن عليه أن يقطع الولاء لكل مشرك وكافر، ولو كان أقرب قريب؟ وألا يوالي إلا من كان حنيفاً مسلماً؟

    هل يدرك المسلم وهو يلبي، وهو يستجيب لنداء إبراهيم، وهو يستقبل البيت الذي بناه إبراهيم خمس مرات، هل يدرك أن ملة إبراهيم قائمة على البراءة من كل كافر بالله عز وجل، ومن كل مشرك أياً كان كفره وشركه، سواء كان يهودياً أو نصرانياً، أو كان وثنياْ أو مرتداً ما دام كافراً بالله عز وجل فملة إبراهيم تقتضي إعلان البراءة واضحة، وقد أعلنها الله عز وجل، ونزلت هذه الآيات في موسم الحج وقُرئت على الناس في ذاك العام أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، فما أجدر المسلم وهو يقضي هذه المناسك أن يتذكر هذه المعاني العظيمة.

    إن قوماً من الزائغين رأوا أن الحج موطن إعلان البراءة من المشركين، والبراءة عندهم من المشركين تعني البراءة من أبي بكر وعمر وممن يحبهما ويترضى عنهم، وإن استعمال أولئك الضالين الزائغين لهذا المصطلح الشرعي لا يعني أن نتخلى عنه، فهو مصطلح جاء في كتاب الله عز وجل، وأمر الله سبحانه وتعالى به، ونودي بهذه الآيات في يوم الحج الأكبر في يوم النحر، فاستخدام أولئك لها استخداماً خاطئاً لا يعني بحال أن ينسى المسلم أنه مُتعبد بذلك، لكن البراءة التي يعرفها المنتمي حقاً لملة إبراهيم غير تلك البراءة.

    1.   

    وقفات حول النحر

    النقطة الثالثة: وقفات حول النحر.

    النحر يذكر بإبراهيم وهو يستجيب لأمر الله

    من أعظم ما شرعه الله عز وجل في الحج النحر له سبحانه وتعالى، لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ [الحج:28] وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ [الحج:34] .

    فالنحر عبادة عظيمة لله سبحانه وتعالى، ولهذا سمى الله عز وجل هذا اليوم بيوم النحر، وهو أفضل أيام الحج، بل هو أفضل أيام العام وهو يوم الحج الأكبر، وهو الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: (أفضل الأيام يوم النحر ثم يوم القر) فتسميته بالنحر دليل على عظم هذه العبادة وعلو شأنها.

    ولنا مع النحر وقفات: الوقفة الأولى:

    النحر يذكر المسلم بإبراهيم عليه الصلاة والسلام حين أمره الله عز وجل بذبح ابنه الذي رزقه الله إياه على حين كبر، وكانت امرأته عاقراً فرزقه الله عز وجل إياه بعد أن يئس من الولد، وحين بلغ معه السعي وبلغ تلك السن التي يفرح فيها الوالد بولده، ويستبشر به أمره الله عز وجل، وكيف جاءه الوحي؟

    جاءه الوحي رؤيا في المنام، ولم يأته الوحي مباشرة كلاماً من الله عز وجل أو من الملك، وهذا لحكمة عظيمة، ثم أُمر إبراهيم عليه السلام أن يقوم هو بذبحه، ولو أمر أن يوصله إلى معركة يقتل فيها أو أن يوصي من يقتله فقد يهون الأمر عليه، أما أن يمارس هو ذبحه فالأمر صعب.

    ثم هو يمارس الذبح بيده فهو يرى وجهه وروحه تقعقع .. يراه ويذبحه استجابة لأمر الله عز وجل، ولا يتردد ويتلكأ، ومع ذلك أيضاً يسعى إبراهيم إلى أن يشرك إسماعيل في الابتلاء فيعرض عليه الأمر في صورة عرض وأخذ رأيه: يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى [الصافات:102].

    إنه وهو يسأله هذا السؤال لم يكن ليوقف استجابته لأمر الله عز وجل على موافقة إسماعيل حاشا وكلا، لكنه كان يريد أن يشاركه إسماعيل في الابتلاء، وما كان من ابنه إسماعيل إلا أن قال: يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصافات:102].

    وحين استسلم لله عز وجل وانقاد لم يكن بعد ذلك من حاجة أن يراق دم هذه النفس البريئة، والذي شاء الله عز وجل أن يكون من ذريتها هذه الأمة التي تحج إلى بيت الله عز وجل وتحمل رسالة الله عز وجل ويخصها الله بخاتمة الأديان: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا [البقرة:124] .

