إسلام ويب

ق والقرآن المجيدللشيخ : أحمد فريد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • سورة (ق) من السور العظيمة التي تناولت موضوعات شتى في آيات قليلة، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب بها في الجمعة، ويقرأ بها في الجمعة والعيدين، فقد تحدثت عن تكذيب الكافرين برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وعن خلق الله للسماوات والأرض وبعض نعمه على خلقه، وعن خلق الإنسان، وبعض مشاهد القيامة وغير ذلك.

    1.   

    الموضوعات التي اشتملت عليها سورة ق

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [الأنعام:134].

    ثم أما بعد:

    يقول الله عز وجل: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ * قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ * بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ * أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ * وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ * كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ * أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ * وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ * وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ * وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ * أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ * قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ * يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ * وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق:1-35].

    روى الإمام مسلم عن أم هشام بنت الحارث رضي الله عنها قالت: (ما أخذت ق إلا من فيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يقرؤها كل يوم على المنبر في الجمعة)، أي: من سنة النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يذكر بهذه السورة العظيمة في المجامع الكبيرة، كصلاة العيد، ويوم الجمعة؛ لأن هذه السورة تتضمن ذكر البعث والنشور، وأدلتهما الثلاثة، وتشير إلى عظمة الله عز وجل وإلى قدرته عز وجل، أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ [ق:6].

    وتذكر السورة القيامة الصغرى وهي الموت، وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19].

    وتذكر القيامة الكبرى وهي يوم القيامة ويوم الزلزلة: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ [ق:20].

    ويذكر الله عز وجل الناس في هذه السورة العظيمة كيف وظّف الله عز وجل عليهم كراماً كاتبين عن اليمين وعن الشمال قعيد، يحصون على العباد أقوالهم وأفعالهم.

    وكيف أن الله عز وجل يدبر هذا الكون بقدرة بالغة، وحكمة عظيمة، وعدل تام عز وجل.

    وأن كل عبد منا يأتي يوم القيامة معه شاهد من الملائكة، وهو الذي كان يشهد على أعماله وأقواله في الدنيا ويحصيهما عليه، ومعه سائق يسوقه إلى حيث أمر الله عز وجل، فتأتي كل نفس يوم القيامة معها سائق وشهيد، ويقول الشهيد: هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ [ق:23] -كما يرسل السلطان إلى من يتهم بتهمة فيؤتى به إليه فيقال: هذا الذي أمرتني بإحضاره، هو جاهز لأن ينفذ فيه أمرك- فيصدر الأمر الإلهي: أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ [ق:24].

    ثم يذكر الله عز وجل صفات الكافرين، والذين يستحقون سخط وغضب رب العالمين، ويبين أن النار يلقى فيها وتقول هل من مزيد؟

    والله عز وجل وعد أنه سيملؤها من الجنة والناس أجمعين، فلا يزال فيها اتساع وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة قدماه فيها، فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قطٍ قط. أي: يكفيني يكفيني.

    ثم ذكر الله عز وجل كيف يكون حال السعداء، وكيف أن الجنة تقترب منهم غير بعيد، ويذكر الله عز وجل وصف المتقين الذين يدخلون جنة رب العالمين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ق والقرآن المجيد ...)

    تبدأ هذه السورة بقول الله عز وجل: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [ق:1]، قيل: هذا قسم وجواب القسم مفهوم من السياق. وقيل: ق من الحروف المقطعة في أوائل السور، فهي تشير إلى تحدي الله عز وجل بالقرآن، كما قال: ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ [القلم:1]، وقال: الم [البقرة:1]، ودائماً يأتي بعد هذه الحروف ذكر القرآن؛ تقوية للقول بأن هذه الحروف أتت على سبيل التحدي، فالله عز وجل يتحدى البشر بل يتحدى الإنس والجن أن يأتوا بسورة من مثل القرآن، مع أن القرآن من هذه الحروف العربية المعروفة.

    بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ [ق:2]. كما يتعجب المجنون من العاقل، فهؤلاء يتعجبون من أمر ليس فيه عجب، بل لا بد أن يكون الرسول بشراً حتى يحس بإحساسهم، ويكون له من صفاتهم وملكاتهم حتى يقبل قوله ويعمل به، ولا بد أن يتكلم بلغتهم، وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ [يوسف:109].

