إسلام ويب

دليل الطالب كتاب الحدود [1]للشيخ : حمد الحمد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من تعاليم الإسلام محاربة الجريمة وقطع دابرها وتأمين المجتمع المسلم منها، ومما شرع الله لذلك الحدود الشرعية، فإنها تكون تأديباً للجاني وردعاً لأمثاله.

    1.   

    أحكام الحدود

    شروط من يقام عليه الحد

    قال: [ كتاب الحدود ].

    الحدود: جمع حد، والحد في اللغة: المنع.

    وأما في الاصطلاح: فهي العقوبة المقدرة شرعاً لمعصية، هذه هي الحدود، فكل عقوبة حددها الشارع لمعصية من المعاصي كالزنا؛ فإن هذه العقوبة تسمى حداً.

    قال: [ لا حد إلا على مكلف ]، والمكلف هو العاقل البالغ، فإذا زنى من ليس عاقلاً أو ليس بالغاً فلا يقام عليه الحد، ولذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لـماعز : (أبك جنون؟) كما في الصحيحين، فدل ذلك على أن الجنون يدرأ عنه الحد، وقال عليه الصلاة: (رفع القلم عن ثلاثة: الصبي حتى يبلغ، والمجنون حتى يعقل، والنائم حتى يستيقظ).

    قال: [ لا حد إلا على مكلف ملتزمٍ ]. يعني: ملتزماً لأحكام الشرع، فدخل في ذلك المسلم والذمي، فالمسلم ملتزم لأحكام الشريعة فتقام عليه الحدود؛ ولو لم يلتزم بأحكام الشرع لم يكن مسلماً، فالمسلم يلتزم بأحكام الشريعة الإسلامية، وكذلك الذمي، وهو الذي يعيش في بلدنا وله ذمتنا، فهذا ملتزم تقام عليه الحدود، إذاً: الملتزم هو المسلم والذمي.

    وخرج من ذلك الحربي والمستأمن، فالحربي لا تقام عليه الحدود، والمستأمن كذلك لا تقام عليه الحدود.

    قال: [ عالمٍ بالتحريم ]، أي: ليس جاهلاً به ، الجاهل بالتحريم لا يقام عليه الحد، لكن هل هذا على الإطلاق؟ الجواب: لا. بل نقيد ذلك بما إذا كان مثله يجهله، فالجهل لا شك أنه عذر، ولذا قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286]، والخطأ هو الجهل، قال الله: (قد فعلت) كما في صحيح مسلم .

    وهذا كما يكون في أمور الناس، فلو أن رجلاً خالف في مخالفة مرورية، كقطع إشارة أو نحو ذلك، وقال: أنا لا أعرف أن هذه مخالفة، فإنهم ينظرون، إذا كان الأمر واضحاً جلياً ظاهراً كالإشارة لم يقبلوه، وقالوا: إن مثلك لا يجهل، ولو كان أمراً خفياً كأن يكون الشارع جديداً، وكان له في القديم مثلاً أكثر من اتجاه، والآن ليس له إلا اتجاهاً واحداً، فقد يخفى هذا، وقد يكون الرجل غريباً على البلد، لا يعرف أن هذا الشارع له اتجاه واحد.

    فكذلك في أمور الشرع، فإذا كان حديث عهدٍ بإسلام، أو كان ناشئاً في بادية، وباديتنا في هذا الزمن لا يخفى عليهم الشيء الكثير من أمور الناس؛ لأنهم متعلمون، لكن قد يكون إنسان يعيش بعيداً في الصحراء ولا يعرف من أمور الناس شيئاً، فلا حد.

    الشفاعة في الحدود

    قال: [ وتحرم الشفاعة وقبولها في حدٍ لله تعالى بعد أن يبلغ الإمام ]، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من حالت شفاعته دون حدٍ من حدود الله فهو مضاد لله تعالى في أمره) رواه أبو داود .

    وقال عليه الصلاة والسلام لـصفوان بن أمية لما شفع لمن سرق رداءه: (فهلا كان هذا قبل أن تأتيني به) وقال لـأسامة بن زيد : (أتشفع في حدٍ من حدود الله) كما في الصحيحين.

    وقال كما في أبي داود : (تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حدٍ فقد وجب) .

