إسلام ويب

دليل الطالب كتاب الشهادات [3]للشيخ : حمد الحمد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الحق المشهود به أقسام تختلف أنصبة الشهادة فيها بحسب اختلافها، وبعض الحقوق لا يقبل فيها إلا الرجال دون النساء، وبعضها يقبل فيها الرجال والنساء، وبعضها تثبت بشاهد ويمين المدعي، وبعضها يقضى فيها بنكول المدعى عليه عن اليمين وهكذا، وقد يتعذر حضور الشاهد ويكون قد شهد على شهادته غيره، وهو ما يسمى بالشهادة على الشهادة، وهي مقبولة لكن لها شروط وضوابط لابد من مراعاتها.

    1.   

    أقسام المشهود به

    الأول الزنا

    قال: [ باب أقسام المشهود به، وهو ستة: الزنا؛ فلا بد فيه من أربعة رجال ].

    قال الله جل وعلا: لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ [النور:13].

    إذاً: لا بد أن يكون الشهود أربعة، والعدد إذا أُنث دل ذلك على أن المعدود مذكّر بِأَرْبَعَةِ يعني أربعة رجال، وهذا هو قول عامة أهل العلم: أن شهود الزنا لا بد أن يكونوا أربعة رجال، فلا مدخل لشهادة النساء في حد الزنا.

    [ يشهدون به ] يعني بالزنا أو باللواط، [ وأنهم رأوا ذكره في فرجها ]، يعني الشيء الصريح، [ أو يشهدون أنه أقر أربعاً ]، أي: أربعة رجال يشهدون أن فلاناً في المجلس الفلاني أقر على نفسه أنه زنا بفلانة.

    هناك لما كانوا شهوداً من غير إقرار لا نقبل رجوعه لكن هنا يُقبل رجوعه، وتقدم شرح هذا..

    والذي يهمنا هنا أن الزنا لا يُقبل فيه إلا شهادة أربعة شهود رجال فلا مدخل للنساء هنا.

    الثاني ادعاء الفقر ممن عرف بالغنى ليأخذ من الزكاة

    [ الثاني: إذا ادعى من عُرف بغنى أنه فقير ليأخذ من الزكاة، فلا بد من ثلاثة رجال ].

    لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلاناً فاقة) كما في صحيح مسلم .

    فإذا كان الرجل معروفاً بالغنى ثم الآن هو يطالب بالزكاة ويقول: أنا فقير! فلا بد أن يأتي بثلاثة شهود من بطانة أهله يشهدون أنه من أهل الزكاة.

    الثالث القود والإعسار وما لا يقصد به المال

    قال: [ الثالث: القود والإعسار، وما يوجب الحد والتعزير، فلا بد فيه من رجلين ]، وبذلك مضت السنة كما قال الزهري ، فلا بد من رجلين.

    إذاً: الأربعة في الزنا، أما في سائر الحدود وفي القصاص وفي الأمور التي يعزّر بها القاضي لا بد من شهادة رجلين، ولا مدخل للنساء أيضاً في هذا، كما أن الزنا حد لا تدخل فيه النساء فكذلك سائر الحدود، والقصاص كذلك؛ لأن القصاص فيه إراقة للدم، فيحتاط للدم فلا نقبل إلا شهادة الرجال.

    إذاً عندنا أن حد الزنا لا يُقبل فيه إلا الرجال للآية، ويقاس عليه سائر الحدود كحد السرقة، ويقاس عليه القود يعني القصاص، فلا يؤخذ فيه كذلك إلا بشهادة الرجال، ويكفي فيه شهادة رجلين، والتعزير كذلك، كأن يسب فلان فلاناً.. فهذا لا بد فيه من شهادة رجلين؛ لأنه عقوبة كالحد.

    قال: [ ومثله النكاح، والرجعة، والخلع، والطلاق، والنسب، والولاء، والتوكيل في غير المال ].

    هنا مسائل ليست حداً ولا قصاصاً ولا فيها عقوبة ولا يُقصد منها المال؛ فالنكاح لا يُقصد منه المال، والطلاق لا يُقصد منه المال.. والنكاح وإن كان فيه مهر لكن ليس المقصود هو المال كالبيع، وكذلك الخلع، والنسب، والولاء، فهذه مسائل لا يُقصد منها المال، قالوا: كذلك لا بد فيها من شهادة رجلين.

