إسلام ويب

دليل الطالب كتاب الأطعمة [1]للشيخ : حمد الحمد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بين الله تعالى للناس الحلال والحرام، ومن أهم ما يجب على المسلم معرفته من ذلك ما يحل من الأطعمة وما يحرم، فإن أي جسم ينبت من حرام فالنار أولى به. والأصل في الأطعمة الحل إلا ما دل الدليل على تحريمه، وقد أوضح القرآن والسنة ذلك في الحيوانات والطيور وكائنات البحر وسائر الأطعمة.

    1.   

    تعريف الأطعمة وبيان أن الأصل فيها الحل

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فنسأل الله جل وعلا أن تكون هذه الدورة مباركة على الجميع، مباركة على من نظّمها، ومن أذِن فيها، ومن حاضر وحضر، إنه مجيب الدعاء، وأن يجعل هذا في ميزان حسنات الجميع إذ قال عليه الصلاة والسلام كما ثبت في الصحيحين: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين).

    وفي ابن ماجة : (طلب العلم فريضة على كل مسلم).

    وكنا قد تدارسنا في دورات سابقة ما تيسر من أحكام البيوع وما بعد ذلك حتى وقفنا على كتاب الأطعمة.

    والأطعمة: جمع طعام، والطعام: هو ما يؤكل أو يُشرب؛ قال جل وعلا: قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [الأنعام:145].

    فقوله جل وعلا: قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً [الأنعام:145] الميتة تؤكل وقوله: أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا [الأنعام:145] الدم يُشرب، فدل هذا على أن الطعام في اللغة: هو ما يؤكل أو يُشرب.

    وقال الله جل وعلا في سورة البقرة على لسان طالوت وهو يتكلم عن النهر: وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي [البقرة:249] فدل ذلك على أن ما يؤكل أو يُشرب فإنه طعام.

    والأصل في الأطعمة الحِل؛ قال الله جل وعلا: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة:29]، دلت هذه الآية الكريمة على أن الأصل فيما خلقه الله جل وعلا أنه لنا حلال مباح، ومن ذلك ما يؤكل ويُشرب من الأطعمة.

    1.   

    ضابط ما يباح من الأطعمة وما يحرم

    قال المؤلف رحمه الله: [ يُباح كل طعام طاهر لا مضرة فيه ]:

    وكل طعام طاهر غير نجس ولا مضرة فيه فإنه يُباح، وأما إذا كان فيه مضرة فلا يُباح، قال الله جل وعلا: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195].

    وقال عليه الصلاة والسلام: (لا ضرر ولا ضرار).

    فما فيه مضرة على الأبدان أو على الأخلاق أو على العقول فإنه يحرم، وهذا هو أصح القولين في تعريف الخبيث، فالصحيح أن الخبيث في قوله جل وعلا: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف:157] أن الخبائث ما فيها ضرر على الأبدان كالدخان، أو الأديان والأخلاق كلحم السباع، أو العقول كالخمرة.

    وقال الجمهور: إن الخبيث: هو ما استخبثه العرب من أهل الحجاز من الحاضرة ذوي اليسار.

    فكل ما استخبثه العرب من أهل الحجاز الذين نزل القرآن عليهم وكانوا من الحاضرة لا من البادية، وكانوا من ذوي اليسار، فما استخبثوه فهو خبيث مُحرّم؛ قالوا: لأن القرآن نزل عليهم فما استخبثه العجم لا يُعد خبيثاً، وما استخبثه أهل البادية من العرب لا يُعد خبيثاً، وما استخبثه ذوو الحاجة والفقر لا يُعد خبيثاً، وما استطابوه لا يُعد طيباً.

    إذاً: ما استطابه أو استخبثه العجم أو أهل البادية فإنه لا يُعد طيباً ولا خبيثاً، هذا هو قول الجمهور.

    والصحيح وهو مذهب مالك واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وقال: هو قول أحمد وقدماء أصحابه؛ لكن هذا خلاف المشهور عند الحنابلة: أن الخبيث هو الضار الذي يضر بالأبدان أو العقول أو الأخلاق.

