إسلام ويب

دليل الطالب كتاب الإيمان [1]للشيخ : حمد الحمد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الحلف بالله يحتاج إليه المكلف لتأكيد ما يقوله أو يدعيه، فإذا حنث في اليمين المنعقدة وجبت الكفارة المذكورة في كتاب الله، واليمين منها لغو ومنها غموس ومنها منعقدة، ولكل منها أحكام تتعلق بها بينها الفقهاء في كتبهم.

    1.   

    ما تنعقد به اليمين

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ كتاب الأيمان ].

    الأيمان: جمع يمين، وهي الحلف والقسم.

    واليمين: هي تأكيد الأمر المحلوف عليه بذكر معظّم، يقول: والله لا أزور فلاناً في داره، فالأمر المحلوف عليه هو ترك زيارة فلان في داره، فيؤكد هذا بمعظّم وهو الله سبحانه وتعالى، قال الله جل وعلا: لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ [المائدة:89] الآية.

    قال: [ لا تنعقد اليمين إلا بالله تعالى، أو اسم من أسمائه، أو صفة من صفاته كعزة الله وقدرته وأمانته ] أي: كأن يقول: وقدرة الله، وعزة الله.

    قال: [ وإن قال: يميناً بالله أو قسماً أو شهادة انعقدت ] أي: فإن ذلك كله قسم ويمين.

    كذلك لو قال: حلفت بالله، أو أحلف بالله فإن ذلك كله من القسم.

    وإن قال: حلفت ونوى اليمين بالله فيمين أيضاً، أي: إذا قال: حلفت ألا تفعل كذا، أقسمت ألا تفعل كذا ونوى القسم بالله أو الحلف بالله فيمين أيضاً.

    [ وتنعقد بالقرآن ]؛ لأن القرآن كلامه جل وعلا، فلو قال: والقرآن، أو والفاتحة فإن ذلك يمين، [ وبالمصحف ] فلو قال: والمصحف فكذلك؛ لأن المصحف كلام الله جل وعلا، [ وبالتوراة، ونحوها من الكتب المنزّلة ]؛ لأن التوراة كذلك كلام الله جل وعلا، ويكون مراده التوراة المنزّلة لا ما دخل فيها من تحريف ].

    إذاً: الحلف بالله أو بصفة من صفاته أو بالقرآن ذلك كله يمين فيها الكفارة.

    قال: [ ومن حلف بمخلوق كالأولياء والأنبياء عليهم السلام ] كالذي يقول والنبي [ أو بالكعبة أو نحوها حرم ]؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من حلف فليحلف بالله أو ليصمت) متفق عليه، وفي الترمذي : (من حلف بغير الله فقد أشرك أو كفر).

    وفي الصحيحين (من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله).

    وفي أبي داود (من حلف بالأمانة فليس منا).

    هذا يدل على أن الحلف بغير الله شرك لا يجوز، وهو من الشرك الأصغر الذي لا ينقل عن الملة إلا أن يعظم المحلوف به كتعظيمه لله، كالذين يحلفون بـالحسين ، أو بالشيخ، أو بالسيد..، ونحو ذلك يعظّمونه بالحلف، ويعظّمونه بأنواع من القرب والعبادات.

    قال: [ ولا كفارة ] يعني: لا كفارة في ذلك.

    فالذي يحلف بالكعبة أو يحلف بالنبي عليه الصلاة والسلام يأثم ولو حنِث لم يكفّر؛ لأنها يمين غير محترمة، وإنما شُرعت الكفارة لرفع المؤاخذة، والمؤاخذة إنما تكون عن اليمين المحترمة لا اليمين المحرمة التي لا احترام لها، قال جل وعلا: لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ [المائدة:89] فدل ذلك على أن الكفارة شُرعت لرفع المؤاخذة، وهذا إنما يكون في اليمين التي لها احترام دون اليمين التي لا حرمة لها، وهي اليمين بغير الله جل وعلا.

    1.   