    فيشرع الله عز وجل النحر للمسلمين ليذكروا اسم الله عز وجل، ويشرعه لهم في الحج ومن لم يحج فإنه تشرع له الفدية، لكن أين واقع ذلك المسلم الذي ينحر الدم لله عز وجل من واقع إبراهيم في الاستسلام والخضوع لله عز وجل؟

    إنك ترى هذا المسلم الذي يتقرب إلى الله بنحر الدم قرباناً لله عز وجل يتردد ويتلكأ عن الاستجابة لأمر الله عز وجل، تراه يبذل العلم والحجج الواهية ويناقش ويبدئ ويعيد في تسليمه لأمر الله عز وجل.

    الاستعداد لبذل النفس وتقديمها قرباناً إلى الله

    الوقفة الثانية حول النحر:

    المسلم الذي يقدم القربان لله عز وجل ويتعبد إليه بالنحر يحمل الاستعداد لبذل نفسه وتقديمها قرباناً لله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:111].

    وكم حفظ لنا التاريخ من النماذج من أولئك الذين يحمل أحدهم روحه على كفه ويسير في ميدان الوغى والجهاد يتمنى أن يصاب ويقتل، فهذا أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حين يصيبه السهم وتخرج أمعاؤه يضع الدم على وجهه ويستبشر ويقول: (فزت ورب الكعبة).

    ولا غرو وقد سمعوا نبيهم محمداً صلى الله عليه وسلم يقول: (وددت أن أقتل في سبيل الله، ثم أُحيا ثم أُقتل، ثم أُحيا ثم أُقتل) إن المسلم الذي ينحر الدم قرباناً لله عز وجل ينبغي أن يكون على أتم الاستعداد أن يقدم رقبته رخيصة لله عز وجل حين يدعو داعي الجهاد في ساحة الوغى.

    النحر عبادة لا تصرف لغير الله

    الوقفة الثالثة حول النحر:

    إذا كان النحر من أفضل أعمال الحج، بل هو مما شُرعت المناسك من أجله، وأفضل أيام الحج بل أيام العام هو يوم النحر؛ إذا كان النحر بهذه المنزلة فهو عبادة عظيمة من أجل العبادات، وصرفه لغير الله عز وجل يعني بكل بساطة أن هذه عبادة لغير الله وشرك به، ولهذا أمر الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يخلص هذه العبادة: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2]، وأمره أن يجهر بها للناس: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ [الأنعام:162-163] وهذا يعني بكل بساطة أن صرف ذلك لغير الله عز وجل إشراك به.

    ويحذر صلى الله عليه وسلم أمته من صرف هذه العبادة لغيره سبحانه، ففي صحيح مسلم عن علي رضي الله عنه قال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات: (لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثاً)، بل ويسد النبي صلى الله عليه وسلم أبواب الذبح لغير الله عز وجل وطرقه، فحين يأتيه رجل يستأذنه في الوفاء بنذره وقد نذر أن ينحر إبلاً ببوانة، فسأله صلى الله عليه وسلم: (أكان فيها عيد من أعياد الجاهلية؟ أو كان فيها وثن من أوثانهم؟) إن هذا كله إقامة للسياج حول هذه العقيدة، حول هذا التقرب إلى الله عز وجل حتى لا يخرق هذا السياج ويتجاوز، فما بالنا نرى المسلم الذي ينحر لله في هذا الموسم ويتقرب له يريق الدماء وينحر القرابين لغير الله، فتارة يستجيب لأمر مشعوذ أو ساحر، فيذبح طائراً أو حيواناً يهل به لغير الله، وتارة أخرى يذبح للجن، وأخرى يذبح أمام حجارة أو رفاة قبر..!

    إن هذا المشهد مع ما فيه من خرق لسياج التوحيد، وتسور لحدود الشرك فهو يحكي نفسية ضعيفة، تخاف من الجن وتخشى بطشهم، تشعر أن كل ما في هذا الكون عدو يكيد لها ويريدها بسوء، ويحكي صورة من صور الجهل والتخلف.. الجهل بالأسباب والمقدمات، فهل نحره لحجارة أو رفاة سيدفع عنه ضراً أو يجلب له نفعاً؟

    إنك لتأسى على واقع هذه الأمة التي حمّلها الله الرسالة وجعلها خير أمة واستشهدها على الناس، ومع ذلك ترى البعض من المسلمين يعلقون آمالهم بحجارة صماء أو رفاة قبر عفا عليه الزمان.