    وعن الإمام أحمد رحمه الله، وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي : أن شهادة الرجل والمرأتين تصح، وأن للنساء مدخلاً في هذه الأمور التي ليست حدوداً ولا قصاصاً ولا تعزيراً من المسائل غير المالية.. أما الأمور المالية فسيأتي أن النساء تدخل، لكن الكلام فيما لا يُقصد فيه المال مثل النكاح والطلاق والرجعة، والصحيح أن شهادة المرأتين هنا كشهادة رجل؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (أليست شهادة المرأتين كشهادة الرجل؟) كما في الصحيح، وهذا عام، وعلى ذلك فلا نستثني في شهادة النساء إلا الحدود والقصاص والتعزيرات.

    الرابع المال وما يقصد به المال

    قال: [ الرابع: المال وما يُقصد به المال كالقرض، والرهن، والوديعة، والعتق، والتدبير، والوقف، والبيع، وجناية الخطأ ].

    يعني أن فلاناً قتل فلاناً خطأ، فهذا لا يكون فيه قصاص بل فيه دية؛ قال: [ فيكفي فيه رجلان أو رجل وامرأتان ].

    إذاً: لو شهد رجل وامرأتان أن فلاناً قتل فلاناً خطأ تُقبل، وكذلك في البيع، والقرض، والرهن؛ لأن هذه مسائل مالية، وقد قال الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ [البقرة:282] إلى قوله: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ [البقرة:282] .

    إذاً: شهادة المرأة لها مدخل في المسائل المالية، وكذلك على الراجح في المسائل التي لا يُقصد منها المال وليست حداً ولا قصاصاً ولا تعزيراً، كما تقدم.

    قال: [ أو رجل ويمين ]، فشهادة الرجل في المسائل المالية تكفي مع يمين صاحب الحق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم: (قضى بالشاهد واليمين)، كما في صحيح مسلم من حديث ابن عباس ، وكما في أبي داود والترمذي من حديث أبي هريرة .

    زيد ادّعى أنه أقرض عمراً، وأقام بكراً شاهداً، فالقاضي يسمع هذه الشهادة ويطالبه باليمين، فيقول: احلف أنك أقرضته، فيشهد الشاهد أولاً ثم يحلف هو ثانياً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم: (قضى بالشاهد واليمين)، يعني في المسائل المالية.

    وكذلك -على الصحيح- في المسائل التي قبلها، وهي التي ليست حداً ولا قصاصاً ولا تعزيراً، فليس فيها عقوبة، مثل الرجعة، والخلع، والطلاق، فيصح فيها الشاهد واليمين فيما اختاره شيخ الإسلام ، وهو رواية عن أحمد ؛ قالوا: لعموم حديث: (أن النبي عليه الصلاة والسلام قضى بالشاهد واليمين).

    قال: [ لا امرأتان ويمين ].

    هذا رجل ادّعى أنه أقرض زيداً، وأتى بامرأتين تشهدان ويمينه، قالوا: لا يصح هنا، لأن المرأتين لا تقومان مقام الشاهد الرجل.

    والصحيح وهو اختيار شيخ الإسلام ووجه في مذهب أحمد ومذهب المالكية: أن المرأتين تقومان مقام الرجل في هذا مع اليمين؛ وذلك لأن شهادة المرأتين تجعل جانب المُدّعي أقوى، وتجعل الظاهر معه، واليمين في جانب أقوى المتداعيين.

    وعلى ذلك فنقبل شهادة امرأتين، مكان الشاهد الرجل مع اليمين، وهو مذهب مالك ووجه في مذهب أحمد ، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية .

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولو كان لجماعة حق بشاهد حق فأقاموه فمن حلف أخذ نصيبه ].

    إذا كان لجماعة حق على شخص، كأن أقرضه هذا مائة، وهذا مائة، وهذا مائة.. حتى أكملوا له ألفاً وكانوا عشرة، فأقاموا شاهداً يشهد بما حصل، وأن هذا قد أقرضه مائة وهذا قد أقرضه مائة، فهذا شاهد واحد، وبقيت اليمين فنقول: من حلف منكم أخذ حقه، ومن لم يحلف ونكل عن اليمين لم يأخذ شيئاً، فلا تكفيه يمين صاحبه؛ لأن الحق يثبت بشاهد ويمين، فالشاهد للجميع وعلى كل واحد منهم يمين ليأخذ حقه، ولذا قال: قال: [ ولا يشاركه من لم يحلف؛ لأنه لا حق له فيه ].

    الخامس داء دابة وموضحة ونحوهما

    قال: [ الخامس داء دابة وموضحة ونحوهما؛ فيُقبل قول طبيب وبيطار واحد لعدم غيره في معرفته ].

