إسلام ويب

دليل الطالب كتاب القضاء [2]للشيخ : حمد الحمد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مما يحتاج إليه القاضي أن يعرف أحكام البينة وعدالة الشهود لأنه يقضي بموجب ذلك كثيراً، وكذلك يجب أن يعرف حكم القضاء المستند إلى علم القاضي، وأحكام تزكية الشهود وأثر حكم الحاكم، والحكم باليمين، أو بالنكول عنها وغير ذلك.

    1.   

    أحكام البينة واليمين وعدالة الشهود

    عدالة البينة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فصل: ويُعتبر في البيّنة العدالة ظاهراً وباطناً ].

    يعني: أن يكون عدلاً لا يظهر عليه فسق، وأن يُعرف من حاله الباطنة العدالة، وليس المقصود أن يُشق على قلبه؛ لكن المقصود أن يعرفه من كان له به اختصاص من جار أو غيره بالعدالة.

    ولذا جاء في البيهقي بإسناد صحيح أن عمر رضي الله عنه قال لرجل: إني لست أعرفُك ولا يضرك أني لا أعرفك، فأتني بمن يعرفك. فقال رجل: إني أعرفه. فقال: بأي شيء تعرفه؟ قال: بالعدالة. فقال: فأنت جاره الأدنى الذي يعرف ليله ونهاره ومدخله ومخرجه؟ قال: لا، قال: فعاملته بالدرهم والدينار التي يُستدل بها على الورع؟ قال: لا، قال: فسافرت معه فإن السفر يُستدل به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا، قال: فلست تعرفه، ثم قال للرجل: ائتني بمن يعرفك، قالوا: فهذا يدل على أنه لا بد من العدالة الظاهرة والعدالة الباطنة.

    والقول الثاني في المسألة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ولا يسع الناس في هذا الزمن غيره: أن الشاهد يكفي أن يكون مرضياً من جهة الأمانة والصدق، فإذا كان معروفاً بالصدق فإن هذا يكفي؛ لقول الله جل وعلا: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ [البقرة:282].

    قال: أما قوله تعالى: وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق:2] فإن هذا في التحمّل ليحتاط لحقه، فعند التحمل يبحث عمّن عُرف بالعدالة الظاهرة والباطنة؛ لأن هذا أحفظ لحقه؛ لكن عند أداء الشهادة إذا أداها من نرضى صدقه وأمانته فإن هذا يكفي للآية الأولى، ولا يسع الناس في هذا الزمن إلا هذا، فإن من أهل الكبائر والفسق من هو معروف بالصدق لا يكذب، معروف بالأمانة لا يخون، حتى إن الناس يأخذون خبره ويثقون بكلامه وليس من أهل الديانة بل هو معروف بالفسق، والله جل وعلا يقول: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ [البقرة:282]، هذا القول هو الأصح ولا يسع الناس في هذا الزمن غيره.

    الأحوال التي يقضي فيها القاضي بعلمه

    قال: [ وللحاكم أن يعمل بعلمه فيما أُقر به في مجلس حكمه ].

    القاضي لا يحكم بعلمه، فإذا كان يعلم أن فلاناً قتل فلاناً فليس له أن يُحكم بالقصاص أو بالدية، أو رأى فلاناً يسرق فليس له أن يحكم بذلك، ولا يحكم إلا بالبينة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إنما أقضي بنحو ما أسمع) كما في الصحيحين.

    فلا يقضي بعلمه؛ لأن هذا يدعو إلى اتهامه فيكون القاضي محل تهمة، ولأن هذا يفتح باب شر وفساد.

    وعلى ذلك فالقاضي لا يحكم بعلمه، لكن هنا مسائل تُستثنى منها ما ذكره المؤلف هنا: [ ما أُقر به في مجلس حكمه) أي: أتى زيد وعمرو فادّعى زيد أن عمراً استقرض منه عشرة آلاف ريال، فأقر عمرو بذلك، ثم بعد ذلك أنكر فالقاضي يحكم بعلمه هنا؛ لأن هذا الإقرار كان في مجلس الحكم وما دام في مجلس الحكم فهو كالشهادة.

    كذلك إذا استفاض الأمر بحيث إن الناس يعلمونه خاصتهم وعامتهم، فالقاضي إذا حكم لا يُتهم، كأن يعلم القاضي أن هذه الأرض لفلان، وهذا قد استفاض عند أهل القرية عامتهم وخاصتهم، فيحكم بذلك؛ لأنه قد حكم بالاستفاضة، وعلمه داخل في الاستفاضة فحكم بعلمه المنبني على استفاضة هذا الخبر.