    فهم يتعجبون من أن الله عز وجل أرسل إليهم رسولاً منهم، مع أنهم يعرفون صدقه وأمانته، ويعرفون شرف نسبه وكرم أخلاقه، ومع ذلك يتعجبون؛ لأن قلوبهم منكوسة، وفطرهم مطموسة.

    أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ [ق:3]. فهم يتعجبون كيف يعيد الله عز وجل الخلائق مرة ثانية بعد أن تصير تراباً. والأدلة على البعث في القرآن ثلاثة، وهي مذكورة في هذه السورة العظيمة:

    الدليل الأول: أن الله عز وجل يذكر العباد بالنشأة الأولى، قال تعالى: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس:78-79]، فالذي خلق في المرة الأولى لا شك أنه يقدر على أن يخلق في المرة الثانية، بل في المرة الثانية يكون الأمر أهون عليه، وكل شيء هين على الله عز وجل، مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ [لقمان:28].

    الدليل الثاني: أن الله عز وجل يذكر الناس كيف تكون الأرض ميتة فينزل عليها المطر من السماء فتهتز وتنبت الكلأ والعشب، وتصير حية بالنبات، قال الله عز وجل: كَذَلِكَ الْخُرُوجُ [ق:11]، أي: كذلك يحيي الله عز وجل الموتى، فقبل يوم القيامة ينزل من السماء مطراً مثل مني الرجال، فينبت الناس من الأرض من عجب الذنب وكأنها بذور في الأرض، وكل عظم يبلى من ابن آدم ويبقى عجب الذنب، وهو آخر العمود الفقري، ومنه يركب ابن آدم يوم القيامة.

    الدليل الثالث: أن الله عز وجل يذكر الناس بخلق السماوات والأرض، ويقول: لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [غافر:57]، أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ [ق:6]، والذي يستطيع أن يبني قصراً لا تستطيع أن تتهمه بأنه لا يستطيع أن يبني حجرة، أو أن يبني شقة.

    قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ [ق:4]، أي: أن الله عز وجل يجمع كل ذرة من ذرات الإنسان، وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ [ق:4]، أي: مسجل فيه كل شيء.

    بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ [ق:5]، أي: مختلط تختلط عليهم الأمور.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم...)

    ثم نبههم الله عز وجل إلى التفكر في عظمة السماوات التي رفعها الله عز وجل بغير عمد، والتي زينها الله عز وجل بالأجرام والكواكب والنجوم فقال: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ [ق:6]، أي: ما لها من تشققات ولا تصدعات.

    وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا [ق:7]، أي: جعلها الله عز وجل منبسطة تصلح لمعيشة الإنسان وحياته؛ حتى يبني عليها حياة مستقرة ويتحرك على ظهرها، وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ [ق:7]، وهي الجبال؛ لئلا تميد بهم، وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [ق:7].

    تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ * وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ [ق:8-9]، أي: بساتين من فواكه وخضروات وغيرها، وَحَبَّ الْحَصِيدِ ، أي: الحب الذي يحصد ويدخر كالقمح وغيره.

    وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ [ق:10]، أي: مرتفعات في السماء، لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ [ق:10].

    رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ [ق:11]، وهنا يذكر دليلاً على البعث فيقول: كذلك الخروج .

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كذبت قبلهم قوم نوح...)

    ثم يذكر الله عز وجل الأمم المكذبة بالنبوات والرسالات قبل ذلك فيقول عز وجل: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ [ق:12-14]. فلم يقل: كذب رسوله، بل قال: كل كذب الرسل ؛ لأن التكذيب برسول واحد تكذيب بكل الرسل، كما قال الله عز وجل: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:105]، وما أرسل إليهم إلا نوح وحده، ولكن دعوة الرسل واحدة. وعلى مر الزمان وكر الأيام أناس يؤمنون بدعوة الرسل، ويعتقدون اعتقادهم ويسيرون على دربهم، وأناس يحاربون شرع الله عز وجل ودينه ويريدون أن يفسدوا على الناس حياتهم، فيتجرءون على الآذان وعلى صلاة التراويح، ثم بعد قليل قد يقول قائل منهم بعد ذلك: الصلوات الخمس متعبة للناس فيكفي أربع صلوات، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ [البقرة:11-12]. فأين يذهبون من الله عز وجل وهو يحصي عليهم عدد الذرات من الأقوال والأعمال؟ وهم يحاربون دينه الله عز وجل، ويصدون عن سبيله ويبغونها عوجاً. فهؤلاء يسيرون في درب قوم نوح وأصحاب الأيكة وقوم تبع وقوم فرعون، الذين خالفوا دين الله عز وجل ودعوة الرسل، وحاربوا دين الله عز جل، وسيهلكهم الله عز وجل كما أهلك المكذبين في كل زمان وفي كل مكان، والعاقبة للمتقين، وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [التوبة:32].