    لهم أن يتعافوا قبل أن يبلغ الحاكم، وأما إذا وصل الأمر إلى الإمام أو من ينيب الإمام وهم القضاة؛ فإنه لا شفاعة، قد تمر على رجلٍ معه آخر يريد أن يذهب به إلى الشرطة، أو وصل به إلى الشرطة، وقبل أن يصل هذا إلى الإمام أو من ينيبه الإمام فيجوز في هذه الحال أن تشفع.

    وجوب إقامة الحدود

    قال: [ وتجب إقامة الحد ولو كان من يقيمه شريكاً في المعصية ]، يعني: لا تقل إني قد شاركته في المعصية فلا أقيم عليه الحد، بل يقام عليه الحد، ولو كان هذا الذي يقيمه عليه شريكاً له، بعض الناس يقول: إننا كذلك نفعل هذا الأمر، نقول: وإن كنت تفعله فأنكر على من يفعله؛ لأنك إذا لم تنكر على من يفعله كنت في أحط الأمور الثلاثة؛ لأن الناس منهم من يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويجتنبه، وهذه المرتبة العليا، ومنهم من يأمر بالمعروف ولا يأتيه، وينهى عن المنكر ويأتيه، لكن حاله ليست كحال المرائين، بل يرغب بالتوبة ويأمل الرجوع إلى الله جل وعلا، لكن نفسه تغلبه.

    والمرتبة الثالثة: هي أن يأمر بالمنكر ويأتيه، وينهى عن المعروف ولا يأتيه، وهذه أقبح هذه الأحوال، فالله جل وعلا عندما قال: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:44]، أراد سبحانه وتعالى -كما قرر غير واحدٍ من أهل العلم- أن تكون حال المؤمن في الحالة العليا التي تقدم إيضاحها.

    من الذي يقيم الحدود

    قال: [ ولا يقيمه إلا الإمام أو نائبه ]، الإمام الذي له الإمامة العظمى هو الذي يقيمه، وكان النبي عليه الصلاة والسلام وخلفاؤه الراشدون يقيمون الحدود، ونائبه هو الذي ينيبه الإمام كما يكون هذا الآن في وزارة الداخلية، ويدل على ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام قال كما في الصحيحين: (اغدوا يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) فهذا نائب للنبي عليه الصلاة والسلام في هذه المسألة.

    إذاً: لا يقيم الحدود إلا الإمام أو من ينيب الإمام، ولا يقيم آحاد الناس؛ لأنهم إذا أقاموه بأنفسهم ترتب على ذلك أولاً سفكٌ للدماء، وقطعٌ للأطراف، وأذى للخلق، ولأنه لا يؤمن من الحيف، ولأن كثيراً من هذه المسائل تنبني على الاجتهاد.

    قال: [ والسيد على رقيقه ]، السيد يقيم الحد على رقيقة، ولذا قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين: (إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب) والحديث متفق عليه.

    فالسيد يقيمه على عبده؛ لأن عبده ماله، وأمته ماله، فهو أمين عليه.

    مراتب الحدود وكيفية إقامتها

    قال: [ وتحرم إقامته في المسجد ]، فقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن تقام الحدود في المساجد، كما في سنن الترمذي .

    قال: [ وأشده جلد الزاني ]، هذا أشد الحدود، قال الله جل وعلا: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ [النور:2]، فأشد الحدود هو جلد الزاني، [ فالقذف فالشرب فالتعزير ]، القذف لأنه ثمانون جلدة، فكان أعلى من الخمر، وأما الخمر فإن هذه الثمانين ليست كلها حداً، بل منها أربعون حداً وأربعون تعزيراً؛ لأن شارب الخمر كان يجلد في عهد النبي عليه الصلاة والسلام أربعين جلدة، فلما كان عهد عمر وأكثر الناس من شرب الخمر جلدهم ثمانين، وسيأتي هذا إن شاء الله في الكلام على شرب الخمر.

    قال: [ فالتعزير ]، إذاً: جلد الزنا أشد، وليس من جهة العدد فحسب، بل ومن جهة الصفة، يعني: يكون الضرب في الزنا أشد، ثم القذف، ثم الشرب، ثم التعزير.

    قال: [ ويضرب الرجل قائماً ]؛ ليأخذ كل عضوٍ نصيبه، يعني: لتأخذ أكثر أعضاء البدن نصيبها.

    قال: [ بالسوط ]، فيضرب بالسوط، ولا يضرب بحديد أو نحو ذلك؛ لأن المقصود تأديبه وزجر الناس عن هذه المعصية، وليس المقصود إتلاف نفسه.

    فيضرب بسوطٍ لا جديد ولا خلق، لأن الجديد قد يشق الجلد ويؤذي الأذى الكثير، والخلق قد لا يؤدب، فيكون وسطاً بينهما.

    قال: [ ويجب اتقاء الوجه، والرأس، والفرج، والمقتل؛ لئلا يؤدي ذلك إلى إتلافه ]، ولأن الوجه ينهى عن ضربه وعن تقبيحه، كما جاء في ذلك الأدلة.

    قال: [ وتضرب المرأة جالسة ]؛ لأن هذا أستر لها، فلا تضرب قائمةً.

    قال: [ وتشد عليها ثيابها ]؛ لأن هذا كذلك أستر لها، ولحديث الجهنية في صحيح مسلم ، فإن النبي عليه الصلاة والسلام أمر فشدت عليها ثيابها.

    قال: [ ويحرم بعد الحد حبس وإيذاء بكلام ]، لا يجوز بعد ذلك حبسه، ولا يجوز بعد ذلك إيذاؤه بالكلام، وذلك لأن الإيذاء بالكلام والتعيير ونحوه نسخ إلى الحد، ولأن حبسه عقوبة زائدة على ما أمر الله به، فإن الله قد أمر بجلده مائة إذا كان زانياً، أو إذا قذف يجلد ثمانين جلدة، فلا يحبس؛ لأن الحبس زيادة على ما جاء به الشرع، لكن إن ارتبط به أمر آخر، فرأى القاضي أن يحبس من أجله، فهذا أمر آخر، لأن هناك ما يقتضي ذلك زائداً عن مجرد المعصية، كأن يرى الناس قد استهانوا بهذا الأمر وكثر عندهم ونحو ذلك، وأما في الأصل فإنه لا يزاد عليه، ويأتي الكلام على هذا إن شاء الله في التعزير.

    قال: [ والحد كفارة لذلك الذنب ]؛ لحديث عبادة المتقدم، وفيه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (ومن عوقب من ذلك بشيء فهو كفارة له) فالحدود كفارات.

    ومن أتى حداً ستر نفسه، فإن الله ستيرٌ يحب الستر، كما جاء في سنن أبي داود وغيره، ولم يسن أن يقر به عند الحاكم، فلا يستحب له أن يذهب إلى القاضي ويقر على نفسه بهذا الذنب، بل المستحب في حقه أن يستر على نفسه، وأن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى.

    تداخل الحدود

    قال: [ وإن اجتمعت حدود لله تعالى من جنسٍ تداخلت ]، فلو أنه زنى عشر مرات؛ فإنه يحد مرة، لكن إن زنى فحد، ثم زنى ثانية حد، ثم زنى ثالثة حد وهكذا، لكن لو أنه أتي به وقد زنى مرات كثيرة؛ فإنه لا يحد إلا حداً واحداً، فتتداخل هذه الحدود.

    قال: [ ومن أجناسٍ فلا ]، إذا كانت من أجناسٍ فلا، يعني: إذا كانت الحدود من أجناسٍ مختلفة فلا تداخل، [ إلا إذا كان فيها قتل ]؛ فإن القتل يأتي على غيره ويحيط بغيره، وعلى ذلك فلو أن رجلاً وهو بكرٌ قد زنى، وسرق، وقذف، فنقول: تقطع يده لسرقته، ويجلد ثمانين جلدة لقذفه، ويجلد أيضاً مائة جلدة لزناه، لكن يفصل بينهما لئلا يضره ذلك.

    هذا هو ظاهر الأدلة؛ فإن الله أمر أن نقطع يد السارق وهذا سارق، وأن نجلد القاذف وهذا قاذف، فاجتمعت فيه هذه الأوصاف التي تقتضي أن تتعدد من أجلها الحدود، فهو قاذف وهو سارق وهو زانٍ، فصفة الزنا تقتضي الجلد من البكر، وصفة السرقة تقتضي قطع اليد، وصفة القذف تقتضي أن يجلد ثمانين جلدة.

    وأما إن كانت الحدود من جنسٍ واحد كأن يسرق مرات كثيرة، أو يزني مرات كثيرة، فهذا لا يقام عليه الحد إلا مرة واحدة، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم، فقد أجمعوا على ذلك كما حكى ذلك ابن المنذر وغيره.

    وإن كان هذا الذي نريد أن نقيم عليه الحد مريضاً، فننظر إن كان مرضه يرجى برؤه، فالأصح وهو قول الجمهور خلافاً للمذهب أننا ننتظر حتى يبرأ، والحنابلة يرون أنه يقام عليه الحد بقدر ما يحتمل، يعني: يخفف بقدر لا من جهة العدد ولكن من جهة صفة الضرب، والصحيح: أنه يؤخر حتى يبرأ، ولذا فإن علياً رضي الله عنه لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم ليجلد امرأة كانت قد زنت، فأتاها وهي نفساء، فتركها رضي الله عنه حتى تخرج من نفاسها، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: (أحسنت) والحديث في صحيح مسلم .

    وإن كان المريض لا يرجى برؤه كشيخ كبير في السن، أو مصابٍ بمرض كالأمراض المستعصية، ولا يرجى زوال مرضه، فيضرب بما لا يضره، وقد جاء في سنن أبي داود والنسائي : (أن رويجلاً خبث بأمة فأمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يحد، فقيل له: إنه ضعيف، فأمرهم أن يأخذوا عثكالاً فيه مائة شمراخ قال: فاضربوه به)، فيأخذون هذا العثكال الذي فيه مائة شمراخ ويضربونه به ضربة واحدة، وفي الحديث: (فاضربوه به ضربة واحدة).

    والله يقول: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16].

    إقامة الحدود في الغزو والحرم

    واعلم أنه في الغزو لا يقام الحد على الغازي، وإنما يترك حتى يرجع، وهذا من مفردات أحمد ، وفيه آثار عن الصحابة تدل عليه، واختار ابن القيم الجوزية رحمه الله أنه إذا تاب توبةً نصوحاً، أو كانت منه نكاية في العدو؛ فإنه لا يقام عليه الحد، واستدل بقصة أبي محجن ؛ فإن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لم يقم عليه الحد، والأثر في مصنف عبد الرزاق ، ورواه ابن سعد وغيرهما، وهو أثر صحيح.

    فلا يقام الحد في الغزو، ثم إن تاب توبةً نصوحاً، وظهرت منه التوبة، أو كانت منه نكاية بالعدو؛ فإنه لا يقام عليه الحد.

    ونختم هذا الدرس بمسألة وهي: [ أن من أتى حداً من حدود الله، أو قتل، ثم إنه لجأ إلى الحرم، وكان قد فعل ذلك في الحل، فإنه لا يقام عليه الحد حتى يخرج ]، وهذا هو المشهور في مذهب أحمد ، وهو قول الجمهور من التابعين، كما قال ابن القيم رحمه الله: ولا يعرف أن صحابياً ولا تابعياً خالفهم.

    وفيه أثر عن ابن عباس رضي الله عنه رواه ابن جرير أنه قال: من قتل أو سرق في الحل، ثم دخل الحرم، فلا يجالس ولا يكلم ولا يؤوى، ولكنه يناشد حتى يخرج، فإذا خرج أقيم عليه الحد.

    وعند ابن جرير عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: لو رأيت قاتل عمر في الحرم ما ندهته. يعني: ما زجرته، ولا يعلم لهما مخالف.

    ولقوله تعالى: وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران:97]، وعلى ذلك فلا يقام عليه الحد، لكن يضيق عليه، فلا يؤجر إذا أراد أن يستأجر، ولا يباع منه شيء إذا أراد أن يشتري، ولا يجالس فإذا أتى إلى مجلس قاموا منه، ولا يؤوى، ويناشد أن يخرج، ويقال له: تب إلى الله واخرج.

    لكن من أتى حداً في نفس الحرم فإنه يقام عليه الحد، فلو أن رجلاً زنى في الحرم أو قتل أو سرق فإن الحد يقام عليه.

    فإن قيل: ما الفرق؟ نقول: الأول مستعيذ بالحرم لاجئ إليه، والآخر مستهين به قد اخترق حرمته.

    وعلى ذلك فنقول: من أتى حداً أو قتل، ثم لجأ إلى الحرم فإنه يترك حتى يناشد أن يخرج ولا يعتدى عليه، ولكن يضيق عليه حتى يخرج؛ فإذا خرج أقيم عليه الحد.

    ونقف عند هذا القدر، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.