    الاعتناء بالحقيقة والمضمون دون المظاهر

    الوقفة الرابعة حول النحر:

    يقول الله عز وجل تعقيباً على آيات النحر: لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ [الحج:37].

    إن القضية ليست بالمظهر ولا بالمظاهر، إنما هي بالمضمون والمقصود، إن هذه اللحوم والدماء لن ينال الله عز وجل منها خيراً وهو سبحانه المستغني عن خلقه، وهو سبحانه وتعالى أغنى عن الشرك وأغنى عن خلقه، وأنى له سبحانه وتعالى أن يحتاج أو يفتقر إلى غيره، هذا إشعار للمسلمين أن يعتنوا بالحقيقة والمضمون دون المظاهر، وإنك حين تتأمل في واقع المسلمين ترى أن المظهرية قد سيطرت على حياتهم، إنك تراه يصلي ويعتني بأداء الركوع والخشوع، لكن جوهر الصلاة وحقيقتها في واد آخر، فهو في واد وهذا في واد آخر، إنك ترى المظاهر قد أصبحت تخدع المسلمين وتسيّرهم، وهكذا صارت تسيطر على حياتهم، فأنت ترى الأستاذ في ميدان التعليم يُرى أن نجاحه في أن يُكمل هذا الكتاب كله دون أن يترك منه سطراً، أن يكتب كتابة واضحة على السبورة، أن يستعمل وسائل الإيضاح، أن يُعنى بكراسة التحضير ورصد الدرجات، أما ما وراء ذلك وأهم منه بناء الجيل وإعداده وتعليمه فهو شأن آخر، أليس هذا مظهراً من مظاهر عناية الأمة بالمظهرية وغياب المضمون عنها؟

    وهو تراه سلوكاً يسيطر على المسلمين في حياتهم كلها وفي عبادتهم، إن في هذا إثارة وإلماحاً لهذه الأمة أن تُعنى بالحقائق وأن لا تكون أمة تُخدع بالمظاهر.

    1.   

    وقفات حول محظورات الإحرام

    النقطة الخامسة: وقفات حول محظورات الإحرام.

    ترك المحظورات

    الوقفة الأولى..

    حين يلبس المحرم ويلبي نداء الله عز وجل يلتزم بالامتناع التام عن محظورات الإحرام، فيتجرد عن المخيط، ويترك الطيب، ويمتنع عن حلق شعره، ويتخلى عن الرفث ومقدمات النكاح، إنه يستجيب لذلك كله دون تردد، ولا يمكن أن تحدثه نفسه أن يتجاوز هذا المحظور، لكن ما باله في سائر حياته يتجاوز ما حرّم الله عليه؟ فالذي حرم على المحرم الطيب هو الذي حرم على المسلم أكل الربا، والذي حرم الرفث ومقدمات الجماع هو الذي حرم النظر الحرام على المسلم في كل حين، والذي نهاه عن لبس المخيط هو الذي نهاه عن لبس الذهب والحرير..

    إنك لتبحث عن مبرر أو مسوغ لهذا التناقض الذي يعيشه المسلم في سلوكه فلا ترى غير التناقض.

    إحرام المرأة

    الوقفة الثانية حول المحظورات..

    اعتدت أن ترى في أسواق المسلمين وأزقتهم وفي مدارسهم وجامعاتهم.. أن ترى المرأة المسلمة متبرجة متعطرة قد فُتنت بتقليد أعداء الله عز وجل، بل تحول الأمر إلى أن أصبحت تُعاب حين تنتقب أو ترتدي الحجاب، لكنك ترى المسلمة نفسها والتي رأيتها بالأمس في السوق كذلك تراها متحجبة حال إحرامها، لا يبدو منها إلا ظاهر لباسها أو وجهها وكفاها، وهنا يقفز إلى ذهنك سؤال يفرض نفسه، ماذا تغير في واقع هذه المرأة؟ ولماذا تحجّبت الآن وتركت الزينة؟ هل أكرهها أحد أو ألزمها به؟

    لقد تحجبت استجابة لأمر الله، ولأن هذا لباس المحرمة، إذاً أليس الحجاب هو لباس المسلمة في كل حين وفي كل وقت؟ أليس الذي أمرها بهذا اللباس حال إحرامها هو الذي أمرها بالحجاب في سائر أحوالها فأي مبرر لهذا التناقض؟ وأي مسوغ لهذه الازدواجية.