    فقوله جل وعلا: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ [الأعراف:157] يعني: يحل لهم الطيب بذاته وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف:157] يعني يُحرّم عليهم الخبيث بذاته، فهو خبيث بذاته فيه ضرر ولا نرجع في ذلك إلى ما تقدم ذكره؛ لأن الاستخباث أمر اعتباري، ولذا لما أُتي بالضب في مائدته عليه الصلاة والسلام قال: (إني لم أجده في أرض قومي فأجدني أعافه) متفق عليه.

    بعض الناس قد يستخبث لحم البقر؛ لأنه لم يعتد أكله، ولم يعتد أهله أكل ذلك، ولا يجد أن قومه يأكلونه، وبعضهم قد يستخبث أكل لحم الإبل، وبعضهم يستخبث بعض الصيد، وبعضهم يستخبث الضب...

    وعلى ذلك فنقول: إن الصحيح أن الخبيث: هو ما كان خبيثاً بذاته، وأن الطيب: هو ما كان طيباً بذاته، وأن المعنى: أن الله جل وعلا يُحل لهم فيما يوحيه إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ما كان طيباً، ويحرم عليهم فيما يوحيه إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ما كان خبيثاً.. هذا هو الصحيح.

    وعلى ذلك فالحشرات تحل على مذهب الإمام مالك ، وتحرم على قول الجمهور، والصحيح أنا نرجع إلى أهل الطب، فإن ذكروا لنا أن فيها ضرراً فإنا ننهى عن أكلها، وإن لم يذكروا فيها ذلك فإنا لا نقول بتحريمها.. إذاً الخبيث ما كان خبيثاً بذاته والطيب ما كان طيباً بذاته.

    قال المؤلف رحمه الله: [ حتى المسك ونحوه ].

    يجوز أن يوضع المسك في الشراب ويُشرب ولا مانع من ذلك، وإن كان الناس لا يعتادونه.

    فمراد المؤلف هنا أن كون الناس لم يعتادوا على طعام لا يعني أنه حرام، مثل قشر البرتقال أو قشر الموز أو قشر البيض، فإنها أطعمة لم يعتد الناس أكلها، فلا نقول غنها حرام.

    1.   

    تحريم أكل النجاسات

    قال: [ ويحرم النجس كالميتة والدم ولحم الخنزير ].

    قال تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [الأنعام:145].

    فكل نجس فهو حرام كالميتة والدم ولحم الخنزير.

    قال المؤلف رحمه الله: [ وكذا البول والروث ولو طاهرين ].

    قال هنا: (ولو طاهرين).

    أي: لاستقذارهما، يقول: يحرم أكل البول والروث ولو كان طاهراً كروث الغنم، ولا نقول إنه حرام لأنه نجس، فليس بنجس؛ لكنه مستقذر، أي: مستخبث.

    ونرجع إلى ما تقدم فنقول: إن كان فيه ضرر على الأبدان أو العقول أو الأخلاق فهو حرام، وإن لم يكن فيه ضرر فإنه لا يحرم.

    إذاً: ما كان نجساً في الشرع فهو حرام، وما كان مستقذراً عند الناس فلا شك أن أكله لا ينبغي؛ لكن هل يحرم؟

    نقول: إن كان ضاراً فهو حرام، وإن لم يكن ضاراً فليس بحرام.

    1.   

    ما يحرم من حيوان البر

    قال: [ ويحرم من حيوان البر الحمر الأهلية ].

    أي: لما جاء في الصحيحين: (أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في الخيل).

    فالحمر الأهلية هي هذه الحمر المعروفة التي تُركب، وليست الوحشية ذات الخطوط، فإن الوحشية من الصيد، ولذا فإن النبي عليه الصلاة والسلام لما أُهدي له حمار وحش كما في الصحيحين قال: (كلوا ما بقي من لحمه).

    وفي الصحيحين: (أن الصعب بن جثامة أهدى له حماراً وحشياً)، فالحمار الوحشي صيد.

    وأما الحمار الأهلي الذي يُركب فهو حرام ولو توحش، أي: لو أن الناس تركوه في البراري -ولم يتخذوه كما في هذا الزمن- حتى توحش وصار يأكل من أعشاب الأرض ويأكل ما يجد من الجيف وغير ذلك؛ فإنه يبقى حراماً باتفاق العلماء، وإنما الكلام في الحمار المتوحش الذي له خطوط، فهو نوع آخر، وهو صيد.

