إسلام ويب

كيف تنمو شجرة الإيمان؟للشيخ : أحمد فريد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي، ولذا كان لا بد للعبد من أن يتعاهد شجرة الإيمان في قلبه، حتى تثمر الثمرات اليانعة، ويذوق حلاوة الإيمان، من خلال معرفة الأسباب التي تزيد في الإيمان وتنميه.

    1.   

    أسباب زيادة الإيمان ونموه

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

    أما بعد:

    فقد تكلمنا فيما سبق عن شرف الإيمان، وثمرات شجرة الإيمان، ويبقى لنا أن نطرح السؤال التالي:

    كيف تنمو شجرة الإيمان؟ وكيف يتعهد العبد شجرة الإيمان في قلبه حتى تثمر الثمرات اليانعة، وحتى يذوق حلاوة الإيمان وطعمه؟

    معرفة الله عز وجل وتوحيده

    فأول سبب من أسباب نماء شجرة الإيمان: معرفة الواحد الديان عز وجل، فكلما تعرف العبد على ربه الجليل عز وجل فإنه يزداد حباً لله، ويزداد خوفاً منه، ويزداد شوقاً إليه، ويزداد توكلاً عليه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية)، فكلما ازداد علم العبد بالله عز وجل وأسمائه وصفاته وربوبيته وإلهيته فإنه يزداد خشية ويزداد حباً ويزداد إخلاصاً، ومن ثم فقد غلب الخوف على العلماء، وغلب أمن المكر على الفراعنة الطغاة، والكفرة والعوام، والرعاع والطُغام، حتى كأنهم قد حوسبوا وفرغ منهم، فلم يخشوا سطوة العقاب، ولا نار العذاب ولا بعد الحجاب، قال تعالى: نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [الحشر:19].

    فأول سبب من أسباب نماء شجرة الإيمان: أن يدرس العبد التوحيد، وأن يتعرف على ربه العزيز الحميد المجيد؛ فإن هذا أكثر الأسباب تغذية لشجرة الإيمان.

    تدبر القرآن والتفكر فيه

    من أسباب نماء شجرة الإيمان: تدبر القرآن، قال تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [النساء:82]، فكلما تدبر العبد القرآن فإنه يزداد إيماناً؛ كما قال عز وجل: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال:2].

    وقال عز وجل: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [التوبة:124].

    فأهل الإيمان الصادق عندما يستمعون إلى القرآن ويتدبرون القرآن فإنهم يزدادون إيماناً بالله عز وجل ويقيناً بوعده، ويعلمون أنه كلام الله وقصصه وتنزيله ووحيه وأمره ونهيه، فيزداد إيمانهم، ويزداد حبهم لله عز وجل.

    التعرف على النبي صلى الله عليه وسلم ودراسة سيرته

    السبب الثالث من أسباب زيادة الإيمان: أن يتعرف على النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم وأن يدرس سيرته، وأن يعرف آيات نبوته صلى الله عليه وسلم، وأن يدرس كريم أخلاقه صلى الله عليه وسلم.

    وكان يكفي من عاصر النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أن ينظر إلى وجهه فيعتقد صدقه، كما قال حسان :

    لو لم تكن فيه آيات مبينة كانت بديهته تأتيك بالخبر

    أي: لو لم يأت بالمعجزات التي تدل على صدقه صلى الله عليه وسلم لكان الناظر إلى وجهه الكريم صلى الله عليه وسلم يعتقد أنه صادق، وهذا ما حدث من عبد الله بن سلام وكان حبراً من أحبار اليهود، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان عبد الله بن سلام يخترف في بستانه -أي: يجمع الثمر- فذهب ومعه الثمر، فنظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أشهد بأن وجهك ليس بوجه كذاب، فاعتقد صدق النبي صلى الله عليه وسلم، وآمن وأقر بنبوته ورسالته.