    قتل الصيد

    الوقفة الثالثة حول المحظورات..

    يمتنع المسلم في الحرم عموماً وحال إحرامه أياً كان عن قتل الصيد، بل عن تنفيره وإثارته، ولا تكاد ترى من يتجرأ على خرق هذا السياج، وهو انضباط محمود ولا شك، لكن ما بالك ترى المسلم الذي يتورع عن قتل الصيد بل عن تنفيره وإثارته، يريق دم أخيه المسلم أو يتسبب في ذلك، كم هي الأنهار جارية من دماء المسلمين في عرض العالم الإسلامي وطوله؟ والبعض منها يسيل بأيد مسلمة فيقتل المسلم أخاه، ويسعى لذلك دون رادع أو وازع، وهو هو الذي كان يتورع في الحرم عن تنفير الصيد وإثارته، إنه يمتنع هنا لأن الله عز وجل قد حرّم عليه تنفير الصيد وقتله، ولكن الله سبحانه الذي حرم عليه ذلك هو الذي حرم عليه دم أخيه المسلم، فما باله يسترخص دم أخيه ويستعظم تنفير طائر أو حمامة؟

    وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى وألمح إليه فسأل أصحابه: أي يوم هذا؟ أي شهر هذا؟ أي بلد هذا؟ وحين قرر لهم صلى الله عليه وسلم حُرمت اليوم والشهر والبلد قال: (إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا).

    كم ترى ممن يتجرأ على انتهاك حرمات المسلمين في عرض العالم الإسلامي وطوله في إراقة دم المسلم، أو السعي إلى ذلك، أو انتهاك عرضه، أو ظلمه في ماله، يتجرأ على ذلك وحين يأتي إلى بيت الله الحرام يتورع عن إثارة طائر أو حمامة، بل تراه يتقرب ويشتري بماله الطعام إلى هذا الطائر أو ذاك يتقرب إلى الله بإطعام هذا الطائر، وينسى أن حرمة دم المسلم أعظم من ذلك كله، ينسى أنه كما قال صلى الله عليه وسلم: (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرئ مسلم).

    1.   

    وقفات حول الدعاء

    النقطة السادسة: وقفات حول الدعاء.

    في الحج هناك ترى المسلمين من كان منهم براً ومن كان دون ذلك، من كان تقياً ومن خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، ترى الجميع شيباً وشباناً، رجالاً ونساء، قد رفعوا أكف الضراعة إلى الله عز وجل يدعونه ويبتهلون إليه عز وجل عشية عرفة، وعلى الصفا والمروة، وعند الجمرات، فهم ما بين مستغفر تائب وعائد إلى الله عز وجل نادم، وصاحب حاجة سائل لمولاه، تراهم قد قطعوا العلائق إلا إلى الله عز وجل، وقد انقطعت آمالهم إلا به سبحانه وتعالى، لكن هذا المسلم الذي يتوجه إلى الله عز وجل ويخلص له ويدعوه، ويقطع حبل الرجاء إلا به سبحانه وتعالى، تراه وقد علّق أمله بالمخلوق خوفاً ورجاء، تراه ينطرح ذليلاً بين يدي مخلوق، يشعر أن حاجته بيده، وأن مخرجه مرهون به، فكيف يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ أليس خيراً للمسلم أن يعتز، وأن لا تكون له حاجة إلا لله سبحانه وتعالى، وأن يترفع عن استجداء المخلوقين، وشعوره أن مصيره بيد فلان أو فلان من الناس.

    1.   

    وقفات حول الحجر الأسود

    النقطة السابعة: وقفات حول الحجر الأسود.

    عبارة يعرفها الجميع ويرددونها حين جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقبّل الحجر قال: (والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبّلك ما قبّلتك) إننا مع تلك الشهادة من عمر رضي الله عنه وهو أفضل الأمة بعد خليفة نبيها أبي بكر الصديق رضي الله عنه، يقر أن الحجر الأسود لا يضر ولا ينفع، فما بالنا نرى المسلمين بعد ذلك يعتقدون أن هذا الحجر أو ذاك قد تعلّق مصيرهم به، وقد تعلّقوا بحديث باطل لا يصح أن يُنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم: (لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه الله به) فإذا كان هذا الحجر وهو في بيت الله لا يضر ولا ينفع، فما بالك بغيره من الحجارة؟ تلك التي صار للأسف الكثير من هذه الأمة يتبرك بها ويتمسّح بها.