    قال المؤلف رحمه الله: [ وما يفترس بنابه كأسد، ونمر، وذئب، وفهد، وكلب، وقرد، ودب، ونمس، وابن آوى، وابن عرس، وسنور ولو برياً، وثعلب، وسنجاب، وسمّور ].

    فما له ناب فإنه يحرم عند الجمهور خلافاً لـمالك ، ويدل على ذلك ما ثبت في صحيح مسلم : (أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير)، وهذا زائد على ما جاء في القرآن: قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [الأنعام:145]، فإن الآية مكية، ونهي النبي عليه الصلاة والسلام عن كل ذي مخلب من الطير، وكل ذي ناب من السباع إنما كان في المدينة.

    وما ذكر المؤلف رحمه الله هنا من الحيوانات فإنها كلها تحتاج إلى تحقيق المناط، فما كان ذا ناب يفترس به فهو حرام؛ لأن بعض هذه الأنواع قد نجهلها ولا نجزم بأنها ذات ناب حتى نتحقق من ذلك إما بأنفسنا أو بسؤال أهل الخبرة، فالمقصود من ذلك أن ما كان فيه ناب يفترس به فهو حرام.

    وذكر المؤلف السنور، والسنور الهرة، ويدل على تحريم أكل الهرة نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن ثمنها وبيعها، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ثمن السنور، ونهى عليه الصلاة والسلام -كما في أبي داود - عن أكل الهر، ولأن لها ناباً كما تقدم.

    1.   

    ما يحرم من الطير

    قال: [ ويحرم من الطير ما يصيد بمخلبه، كعقاب، وباز، وصقر، وباشق، وحدأة، وبومة ].

    لأن هذه المذكورة لها مخلب تأكل به وتعدو به، فهذه كلها حرام داخلة في النهي الوارد في صحيح مسلم : (وكل ذي مخلب من الطير).

    قال: [ وما يأكل الجيف ].

    الذي يأكل الجيف حرام، ولذا نهى الشرع عن أكل الغراب الأبقع، فقد جاء في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (خمس يُقتلن في الحل والحرم: الحية، والغراب الأبقع) وهو الذي في رأسه بياض أو في بعض بدنه بياض (والفأرة، والحدأة، والكلب العقور).

    وأمر الشرع بقتلها دال على النهي عن أكلها، إذ لو جاز أكلها لم يأمر بقتلها؛ لأن الشرع نهى عن إضاعة المال، ولأمر الشرع بذبحها لتؤكل، لكنه قال: (يُقتلن) فدل ذلك على أنها لا تُذبح فتؤكل، وعلى ذلك فلازم أمر الشرع بقتلها نهيه عن أكلها، فكل ما أمر الشرع بقتله فإنه لا يؤكل.

    إذاً: هذه هي قاعدة قال أهل العلم إنها أصل في المطعومات، وهي أن كل ما أمر الشرع بقتله فإنه لا يجوز أكله؛ لأن الشرع ينهى عن إضاعة المال، ولو كان أكله جائزاً لأمر بذبحه لا بقتله.

    وكذلك قالوا -وهو أصل آخر- ما نهى الشرع عن قتله فحرام أكله؛ لأنه لو أجزنا أكله لكان ذلك ذريعة إلى قتله، وقد جاء في سنن أبي داود : (أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن قتل أربع: النملة، والنحلة، والهدهد، والصرد)، والصرد: نوع من الطير.

    فهذه نهى الشارع عن قتلها فلا يجوز أكلها، إذ لو جاز أكلها لكان ذلك ذريعة إلى قتلها.

    كما أن الشارع نهى عن قتل الضفدع كما جاء في سنن أبي داود والنسائي ومسند أحمد ، ففيها أنه: (أتاه طبيب فسأله عن أكل الضفدع للدواء؟ فنهى النبي عليه الصلاة والسلام عن قتل الضفادع)، فلا يجوز أكلها؛ لأنا لو أذِنّا في قتلها لقتلها الناس أو ذبحوها.

    قال: [ وما يأكل الجيف كنسر، ورخم، وقاق، ولقلق ] وهو نوع من الطير يأكل الحيات، [ وغراب، وخفاش، وفأر، وزنبور، ونحل، وذباب، وهدهد، وخطاف، وقنفذ، ونيص، وحية، وحشرات ].