    هذا فيما يتعلق بالموضِحة وبأدواء الدواب، فعندما تحصل جناية على إنسان أو جناية على دابة، فإنا نكتفي في معرفة الجرح على قول طبيب واحد عند عدم غيره، وكذلك فيما يتعلق في أدواء الدواب بقول بيطار واحد.

    قال: [ وإن اختلف اثنان قُدّم قول المُثبِت ]؛ لأن المثبت معه زيادة علم.

    هذا كله تبع كما تقدم للمسألة السابقة في قوله: [ ولا يشاركه من لم يحلف ]، وذكر هنا أنه يكفي في داء الدابة قول بيطار واحد، وفي داء ابن آدم في موضحة ونحوها يكفي قول طبيب واحد إذا عُدم غيره.

    السادس ما لا يطلع عليه الرجال غالباً

    ثم قال: [ السادس: ما لا يطّلع عليه الرجال غالباً كعيوب النساء تحت الثياب ] كالبرص [ والرضاع ] أي: وفي إثبات الرضاعة، [ والبكارة والثيوبة والحيض، وكذا جراحة وغيرها في حمام وعرس ]، يعني: في حمام للنساء وفي عرس للنساء، [ ونحوهما مما لا يحضره الرجال ]، يعني غالباً؛ [ فيكفي فيه امرأة عدل ].

    فهذه المسائل تكفي فيها شهادة امرأة واحدة إذا كانت تتصف بالعدالة، ويدل على ذلك ما تقدم في قصة عقبة بن الحارث في صحيح البخاري وغيره، وأن أمة سوداء قالت: (إني قد أرضعت عقبة والتي نكح، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: كيف وقد قيل؟)، فدل ذلك على أن المسائل التي جرت العادة أن الرجال لا يطّلعون عليها تكفي فيها شهادة امرأة واحدة عدل؛ لأن الحاجة تدعو إلى ذلك، في مثل معرفة أن هذه المرأة بكر أو ثيّب، وفي مسألة الرضاع، وفي الجراح التي تكون في أماكن خاصة بالنساء.

    قال: [ والأحوط اثنتان ]؛ لأن هذا أكمل كالرجال، لكن لما كانت النساء في العادة لا يُقدمن على الشهادة كالرجال اكتفينا بشهادة امرأة واحدة، فإذا كان عندنا شاهدتان فإن هذا أكمل.

    إذاً: لو أن امرأة واحدة عدلاً شهدت أن فلانة قد أرضعت فلاناً فنقول: هو ولدها من الرضاع بشهادة هذه المرأة الواحدة المعروفة بالعدالة، ويُفرّق بينه وبين وامرأته بناء على ذلك.

    لكن إذا ارتاب القاضي فله أن يُحلّف هذه المرأة، قال الله جل وعلا: فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ [المائدة:106]، وعليه: فإذا حصلت ريبة عند القاضي في هذه الشهادة فله أن يطلب يمينها.

    1.   

    حكم الشهادة الناقصة عن الكمال

    قال: [ فصل: فلو شهد بقتل العمد رجل وامرأتان لم يثبت شيء ]؛ لأن قتل العمد كما تقدم لا بد فيه من شهادة رجلين.

    وعلى ذلك: فإذا شهد به رجل وامرأتان لم يثبُت شيء، يعني: لا قصاص ولا مال، أما القصاص فظاهر وتقدم؛ لأنه لا بد من شهادة رجلين، وأما المال -يعني الدية- فلأن المال فرع عن ثبوت القصاص؛ لأن الأولياء لهم أن يختاروا القصاص ولهم أن يختاروا الدية، ولهم أن يعفوا مجاناً، وعلى ذلك فإذا كان القصاص لا يثبت لم يثبت المال لأنه فرع عنه.

    [ وإن شهدوا بسرقة ثبت المال دون القطع ].

    إن شهد رجل وامرأتان أن فلاناً قد سرق كذا وكذا فلا حد، لعدم كمال بينة الحد، فإن الحد لا بد فيه من شهادة رجلين، والبيّنة هنا غير كافية فهي شهادة رجل وامرأتين، لكن هل يثبت المال؟

    قال هنا: (ثبت المال) يعني: الضمان لمن سُرق منه، فنقول لهذا الذي قامت هذه البيّنة بأنه قد سرق: لا نُقيم عليك الحد لعدم حصول بيّنة الحد لكن عليك الضمان للمسروق منه؛ لأن بيّنة المال قد ثبتت وهي شهادة رجل وامرأتين.