    قال تعالى: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ * أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ [ق:12-15]، أي: أفعجزنا للخلق الأول، بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ق:15].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان ...)

    ثم بين الله عز وجل كيف أنه خلق الإنسان، وكيف أنه عز وجل وظف عليه الكرام الكاتبين، فقال الله عز وجل: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق:16]. فالله عز وجل يعلم ما توسوس به نفس الإنسان، ويعلم السر وأخفى، والله عز وجل أقرب إلى أحدنا من حبل الوريد، فقيل: أقرب بملائكته، وقيل: أقرب بصفاته، فهو أقرب بعلمه وبسمعه وببصره، وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق:16].

    والله عز وجل يحول بين المرء وقلبه، قيل: يحول بين الكافر وبين الإيمان، وبين المؤمن وبين المعصية التي تجره إلى الكفر والعصيان، وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ [سبأ:54].

    إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:17-18].

    قال عطاء بن أبي رباح : كان من مضى من السلف يكرهون فضول الكلام، وكانوا يعدون فضول الكلام ما عدا كلام الله عز وجل، أو كلام رسوله صلى الله عليه وسلم، أو أن ينطلق أحدهم في أمر معيشته، أتنكرون أن عليكم حافظين كراماً كاتبين، عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:17-18] عتيد أي: مستعد متيقظ، فهو يحصي على العباد الأقوال من الحسنات والسيئات، فملك اليمين يكتب الحسنات، وملك الشمال يكتب السيئات.

    وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار:10-12].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وجاءت سكرة الموت بالحق)

    ثم يذكر الله عز وجل القيامة الصغرى وهي الموت، وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19]. ولما كان أبو بكر رضي الله عنه في النزع دخلت عليه عائشة رضي الله عنها وتمثلت قول الشاعر:

    لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر

    فقال: دعي هذه وقولي: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19].

    وقال تعالى: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ [الجمعة:8]، وكيف يكون حال الإنسان إذا فر من عدو أو من سبع ثم وجده في مواجهته ملاقيه مقابلاً له؟

    ثم يذكر الله عز وجل القيامة الكبرى، ونفخة البعث والنشور فيقول: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ [ق:20-21]، أي: سائق يسوقها إلى الله عز وجل، وإلى حيث أمر الله عز وجل، وشاهد يشهد عليها بأعمالها.

    لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق:22]، قيل: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: أن الله عز وجل أوحى إليه بهذه الشريعة العظيمة، وهذه الأمور الغيبية، وكان قبل ذلك لا يعلم ذلك، كما قال تعالى: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى [الضحى:7]، أي: لا تعرف الهداية والدين، فهداك الله عز وجل إلى أقوم طريق وإلى أقوم دين. وقيل: الخطاب للكافر، لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا [ق:22]، أي: كان غافلاً عن الآخرة، لا يؤمن بها، ولا يسعى لها سعيها، ولا يعمل لها عملها.

    وقيل: الخطاب لعموم الإنسان، كما أشار إلى ذلك قوله عز وجل: وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ [ق:21]، أي: كل إنسان معه سائق ومعه شهيد، فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق:22]، أي: كشفنا عنك غطاء الغفلة فالآن بصرك اليوم حديد، أي: من الحدة، كما قال تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا [مريم:38]، فهم يرون الأمور، ويرون كل شيء يوم القيامة. وقال تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ [السجدة:12]، فهم أيقنوا عندما رأوا بعيني رءوسهم أمور الآخرة وآمنوا بها إيماناً جازماً، ولكن هذا الإيمان لا ينفعهم؛ لأنهم قد خرجوا من دار الابتلاء ومن لجنة الامتحان، وهم الآن يعرضون على الملك الجبار حتى يحكم الله عز وجل فيهم بحكمه.

    وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ [ق:23]، أي: من وكلت به قد أحصيت عليه أعماله وأقواله، وأتيت به إلى العرض على الملك الجبار حتى ينفذ فيه حكم الله عز وجل، وحتى يصدر عليه الحكم من المحكمة الإلهية. فالله عز وجل لا يغفل عن المؤمنين الموحدين والدعاة إلى دين رب العالمين، ولا يغفل عن المكذبين والمفسدين، والذين يصدون عن سبيل رب العالمين ويبغونها عوجاً، أفلا يتفكر أعداء الإسلام في هذه الآيات الكريمات؟ أفلا يفعلون ألف حساب للموقف بين يدي ملك الأرض والسموات؟

    ثم يصدر الحكم من الملك الجليل عز وجل: أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ [ق:24]، أي: يكفر بنعم الله عز وجل، ويتمتع بها ولا يشكرها، ولا يستعملها في طاعة الله عز وجل، أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ [ق:24]. يعاند الحق، ويعرفه ولا يتبعه.

    مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ [ق:25]، أي: ليس فيه خير ولا نفع لأمته ولا لنفسه ولا لأولاده ولا لعشيرته، مُعْتَدٍ [ق:25]. بل يتعدى على الناس في أموالهم وفي أعراضهم وفي دمائهم، مُرِيبٍ [ق:25]، أي: مشكوك فيه وفي أمره، فهو صاحب ريبة وشكوك.

    الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ [ق:26] فالذين يحكم عليهم الله عز وجل بهذه الحكم العدل من صفاتهم: أنهم يكفرون بنعم الله عز وجل، ويعاندون الحق، كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ [ق:24-25]، يمنع الخير عن نفسه وعن غيره مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ [ق:25-26].

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال قرينه ربنا ما أطغيته...)

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

    ثم قال عز وجل: قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ق:27-29].

    وهذا القرين -عباد الله!- هو قرينه من الجن ومن الشياطين، كما قال عز وجل: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [الزخرف:36]. وهذا ليس مع كل أحد، بل مع من أعرض عن ذكر الله عز وجل، فيقيض الله عز وجل له هذا القرين.

    قال سفيان بن عيينة : لا تأتوني بمثل إلا وجئتكم من القرآن بما هو مثله أو أعظم منه.

    فقيل له: في المثل يقولون: أعط أخاك تمرة فإن لم يقبل فأعطه جمرة فأين مثله في القرآن؟ قال: قول الله عز وجل: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [الزخرف:36]، فالذي يعرض عن ذكر الله وطاعته وهدايته ودينه عز وجل يوظف الله عز وجل له قريناً من الجن -أي: من الشياطين- يزين له الباطل، ويزخرفه له، ويشوه له الحق، ولا يجبره على معصية الله عز وجل وعلى الكفر به عز وجل، ولكنه مكر الليل والنهار، وتزيين الباطل وتزييف الحق، كما قال الله عز وجل: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ [إبراهيم:22].

    فيقول عز وجل: قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ [ق:27]، أي: ما أجبرته على الضلال وعلى الكفر وعلى المعصية، وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ [ق:27]. فهو الذي كان في ضلال بعيد.

    قال عز وجل: قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ [ق:28]، والله عز وجل حذرنا من الشيطان وقال: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا [فاطر:6]، فاتخذه أكثر الناس صديقاً وناصحاً وخليلاً.

    مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ق:29]، أي: أن الله عز وجل لا يغير وعده ولا يخلفه، ولا يخلف كذلك وعيده، وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ق:29]، ومع ذلك فالله عز وجل لا يظلم مثقال ذرة.

    يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ [ق:30] والناس يستكثرون العصاة، ويظنون أن جنهم لا تسع هؤلاء ولا تسع للكافرين، والله عز وجل قد وعد أن يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين، فكلما ألقي فيها يقال لها: هل امتلأت؟ حتى ينفذ وعد الله عز وجل؟ فتقول: هل من مزيد؟ هل من مزيد؟ لأن وقودها الناس والحجارة.