    هذه كلها تأكل الجيف، وعلى ذلك فتحرم.

    إذاً: كل ما يأكل الجيف فإنه يحرم، وهذه الأنواع -كما ذكرت- تحتاج إلى تحقيق المناط، أعني تحقيق العلة؛ فإن ثبت لنا أن العلة متحققة فيها وهي أكل الجيف قلنا إنها حرام؛ لأن الجيف خبيثة، وأكلها يؤثر على اللحم، ولذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن أكل الجلالة التي تأكل النجاسات وعن شرب لبنها، كما جاء هذا في سنن أبي داود والترمذي ، وهو حديث صحيح، فكذلك ما يأكل الجيف لأن لحمه يتأثر بهذا الخبث الذي يأكله، وعلى ذلك فيكون ضاراً.

    وهذا الذي ذكر المؤلف يحتاج إلى تحقيق المناط، فالغراب الأبقع يأكل الجيف، ولذا نهى عنه الشارع؛ لكن النيص لا يأكل الجيف وإنما يأكل جمار النخل، ولذا فإن الصحيح أن النيص حلال، والنيص: شبيه بالقنفذ وإن كان يختلف عنه في الحجم، ولذا فإنهم يقولون: هو عظيم القنافذ.

    وأدخل المؤلف أنواعاً ليس تحريمها لأكل الجيف، وإنما تحريمها لأن الشرع نهى عن قتلها كالنمل والنحل.

    1.   

    حل ما تولد من مأكول طاهر

    قال: [ ويؤكل ما تولد من مأكول طاهر ].

    أي: إذا كان عندنا مأكول طاهر مثل التمر والجبن فتولد منه دود، فهذا الدود يتبعه في الحل، ولذا قال هنا: [ ويؤكل ما تولد من مأكول طاهر كذباب الباقلا، ودود الخل والجبن، تبعاً لا انفراداً ].

    يعني: ما يجمع ويؤكل، وإنما يكون تبعاً للجبن وتبعاً للخل وتبعاً للباقلا، فهذا جائز؛ لأنه يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً.

    1.   

    تلخيص أصول الأطعمة المحرمة

    إذاً ما كان ذا ناب من السباع، وما كان ذا مخلب من الطير، وما أمر الشرع بقتله، وما نهى الشرع عن قتله، وما كان يأكل الجيف، وما كان ضاراً بالأبدان أو العقول أو الأخلاق؛ فإن ذلك يحرم.

    وهذه عدة أصول يجمعها هذا الأصل الأخير: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف:157].

    فكل ما كان ضاراً بالأبدان أو العقول أو الأخلاق فهو حرام، ومنه كل ذي مخلب من الطير، وكل ذي ناب من السباع، وما يأكل الجيف، وما نهى الشرع عن قتله كالهدهد والنحل، وما أمر الشرع بقتله كالحية والعقرب؛ فهذه أصول الأطعمة المحرمة.

    وما ذُكر لنا من أنواع إن كان النبي عليه الصلاة والسلام قد نص على حكمها فهذا واضح، وإن كان لم ينص عليه فنحتاج إلى ما يسمى بتحقيق المناطق، أي: تحقيق العلة، فما تحققت فيه العلة التي تقتضي النهي قلنا بتحريمه، وما لم تتحقق فيه قلنا بإباحته.

    قال: [ فصل: ويباح ما عدا هذا كبهيمة الأنعام ].

    قال الله جل وعلا: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ [المائدة:1].

    [ والخيل ].

    للحديث المتقدم: (أن النبي عليه الصلاة والسلام حرّم يوم خيبر الحمر الأهلية وأذن بالخيل)، فالخيل مباحة.

    [ وباقي الوحش كضبع ].

    الضبع صيد كما جاء عند الخمسة وصححه البخاري من حديث جابر رضي الله عنه: (أن الضبع صيد).

    فإن قيل: إنه ذو ناب؟ فالجواب: أن أضراسه صفيحة وليست ناباً كسائر السباع؛ ولأنه لا يفترس في العادة، يعني إلا عند الحاجة، فليس له افتراس في العادة أو في الغالب، إنما غالب أكله الأعشاب ولذا فهو صيد، وهذا نص عن النبي عليه الصلاة والسلام.