    شروط وجوب الكفارة

    أن يكون الحالف مكلفاً مختاراً

    قال: [ فصل: وشروط وجوب الكفارة خمسة أشياء: أحدها: كون الحالف مكلفاً ].

    أن يكون الحالف مكلفاً؛ لأن غير المكلف قد رُفع عنه القلم فلا مؤاخذة، والله جل وعلا يقول: وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ [المائدة:89]، والصبي الذي لم يبلغ وإن كان مميزاً لا يؤاخذ، ففي الحديث: (رُفع القلم عن ثلاثة .. وذكر منهم: الصبي حتى يبلغ)، وهذا هو المشهور في المذهب لأن قلم التكليف مرفوع عنه.

    وكذلك المجنون، وكذلك السكران، وكذلك الطفل غير المميز.. فهؤلاء كلهم لا كفارة في أيمانهم.

    [ الثاني: كونه مختاراً ].

    يعني: لا مُكرهاً؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه)، فإذا كان مُكرهاً فلا كفارة عليه.

    أن يكون الحالف قاصداً لليمين

    [ الثالث: كونه قاصداً لليمين فلا تنعقد ممن سبق على لسانه بلا قصد كقوله: لا والله، وبلى والله في عرض حديثه ].

    أي: لقوله جل وعلا: لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ [المائدة:89]، قالت عائشة كما في البخاري : هو قول الرجل: لا والله، وبلا والله.

    وبعض الناس يقول: والله إلا تتفضل، والله إلا تجلس! يجري ذكر الله على لسانه باليمين من غير قصد، فإذا سألته: هل تقصد اليمين؟ قال: أنا لا أقصد اليمين، فهذه لغو يمين.

    وأصح القولين أيضاً وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ محمد بن إبراهيم : أن اليمين التي قصد صاحبها منها الإكرام كذلك؛ لأن يمينه على كل حال برة لا يدخلها حنث، فإذا قال رجل لآخر: والله لتجلسن هنا وقام له من مجلسه ليجلس فيه إكراماً له، فهذا لو لم يجلس هذا لا يُعد حانثاً؛ لأنه إنما أراد أن يُظهر كرامته بهذه اليمين، بل إن بعض أهل البادية يرى أنه إذا لم يحلف فإنه قد تنقّصه ولم يعطه حقه من الإكرام، فهذه اليمين يمين برة لا كفارة فيها لأنه لا يطرأ عليها الحِنث.

    ولذا فإن النبي عليه الصلاة والسلام لما أمر أبا بكر أن يصلي بالناس وأشار إليه تأخر أبو بكر رضي الله عنه ولم يمتثل أمره عليه الصلاة والسلام؛ لأنه علم أن مقصود النبي عليه الصلاة والسلام إكرام أبي بكر وقد حصل الإكرام بأمره له أن يمكث.

    ومن هذا النوع أن بعض الناس يقول: والله لتخرجن قبلي من الباب! يريد إكرامه، أو نحو ذلك من الأيمان التي يُراد منها الإكرام فقط.

    أن تكون اليمين على أمر مستقبل

    قال: [ الرابع: كونه على أمر مستقبل لا على أمر ماض ].

    لأن الأمر الماضي لا يدخله الحِنث بل إما الصدق أو الكذب.

    فإذا قال: والله لا أزور فلاناً غداً، فهذا مستقبل، وكذا لو قال: والله لا أدخل دار فلان، أو قال: والله لأسافرن غداً إلى مكة، وهنا ننظر: فإن ترك ما حلف على فعله أو فعل ما حلف على تركه فقد حنث، فعليه الكفارة.

    أما الأمر الماضي فلا كفارة في كل حال؛ لكنه إن كان صادقاً فلا إثم عليه، وإن كان كاذباً فهي اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار.

    وقد ذكر النبي عليه الصلاة والسلام الكبائر كما في البخاري من حديث عبد الله بن عمرو وذكر منها اليمين الغموس فسأله ابن عمرو عنها؟ فقال عليه الصلاة والسلام: (هي اليمين التي يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها كاذب).

    والفقهاء أطلقوا ورأوا أن كل يمين كاذبة يعلم صاحبها أنه كاذب فيها فهي يمين غموس؛ لأنها يمين فاجرة، لكن الصنعاني رحمه الله يرى أن اليمين الغموس هي اليمين التي يقتطع بها مال المسلم هو فيها كاذب دون غيرها، والصحيح ما عليه الجمهور؛ وذلك لأنها يمين فاجرة، لأنه حلف بالله وهو يعلم كذب نفسه، وأقبحها اليمين التي يقتطع بها مال أخيه المسلم وهو فيها كاذب.

    إذاً: اليمين التي فيها الكفارة هي اليمين التي تكون على أمر مستقبل لا على أمر ماض، ولذا قال: [ فلا كفارة على ماض بل إن تعمد الكذب فحرام ]؛ أي: لأنها اليمين الغموس، [ وإلا فلا شيء عليه ]، يعني: إذا لم يتعمد الكذب وظن صدق نفسه.

    بعض الناس يقول: والله لقد حصل كذا وكذا قبل سنة! وهو إنما حصل قبل سنين لكنه يظن صدق نفسه، أو يقول: والله إن الذي أقبل هو فلان! فيتبين أنه شخص آخر وكان يظن صدق نفسه؛ فهذه يمين لا يلحقه فيها إثم؛ لأنه يظن صدق نفسه، أما التي يعلم كذب نفسه فيها فهي اليمين الغموس كما تقدم.

    حنث الحالف بمخالفة ما حلف عليه

    قال: [ الخامس: الحِنث ].

    والحنث: هو أن يفعل ما حلف على تركه، أو يترك ما حلف على فعله، ولذا قال المؤلف هنا: [ الحنث بفعل ما حلف على تركه أو ترك ما حلف على فعله ]، كأن يقول: والله لا أزور فلاناً فيزوره، أو يقول: والله لأسافرن غداً ولا يسافر.

    قال: [ فإن كان عيّن وقتاً تعيّن ].

    أي: لو قال: والله لأسافرن غداً إلى مكة فسافر بعد غد فإنه يحنث؛ لأنه عيّن وقتاً، وعليه الكفارة.

    وأما إذا لم يُعيّن وقتاً كأن قال: والله لأسافرن إلى مكة ولم يُعيّن وقتاً فقال المؤلف: [ وإلا لم يحنث ] فلا يكون عليه الكفارة، [ حتى ييأس من فعله بتلف المحلوف عليه ] أي: كما لو قال: والله لأضربن زيداً فمات زيد قبل أن يضربه! فهو هنا لم يُعيّن وقتاً، فإذا يئس بموت المحلوف عليه [ أو موت الحالف ] نفسه قبل أن يفعل، فقد حنث فعليه الكفارة.

    1.   

    حكم الاستثناء في اليمين

    قال: [ ومن حلف بالله لا يفعل كذا، أو ليفعلن كذا إن شاء الله، أو إن أراد الله، أو إلا أن يشاء الله ].

    هذه هي اليمين يقيّدها الحالف بتعليق الأمر بالمشيئة فيقول: والله لأزورن فلاناً غداً إن شاء الله، أو قال: والله لأسافرن إلى مكة بعد أسبوع إن شاء الله، أو إن أراد الله، أو إلا أن يشاء الله.. فلا يحنث؛ لما روى الخمسة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من حلف على يمين فقال إن شاء الله لم يحنث)، وعلى ذلك لا كفارة عليه.

    قال المؤلف: [ واتصل لفظاً أو حكماً به ] أي: بشرط أن يتصل لفظاً أو حكماً.. فاتصالها لفظاً بأن يقول: والله لأزوراً فلاناً غداً إن شاء الله! بلا فاصل.

    واتصالها حكماً: بأن يكون هناك فاصل لا يقطع في العرف، كأن يعطس أو يسعل ثم يقول: إن شاء الله.

    إذاً إذا قال العبد: والله لأزوراً فلاناً غداً إن شاء الله، واتصل قول (إن شاء الله) بكلامه لفظاً أو حكماً، ثم إنه لم يزره، فلا كفارة عليه للحديث المتقدم، ولذا قال: [ لم يحنث فعل أو ترك ].

    ثم قال: [ بشرط أن يقصد الاستثناء قبل تمام المستثنى منه ].

    يعني: بشرط أن ينوي الاستثناء قبل أن يتم كلامه في المستثنى منه، يقول: والله لأزورن فلاناً غداً، فقبل أن تنتهي هذه الجملة يعقد في قلبه أن يقول إثرها: إن شاء الله.

    لكن لو قال: والله لأزورن فلاناً غداً، ثم بدا له أن يقول: إن شاء الله فقال: إن شاء الله، أو قال له رجل: قل إن شاء الله، فقال: إن شاء الله، فالحكم كما قالوا: إن قوله (إن شاء الله) هنا لا يؤثر، وعلى ذلك فإذا حنث فعليه الكفارة.

    إذاً: لا بد أن يكون قد نوى الاستثناء أثناء جملة المستثنى منه، فلا تتم هذه الجملة إلا وقد نوى الاستثناء.

    وقال المالكية وهو -كما قال شيخ الإسلام - قول أحمد ومتقدمي أصحابه لكنه خلاف المشهور في المذهب، واختاره رحمه الله: إن هذا الاستثناء يصح ولو لم ينوه حال كلامه السابق الذي هو المستثنى منه، واستدلوا بما جاء في البخاري في قصة يمين سليمان عليه الصلاة والسلام، وفيه أن الملك قال له: قل إن شاء الله، فلم يقل، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (أما إنه لو استثنى لم يحنث) قالوا: فدل ذلك على أنه إذا قالها متصلة بكلامه ولو لم ينوها أثناء كلامه السابق فإنها تؤثر، وهو ظاهر قول النبي عليه الصلاة والسلام: (من حلف على يمين فقال إن شاء الله)، وما ذكروه قيد لم يقيد به الحديث.

    وعلى ذلك فالصحيح ما اختاره شيخ الإسلام وهو مذهب المالكية، وذكر شيخ الإسلام أنه قول أحمد ومتقدمي أصحابه.

    1.   

    ما يأخذ حكم اليمين من الألفاظ

    حكم من يحرم على نفسه ما هو حلال

    قال: [ فصل: ومن قال طعامي عليّ حرام، أو إن أكلت كذا فحرام، أو إن فعلت كذا فحرام؛ لم يحرم، وعليه إن فعل كفارة يمين ].

    ودليله: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال كما في الصحيحين: (لن أعود إلى شرب العسل) فنزلت: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ [التحريم:1-2]، فدل هذا على أن التحريم له حكم اليمين.

    فمن حرّم على نفسه شيئاً سوى الزوجة -لأن تحريم الزوجة ظهار كما تقدم في كتاب الظهار- وذلك كمن حرّم على نفسه شرب العسل، أو حرّم على نفسه الأكل من الطعام الفلاني، أو أكل التمر، أو أكل السكر، أو نحو ذلك؛ فإنه إن عاد فأكل فعليه كفارة يمين للآية المتقدمة: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ [التحريم:2] ].

    حكم من يحلف بالبراءة من الدين ونحوها

    قال: [ ومن قال: هو يهودي، أو نصراني، أو مجوسي، أو يعبد الصليب، أو الشرق إن فعل كذا، أو هو بريء من الإسلام، أو من النبي، أو هو كافر بالله إن لم يفعل كذا؛ فقد ارتكب محرماً ]، وهي يمين، قال عليه الصلاة والسلام كما روى أحمد والنسائي : (من قال: أنا بريء من الإسلام؛ فإن كان كاذباً فهو كما قال، وإن كان صادقاً لم يعد إلى الإسلام سالماً)، وعلى ذلك فلا يجوز مثل هذا.

    بعض الناس يقول: أنا بريء من الدين إن كنت فعلت كذا! أو أنا بريء من السنة، أو من الإسلام، أو نحو ذلك؛ فهذا أمر محرم.

    قال: [ وعليه كفارة يمين إن فعل ما نفاه أو ترك ما أثبته ]؛ لأنها يمين، فإنه أكد ذلك بهذا القول فكان ذلك بمعنى اليمين، كتحريم شيء أباحه الله له، وعلى ذلك فهذا في معنى اليمين وعليه ففيه الكفارة.

    حكم من أخبر عن نفسه أنه حلف ولم يكن حلف

    قال: [ ومن أخبر عن نفسه بأنه حلف بالله ولم يكن حلف فكذبة لا كفارة فيها ].

    وهذا مثلما تفعل بعض النساء حيث تقول لأولادها: أنا حلفت ألا تفعلوا كذا، وهي ما حلفت لكنها تريد أن تنهاهم عن فعل ذلك الشيء! فهذا كذب ولا كفارة عليها في ذلك.

    1.   

    خصال كفارة اليمين

    التخيير والترتيب في كفارة اليمين

    قال: [ فصل: وكفارة اليمين على التخيير: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة مؤمنة، فمن لم يجد صام ثلاثة أيام ] للآية.

    وكفارة اليمين على التخيير؛ لأن الله جل وعلا خيّر عباده في هذه الكفارة فقال: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ [المائدة:89] يعني: فهي في الأمور الثلاثة الأولى على التخيير، وأما الصيام فهو على الترتيب، فليس له أن يصوم مع قدرته على الإطعام أو على الكسوة أو على التحرير، أما إذا لم يقدر على إحدى هذه الخصال الثلاث فإنه ينتقل إلى الصوم.

    وكثير من الناس ينتقل إلى الصوم مع قدرته على الإطعام، وهذا لا يجزئ لظاهر الآية الكريمة، وهو قول الجمهور.

    صفة كفارة اليمين

    وإطعام عشرة مساكين هو أن يطعم كل مسكين نصف صاع من التمر أو الشعير، أو ربع صاع من البر أو الأرز كسائر الكفارات، وتقدم ذكر هذا، وإن شاء أن يعطيهم طعاماً مطبوخاً يكفي عشرة فإن ذلك يجزئ كما تقدم في أثر أنس بن مالك رضي الله عنه، ولظاهر الآية الكريمة.

    والواجب أن يُطعم عشرة فلا يُجزئه أن يُطعم أقل منهم، ولو أعطى خمسة طعام عشرة فإنه لا يجزئ لظاهر الآية الكريمة، فلا بد من العدد، هذا هو قول الجمهور.

    فإن لم يجد عشرة جاز أن يُطعم من وجد طعام عشرة، يعني: إذا لم يجد إلا مسكيناً واحداً أعطاه طعام عشرة مساكين، وإن وجد خمسة أعطى كل واحد منهم طعام مسكينين، أما إذا وجد عشرة فلا يجزئه إلا أن يُطعم هذا العدد؛ لأن الله عز وجل نص على هذا العدد فقال: إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ .

    قوله: أَوْ كِسْوَتُهُمْ [المائدة:89] أي: كسوتهم بما يجزئ الذكر في الصلاة، وبما يجزئ الأنثى في الصلاة.

    قوله: أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [المائدة:89] لا بد أن تكون الرقبة مؤمنة؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (أعتقها فإنها مؤمنة).

    فإن لم يجد صام ثلاثة أيام متتابعات ولذا قال: [ متتابعة وجوباً إن لم يكن عذر ]؛ لقراءة ابن مسعود التي رواها ابن جرير : أن الله جل وعلا قال: فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مُتتابعات ، فوجب التتابع، وقياساً على سائر الكفارات، فإن الصيام في الكفارات يجب فيه التتابع كصيام الشهرين المتتابعين في كفارة الظِهار وفي كفارة المُجامع في نهار رمضان.