    فإن قيل: ما الفرق بين هذه المسألة والتي قبلها؟

    فالجواب: أن المال هناك فرع عن القصاص، فإذا تركه الأولياء انتقلوا إلى المال أو العفو مجاناً، وأما المال في السرقة فليس ببدل، وذلك بأن السارق يجب عليه الحد والضمان معاً؛ لكن القاتل عمداً لا نقول إنه يجب عليه القصاص والدية، بل يجب عليه القصاص إلا أن يعفو أولياء الدم عن القصاص فننتقل إلى المال.

    فالمال في مسألة القصاص بدل، وأما المال في مسألتنا هذه فهو حق آخر، فتُقطع يد السارق وعليه أيضاً ضمان الحق للمسروق منه.

    قال: [ ومن حلف بالطلاق أنه ما سرق أو ما غصب ونحوه فثبت فعله برجل وامرأتين أو رجل ويمين ثبت المال ولم تطلق ].

    هذا رجل حلف بالطلاق أنه ما سرق فقال: إن كنت قد سرقت فامرأتي طالق! وبيّنة الطلاق كما تقدم شهادة رجلين في المشهور في المذهب، وبيّنة ضمان المال دون ذلك، وهي شهادة رجل وامرأتين.

    فإذا أتى رجل وامرأتان وشهدوا أنه قد سرق ثبّتنا عليه الضمان ولم نُثبّت عليه الحد كما تقدم، لكن هل تطلق امرأته بهذه البيّنة؟

    الجواب: لا تطلق امرأته بهذه البيّنة حتى يُقر؛ لأن الطلاق لا بد فيه من شهادة رجلين.

    إذاً: ليس للقاضي أن يُثبت طلاقاً بناء على هذه البيّنة التي ثبت فيها الضمان..

    نوضح بمثال آخر: قال: ما غصبت فلاناً حقه وإن كنت قد غصبته حقه فامرأتي طالق، ثم إنه ثبت أنه غصب بشهادة رجل وامرأتين فهنا لا نطلق عليه امرأته بهذه البيّنة؛ لأنه لا بد في بيّنة الطلاق من شهادة رجلين، ولا تكفي شهادة رجل وامرأتين؛ هذا على المذهب، وتقدم أن الراجح خلافه، لكن المال يثبت بشهادة رجل وامرأتين كما تقدم شرحه.

    1.   

    أحكام الشهادة على الشهادة

    صورة أداء الشهادة على الشهادة ومحلها

    قال: [ باب الشهادة على الشهادة والرجوع عن الشهادة وصفة أدائها ].

    عندنا شهادة أصل وعندنا شهادة فرع، تقدم الكلام على شهادة الأصل، وهنا المؤلف يذكر شهادة الفرع؛ لأن الحاجة قد تدعو إلى شهادة الفرع، وصفتها: أن يقول رجل لآخر: يا فلان اشهد عليّ بأني أشهد أن فلاناً قد أقرض فلاناً كذا وكذا.

    مثلاً: تريد أن تسافر إلى بلدك وقد تحمّلت شهادة، وتخاف أن يطول بك السفر وصاحب الحق يحتاج إلى شهادتك وأنت بعيد، فتقول: يا فلان اشهد عليّ أني أشهد أن فلاناً قد أقرض فلاناً كذا وكذا، أو يا فلان اشهد عليّ أني أشهد أن فلاناً قد أقر لفلان بكذا..، وهكذا، فهذه تسمى شهادة فرع.

    قال: [ الشهادة على الشهادة أن يقول: اشهد يا فلان على شهادتي أني أشهد أن فلان ابن فلان أشهدني على نفسه، أو شهدت عليه، أو أقر عندي بكذا ]، وعلى ذلك فلا بد أن يسترعيه الشهادة، يعني: يطلب شاهد الأصل من شاهد الفرع أن يحمل هذه الشهادة عنه.

    قال: [ ويصح أن يشهد على شهادة الرجلين رجل وامرأتان ]؛ يعني في المسائل التي يُقصد منها المال.

    لو أن زيداً وعمراً يشهدان بأن بكراً قد أقرض عبد الله كذا وكذا.. فزيد أقام رجلاً فرعاً عنه، وعمرو أقام امرأتين فرعاً عنه، والمسألة مالية وليست في قصاص ولا حد فإن هذا يصح.