    قال: [ وزرافة، وأرنب، ووبر، ويربوع، وبقر وحش، وحمره ].

    حمر الوحش كما تقدم مباحة لما جاء في الصحيحين من حديث أبي قتادة وغيره.

    قال: [ وضب ].

    لأن النبي عليه الصلاة والسلام وإن لم يأكله؛ لكنه أقر خالداً على أكله في مائدته عليه الصلاة والسلام -كما في الصحيحين- وقال: (إني لم أجده في أرض قومي فأجدني أعافه).

    [ وظباء ]، [ وباقي الطير كنعام ودجاج ].

    فقد أكل النبي عليه الصلاة والسلام الدجاج كما في الصحيح.

    [ وطاووس، وببغاء، وزاغ ] هذا نوع من الطير، [وغراب زرع ] لأن غراب الزرع لا يأكل الجيف، وإنما يأكل الزرع.

    1.   

    حكم حيوان البحر

    قال: [ ويحل كل ما في البحر ].

    كل ما في البحر فهو حلال لقول الله جل وعلا: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ [المائدة:96].

    وروى الخمسة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال في البحر: (هو الطهور ماءه الحل ميتته).

    قال: [ غير ضفدع ].

    أي: فتحرم؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن قتله كما روى ذلك أحمد وأبو داود والنسائي .

    [ وحية] لأنها من المستخبثات، والمقصود حية البحر، وهذا يحتاج إلى تحقيق مناط فإن كانت ذات سم تلدغ كحية البر فلها حكم حية البر، وأما إذا كانت كحية البر في الصورة فقط ولا تلدغ فهي حلال، ولذا فإن القول الثاني لأهل العلم هو الجواز.

    قال: [ وتمساح ] قالوا؛ لأن التمساح له ناب.

    إذاً: كل ما في البحر فهو حلال لعموم الحديث، ولا يستثنى من ذلك إلا الضفدع والحية والتمساح.

    1.   

    حكم الجلالة

    قال: [ وتحرم الجلالة، وهي التي أكثر علفها النجاسة، ولبنها، وبيضها ] يعني: ويحرم لبنها وبيضها.

    فالجلالة من الدجاج والغنم والبقر والإبل التي يكون غالب أكلها النجاسات حرام؛ لنهي النبي عليه الصلاة والسلام عن الجلالة عن أكلها وشرب لبنها، كما جاء هذا في أبي داود والترمذي ، وهو حديث صحيح.

    قال: [ حتى تُحبس ثلاثاً وتُطعم الطاهر ] كما صح ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما.

    فإذا حُبست الجلالة ثلاثة أيام لا تُطعم إلا طاهراً، فإن دمها يطهر من هذه النجاسة التي ترد إليها فتحل.

    فبعض الناس يشتري دجاجاً يُطعمه أهله القاذورات من الأرواث النجسة وغيرها، فيشتريه ويحبسه عنده ثلاثة أيام يطعمه الشعير والخبز ونحوه فيحل، وقد صح ذلك عن ابن عمر رضي الله عنه ولا يُعلم له مخالف.

    1.   

    الأطعمة المكروهة

    قال: [ ويُكره أكل تراب وفحم وطين وأُذن قلب ] يعني: الغدة التي تكون داخل القلب مثل الأذن، ولم أقف على دليل صحيح يدل على كراهية ذلك.

    أما ما ذكر من أكل التراب والفحم والطين، فإن كان يضر فهو حرام، وإن كان لا يضر فإنا لا نقول إنه حرام ولا مكروه؛ لأن الكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل.

    وبعض النساء الحوامل يكون وحام بعضهن أكل التراب، وبعضهن يكون وحامها أكل الفحم، وإذا أكلت ذلك لم يضرها.

    إذاً: المناط هو الضرر، فإن كان يضر إما بقول طبيب ثقة، أو كان ذلك بالعلم التجريبي عند الناس فإنه حرام، وإن كان غير ضار كأن يأكل الشيء اليسير منه فإنا لا نقول إنه حرام ولا نقول إنه مكروه أيضاً؛ لأن الكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل.