    ثانياً: إن عمر رضي الله عنه يبيّن أن الدافع الأول والأخير لتقبيله لهذا الحجر هو أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، وهذا يخط لنا منهجاً في اتباع سنته صلى الله عليه وسلم والسير وراءه والحرص على التعرف على معالم هديه صلى الله عليه وسلم، وأن نتّبع سنته ونقتدي بهديه عليه أفضل الصلاة والتسليم سواء أعلمنا الحكمة أم لم نعلم، ظهر لنا المقصود أم لم يظهر، فنحن نتعبد لله عز وجل باتباعنا لسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    وقفات عامة

    ثامناً وأخيراً وقفات عامة.

    دقة المواعيد

    ثمة وقفات علنا أن نأتي بما يسمح به الوقت منها.

    الوقفة الأولى: إنك حين تتأمل في المناسك ترى فيها دقة عجيبة، فأنت ترى المسلم يقف عند هذا المكان من حدود عرفة فلو وقف هنا كان داخل عرفة، ولو تأخر متراً واحداً كان خارج عرفة.. فلو وقف هنا نائماً وقف صامتاً لصح حجه، ولو وقف هنا وصار يدعو ويتضرع لم يصح حجه، ما الفرق بين هذا المكان وذاك؟ تراه يرمي الجمرة الأولى قبل الثانية وبعدها العقبة ولو رمى تلك قبل هذه لم يصح، تراه يبدأ من الصفا وينتهي بالمروة ولو عكس لم يصح له الأمر، هذا اليوم يقف في عرفة وفي الليل يبيت بمزدلفة وفي أيام التشريق يكون في منى، إنك ترى فيها انضباطاً عجيباً لا ترى له حكمة ظاهرة في نفسك.

    لو رمى قبل الزوال بدقائق لكان رميه غير صحيح وكانت عبادته غير صحيحة، ولو رمى بعد الزوال لكان موافقاً للسنة..، وهكذا في دفعه من عرفة، وفي سائر المناسك تراها منضبطة بمكان أو وقت أو زمن أو هيئة معينة لا تكاد ترى لها تعليلاً وتفسيراً، فما الفرق بين من يتقدم دقيقة أو أخرى؟ لا تكاد تجد لها إلا الاستسلام والخضوع لله عز وجل، وهكذا ينبغي أن يكون شأن المسلم: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36]، فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65] .

    إن معنى الإسلام أيها الأخوة هو الاستسلام لله عز وجل، والتسليم له، والانقياد لأوامره، والانتهاء عن نواهيه، سواء أدرك المسلم حكمة ذلك أو لم يدركها، وهو يقطع أنه ما شرع الله من أمر إلا له حكمة، لكن هذا شيء وكونه يجعل استجابته لهذا الأمر موقوفة على إدراك الحكمة شيء آخر.

    الانضباط في الوقت

    أيضاً: مما في ذلك الانضباط الدقيق في الوقت في المناسك، ولا شك أن هذا يربي المسلم على أن يُعنى بوقته، وينضبط فيه فأنت ترى أن دقيقة واحدة تقديماً أو تأخيراً قد يتوقف عليها صحة العبادة وبطلانها، أو يتوقف عليها اتباع السنة أو مخالفتها، إن هذا يربي في المسلم أن يكون منضباً في أوقاته وفي مواعيده، وتتأسف حين تتأمل واقع المسلمين فتراهم نموذجاً لإهدار الأوقات وإضاعتها، والتفريط في المواعيد وعدم الانضباط بها، كيف لا وهم يعلمون أن الأوقات هي عمرهم، فالوقت هو الحياة: (ابن آدم إنما أنت أيام فإذا ذهب يوم فقد ذهب بعضك) كيف به وهو يعلم أنه سيسأل يوم القيامة عن عمره فيما أفناه؟ وعن شبابه فيما أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه؟

    العمل بفتوى العلماء

    الوقفة الثالثة من الوقفات العامة.