    كذلك أيضاً في عدالة البيّنة وفسقها، كما قال: [ وفي عدالة البيّنة وفسقها ] بغير خلاف بين أهل العلم.

    إذا أتاه شاهدان وهو يعلم أنهما من أهل العدالة، فلا يحتاج أن يطلب عليهما من يزكّيهما، بل يأخذ بذلك، وإذا كان يعلم أنهما من أهل الفسق فإنه يأخذ بذلك.

    ويدل عليه أثر عمر فإنه قال: إني لست أعرفك، فدل على أن القاضي إذا كان يعرفه فإن هذا يكفي.

    تزكية الشهود

    قال: [ فإن ارتاب منها فلا بد من المزكين لها ]، أي: إن ارتاب من الشهادة فإنه يطلب المزكين.

    والأصح وهو رواية عن أحمد خلافاً للمشهور في المذهب، وهو اختيار شيخ الإسلام : أنه يكفي مزك واحد، فإذا زكّاه واحد فإنه يكفي؛ لأن هذا خبر، فكان كالخبر الديني يكفي فيه واحد.

    والحاصل أنه يكفي أن يأتي مزك واحد فيزكي هذا الشاهد ويزكي هذا الشاهد، والمذهب أنه لا بد من اثنين، والصحيح أن المُزكي الواحد يكفي.

    قال: [ فإن طلب المُدّعي من الحاكم أن يحبس غريمه حتى يأتي بمن يزكي بيّنته أجابه لما سأل وانتظر ثلاثة أيام ].

    إذا قال المُدّعي للقاضي: أنا قد أتيتك بشاهدين وأنت الآن تطلب من يُزكي هذين الشاهدين، فأنا أطلب أن تحبس غريمي ثلاثة أيام حتى آتي بالمُزكي، فإنه يقبل ذلك ويحبسه حتى يُحفظ حقه، وفي هذا الوقت تكفي الكفالة، يعني: أن يأتي من يكفل هذا المُدّعى عليه.

    [ فإن أتى بالمُزكين اعتُبر معرفتهم لمن يُزكونه بالصحبة والمعاملة ]، كما تقدّم شرحه في أثر عمر رضي الله عنه؛ [ فإن ادّعى الغريم فسق المزكين ]، أي: قال الخصم المُدعى عليه: إني أدّعي فسق المزكين، [ أو فسق البيّنة المُزكّاة، وأقام بذلك بينة سُمعت وبطلت الشهادة ].

    إذا قال المدعى عليه: أنا أدّعي أن هذا الشاهد، أو هذين الشاهدين ليسوا عدولاً، وأتى ببينة تدل على أن هذا معروف مثلاً بالزنا، أو معروف بشرب الخمر، أو غير ذلك مما يُفسّر الجرح، فيأتي ببينة تُثبت أن الشهود ليسوا عدولاً، أو أن المُزكّين الذين زكوا هؤلاء الشهود ليسوا عدولاً؛ سُمعت وبطلت الشهادة.

    قال المؤلف: [ ولا يُقبل من النساء تعديل ولا تجريح ]؛ لأنها شهادة بما ليس بمال، والنساء تُقبل شهادتهن بالمال.

    الحكم باليمين عند عدم الشهود أو بطلان شهادتهم

    قال: [ وحيث ظهر فسق بيّنة المُدّعي، أو قال ابتداءً: ليس لي بيّنة، قال له الحاكم: ليس لك على غريمك إلا اليمين ].

    يعني: قال زيد للقاضي: إني أدّعي أن عمراً قد استقرض مني مائة ألف ريال مثلاً، فأنكر عمرو، فيقول القاضي للمُدّعي: هل عندك بيّنة؟ فإن قال: ليس لي بيّنة فأنا وثقت به وأعطيته مالي وليس بيّنة، فيقول له القاضي: ليس لك على غريمك إلا اليمين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (البيّنة على المُدعي واليمين على من أنكر) رواه البيهقي .

    وفي حديث آخر في صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال للحضرمي : (ألك بيّنة؟ قال: لا، قال: فلك يمينه قال: يا رسول الله إنه رجل فاجر لا يتورع من شيء. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ليس لك إلا ذلك)، إذاً: ليس له إلا اليمين.

    وكذلك إذا ظهر فسق البيّنة، كما لو أتى بشهود فُسّاق لا يصلحون للشهادة فكأنه قال: لا بيّنة لي، فنُرجع اليمين إلى المُدّعى عليه.

    قال: [ فيحلف الغريم على صفة جوابه في الدعوى ويخلى سبيله، ويحرم تحليفه بعد ذلك ]، يعني: لا تُكرر اليمين، فلا يقول له القاضي: احلف مرة أخرى؛ لأن ظاهر الأدلة أن يميناً واحدة تكفي.

    قال: [ وإن كان للمُدّعي بيّنة فله أن يقيمها بعد ذلك ].

    الآن ليس معه بيّنة، حيث ظن أن عمراً يقر! فعندما لم يقر أتى المدعي بعد ذلك للقاضي بالبيّنة؛ فله أن يقيمها بعد ذلك.

    الحكم بنكول المدعى عليه عن اليمين

    [ وإن لم يحلف الغريم قال له الحاكم: إن لم تحلف حكمت عليك بالنكول. ويسن تكراره ثلاثاً ] ليقطع حجته، قال لعمرو في المثال المتقدم: احلف، فقال: لا، ونكل عن اليمين، فيُسن للقاضي أن يكرر ذلك عليه ثلاثاً ليقطع حجته.

    [ فإن لم يحلف قضى عليه بالنكول ولزمه الحق ]؛ فإن عثمان قضى على ابن عمر بالنكول كما في موطأ مالك بإسناد صحيح، وعلى ذلك فإن المدعى عليه إذا نكل قضينا عليه بالنكول، وظاهر ذلك أن اليمين لا تُرد إلى المُدعي، فلا يُقال بعد ذلك للمُدعي: احلف أنك أقرضته.

    ادّعى زيد أنه قد أقرض عمراً عشرة آلاف ريال، فسأله القاضي: هل عندك بيّنة؟ قال: ليس عندي بيّنة، قلنا لعمرو: احلف حتى تبرأ. فنكل؛ فإنا نقضي عليه ونقول: إذاً في ذمتك له عشرة آلاف، ولا تُرد اليمين إلى المُدّعي فلا يقول له القاضي: احلف أنك قد أقرضته عشرة آلاف ريال، وهذا هو المذهب.

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إذا كان العلم قد انفرد به المُدّعي فإن اليمين تُرد إليه.

    وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي : إذا رأى القاضي أن تُرد اليمين ردّها لا سيما إذا كان العلم منفرداً به.

    مثال هذا: ادّعى رجل أن فلاناً الميت قد استقرض منه عشرة آلاف ريال وطالب ورثته بالسداد، فحضروا عند القاضي وقالوا: أيها القاضي إن كان عنده بيّنة فليحضرها فإننا نريد إبراء ذمة والدنا، فلم يكن له بيّنة، فقال لهم القاضي: احلفوا، قالوا: نحن لا نحلف فهذا أمر ينفرد به هو فنحن لا نحلف، نحن لسنا الذين استقرضنا حتى نحلف. فنكلوا؛ فالمذهب أنه يُقضى عليهم ويُطالبون بعشرة آلاف من التركة، واختيار شيخ الإسلام والشيخ عبد الرحمن بن سعدي : أن اليمين ترد إلى المُدّعي فيقال للمُدّعي: احلف؛ لأن هؤلاء الورثة ليس عندهم علم حتى ينفوا ويحلفوا.. فاحلف أنت أنك أقرضت هذا الميت عشرة آلاف ريال فإن حلف ثبت الحق، وهذا هو الصحيح.

    إذاً: إذا كان العلم ينفرد به المُدّعي ونكل المُدّعى عليه رددنا اليمين إلى المُدّعي، ومثل ذلك إذا رأى القاضي ذلك.

    مثلاً: هذا رجل معروف بالصلاح وعنده مال كثير، ولا يُعرف عند القضاة إلا بخير، فأتى رجل معروف بالكذب وقال: إني أدّعي أني أقرضت هذا الرجل مائة ألف ريال، فقال القاضي لهذا الرجل الصالح: احلف، فقال: أنا لا أحلف ولا أريد أن أحلف عند القاضي، إن كان يريد أن يأخذ من مالي شيئاً فليأخذ، أما اليمين فلا أحلف، وعرف القاضي صدقه وكذب الآخر، فحينئذ يرد اليمين إليه ويقول: احلف أنت أنك قد أقرضته مائة ألف ريال، فإذا حلف أخذها.

    1.   

    آثار حكم الحاكم

    حكم الحاكم يرفع الخلاف ولا يزيل الشيء عن صفته باطناً

    قال: [ فصل: وحكم الحاكم يرفع الخلاف لكن لا يزيل الشيء عن صفته باطناً؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيحين: (فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئاً، فإنما أقطع له قطعة من النار) متفق عليه.

    إذاً: القاضي حكمه يرفع الخلاف، لكن في الباطن فالأمور على ما هي عليه، الكاذب كاذب، والصادق صادق، والظالم ظالم، والمظلوم مظلوم، ولذا قال: (فإنما أقطع له قطعة من النار).

    قال هنا: [ فمتى حكم له ببينة زور بزوجية امرأة ووطئ مع العلم فكالزنا ].

    هذا رجل أتى بشهود يشهدون أن فلانة زوجته، يقول: هذه هي زوجتي وأتى بشهود زور يشهدون أنها زوجته، وهو يعلم كذب نفسه، فنقول: إذا وطئها فهو كالزاني، وهي لا يجوز لها أن تمكّن من نفسها لأنها تعلم كذبه حتى وإن حكم القاضي بأنها زوجته.

    في المثال المتقدم في القرض إذا حكم القاضي بأن فلاناً في ذمته كذا بناء على النكول عن اليمين، أو بيّنة كاذبة فنقول: إن هذا المال ليس لك ولا يحل لك أن تأكله وهو مال حرام.

    فإن قال: إن القاضي قد حكم لي به، نقول: القاضي حكم بنحو ما يسمع، أما البواطن فعلمها عند الله جل وعلا.

    حكم الحاكم المخالف في المذهب

    قال: [ وإن باع حنبلي متروك التسمية ]، أي: عمداً، [ فحكم بصحته شافعي نفذ ].

    الحنابلة يرون أن ما تُركت التسمية عليه عمداً من الذبائح لا يحل، كما تقدم شرحه في الأطعمة، أما الشافعية فيرون حله؛ لأن التسمية عندهم سُنة، فإذا باع حنبلي ذبيحة لم يذكر اسم الله عليها عمداً فحكم القاضي الشافعي بصحة ذلك -لأن الشافعي يرى أن التسمية سُنة- نفذ ذلك.

    حكم التقليد في المختلف فيه

    قال: [ ومن قلّد في صحة نكاح صح ولم يفارق ]، أي زوجته، [ بتغير اجتهاده كالحكم بذلك ].

    من قلّد في نكاح مختلف فيه، كالذي ينكح امرأة بلا ولي تقليداً للإمام أبي حنيفة ، صح النكاح لأنه مقلّد، ولم يفارق زوجته بتغير اجتهاده، فإذا سأل في المستقبل عالماً آخر وأفتاه أن النكاح بلا ولي باطل فلا يلزمه أن يُفارق زوجته؛ لأنه بنى زواجه على تقليد لإمام معتبر.

    قوله: [ كالحكم بذلك ] جعل التقليد في الفتيا كالحكم، بعض الناس يطلّق امرأته وهي حائض، فيفتيه العالم بأن طلاق الحائض لا يقع، ثم بعد ذلك يأخذ بقول عالم آخر يرى أن طلاق الحائض يقع، فلا نقول إن تلك الطلقة السابقة قد وقعت؛ لأنك بنيت ذلك على سؤال لعالم يؤخذ بفتياه ويُقلّد، فبرئت ذمتك عند الله جل وعلا.

    1.   

    الدعوى على الغائب ونحوه وكتاب القاضي

    ما تصح فيه الدعوى على الغائب ونحوه

    قال: [ فصل: وتصح الدعوى بحقوق الآدميين على الميت وعلى غير المكلف وعلى الغائب مسافة قصر، وكذا دونها إن كان مستتراً بشرط البيّنة في الكل ].

    يرى الحنابلة أن الحكم على الغائب يصح، يعني: تصح الدعوى إذا كان الخصم غائباً وأنت أيها المُدّعي ذهبت إلى القاضي ومعك شهود عدول، والخصم غائب عن البلد مسافة قصر أو كان مستتراً مستخفياً؛ لأن المستخفي كالغائب.

    وكذلك إذا كان ميتاً؛ لأن الميت كالغائب.