    قال: [ وبصل، وثوم، ونحوهما ] يعني ككراث وفجل، وذلك لكراهة رائحتها، ولذا فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من أكل ثوماً أو بصلاً فلا يقربن مصلانا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه ابن آدم) متفق عليه.

    وجاء في الترمذي أن النبي عليه الصلاة والسلام إنما كره ذلك من أجل ريحه، ولذا فإنها تُمات طبخاً حتى تذهب رائحتها، فهذه كراهة من أجل الريح، فكل طعام له رائحة مكروهة فإنه يُكره؛ لأن هذا يؤذي الملائكة، والملائكة تتأذى مما يتأذى منه ابن آدم.

    قال: [ ما لم ينضج بطبخ ] أي: فإذا نضج بطبخ وزالت رائحته أو خفّت جداً فإنه لا يُكره.

    1.   

    أكل الميتة للمضطر

    قال: [ فصل: ومن اضطر جاز له أن يأكل من المحرم ما يسد رمقه فقط ].

    لقول الله جل وعلا: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة:173] ] أي: من اضطر لأكل ما يحرم مما تقدم ذكره غَيْرَ بَاغٍ أي غير طالب لذلك ولا مريد له، فلا يشتهي هذا ويرغبه ويطلبه وَلا عَادٍ يعني: لا يتجاوز سد رمقه؛ لأن الضرورة تقدر بقدرها، ولذا قال المؤلف هنا: [ ما يسد رمقه فقط ].

    إذاً: من اضطر وهو لا يحمله على ذلك الشهوة وإنما حمله الاضطرار، ولا يأكل فوق ما يسد رمقه فهو غير باغ ولا عاد، فيجوز أن يأكل من الميتة أو من النجاسات ما يسد الرمق فقط، وما يدفع ضرورته فقط لا يتجاوز ذلك.

    وعنه: له الشبع؛ يعني: له أن يشبع من الميتة، والصحيح ما قاله الموفق رحمه الله: وأن له الشبع إذا كان لا يرجو زوال ضرورته.

    يعني: إذا كان في حال بحيث إنه لا يرجو أن تزول عنه هذه الضرورة قريباً، وذلك أن بعض الناس يكون في مفازة ويجد ميتة ولا يرجو الوصول إلى الطعام فيقول: كيف أنتظر وليس لي طريق بحيث أني أنجو من هذه المفازة، فهذا له أن يأكل حتى يشبع، وأما إذا كان يرجو زوال هذه الضرورة فإنه يأكل ما يسد رمقه فقط.

    قال: [ ومن لم يجد إلا آدمياً مباح الدم كحربي وزان محصن فله قتله وأكله ]:

    إذا لم يجد طعاماً يأكله، ولم يجد إلا آدمياً مباح الدم، أي: غير معصوم الدم، ومعصوم الدم هو المسلم والذمي، فإذا كان معصوم الدم فلا يجوز قتله لدفع المجاعة ودفع الاضطرار.

    وأما إذا كان حربياً أو كان زانياً محصناً قد أُبيح دمه لزناه، فإنه يجوز قتله وأكله.

    فإن وجد معصوماً ميتاً، فهل له أن يأكله؟

    إذا لم يجد ما يأكل إلا هذا المعصوم الميت فالمذهب أنه لا يجوز أكله.

    والقول الثاني في المسألة وهو الراجح: أنه يجوز أكله، وهو مذهب الشافعية؛ لأن حرمة الحي تُقدم على حُرمة الميت، فهو لم يقتله لكنه ميت وهو معصوم الدم فأكل منه ما يدفع به ضرورته.

    وهل يجوز أن يأكل من بدنه كفخذه ونحوه ما تزول به ضرورته؟

    قولان: المشهور في المذهب أنه لا يجوز.

    والقول الثاني في المذهب: الجواز، وهو أصح؛ لأن أكله شيئاً من فخذه مفسدة صغرى فتُقدم على المفسدة الكبرى وهي هلكته؛ فلا بأس بذلك على الصحيح.

    1.   

    انتفاع المضطر بمال الغير أو أكله

    قال: [ ومن اضطر إلى نفع مال الغير مع بقاء عينه وجب على ربه بذله مجاناً ].