    ترى الناس في الحج يفدون إلى مراكز الإفتاء، فترى أحدهم يسأل ويستفتي، ويتورع عن مسائل دقيقة، وهو على أتم الاستعداد أن يستجيب لما يقال له، فلو أُفتي بأن عليه أن ينحر دماً لكان على أتم الاستعداد، لو أُفتي أن عليه أن يعيد الطواف لأعاده، لو أُفتي أن عليه كذا وكذا لفعل، بل لو أُفتي أن عليه أن يعيد الحج من العام القادم لكان على أتم الاستعداد لأن يفعل ذلك.. لكن ما بال هذا المسلم الذي تراه وهو يسأل هنا بدقة وربما بتكلف تراه في حياته بعد ذلك لا يسأل عن أمور دينه، وتراه يضرب خبط عشواء في عبادته وفي معاملته وفي سلوكه، فإنه لا يرى دافعاً في نفسه إلى أن يسأل عن صلاته وأحكامها، إلى أن يسأل عن هذه المعاملة أهي جائزة أم محرمة؟ يسأل عن هذا العمل أهو جائز أم لا؟ وحين يُنكر عليه يعتذر بالجهل، وشفاء العي السؤال، ولو كان جاداً في التزامه بأمر الله عز وجل لسأل ولبحث عمّن يرشده إلى دينه.

    التخلف الحضاري عند المسلمين

    وقفة رابعة:

    حين ترى واقع المسلمين في الحج، ترى مظاهر مؤلمة ومؤذية، ترى مظاهر تدل مع ما سبق الإشارة إليه من الوقوع في الشرك والجهل في العبادة، ترى أيضاً مظاهر من صور التخلف الحضاري عند هذه الأمة، إنك ترى من لا يتردد في أن يرمي زجاجة الماء في طريق الناس، من لا يتردد في أن يقضي حاجته هنا وهناك، وترى الطرق والأزقة قد علتها القاذورات، وترى الفوضى بين الناس.. ففي مرورهم، في ذهابهم، في إيابهم، في رمي الجمرات، في الطواف ترى ازدحام الناس وخصومتهم وعدم انضباطهم مما يوحي بأن الأمة أيضاً مع أنها تعاني من مظاهر الشرك، تعاني من الجهل في العبادة، من التجرؤ على حرمات الله إلا أنها مع ذلك تعاني تخلفاً حضارياً، فهي تعاني تخلفاً بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان، وهو مشهد يؤذينا جميعاً.

    ما أجدر أن تكون هذه الأمة قدوة للناس في كل شئونها وحياتها، في توحيدها لله عز وجل، في عبادتها، في أخلاقها، في سلوكها، ومع ذلك أيضاً في مظاهر النظافة والانتظام والانضباط!

    إنك ترى انعدام مشاعر الأخوة والقضاء عليها، فترى المسلم يخاصم أخاه لا لشيء إلا لأنه دخل قبله في الطريق، لا لشيء إلا لأنه لم يمكنه من هذا المكان أو ذاك، وكم ترى الخصام واللجج ورفع الأصوات بين المسلمين الذين جاءوا خاضعين لله عز وجل، أليس في هذا دليل على أن مشاعر الأخوة بين المسلمين بحاجة إلى من يعيد بناءها؟ بحاجة إلى من يركّز عليها ويعتني بها؟

    الطمع والتسفل

    صورة أخرى أيضاً تراها من واقع المسلمين مما يحكي تخلفهم..

    كثيراً ما تشاهد هناك في مواقف الحج وقد ازدحموا وأصبح بعضهم يدفع البعض، ولا تكتشف مبرراً لذلك إلا حين ترى من يوزع على الناس زجاجات الماء، أو علب المرطبات، وترى الناس يزدحمون على هذا الذي يوزع بالمجان، ولو أخذت حجارة من أحد جبال مكة ووقفت وأعلنت للحجاج: سبيل لله لازدحم الناس عليك! يحق للإنسان ولا شك أن يأخذ، وهذا ما وزّع إلا ليؤخذ، ولكن أليس في هذا دليل على أن هذه الأمة أصبحت يدها سُفلى، أصبح المسلمون دائماً يستفلون، لا يعملون، لا يبادرون إنهم على أتم الاستعداد أن يأخذوا، أن يزدحموا، على أن يأخذوا أي شيئاً يوزَّع، ربما تراه أمياً لا يقرأ ولا يكتب، قد يأخذ كتاباً بأي لغة لا يفهمها وتراه يزاحم لأجل أن يأخذ كوباً من الماء، أو يأخذ علبة من المرطبات، ثم مع ذلك لا يراعي مشاعر إخوانه فهو يأخذ كمية كبيرة على حساب ما يحتاج إليه الناس.