    ولا يصح أن يكون لهما شاهد واحد، مثل أن يكون زيد وعمرو يشهدان بكذا ثم إن بكراً يحمل الشهادة عن زيد ويحمل الشهادة عن عمرو؛ لأن الأمر يئول إلى شاهد واحد فلم تكمل به البيّنة.

    إذاً: لا بد لا بد أن يكون الحاصل عندنا مثل ما يثبت به الحق في الأصل، يعني: أن يكون شهود الفرع ممن يثبت بهم الحق في الأصل، فإذا كانت المسألة مالية فتحصّل عندنا رجل وامرأتان صح، ولو كانت المسألة مالية وكان الفرع واحداً فلا بد من اليمين كما تقدم إيضاحه.

    قال: [ ويصح أن يشهد على شهادة الرجلين رجل وامرأتان، ورجل وامرأتان على مثلهم، وامرأة على امرأة فيما تُقبل فيه المرأة ].

    شروط الشهادة على الشهادة

    قال: [ وشروطها أربعة ] هذه شروط الشهادة على الشهادة.

    [ أحدها: أن تكون في حقوق الآدميين ]، كالأموال، فلا تُقبل في حدود الله جل وعلا؛ لأن حدود الله مبناها على الستر والمسامحة، فلا نحتاج فيها إلى شاهد فرع.

    الشرط [ الثاني: تعذّر شهود الأصل بمرض أو خوف أو غيبة مسافة قصر ]، أي: أن يتعذر حضور شهود الأصل إما لمرض أو لخوف سلطان أو لغيبة مسافة قصر.

    إذاً: شاهد الفرع كالتيمم بالتراب، فلا يصح التيمم بالتراب مع وجود الماء، فإذا وجد عندنا شهود الأصل لم نقبل شهود الفرع، وذلك لئلا يطول نظر القاضي في الشهود؛ لأنه يحتاج إلى أن ينظر إلى عدالة شهود الأصل، وإلى عدالة شهود الفرع، فيطول الأمر ويكثر الخطأ، ولأنه إنما جاز الأخذ بشهادة الفرع عند الحاجة فما عدا الحاجة لا نأخذ بها.

    قال: [ ويدوم تعذّرهم إلى صدور الحكم فمتى أمكنت شهادة الأصل وقف الحكم على سماعها ].

    أتى شهود الأصل قبل أن يحكم القاضي فنقول: إذاً: تترك شهادة شهود الفرع، وتأخذ بشهادة شهود الأصل.

    إذاً: هذا كما لو صلى بتيمم نقول: بطلت صلاته وعليه أن يعيد الصلاة بوضوء.

    قال: [ الثالث: دوام عدالة الأصل والفرع إلى صدور الحكم، فمتى حدث من أحدهم قبله ما يمنعه وقف ]، أي الحكم، فلا بد أن تدوم عدالة الأصل وعدالة الفرع.

    لو أن رجلاً عدلاً حمّلك شهادة وأنت عدل، ثم إن هذا العدل طرأ عليه فسق وهو غائب، فذهبت لتنقل للقاضي وتشهد بأن فلاناً قد حمّلك شهادته بكذا، لكن هذا الأصل قد صار فاسقاً، فهل ننظر إلى شهادتك؟

    الجواب: لا. وإن كنت عدلاً، لأن الذي حمّلك الشهادة قد طرأ عليه فسق.

    وكذلك لو أن شاهد الفرع طرأ عليه فسق فنقول إذاً: لا نأخذ بشهادة الفرع ونرجع إلى شهادة الأصل، أو يُحمّل الأصل شاهداً آخر يشهد مكانه، كما إذا كان خائفاً في بيته لا يستطيع الخروج فنقول: إذاً يذهب شاهد آخر ويتحمل شهادته ليشهد عند القاضي.

    قال: [ الرابع: ثبوت عدالة الجميع ] فلا بد من عدالة شهود الأصل ومن عدالة شهود الفرع.

    حكم تعديل شاهد الفرع للأصل أو لرفيقه

    قال: [ ويصح من الفرع أن يُعدّل الأًصل ]؛ لأنها شهادة بالحق فهي مقبولة.

    يعني يصح أن يكون الفرع شاهداً على شهادة الأصل وشاهداً أيضاً أن الأصل عدل، فإذا كان ممن تؤخذ بتزكيته فيصح أن يشهد بأن شاهد الأصل عدل.

    مثلاً: حمّلك رجل اسمه فلان بن فلان شهادة وسافر، فذهبت إلى القاضي وقلت: أشهد أن فلاناً قد أشهدني على كذا وكذا، وأشهد أنه عدل، فيصح هذا.