    هذا رجل احتاج إلى مال غيره من غير إتلاف لهذا المال، كأن يُضطر إلى ثوب يدفع به البرد، أو يُضطر إلى سكين يذبح بها، فيأخذه مجاناً بلا أُجرة ما دام مُضطراً إليه؛ لأن ذلك من الماعون الذي قال الله جل وعلا: وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ [الماعون:7] فيجب بذله مجان ما دام أن العين ترجع إلى صاحبها.

    وإن كان بحيث تتلف العين كرجل في مفازة فمر على رجل من أهل البادية وعنده طعام، فالواجب عليه أن يبذله له بثمنه، فإن أبى أن يبذله له بالقيمة فإنه يأخذه قهراً؛ لأن هذا من باب دفع الصائل، أي: أن هذا الذي منع كالذي يصول على الأبدان.

    إذاً: إذا كان بحيث يتلف كالطعام فيبذل له بالقيمة وجوباً، واختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وجوب بذله مجاناً للمضطر، قال: لأن إحياء النفس واجب، وهذا من إحياء النفس، فيجب أن يُبذل له مجاناً، وهذا هو الراجح.

    1.   

    أكل المار من البستان واحتلابه الماشية

    قال: [ ومن مر بثمر بستان لا حائط عليه ولا ناظر فله من غير أن يصعد على شجرة أو يرميه بحجر أن يأكل ولا يحمل ].

    من مر على بستان، وهذا البستان ليس له حائط، أي: جدار أو نحوه، وليس له ناظر، أي: حارس، ومثل ذلك من مر على ماشية وليس معها راع، فله أن يحتلب من غير أن يحمل، وهذا الذي يمر على البستان له أن يأكل من غير أن يحمل إذا لم يكن عليه حائط ولا ناظر.

    ويدل على ذلك ما جاء في الترمذي وغيره وهو حديث صحيح، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من مر على ماشية وكان معها صاحبها فليستأذن وليحتلب وليشرب، وإن لم يكن معها صاحبها فليصوت ثلاثاً ثم ليحتلب وليشرب، ولا يحمل).

    ونحوه في البيهقي من حديث أبي سعيد وفيه ذكر الحائط، قال ابن القيم : جاء ذلك عن طائفة من الصحابة.

    ثم قال: [ وكذا الباقلا والحمّص ] وشبه ذلك مما يؤكل رطباً، فإنه يأخذه ويأكله إذا لم يكن عليه حائط ولا ناظر، وإن كان عليه حائط أو ناظر فلا بد من إذن.

    1.   

    حكم الضيافة

    قال: [ وتجب ضيافة المسلم على المسلم في القرى دون الأمصار ].

    الأمصار فيها مطاعم يمكنه أن يأتي هذه المطاعم ويأكل، وأما في القرى والبوادي -وهي التي ليس فيها أماكن يُباع فيها الطعام- فإن الضيافة تجب كما قال: [ يوماً وليلة ] أي: لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكرم ضيفه جائزته قالوا: وما جائزته؟ قال: يوم وليلة، الضيافة ثلاثة أيام فما زاد فصدقة)، يعني: وما وراء ذلك فصدقة.

    فالضيافة تجب يوماً وليلة، وتُستحب ثلاثة أيام، وما زاد فصدقة، ولذا قال: [ وتستحب ثلاثاً ] أي: ثلاثة أيام.

    واختار ابن رجب أن هذه الضيافة تجب للذمي أيضاً، وهذا هو الراجح لعموم الحديث، يعني: حتى الذمي الذي يمر على البوادي والقرى يجب أن يُكرم.

    فإذا لم يُكرم فله أن يأخذ من أهل هذا البيت ما ينبغي له، يعني: ما يُضيف به، وله أن يُقاضيهم عند القاضي؛ لأن ذلك واجب له وحق له كالنفقة، ولذا قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين: (وإذا نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي له) يعني يؤخذ منهم حق الضيف من غير مفسدة، وإلا فله أن يرفع ذلك إلى القاضي ليأخذ حقه؛ لأن هذه الضيافة واجبة.

    وفي هذا الزمان توجد المطاعم التي يستغني بها الناس والمارة، أما إذا لم توجد فإن الواجب على أهل البيت الذين يمر عليهم الضيف أن يُكرموا ضيفهم.

    ونقف عند هذا القدر، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه..