إسلام ويب

مجالس رمضان قيام رمضانللشيخ : أحمد فريد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • قيام الليل شرف المؤمن، حث الله عباده عليه ليتقربوا به إليه سبحانه، ويستعينوا به على ما يواجههم في سائر حياتهم، وقد عظم الله شأن أهله، وضاعف أجورهم، ورفع منزلتهم، وحث على الاقتداء بهم، ويتأكد القيام ويعظم أجره في الأوقات المباركة، كشهر رمضان، والثلث الأخير من الليل، فينبغي للمؤمن اغتنام هذه الأوقات والتزود منها.

    1.   

    فضل صيام شهر رمضان وقيامه

    الحمد لله الذي رضي من عباده باليسير من العمل، وتجاوز لهم عن الكثير من الزلل، وأفاض عليهم النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وضمن الكتاب الذي كتبه أن رحمته سبقت غضبه، دعا عباده إلى دار السلام فعمهم بالدعوة حجة منه عليهم وعدلاً، وخص بالهداية والتوفيق من شاء نعمة ومنة وفضلاً، فهذا عدله وحكمته وهو العزيز الحكيم، وذلك فضله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة عبده وابن عبده وابن أمته ومن لا غنى به طرفة عين عن فضله ورحمته، ولا مطمع له في الفوز بالجنة والنجاة من النار إلا بعفوه ومغفرته، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، أرسله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، ومحجة للسالكين، وحجة على العباد أجمعين، ترك أمته على الواضحة الغراء والمحجة البيضاء، فسلك أصحابه وأتباعه على أثره إلى جنات النعيم، وعدل الراغبون عن هديه إلى صراط الجحيم، لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأنفال:42]، فصلى الله وملائكته وجميع عباده المؤمنين عليه كما وحد الله عز وجل وعرفنا به ودعا إليه وسلم تسليماً.

    أما بعد:

    عباد الله! شهر رمضان ليس شهر الصيام فحسب، ولكنه شهر الصيام والقيام، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).

    وقال صلى الله عليه وسلم: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).

    1.   

    مشروعية قيام رمضان

    لقد رغب النبي صلى الله عليه وسلم في قيام رمضان كما رغب في صيامه، وصلى النبي صلى الله عليه وسلم بالصحابة الكرام غير ليلة، فقد صلى ليلة فصلى بصلاته ناس، ثم صلى في الليل التالية فصلى بصلاته ناس، فلما كانت الليلة الثالثة أو الرابعة ضاق المسجد بأهله فترك النبي صلى الله عليه وسلم الخروج إليهم وقال: (صلوا أيها الناس! في بيوتكم)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خشي أن يفرض على الناس قيام رمضان، أو يشترط لصحة القيام أن يكون في المسجد، فقال: (صلوا أيها الناس! في بيوتكم).

    فلما كانت الدولة العمرية خرج عمر رضي الله عنه فرأى الرجل يصلي لنفسه، والرجل يصلي فيصلي بصلاته الرجل، والرجل يصلي فيصلي بصلاته الرهط، فقال: لو جمعتهم على قارئ واحد لكان أعجب. فجمعهم على أبي بن كعب وتميم الداري ، فكان أبي بن كعب وتميم الداري يتناوبان القيام بالصحابة الكرام في الدولة العمرية.

    وقال عمر : نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل. ولم يقصد عمر رضي الله عنه البدعة من حيث الشرع، ولكن أراد البدعة اللغوية، وإلا فقيام الليل في المساجد في رمضان من السنة؛ لترغيب النبي صلى الله عليه وسلم في قيام رمضان، ولصلاته بالصحابة الكرام غير ليلة، ولكنه ترك الخروج إلى الناس؛ لأن الزمن كان زمن تشريع، فلما زالت هذه الخشية جمع عمر رضي الله عنه الصحابة على قارئ واحد في المسجد، وأقره بقية الصحابة على ذلك، وعلى ذلك استمر عمل الأمة.

    ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم دلنا على سنة الخلفاء الراشدين فقال: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ)، فسنة عمر رضي الله عنه من سنته صلى الله عليه وسلم، لأنه قال: (عضوا عليها)، ولم يقل: عليهما، لأنهم كانوا أعلم الناس بالسنة وأحرص الناس عليها وعلى اتباعها.

    فمن السنة قيام رمضان واجتماع الناس على القيام في المساجد بعد صلاة العشاء، ونحن نتدرب بقيام رمضان على هذه العبادة التي هي من أجل العبادات، وهي قيام الليل.

    1.   

    فضل قيام الليل

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم ومقربة إلى ربكم ومنهاة عن الإثم ومطردة للداء عن الجسد).

    وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم : (أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل).

    ووصف الله عز وجل المؤمن فقال: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر:9].

    وقال عز وجل: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17].

    فعندما هدأت الأصوات وسكنت الحركات قاموا لربهم عز وجل يتملقونه ويدعونه رغباً ورهباً، فكما أخفوا العمل واستتروا بظلمة الليل عند ذلك أخفى الله عز وجل لهم الثواب، فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17].

    وقال عز وجل في وصف المحسنين: كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:17-18].

    كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ [الذاريات:17]، أي: ينامون، قال بعض السلف: ما مرت عليهم ليلة إلا وأخذوا منها شيئاً.

    وقال بعضهم: ما ناموا ليلة حتى الصباح، بل لهم حظ من قيام الليل. فهذا وصف المتقين ووصف المحسنين في كتاب الله عز وجل.

    إذا ما الليل أقبل كابدوه فيسفر عنهم وهم ركوع

    أطار الخوف نومهم فقاموا وأهل الأمن في الدنيا هجوع

    منع القران بوعده ووعيده مقل العيون بليلها لا تهجع

    فهموا عن الملك الجليل كلامه فهماً تذل له الرقاب وتخضع

    1.   

    صفة الصحابة في القيام

    وصف علي رضي الله عنه الصحابة الكرام فقال: رأيت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أر اليوم شيئاً يشبههم، كانوا يصبحون شعثاً صفراً غبراً بين أعينهم أمثال ركب المعزى، قد باتوا سجداً وقياماً، يراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإذا أصبحوا تمادوا كما يميد الشجر يوم الريح وهملت أعينهم بالدموع، فوالله لكأني بالقوم باتوا غافلين.

    وقال الحسن : أدركت أقواماً وخالطت طوائف ما كانوا يفرحون بشيء من الدنيا أقبل، ولا يأسفون على شيء منها أدبر، ولهي كانت في أعينهم أهون من التراب، ولقد كان الواحد منهم يعيش خمسين سنة أو ستين سنة لم يطو له ثوب ولم يوضع بينه وبين الأرض شيء، ولا أمر من في بيته بصنعة طعام قط، فإذا كان الليل فقيام على أقدامهم يراوحون بين جباههم وأقدامهم، فو الله ما سلموا من الذنوب، ولولا مغفرة الله ما نجوا، فرحمة الله عليهم ورضوانه.

    1.   

    هدي النبي صلى الله عليه وسلم في قيام الليل

    كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في قيام الليل أنه لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة.

    وفي الحديث الآخر: (ثلاث عشرة ركعة).

    وقال بعضهم: ثلاث عشرة بضم سنة العشاء أو ركعتي الفجر؛ لأن كل صلاة بعد صلاة العشاء من قيام الليل.

    وكان يفتتح القيام بركعتين خفيفتين. وقيل: إن الحكمة في هاتين الركعتين فك عقد الشيطان، كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (يعقد الشيطان على قافية أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على مكان كل عقدة عليك ليل طويل فارقد، فإذا استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإذا توضأ انحلت عقدة، فإذا صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطاً طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان)، فكأن افتتاح صلاة الليل بركعتين خفيفتين من أجل فك عقد الشيطان.

    وفي حديث عائشة رضي الله عنها: (أنه كان يصلي أربع ركعات فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً)، فهذا كان هديه صلى الله عليه وسلم في قيام الليل.

    وكان يقوم كما أمره الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل:1-4] فكان يصلي إلى نصف الليل أو أكثر قليلاً أو أقل قليلاً، أو ما بين ثلث الليل إلى نصف الليل، وقد دل الأمة على أحب القيام إلى الله عز وجل وعلى أحب الصيام إلى الله عز وجل، فقال: (أحب القيام إلى الله عز وجل قيام داود عليه السلام، وأحب الصيام إلى الله عز وجل صيام داود عليه السلام، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً)، فداود كان يجم نفسه أي: يريح نفسه بنوم طويل في نصف الليل الأول، ثم يقوم في النصف الأخير من الليل، وهو وقت النزول الإلهي والإذن العام، ففيه ينزل ربنا عز وجل ويقول: (هل من سائل فأعطيه؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟

    ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم هو أولى الخلق بكل فضيلة، فكان من شأنه صلى الله عليه وسلم أن يقوم ثلث الليل تقريباً، وكان يقوم في الثلث الأخير من الليل، وثبت عنه أنه قام في أول الليل وفي وسطه وفي آخره، ولكن كان أكثر عادته صلى الله عليه وسلم أن يقوم في الثلث الأخير من الليل أو بعد منتصف الليل.