    [ لا تعديل شاهد لرفيقه ] فإذا شهد اثنان بحق وشهد أحدهما أن الشاهد الثاني عدل، فإنه لا يصح؛ لأن هذا يؤدي إلى انحصار الشهادة في أحدهما.

    قال: [ وإذا قال شهود الأصل بعد الحكم بشهادة الفرع: ما أشهدناهم بشيء لم يضمن الفريقان شيئاً ].

    أما شهود الفرع فلا يضمنون؛ لأنه لم يثبت كذبهم، لأنه يجوز أن يكون هؤلاء قد حمّلوهم الشهادة ونسوا.

    وأما شهود الأصل فلا نقول إنهم قد رجعوا عن الشهادة؛ لأنهم لم يشهدوا أصلاً حتى يُقال إنهم قد رجعوا، وعلى ذلك فلا ضمان لا على شاهد الأصل ولا على شاهد الفرع.

    1.   

    مسائل متفرقة في أحكام الشهادة

    ما تقبل به الشهادة من الألفاظ وما لا تقبل به

    قال: [ فصل: ولا تُقبل الشهادة إلا بأشهد، أو شهدت، فلا يكفي: أنا شاهد، ولا: أعلم، أو أتحقق ]، أو أعرف، أو أتيقن، [ أو أشهد بما وضعت به خطي ].

    يقول: هذه كلها لا تُقبل، ولا بد من قول: أشهد بكذا، أو شهدت بكذا، فلا يُقبل أي لفظ يحتمل غير ذلك، وتقدم أن الراجح وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن كل لفظ يدل على الشهادة فإن الشهادة تصح به، فلو قال: سمعته يقول كذا، أو رأيته يفعل كذا، فالراجح أن ذلك يصح.

    [ لكن لو قال: من تقدمه غيره بالشهادة: بذلك أشهد أو كذلك ] أشهد، [ صح ].

    شهد زيد عند القاضي أن عمراً أقرض فلاناً كذا، فقال بكر: وهو الشاهد الثاني بذلك أشهد، أو قال: كذلك أشهد، فهذا يكفي؛ لأن هذا صريح في إقراره لشهادة الآخر وشهادته بذلك.

    رجوع الشهود عن الشهادة

    [ وإذا رجع شهود المال أو العتق بعد حُكم الحاكم لم يُنقض ] يعني لم يُنقض الحكم [ ويضمنون ].

    شهد اثنان أن زيداً قد أقرض عمراً ألف ريال، فلما حكم القاضي بذلك وألزم عمراً بدفع هذا المال لزيد رجع الشهود، فقالوا: أخطأنا أو وهمنا أو نحو ذلك؛ قال: لم يُنقض الحكم، لاحتمال أنهم رجعوا خوفاً، أو رغبة، أو لرشوة أو نحو ذلك، ويضمن الشهود لأنهم الذين أخرجوا الحق من يد مالكه.

    فإن كان الشهود لم يرجعوا وقد زكاهم فلان وفلان ثم ظهر أنهم فساق بيّن فسقهم فنضمّن المزكين كما أقر هذا شيخ الإسلام لأن المزكين هم الذين غرروا وأخرجوا الحق من صاحبه.

    تعزير شاهد الزور

    قال: [ وإذا علم الحاكم بشاهد زور بإقراره ]، يعني أقر أنه شاهد زور [ أو تبيّن كذبه يقيناً عزّره ولو تاب ] لأنه تاب بعد أن بلغ الأمر القاضي، وعلى ذلك فيعزّره [بما يراه ما لم يخالف نصاً ] يعني: فلا يعزّره بما يخالف النص كحلق اللحية! وإنما يعزّره بما يراه مناسباً مما لا يخالف الشرع، [ وطيف به في المواضع التي يشتهر فيها فيقال: إنا وجدناه شاهد زور فاجتنبوه ].

    وفي هذا الزمن يكفي أن يُكتب ذلك في جريدة ونحوها ليحذر الناس منه.

    إذاً على القاضي أن يؤدب شاهد الزور، وأن يُحذّر الناس منه!

    1.   

    اليمين في الدعاوي

    المواضع التي لا يحلف فيها المنكر

    قال: [ باب اليمين في الدعاوى: البيّنة على المُدعي واليمين على من أنكر ] وتقدم شرح هذا، وأنه جاء في البيهقي ، وأن إجماع أهل العلم على أن البيّنة على المُدعي واليمين على من أنكر.

    [ ولا يمين على مُنكر ادُّعي عليه بحق لله تعالى كالحد ].

    تقدم أن اليمين على المُدّعى عليه لكن هذا لا يكون في حقوق الله جل وعلا؛ لأن حقوق الله مبنية على المسامحة كالحد، ففي السرقة لا نُرجع إليه اليمين، لو ادّعى رجل أن فلاناً قد سرقه، وأتى بشاهد مثلاً أنه قد سرق فلا نقول لهذا المُدّعى عليه: احلف أنك لم تسرق؛ لأنه لو نكل فلا فائدة من نكوله، إذ لا يمكن أن نقيم عليه الحد بمجرد نكوله؛ لأنه لا يُقام عليه الحد إلا بإقراره واعترافه أو ببيّنة وهي شهادة رجلين.

    قال: [ ولو قذفاً ]؛ لأنه حق لله تعالى، [ والتعزير ] كذلك، [ والعبادة ] أي: فلا يقال للإنسان احلف أنك تصلي؛ لأن حقوق الله جل وعلا مبنيّة على المسامحة ولا يُمكن أن نُحلّف فيها، ولا يُمكن أن نحكم بالنكول.

    أيضاً: [ إخراج الصدقة ] لا يُقال للرجل: احلف أنك تُخرج صدقة مالك، ولذا قال الإمام أحمد رحمه الله: لا يُستحلف الناس على صدقاتهم.

    [ والكفارة والنذر ] كذلك لا يقال له: احلف أنك قد كفّرت عن يمينك، ولا احلف أنك قد أوفيت بنذرك.

    وذلك لأن اليمين إنما جاءت في حقوق الآدميين، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المُدّعى عليه) رواه الإمام مسلم ، فدل على أنها لا تكون في حقوق الله جل وعلا.

    قال: [ ولا على شاهد أنكر شهادته، وحاكم أنكر حكمه ] إذا أنكر الشاهد أنه قد شهد بذلك، أو أنكر الحاكم أنه قد حكم بذلك، فإنا لا نوجه إلى أحد منهما اليمين؛ وذلك لأنه لا يُقضى في ذلك بالنكول، فإذا قال الشاهد: أنا لا أحلف فهل نقضي عليه بالنكول ونحمله الحق؟ لا. إنما هو شاهد، ولذا فإنا لا نوجه إليه اليمين.

    يقول: [ ويحلف المُنكر في كل حق آدمي يُقصد منه المال كالديون والجنايات والإتلافات، فإن نكل عن اليمين قُضي عليه بالحق ].

    إذاً: يحلف المُنكر في كل حق آدمي يُقصد منه المال مثل القرض، والمبايعات، والديون، والجنايات التي فيها أرش أو دية، مثلما لو قتل خطأ، فما كان فيه مال أو يُقصد منه المال فهو الذي تتوجه فيه اليمين.

    إذاً: القاضي لا يطلب اليمين إلا في حقوق الآدميين التي يُقصد منها المال.

    صفة اليمين على نفي فعل نفسه وعلى الدعوى على غيره

    قال: [ وإذا حلف على نفي فعل نفسه أو نفي دين عليه حلف على البت ] يعني على القطع، فإذا حلف على نفي فعل نفسه قال: والله ما فعلت هذا قط، ما فعلته أبداً، والله ما لفلان عليَّ دين، أو ما لفلان عليَّ شيء، فيقطع لأنه فعل نفسه، ولا يقول: والله لا أعلم أن لفلان عليّ شيئاً! نقول: لابد أن تقطع؛ لأن هذا فعل نفسك.

    لكن [ وإن حلف على نفي دعوى على غيره كمورثه ورقيقه وموليه، حلف على نفي العلم ] فإذا كان أحد يدّعي على مورثه أو على رقيقه أو على موليه، فإنه يحلف على نفي العلم فيقول: والله لا أعلم أن لفلان على مورثي شيئاً.

    إذاً: إذا توجهت عليك اليمين في شيء يرجع إلى فعلك أنت فلا بد من القطع، أعني: أن يكون الكلام قاطعاً، وأما إذا كان يرجع إلى فعل غيرك كمورثك فإنه يكفي أن تقول: والله لا أعلم أن لفلاناً على أبي كذا، أو: والله لا أعلم أن لفلان على ولدي المتوفى كذا..! ونحو ذلك من الألفاظ.

    قال: [ ومن أقام شاهداً واحداً بما ادعاه حلف معه على البت ] يعني يقطع ولا يقول: والله لا أعلمه.. بل يقطع، مثلاً: هذا شاهد لك أنك أقرضت زيداً فإذا شهد الشاهد حلفت أنت معه بعد شهادته على البت، تقول: والله إن لي على فلان كذا وكذا.

    قال: [ ومن توجه عليه حلف لجماعة حلف لكل واحد يميناً ما لم يرضوا بواحدة ].

    إذا كان الذين يدّعون عليك جماعة، وتوجهت عليك اليمين فتحلف لكل واحد منهم يميناً، إلا أن يرضوا بيمين واحدة.

    1.   

    تغليظ اليمين

    قال: [ فصل: وللحاكم تغليظ اليمين فيما له خطر ] يعني إذا كان الأمر له خطر فله أن يغلّظ اليمين، ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وجوب تغليظ اليمين إذا رأى القاضي المصلحة في ذلك؛ لأن ذلك وسيلة لتحصيل الحق لصاحبه.

    يقول: [ كجناية لا توجب قوداً ] لأن الجناية التي توجب القود -وهو القصاص- لا يمين فيها، لكن إذا كان قتل خطأ كما لو ادعوا أن فلاناً قد قتل مورثهم يريدون الدية! فهنا تتوجه اليمين؛ لأن هذا حق لآدمي يُقصد منه المال، فللقاضي أن يطلب تغليظ اليمين، يقول: احلف مثلاً عند منبر المسجد، وإذا كنت في مكة قال: بين الباب وبين الركن، أو احلف بعد صلاة العصر.. يغلّظ اليمين.

    [ وعتق ومال كثير قدر نصاب زكاة ]، يريد منه مائة ألف ريال مثلاً فللقاضي أن يغلّظ اليمين، لكن لو كان لا يريد منه إلا مائة ريال لا تغلظ اليمين بمثل هذا.

    قال: [ فتغليظ يمين المسلم أن يقول: والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، الطالب الغالب، الضار النافع، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ] يحلف هذه اليمين التي فيها تغليظ.

    قال: [ ويقول اليهودي ] أي: إذا توجهت اليمين إلى يهودي يعيش في بلادنا ورُجع إلى القاضي.

    [ والله الذي أنزل التوراة على موسى، وفلق له البحر، وأنجاه من فرعون وملئه. ويقول النصراني: والله الذي أنزل الإنجيل على عيسى وجعله يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ]، هذا تغليظ من جهة اللفظ.

    قد يكون التغليظ من جهة الزمان، وذلك بأن يحلف بعد صلاة العصر، قال الله جل وعلا: تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ [المائدة:106] قال عامة المفسرين: يعني من بعد صلاة العصر.

    وقد يكون التغليظ -كما تقدم- في المكان عند المنبر، ولذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من حلف على منبري يميناً آثمة فليتبوأ مقعده من النار) رواه أبو داود وهو حديث صحيح.

    [ ومن أبى التغليظ لم يكن ناكلاً ]، إذا قال: لا أحلف إلا يميناً لا تغليظ فيها لا يُعد ناكلاً.

    والصحيح وهو اختيار شيخ الإسلام أنه يُعد ناكلاً؛ لأنه إذا كان يأبى التغليظ ونقبل ذلك منه ولا نعده نكولاً فلا فائدة إذاً من تغليظ اليمين.

    قال: [ وإن رأى الحاكم ترك التغليظ فتركه كان مصيباً ].

    يعني: إذا رأى أن يترك التغليظ فتركه فإنه يكون مصيباً، يعني أن الأمر يرجع إلى القاضي.

    1.   

    الأسئلة

    حكم مشاهدة شاهد الفرع للشيء المشهود عليه

    السؤال: هل تشترط رؤية شاهد الفرع للشيء المشهود عليه؟

    الجواب: لا يشترط ذلك، فلو أن أباك حمل شهادة قبل خمسين سنة، ثم إنه حمّلك إياها قال: أنا أخشى أن أموت وهؤلاء يحتاجون إلى شهادتي على أرضهم، أو على مزرعتهم، فتحمّل مني هذه الشهادة، فيصح ذلك.

    حكم كتم الشهادة

    السؤال: ما هو حكم من كتم شهادته؟

    الجواب: كما قال الله جل وعلا في القرآن: وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [البقرة:283] هذا يدل على الإثم، ويدل على الفسق، فإذا كتم الشهادة فإنه يفسق بذلك، والله أعلم.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.