    وكذلك إذا كان كذلك غير مكلّف، كصبي أو مجنون؛ لأنهم أولى من الغائب، لأنهم لا يعبّرون عن أنفسهم؛ فإذا كان الأمر كذلك فإن القاضي يحكم مع غياب الخصم.

    واستدلوا بما جاء في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام لما قالت له هند زوجة أبي سفيان : إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني وولدي ما يكفينا، فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: (خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف) متفق عليه؛ قالوا: وهذا يدل على أن الغائب يُحكم عليه.

    وقال الأحناف وهو رواية عن أحمد : بل إن الغائب لا يُحكم عليه، أما الحديث فإنه في الفتيا لا في القضاء، وهناك فرق بين القضاء والفتيا، ولذا جاء في الترمذي والنسائي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقض للأول حتى تسمع قول الآخر فإنك إن فعلت ذلك تبيّن لك القضاء) وهو حديث صحيح.

    وعلى ذلك فلا يُحكم على الغائب إلا لضرورة، وإلا فإنه لا يحُكم على الغائب.

    أما الحديث المتقدم فإن ذلك في الفُتيا لا في القضاء، وأيضاً: ليس فيه أن أبا سفيان كان خارج البلد، وإنما كان غائباً عن مجلس القضاء.

    إذاً: المذهب يرون أنه يُحكم على الغائب، ويرون أنه يُحكم عليه بلا يمين أيضاً، وبلا طلب كفيل.

    وقال الشافعية: نحكم على الغائب لكن نطلب من المُدّعي مع البيّنة اليمين احتياطاً.

    وقال بعض الحنابلة: نطلب منه أن يأتي بكفيل، حتى إذا أتى الآخر وتبيّن لنا أن الحكم لم يكن في محله فإنا قد حفظنا حقه بالكفيل؛ لأن الرجل قد يأتي ببيّنة أنه قد أقرض فلاناً قبل سنة، لكن هذا المستقرض قد رد له الحق وعنده بيّنة أنه رد الحق.

    ولذا فالصحيح أنه لا يُحكم على غائب إلا عند الضرورة.

    كتاب القاضي إلى قاض آخر

    قال: [ ويصح أن يكتب القاضي الذي ثبت عنده الحق إلى قاض آخر معين أو غير معين ] .

    هذا في كتابة القاضي.. فالقاضي قد يكتب إلى قاض آخر إما بحكمه أو بما ثبت عنده من البيّنة. يعني: قد يكتب القاضي إلى الشيخ فلان في بلدة كذا إنه قد ثبت عندي أن فلاناً قد اقترض من فلان عشرة آلاف ريال بشهادة فلان وشهادة فلان وحكمت بذلك.

    لأنه قد يكون الشخص هنا مثلاً وغريمه في مصر والشهود هنا، فيذهب المدعي بالشهود هنا إلى القاضي ويشهدون عند القاضي، فيحكم ويُكتب بذلك إلى القاضي في مصر، وقد يكتفي بأنه ثبت عنده، وقد يحكم ويطلب منه التنفيذ ويقول: نفِّذ حكمي هذا فإني قد حكمت بناء على البيّنة، وأطالبك أن تنفّذ ذلك.

    قوله: [ معيّن أو غير معيّن ] المعيّن مثل: إلى فلان قاضي كذا، وغير المعين أن يكتب: إلى من بلغه كتابي هذا من القضاة.

    [ بصورة الدعوى الواقعة على الغائب بشرط أن يقرأ ذلك على عدلين ثم يدفعه لهما ]، أي: عندما يكتب القاضي كتابه يقرأ ذلك على عدلين اثنين، ويدفعه لهما ليذهبا به إلى القاضي الآخر.

    والقول الثاني في المسألة وهو اختيار ابن القيم والشيخ محمد بن إبراهيم : أنه يكفي أن يعرف القاضي الآخر خطه وختمه، فإذا كان عليه ختم وكان خط القاضي أيضاً معروفاً لديه، فهذا يكفي ولا يحتاج إلى شهادة اثنين يقرؤه عليهما، وهذا هو الصحيح؛ قال ابن القيم : وعليه عمل الخلفاء والقضاة والأمراء والعمال منذ زمن النبي عليه الصلاة والسلام إلى اليوم.

    قال: [ ويقول فيه: وإن ذلك قد ثبت عندي، وإنك تأخذ الحق للمُستحق. فيلزم القاضي الواصل إليه ذلك العمل به ]، يلزمه أن يعمل بذلك إجماعاً.