    وتقول السيدة عائشة رضي الله عنها: (ما ألفاه عندي إلا قائماً)، وهذا القيام أحب القيام إلى الله، فكان يقوم في هذا الوقت ثم ينام سدس الليل الأخير، أي: قبل صلاة الفجر؛ ليذهب بهذا النوم اصفرار الوجه وذبول العينين وأثر السهر، ولكون هذا أقرب إلى الإخلاص وأبعد عن الرياء، فإذا خرج لصلاة الفجر فكأنه نائم طوال الليل. فأما من يخرج من قيام الليل إلى صلاة الفجر فإنه يظهر عليه أثر السهر، فهذا أحب القيام إلى الله عز وجل، وهو قيام داود عليه السلام.

    وكان من هديه صلى الله عليه وسلم طول القيام، يقول حذيفة رضي الله عنه: (صليت ليلة خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم فافتتح سورة البقرة، فقلت: يركع عند المائة، فمضى، فقلت: يركع عند المائتين فمضى، فقلت: يركع بها، فافتتح النساء ثم قرأ آل عمران لا يمر بآية فيها تسبيح إلا سبح، ولا فيها سؤال إلا سأل)، فهذا كان هديه صلى الله عليه وسلم.

    ويقول ابن مسعود رضي الله عنه: (صليت ليلة خلف النبي صلى الله عليه وسلم فلم يزل قائماً حتى هممت بأمر سوء)، فكان من هديه صلى الله عليه وسلم طول القيام.

    1.   

    الأسباب المعينة على قيام الليل

    هناك أسباب ميسرة لقيام الليل، وهي نوعان: أسباب ظاهرة وأسباب باطنة.

    الأسباب الظاهرة المعينة على قيام الليل

    فمن الأسباب الظاهرة الميسرة لقيام الليل: أن يترك العبد المعاصي بالنهار، قيل لبعض السلف: لا نستطيع قيام الليل، قال: أبعدتكم الذنوب.

    وقال سفيان الثوري : منعت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أصبته.

    وكان الحسن البصري إذا دخل السوق فسمع لغوهم ولغطهم يقول: ما أرى ليل هؤلاء إلا ليل سوء.

    فمن كان نهاره في طاعة الله عز وجل فهو بالليل أقرب إلى رحمة الله عز وجل، ومن كان في المعاصي بالنهار فهو أبعد عن القيام بين يدي العزيز الغفار، والملوك لا يسمحون بالخلوة بهم ومناجاتهم إلا أهل الإخلاص في معاملتهم وفي طاعتهم. والله عز وجل لا يسمح لكل أحد ولا يوفق كل أحد للقيام بين يديه بالليل، فينبغي على العبد أن يترك الذنوب بالنهار حتى يوفق لقيام الليل.

    ومن ذلك: عدم الإكثار من الطعام خاصة وجبة العشاء؛ من أجل أن يخف لقيام الليل.

    ومن ذلك: أن يستعين بالقيلولة، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقيل قبل صلاة الظهر، وكان يبرد بصلاة الظهر غالباً؛ أي: يؤخر صلاة الظهر إلى ثلث الوقت حتى تنكسر شدة الحر، ويقيل قبل صلاة الظهر، فيستعين بالقيلولة على قيام الليل.

    ومن الأسباب الظاهرة كذلك التي تعين على قيام الليل: النوم مبكراً من أجل أن يوفق للقيام.

    الأسباب الباطنة المعينة على قيام الليل

    وأما الأسباب الباطنة فمن ذلك: معرفة الآيات والأحاديث في فضيلة قيام الليل.

    ومن ذلك: خوف يغلب على قلب العبد فيجعله يقوم الليل يدعو الله عز وجل ويصلي له عز وجل.

    ومن ذلك: الشوق إلى الله عز وجل ومحبته عز وجل، كما قال بعضهم: عالجت قيام الليل سنة فتمتعت به عشرين سنة.

    فأهل الإحسان والطاعة والعبادة يخف عليهم القيام، أما من لم يكن من أهل الإحسان فيشق عليه القيام، فينبغي عليه أن يجبر نفسه على القيام فترة حتى يذوق حلاوة الطاعة والعبادة، ثم بعد ذلك تساعد النفس صاحبها على الطاعة والعبادة، ويوفق لطاعة الله عز وجل وعبادته عز وجل.

    نسأل الله تعالى أن يتقبل منا الصيام والقيام وتلاوة القرآن، وأن ينفعنا بصالح الأعمال. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3016677648

    عدد مرات الحفظ

    723839225