    ما يكفر به الرقيق

    قال: [ ولا يصح أن يكفّر الرقيق بغير الصوم ].

    فالرقيق لا مال له؛ لأن ماله لسيده وعلى ذلك فيكفّر بالصوم؛ لأنه لا مال له.

    وقت إخراج الكفارة

    قال: [ وإخراج الكفارة قبل الحِنث وبعده سواء ].

    إن أخرج الكفارة قبل الحِنث أجزأ وكانت تحلة القسم، وإن أخرجها بعده فكذلك، وقد جاء في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فكفّر عن يمينك وأت الذي هو خير) متفق عليه.

    وفي رواية لـأبي داود : (فكفّر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير).

    وفي البخاري : (فأت الذي هو خير وكفّر عن يمينك).

    فالتكفير يجوز أن يقول قبل الحِنث، فهذا رجل قال: والله لا أزور فلاناً غداً ولا أحضر طعامه، فجاءه بالليل من نصحه فنوى أن يزوره غداً فكفّر عن يمينه ليلاً وأتاه من الغد، فإنه يصح، وإن أخّر التكفير حتى يحنث فلا بأس بذلك.

    قال: [ ومن حنث ولو في ألف يمين بالله تعالى ولم يكفّر فكفارة واحدة ]، قالوا: لأن موجبها واحد.

    هذا رجل قال: والله لا أزور فلاناً فزاره، وقال: والله لأسافرن إلى مكة بعد أسبوع فلم يسافر، وقال لولده: والله لأضربنك فلم يضربه، ولم يكفّر حتى اجتمعت عليه الآن ثلاث أيمان، قال الحنابلة: تكفيه كفارة واحدة ما دام أنه لم يكفّر قالوا: لأن موجبها واحد؛ يعني: الذي يجب في الكفارة واحد وهو إطعام عشرة مساكين.

    وقال الجمهور وهو رواية عن أحمد واختيار شيخ الإسلام : أن لكل يمين كفارة، وهو ظاهر الآية، وهو الصحيح.

    إذاً: لو أن رجلاً اجتمعت عليه أيمان كلها يجب فيها كفارة يمين وهي إطعام عشرة مساكين ولم يكن كفّر، كبعض الناس يقول: اجتمعت عليّ عشرة أيمان أو ستة أيمان ولم أكفّر، فالمذهب أنه تكفيه كفارة واحدة، والصحيح وهو رواية عن أحمد وقول الجمهور واختيار شيخ الإسلام : أن عليه لكل يمين كفارة، لظاهر الآية.

    أما لو حلف يميناً واحدة على أشياء، كأن قال مثلاً: والله لا أكلم زيداً، ولا آكل طعامه، ولا أدخل داره، فهذه يمين واحدة فيها كفارة وإن تعدد المحلوف عليه، وهذا لا خلاف فيه.

    وإذا تعددت الأيمان التي موجبها واحد، فسواء كان المحلوف عليه واحداً أو كان متعدداً عند الحنابلة.

    أما الجمهور فيقولون: إذا كان المحلوف واحداً فهذا للتأكيد، كما لو قال: والله لا أزور فلاناً، وفي الغد يقول: والله لا أزوره، ثم يأتيه من ينصحه، فيقول: والله لا أزوره.. يكرر يمينه للتأكيد، فهذه فيها كفارة واحدة بلا خلاف.

    1.   

    أثر النية في الأيمان

    الرجوع إلى نية الحالف

    قال: [ باب جامع الأيمان:

    يُرجع في الأيمان إلى نية الحالف ].

    الأيمان يُرجع فيها إلى نية الحالف؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، فيُرجع إلى نيته إذا احتملها اللفظ.

    [ فمن دُعي لغداء فحلف لا يتغدى لم يحنث بغير غدائه إن قصده ] أي قيل له: يا فلان! تعال إلى الغداء معنا، فقال: والله لا أتغدى ونوى أنه لا يتغدى معه، فإن نيته لها أثر، وله أن يتغدى وحده.