    لقد رأيت مرة سائلاً عند المسجد النبوي، ورأى رجلاً قد مر معه زجاجة فأوقفه وقال: هذا من ماء زمزم؟ يريد أن يعطيه إياه، لقد بلغ به الكسل واستجداء الناس إلى أن يتكلف أن يخطو خطوات والماء قريب منه حتى يأخذ من الماء، فهو ينظر إلى المارين فإذا رأى رجلاً ماراً سأله أن يعطيه من هذا الماء الذي معه، أهذه هي العمرة؟

    بل إننا نعاني من اليد السفلى حتى عند الصالحين والأخيار، وإليك المثال.. إنك تجد الكثير من الشباب على أتم الاستعداد أن يستفيد وأن يحضر الدروس والمحاضرات، وهو لا شك أمر طيب ومطلوب.. لكن أن يقرأ هو، أن يحصّل هو، أن يبذل هو! هذا أمر صعب، إنك لا تتهمه بعدم الحرص، فما الذي يأتي بهذه الجموع إلا الحرص، والرغبة ولا شك، لكن أين هذا الحرص، لِم لم يدفعه إلى القراءة، إلى الاطّلاع، إلى البذل؟ أليس هذا دليلاً على أنا تعودنا على اليد السفلى؟ واليد العليا خير من اليد السفلى.

    إن المسلمين بحاجة إلى أن يربوا في أنفسهم هذه المعاني، فتكون أيديهم عليا فيكونون هم المعطين وليسوا هم الآخذين، يكونون هم المنفقين يبذلون لأنفسهم، يعملون في كل أحوالهم ولا ينتظرون الناس ويستجدونهم، بل حتى نحن نمارس اليد السفلى أيضاً في دعوتنا فنحن حين نسلك أسلوباً من أساليب الدعوة ننتظر أن يُقدم إلينا جاهزاً، وبعبارة أخرى: نتسول في أساليب الدعوة، فلا نملك الاستعداد أن نفكر أو نبتكر أو نبذل جهداً في اكتشاف هذه الطريقة أو تلك، حتى الكسل واليد السفلى قد سيطرت علينا في حياتنا الدعوية وفي حياتنا العلمية.. إن المسلم ما أجدره أن ينظر دائماً إلى الأعلى، وأن يكون هو الأعلى دائماً، وأن لا يكون هو الآخر.

    التعب والنصب والبذل للدين

    وقفة من الوقفات أيضاً حول هذا الحج.

    ترى الناس في الحج يبذلون جهداً مضنياً، ويتحملون مشقة عظيمة، والله عز وجل قد امتن على عباده بأن سخّر لهم هذه الدواب والأنعام التي تنقلهم وتحملهم إلى بلد قال الله عز وجل: لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الأَنفُسِ [النحل:7] وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ [الحج:27-28].

    قبل سنوات معدودة كان المسلم يأتي من خراسان ومن أقصى أفريقيا على دابته، وربما يأتي على قدميه.. أحدهم جاء من إحدى بلدان أفريقيا على قدميه وبدأ مسيره من شهر ذي الحجة، كلما دخل بلداً عمل فيها واكتسب شيئاً من المال، ثم سافر حتى وصل إلى مكة من العام القادم، وقضى حجه وعاد بنفس الطريقة ووصل إلى أهله وقد هل هلال ذي الحجة من العام الذي يليه، ومع ذلك يتعب ويتحمل النصب!

    وهذا الوقت الذي تيسرت فيه الأسباب والوسائل ترى المسلم كذلك يوفر من قوته وقوت عياله حتى يوفّر قيمة السفر وتكاليفه، ثم يقف طوابير طويلة ويتعب وينصب حتى يحصل على تصريح بالسفر، ويعطّل عمله وأهله وقتاً ويأتي إلى هذه البلاد، ثم يأتي وتراه يسعى في الشمس والحر وفي كل الأحوال يتحمل ذلك لله عز وجل، لكن أين المسلمون بعد ذلك عن سائر أمور عبادتهم؟

    إنهم هم الذين ينصبون ويتعبون وينفقون المال لأجل أن يبذلوا هذا، فأين هم بعد ذلك من بذلهم لله عز وجل في سائر أمورهم؟ من تعبهم في خدمة دين الله عز وجل، وبذلهم لله سبحانه وتعالى؟