    وقد ورد في الحديث الصحيح: (أنها لا تزال تقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة قدمه فيها، فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط). وهذا الحديث من أحاديث الصفات، ينبغي أن نؤمن به، وأن نعلم أن الله عز وجل ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ [ق:30].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأزلفت الجنة ...)

    ثم يذكر الله عز وجل كيف يكون حال المتقين يوم القيامة، لا يقال لهم: اذهبوا فادخلوا جنة الله عز وجل، ولكن الجنة تأتي إليهم وتقترب منهم، وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ [ق:31]، قيل: غير بعيد في الزمان، وقيل: غير بعيد في المكان. ولا منافاة بين القولين، فهم يدخلون الجنة ولا يقفون طويلاً في عرصات القيامة، فيدخلون الجنة غير بعيد في الزمان، وكذلك الجنة تقترب حتى لا يبذلوا جهداً في الوصول إليها.

    ثم وصف الله عز وجل المتقين الذين يستحقون جنة الله عز وجل بقوله: هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ [ق:32]. والأواب: هو الرجّاع إلى الله عز وجل، ما قال: المعصوم من الذنوب؛ لأن كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، ولكن المؤمن كلما أذنب رجع، وتاب إلى الله عز وجل، فهو الذي يذنب ثم يتوب، فلا يتبع الذنب بالذنب ويستمر في غيه.

    هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ [ق:32]، قيل: حَفِيظٍ يحافظ على حدود الله، وعلى أوامره عز وجل، وعلى أمانته، وقيل: يحفظ الذنب ويتوب منه.

    مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ [ق:33]، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [الملك:12].

    وكما ذكر ست صفات للكافرين ذكر للمتقين الذين يستحقون الجنة أربع صفات، فقال: هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ [ق:32]، أي: رجّاع إلى الله عز وجل، يحافظ على طاعاته وأوامره عز وجل، مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ [ق:33]، أي: يخشى ربه عز وجل بالغيب، وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ [ق:33]، أي: مقبل على الله عز وجل، فيقبل على ذكر الله، وعلى الاستغناء بحبه عن حب ما سواه، وبذكره عن ذكر ما سواه، وبطاعته عن طاعة ما سواه.

    ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ [ق:34]، فهم يدخلون دار السلام، والله عز وجل من أسمائه السلام، فيدخلون دار السلام، والله عز وجل يسلم عليهم، سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [يس:58]، وكذلك الملائكة، وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:23-24]. وتحيتهم يفها السلام كما قال تعالى: دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [يونس:10]، ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ [ق:34]، لأن العبد إذا كان في نعيم عظيم ثم علم أنه يخرج من هذا النعيم ولو بعد آلاف السنين فإنه يتنغص عليه نعيمه، وهم إذا دخلوا الجنة ودخل أهل النار النار، نادى مناد: يا أهل الجنة! أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، ويقال: يا أهل النار! أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم. إنه الموت وكلنا قد ذاقه، فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة! خلود فلا موت، ويا أهل النار! خلود فلا موت.

    اللهم أعزنا بالإسلام قائمين، وأعزنا بالإسلام قاعدين، ولا تشمت بنا الأعداء والحاسدين. اللهم بلغنا رمضان يا رب العالمين! اللهم سلمنا إلى رمضان وتسلّمه منا متقبلاً، اللهم اجعل قدوم هذا الشهر المبارك قدوم عز وبركة وخير للمسلمين عامة يا رب العالمين! اللهم ارفع فيه راية الإسلام والمسلمين، وأعز فيه الإسلام والمسلمين، وأذل فيه الكافرين والمنافقين يا رب العالمين! اللهم ارفع راية الإسلام يا رب العالمين! اللهم فرج كرب المكروبين من المسلمين، واقض الدين عن المدينين من المسلمين، وفك أسرانا وأسرى المسلمين يا رب العالمين! اللهم فك أسرى المسلمين يا رب العالمين! اللهم رد كل غائب مسلم إلى أهله وأولاده بقدوم هذا الشهر المبارك يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والغنى والعفاف يا رب العالمين!

    اللهم اهدنا واهد بنا، وامكر لنا ولا تمكر علينا، وانصرنا على من بغى علينا، وآثرنا ولا تؤثر علينا.

    وصلى الله وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2994384625

    عدد مرات الحفظ

    717531813