إسلام ويب

مجالس رمضان شهر الذكرللشيخ : أحمد فريد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الذكر من أفضل القربات إلى الله عز وجل، وقد مدح الله تعالى الذاكرين كثيراً وأثنى عليهم ثناءً عظيماً، فالذكر من خير الأعمال وأفضلها عند الله وأزكاها، وللذكر فضائل كثيرة وفوائد عظيمة ينالها الذاكرون الله كثيراً والذاكرات.

    1.   

    تعريف الذكر

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

    ثم أما بعد:

    شهر رمضان هو شهر الذكر؛ فإن أفضل الحجاج أكثرهم ذكراً لله عز وجل، وأفضل المجاهدين أكثرهم ذكراً لله عز وجل، وأفضل الصوام أكثرهم ذكراً لله عز وجل.

    والذكر: هو منشور الولاية الذي من أعطيه اتصل، ومن منعه عزل، وهو الباب المفتوح بين العبد وبين ربه ما لم يغلقه العبد بغفلته.

    قال الحسن : تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء: في الصلاة، والذكر، وتلاوة القرآن؛ فإن وجدتم وإلا فاعلموا أن الباب مغلق.

    في كل جارحة من جوارح العباد عبودية مؤقتة، والذكر هو عبودية القلب واللسان، وهي غير مؤقتة، بل أمروا بذكر معبودهم ومحبوبهم قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم.

    ومدح الله عز وجل الذاكرين والذاكرات، وأعد الله عز وجل لهم مغفرة وأجراً عظيماً.

    1.   

    فوائد الذكر

    ذكر العلامة ابن القيم في كتابه القيم الوابل الصيب من الكلم الطيب أكثر من سبعين فائدة من فوائد الذكر: فمن ذلك: أنه يرضي الرحمن عز وجل، وأنه يقمع الشيطان ويكسره، وأنه يوصل إلى درجة المراقبة والإحسان، ولا يمكن للعبد أن يصل إلى درجة الإحسان بغير ذكر الله عز وجل، كما أن القاعد لا يمكن أن يصل إلى بيته، كذلك من قعد عن ذكر الله عز وجل لا يمكن أن يصل إلى درجة الإحسان.

    قال شيخ الإسلام : والذكر للقلب كالماء للسمك. فانظر كيف يكون حال السمك إذا أخرج من الماء؟!

    والذكر علاج قسوة القلب.

    قال رجل للحسن : يا أبا سعيد ! أشكو إليك قسوة قلبي. قال: أذبه بالذكر.

    وشكوا إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قسوة قلوبهم. قالت: ادنوه من الذكر. أي: قربوه من الذكر، فالذكر يلين القلب القاسي.

    ومن فضائل الذكر وفوائده: أنه يورث ذكر الله عز وجل، كما قال تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة:152]، وكما في الحديث القدسي: (فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم).

    ومن ذلك: أن الجبال والقفار تتباهى إذا مر عليها ذاكر لله عز وجل، كما في بعض الآثار: إن الجبل لينادي الجبل باسمه فيقول له: هل مر عليك اليوم ذاكر لله عز وجل؟ فإن قال: نعم استبشر.

    ومن ذلك: أنه ليس هناك عمل يورث حلاوة العبادة مثل ذكر الله عز وجل، كما قال مالك بن دينار : ما تلذذ المتلذذون بمثل ذكر الله عز وجل.

    والله تعالى لم يحرم أهل الجنة من نعيم الذكر فدعواهم فيها: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [يونس:10]، مع أن الجنة دار نعيم وليست دار تكليف، ولكن لما كان الذكر من أعظم نعيم الدنيا لم يحرم أهل الجنة من هذا النعيم.

    وكثرة الذكر أمان من النفاق؛ فإن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً، ولذلك لما سئل علي رضي الله عنه عن الخوارج أمنافقون هم؟ فقال: المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلاً، وكان الخوارج معروفين بكثرة الذكر، وكان الذي يمر بمعسكرات الخوارج يسمع تلاوة القرآن كطنين النحل.

    قال بعض العلماء: ختم الله عز وجل سورة المنافقون بقوله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [المنافقون:9]، فالذكر أمان من النفاق.

    ومن فوائد الذكر كذلك أنه أمان من نسيان العبد لنفسه، فإذا نسى العبد ربه عز وجل أنساه الله عز وجل نفسه، كما قال تعالى: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة:67]، وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم:64]، والنسيان يأتي بمعنى: الترك، فالله عز وجل ليقسم لهم من توفيقه ولا يقسم لهم في الآخرة من رحمته، وقال تعالى: نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ [الحشر:19]، فمن نسى ذكر الله عز وجل أنساه الله عز وجل نفسه فينسى أن يصلح نفسه وأن يقدم لحياته، ويكون حاله كحال من عنده زرع أو ماشية وما لا صلاح له إلا بالتعهد والعناية والرعاية فينساه فيهلك ولابد.

    ومن فوائد الذكر كذلك: أنه غراس الجنة، كما أخبر الخليل إبراهيم عليه السلام محمداً صلى الله عليه وسلم فقال: (أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من قال: سبحان الله العظيم وبحمده غرست له بها نخلة في الجنة).

    ومن فوائد الذكر كذلك أنه يورث صلاة الله عز وجل على العبد، كما قال رجل لـأبي أمامة : رأيت الملائكة تصلي عليك إذا دخلت وإذا خرجت، فقال: وأنتم لو شئتم صلت عليكم الملائكة، ثم تلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب:41-43].

    ومن فوائد الذكر كذلك: أنه يغني عن غيره من نوافل العبادات حيث لا تغني جميع النوافل عن ذكر الله عز وجل كما في الأثر: إذا أعظمكم هذا الليل أن تكابدوه، وبخلتم بالمال أن تنفقوه، وجبنتم عن العدو أن تقاتلوه، فأكثروا من ذكر الله عز وجل.

    وقال ابن مسعود رضي الله عنه: لأن أسبح الله عز وجل تسبيحات أحب إلي من أن أنفق عددهن دنانير في سبيل الله عز وجل، ولما ذهب وفد الفقراء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: (ذهب أصحاب الدثور بالأجور والدرجات العلى، قال: وما ذاك؟ قالوا: يصومون كما نصوم ويصلون كما نصلي ولهم فضل أموالهم يحجون ويعتمرون ويجاهدون، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه أدركتم من سبقكم؟ ولا يلحق بكم من بعدكم إلا من فعل مثل فعلكم، ودلهم على التسبيح والتحميد والتكبير دبر كل صلاة)، فأخبرهم أنهم بذلك يدركون ما سبق به الأغنياء، فالذكر يغني عن غيره من النوافل حيث لا تغني جميع النوافل عن ذكر الله عز وجل.

    ومن فوائد الذكر كذلك: أن العبادات إنما شرعت لذكر الله عز وجل، كما قال تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه:14].

    فالحج شرع من أجل إقامة ذكر الله، والصلاة شرعت من أجل إقامة ذكر الله عز وجل، قال تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [العنكبوت:45].

    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : في الصلاة مقصودان عظيمان أحدهما أكبر من الآخر فهي تنهى عن الفحشاء والمنكر وهي إقامة لذكر الله عز وجل، وكونها إقامة لذكر الله عز وجل أكبر من نهيها عن الفحشاء والمنكر.

    ومن فوائد الذكر كذلك أنه يعطي قوة للقلب وقوة للبدن، أما قوة الذكر القلبي فظاهرة لا تحتاج إلى دليل، فالمؤمنون أقوياء في قلوبهم؛ لأنهم يذكرون الله عز وجل، بخلاف المنافقين الذين يحسبون كل صيحة عليهم، وبخلاف الكافرين الذين لا يعرفون الله عز وجل.

    أما قوته للبدن فالدليل على ذلك (أن فاطمة وعلياً ذهبا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسألت فاطمة أباها خادماً وذلك من كثرة المشقة والتعب في الخدمة، فدلهما على التسبيح ثلاثاً وثلاثين والتحميد ثلاثاً وثلاثين والتكبير أربعاً وثلاثين وذلك قبل النوم، وقال لهما: هو خير لكما من خادم)، أي: أن العبد يستعين بهذه الأذكار ليأخذ من القوة ما يغنيه عن الاحتياج إلى خادم، فكثرة الذكر لاشك أنه يقوي القلب والبدن.

    ومن فوائد ذكر الله عز وجل: أن العبد إذا ترطب لسانه بذكر الله عز وجل فإنه يشتغل بذلك عن الغيبة والنميمة والفحش والبذاءة وغير ذلك من آفات اللسان، فاللسان إما لسان ذاكر أو لسان لاغ، فينبغي على العبد أن يشغل لسانه بذكر الله عز وجل، ونحن في موسم طيب مبارك ينبغي للعبد أن يتدرب على سائر العبادات والطاعات، وأن يطرق جميع أبواب الخير.

    نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الذاكرين لله كثيراً والذاكرات، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3016844488

    عدد مرات الحفظ

    723865672