    كذلك سيرة النبي صلى الله عليه وسلم من أكبر معجزاته؛ لأن الدارس لسيرته يرى رجلاً على أكمل خلق، لم يغدر مرة، ولم يخلف الوعد مرة، ولم يكذب مرة، وكان أشد حياءً من العذراء في خدرها، وكان أشجع الناس، وكان أكرم الناس، فاجتماع هذه الشمائل في رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال عز وجل: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]، يدل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم، فيزداد إيماننا به.

    كذلك دراسة معجزاته، وكيف أنه أشار للقمر فانشق لإشارته، وكيف نبع الماء من بين أصابعه، وكيف حن الجذع اليابس الذي كان يستند إليه في المسجد إليه، وذلك حينما صنعوا له المنبر وصعد عليه وترك الجذع، فظل يخور خوار الرضيع حتى نزل فاحتضنه فسكن.

    وفي بعض الروايات: (لو لم أحتضنه لظل يخور إلى يوم القيامة).

    ومنها: انقياد الشجر له صلى الله عليه وآله وسلم، وتسليم الحجر عليه، فكل هذه المعجزات معرفتها يزيد من إيماننا بصدقه صلى الله عليه وسلم، والإيمان يزيد وينقص، يزداد بكثرة الأدلة وقوتها ووضوحها.

    دراسة محاسن الإسلام

    من أسباب نماء شجرة الإيمان كذلك: دراسة محاسن الإسلام، فلو تدبر المسلم محاسن الإسلام لعلم أنه دين الله عز وجل الذي ارتضاه لعباده، قال تعالى: وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3]، وقال تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19]، وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:85]، فهو الدين الذي ارتضاه الله عز وجل للبشرية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

    وأحل الطيبات وحرم الخبائث، قال تعالى: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ [المائدة:4]، قال تعالى: إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:33].

    فدراسة محاسن الإسلام مما يدعونا إلى القناعة بأنه دين الله عز وجل الذي ارتضاه لعباده، ومما يزيد إيماننا به.

    العيش في أجواء إيمانية

    من أسباب نماء شجرة الإيمان كذلك: أن يحيا العبد في أجواء إيمانية، وأن يتنفس هواء الإيمان، فإذا وجدت جواً إيمانياً كمجالس الذكر، وصلاة الجماعة، وتشييع الجنائز، وأجواء الأماكن المقدسة كمكة والمدينة، والمسجد الأقصى، فإن شجرة الإيمان تترعرع وتنمو، أما أجواء الإباحية والاختلاط والمجون، والأماكن التي يستهزأ فيها بشرع الله عز وجل وأماكن الغفلة، لا شك أن شجرة الإيمان تذبل إذا وجدت مثل هذه الأجواء، كما أن شجر الصيف يذبل في وقت الشتاء، وشجر الشتاء يذبل في وقت الصيف وتسقط أوراقه.

    فإذا وجدت شجرة الإيمان الجو الملائم لها فإنها تنمو وتترعرع، فينبغي على العبد الذي يحرص على نماء شجرة الإيمان في قلبه أن يحرص على أن يتنفس الجو الإيماني والهواء الإيماني، وأن يكثر من حضور مجالس الصالحين، ومجالس الذكر، ويتردد إلى الأماكن الطيبة المقدسة للحج والعمرة وزيارة المسجد النبوي، وأن ينأى بنفسه عن أماكن الاختلاط الماجن والفسوق والأسواق والملاهي، وغير ذلك مما تذبل معه شجرة الإيمان.

    التفكر في مخلوقات الله

    من أسباب نماء شجرة الإيمان كذلك: التفكر في مخلوقات الله، وقد نهانا الله عز وجل أن نتفكر في ذاته؛ لأن الله عز وجل لا يحاط به علماً؛ ولأن العقول قاصرة لا يمكن أن تحيط بالله عز وجل، فيخشى على العقل أن يتلف إذا تفكر في ذات الله عز وجل لعظمته سبحانه، ولكن لو تفكرنا في مخلوقات الله فإن هذا مما يدعونا إلى زيادة الإيمان بعظمة الله عز وجل وقدرته، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (لا تتفكروا في الله، وتفكروا في مخلوقات الله، فإن الله خلق ملكاً قدماه في الأرض السابعة السفلى، ورأسه قد جاوز السماء العليا، فبين ركبتيه إلى عقبيه مسيرة ستمائة عام، وما بين عقبيه إلى أخمص قدميه مسيرة ستمائة عام، والخالق أعظم من المخلوق).

    فكيف تتصور خلقاً بهذه الصورة؟ وهذا ملك من ملائكة الله عز وجل من حملة العرش كما ورد في الحديث الآخر: (أذن لي أن أتحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه تخفق الطير خمسمائة عام)، تطير الطير خمسمائة عام ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه -أي: كتفه- فكيف بارتفاع هذا الملك؟ وكيف تتصور مخلوقاً بهذه العظمة؟ وكيف بالخالق عز وجل؟!

    فأمرنا الله عز وجل أن نتفكر في مخلوقاته، قال تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:190-191].

    وقال عز وجل: وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات:20-21]، فالعبد إذا تفكر في مخلوقات الله فإنه يزداد إيماناً بعظمة الله عز وجل.

    الإكثار من النوافل بعد استكمال الفرائض

    من أسباب زيادة الإيمان: كثرة النوافل بعد استكمال الفرائض، كما ورد في الحديث القدسي: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)، فالإكثار من النوافل بعد استكمال الفرائض يغذي شجرة الإيمان، فقيام الليل والصيام والحج والعمرة والذكر وغير ذلك مما يغذي شجرة الإيمان، ومما يغذي شجرة الإيمان كذلك -وإن كان يدخل في جملة النوافل ولكن نخصه بالذكر- ذكر الله عز وجل؛ لأن هذا الغذاء سهل، فالإنسان يحرك لسانه بالذكر في الطريق، وفي المواصلات، وكلما وجد سبيلاً لأن يحرك لسانه بذكر؛ لأن هذا مما يغذي شجرة الإيمان، خاصة ونحن في أزمنة اختلط فيها الحابل بالنابل، وكثرت فيها الفتن والمحن، فيها فتن الشبهات وفتن الشهوات، فكثرة الذكر لا شك مما يقوي قلب العبد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت).

    المشاركة في الدعوة إلى الله عز وجل

    من أسباب نماء شجرة الإيمان كذلك: المشاركة في الدعوة إلى الله عز وجل؛ لأن الله عز وجل سمى وحيه روحاً، وسماه نوراً، فقال عز وجل: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى:52]، فالله عز وجل سمى شرعه روحاً؛ لأن الروح تكون بها الحياة، فإذا فقد الإنسان هداية الشرع يكون ميتاً، كما قال عز وجل: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ [الأنعام:122]، ووصف الكفار فقال: أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النحل:21]، فإن كانوا يحيون حياة يأكلون فيها ويشربون فهي حياة البهائم، فهم لا يحيون الحياة الطيبة التي يحبها الله عز وجل ويرضاها.

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (نضر الله امرءاً سمع منا مقالة فبلغه كما سمعه، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)، فنضارة الوجه تكون نتيجة لنضارة القلب، والجزاء من جنس العمل، فهو كما نضر الشريعة، وجعلها غضة طرية بأن حفظ حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وبثه وعلمه، كذلك ينضر الله عز وجل قلبه، وينضر وجهه وجوارحه، وكذلك كما أحيا قلوب الناس بشرع الله عز وجل يحيي الله عز وجل قلبه وينضر قلبه، ومن شارك في الدعوة إلى الله عز وجل يعلم كيف تحيا القلوب بالدعوة، ويعلم كيف تكون الدعوة من أعظم أسباب زيادة الإيمان.

    فنسأل الله عز وجل أن يبارك في أعمالنا وفي أعمارنا.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

    وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2994410155

    عدد مرات الحفظ

    717538556