    [ أو حلف لا يدخل دار فلان وقال: نويت اليوم ] أي: قيل له: اذهب إلى فلان قال: والله لا أدخل داره، ونوى في قلبه أنه لا يدخل داره اليوم، ثم زاره بعد أسبوع فقيل له في ذلك، قال: أنا نويت ألا أدخل داره ذلك اليوم، فهذا لا يحنث؛ لأن النية لها أثر إذا كان اللفظ يحتملها.

    قال: [ ولا عدت رأيتكِ تدخلين دار فلان، ينوي منعها فدخلتها، حنث ولو لم يرها ]؛ لأنه يريد منعها، ولا يقصد الرؤية فلا أثر لها.

    بعض الناس يقول لأولاده: لا عدت أراك تلعب في الشارع، فخرج الولد يلعب وأبوه غير موجود وقال: أنت قلت: لا عُدت أراك، فالأب هنا إن كان قد نوى منعه بحيث يراه لم يحنث، وإن كان نوى أنه لا يلعب وذكر الرؤية هنا غير مقصود فإنه يحنث.

    الرجوع إلى سبب اليمين عند عدم النية

    قال: [ فصل: فإن لم ينو شيئاً رُجع إلى سبب اليمين وما هيجها ].

    إذا قال: أنا لم أنو شيئاً فإنا نرجع إلى سبب اليمين، فنسأل: ما هو سبب اليمين؟ وما هو الذي هيّج اليمين؟

    [ فمن حلف ليقضين زيداً حقه غداً فقضاه قبله ]، لا يحنث؛ لأنه أراد من يمينه أن يُعجّل في قضائه وأن يعطيه حقه في وقته، فلو أعطاه حقه قبله فإنه لا ينافي يمينه.

    [ أو لا يبيع كذا إلا بمائة فباعه بأكثر ]، أي: هو يريد أن لا يبيع بأقل فقال: والله لا أبيع هذا إلا بمائة فباعه بمائة وعشرة، فلا نقول: إنه قد حنث في يمينه.

    [ أو لا يدخل بلد كذا لظلم فيها فزال ودخلها ]، مثل بعض الناس يقول: والله لا أدخل دار فلان، أي: لأن فيها منكرات، ثم إن هذه المنكرات تزول فيدخلها؛ فلا كفارة عليه؛ لأن الذي هيّج يمينه وجود هذه المنكرات فيها.

    [ أو لا يكلّم زيداً لشرب الخمر ]، يقول: والله لا أكلّم زيداً فأنا قد هجرته، فنسأله: هجرته؟ قال: هجرته لأنه يشرب الخمر فيقال له: إنه الآن لا يشرب الخمر فكلّمه فإنك لا تحنث في يمنيك، ولذا قال: [ لم يحنث في الجميع ].

    الرجوع إلى التعيين عند عدم النية والسبب

    قال: [ فصل: فإن عدم النية والسبب رجع إلى التعيين ] ومعناه: أنه إن عدم الحالف النية والسب فإنا نرجع إلى التعيين؛ لأن التعيين قوي، وهو أبلغ من دلالة الاسم.

    قال: [ فمن حلف لا يدخل دار فلان هذه ] قال: والله لا أدخل دار فلان هذه ولا نية له ولا سبب، فإنه حتى لو باعها فلان فإنك لا تدخلها؛ لأن هذا تعيين، ولذا قال: [ فدخلها وقد باعها أو وهي فضاء، أو لا كلمت هذا الصبي فصار شيخاً فكلمه، أو لا أكلت هذا الرُطب فصار تمراً ثم أكله؛ حنث في الجميع ] أي: لأن هذا تعيين.

    ثم ذكر في الفصول التي بعد أنه إذا لم يكن هناك نية ولا سبب ولا تعيين فإنا نرجع إلى اللفظ فنقدم أولاً الحقيقة الشرعية، كما سيأتي.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2736672752

    عدد مرات الحفظ

    684491720