    قابلية الاستجابة للأمر الشرعي

    أخيراً: ترى الناس في هذا الموسم، وترى عجباً، ترى ذاك الذي كان يعاقر الخمرة ويتغنى بها يبكي متضرعاً مقبلاً على الله عز وجل في عرفات! تراه قد تجرد من ثيابه وتخلى عنها لله عز وجل، ترى تلك المرأة السافرة الفاتنة، ترى تلك المرأة المتبرجة والتي كانت في هذا البلد أو ذاك تعرض مفاتنها وتتاجر بها؛ تراها وقد ارتدت الحجاب، وأقبلت على الله عز وجل في هذا الموسم، إن هذا مع أنه يحمل مظهراً من مظاهر التناقض والازدواجية كما أشرنا إليها قبل قليل، لكنه أيضاً يحمل جانباً آخر، وهو أن هؤلاء المسلمين يحملون استعداداً للاستجابة، يحملون استعداداً للتسليم لله عز وجل، إن تلك المرأة التي هي تتاجر بالسفور وتسعى إليه ها هي تلتزم الحجاب، مع أنها تعيش تناقضاً صارخاً إلا أن عندها استجابة لأمر الله عز وجل، ذاك الذي كان يجتهد في الصد عن سبيل الله صار يتعب وينصب ليحج إلى بيت الله عز وجل.

    أليس في هذا دليل -معشر الإخوة الكرام- أن النفوس مع ما فيها من أمراض تحمل قابلية للخير لو وظّفت واستثمرت لحققت خيراً كثيراً؟

    إنك ترى مظاهر في الحج تدل على الجهل، لكنها مع ذلك تحمل في طياتها بذرة خير، ترى ذاك الذي يأتي وصحن البيت قد امتلأ بالطائفين فصار يزاحم الناس ليقبّل الحجر وهو على استعداد أن تُزهق روحه أن يُقتل دون الحجر، أن يُقبّلها ويُقتل دونها، والآخر في وهج الشمس يصعد على جبل عرفات وهو يظن أن الصعود عليه سنة، وهو على أتم الاستعداد أن يتحمل النتائج التي تترتب على ذلك في سبيل أن يصعد إلى هذا الجبل.

    إن هذه المظاهر وغيرها مع ما تحمل من الجهل والإيذاء للناس إلا أنها تدل على أن هذا الرجل يحمل نفساً تتطلع للتضحية تتطلع للبذل، فماذا لو أقنعنا هذا المسلم الذي يزاحم ويتعب وينصب ليقبّل الحجر .. ماذا لو أقنعناه أن جهده في الدعوة لدين الله وخدمة دين الله وفي بلده خير وأبقى له من هذا الأمر الذي قد يأثم به؟

    إننا نجزم أن هذا المسلم لو كان يحمل الاقتناع بأن بذله هذا العمل أو ذاك خير له من هذه البدعة في صعوده إلى هذا الجبل أو ذاك، ومن تعريضه لنفسه للضر والمرض، لو أقنعناه بذلك تمام الاقتناع لكان على أتم الاستعداد أن يبذل ولو جزءاً يسيراً من ذلك.

    وتخيلوا -معشر الإخوة الكرام- هذه الملايين من الرجال والنساء الذين يفدون إلى بيت الله عز وجل يعلنون الاستجابة لله والتوحيد، يخضعون لأمر الله، يسيرون في هذه الليلة وفي تلك.. يسيرون إلى هذا المكان وإلى ذاك استجابة لأمر الله عز وجل، ماذا لو غُرس عند هذه الأمة حقيقة الإسلام، وحقيقة الانتماء للإسلام، وأن هذا الدين الذي يدعوهم إلى أن يفد إلى هذه الأماكن، وإلى أن يبذلوا هذا العمل أو ذاك يدعوهم إلى أن يستجيبوا لأمر الله وأن يبذلوا لدين الله عز وجل؟

    إنني أجزم أن هؤلاء لو اقتنعوا تمام الاقتناع لوجدنا على الأقل منهم ألوفاً يحملون الكلمة الصادقة يغيّرون بها وجه الأرض.

    معشر الأخوة الكرام.. إنها خواطر عاجلة لا يجمعها جامع إلا أنها تدور حول الحج إلى بيت الله.

    مرة أخرى: إن هذا ليس حديثاً عن أحكام المناسك ولا عن آدابها ولا استقصاء لأخطاء الناس في ذلك، وليس هجري للحديث عن هذا رغبة عنه، لكني أردت أن ألمح إلى هذه المعاني التي نفتقدها، والتي هي بحاجة إلى أن نتذكرها وأن نكتشف أمراضنا وأمراض الأمة من خلال هذه المواسم التي يجتمع فيها المسلمون.

    أسأل الله عز وجل أن ييسر لحجاج بيت الله أمورهم، وأن يرزقهم الإخلاص لله عز وجل، والتوحيد له، والبراءة من التوجه إلى ما سواه، والاستسلام له، والخضوع له سبحانه وتعالى.