إسلام ويب

دليل الطالب كتاب النفقاتللشيخ : حمد الحمد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • عقد النكاح عقد محترم في الإسلام، وقد رتب عليه الشرع حقوقاً للزوجة على زوجها، فيجب عليه النفقة والكسوة والسكنى بالمعروف، ولا يسقط ذلك إلا في حالات مستثناة كالنشوز. وكذلك تجب النفقة على السيد لمماليكه وأن يعاملهم بالرفق والمعروف، كما يجب على المرء الإحسان إلى أقاربه الفقراء والنفقة عليهم بالمعروف، وفي ذلك تفاصيل للفقهاء بحسب الأدلة الواردة في ذلك.

    1.   

    ما يجب على الزوج من النفقة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ كتاب النفقات ].

    النفقة: هي إعطاء من يجب أن يمونه قوته وكسوته ومسكنه وما يتبع ذلك.

    والنفقة في اللغة هي الدراهم.

    وأما في الاصطلاح فهي: إعطاء من يمونه كفايته من المسكن والكسوة والقوت وما يتبع ذلك.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يجب على الزوج ما لا غنى لزوجته عنه من مأكل ومشرب وملبس ومسكن بالمعروف ]، قال جل وعلا: لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ [الطلاق:7] وقال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف).

    وقال كما في صحيح مسلم : (ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف).

    وفي أبي داود والنسائي أن النبي عليه الصلاة والسلام لما قيل له: (ما حق امرأة أحدنا عليه؟ قال: أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت).

    فيجب على الزوج ما لا غنى لزوجته عنه من مأكل ومشرب وملبس ومسكن بالمعروف، يعني بالعرف.

    قال: [ ويعتبر الحاكم ذلك إن تنازعا بحالهما ]، يعني: إذا تراضيا على النفقة فلهما ذلك، حتى لو كان غنياً فأعطاها نفقة المتوسط أو نفقة الفقير وقد رضيت فهذا إليها، وإلا فإن الأصل أنه ينفق من سعته إذا وسع الله عليه، وإذا ضيق عليه فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها.

    وقوله: (ويعتبر الحاكم ذلك إن تنازعا بحالهما)، يعني: ينظر إلى حال الزوج وينظر إلى حال الزوجة فيعتبر ذلك بحال الزوجين جميعاً، فلو قدر أن الزوج غني والزوجة فقيرة في الأصل، فالواجب عليه أن يعطيها نفقة متوسط، لأن الاعتبار بحال الزوجين.

    ولو قدر العكس فكذلك، ولو قدر أنهما متوسطان فنفقة متوسط.

    إذاً: ينظر إلى حال الزوج وينظر إلى حال الزوجة.

    والقول الثاني في المسألة وهو مذهب الشافعية وهو قول في المذهب وهو الراجح: أن الاعتبار بحال الزوج، فإن كان غنياً فنفقة غني، وإن كان متوسطاً فنفقة متوسط، وإن كان فقيراً فنفقة فقير، لقوله جل وعلا: لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ [الطلاق:7] فاعتبر الله جل وعلا حال الزوج.

    وهنا تفاصيل يذكرها الفقهاء والصحيح في هذه التفاصيل أنا نرجع إلى العرف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بذلك فقال عليه الصلاة والسلام: (ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف)، وقال: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)، فما تلبسه المرأة وما تأكله وما تتزين به ونفقة العلاج كل ذلك يرجع إلى العرف، فإن حكم به العرف حكمنا به، فمرجع ذلك إلى العرف.

    قال المؤلف هنا: [ وعليه مؤنة نظافتها من دهن وسدر وثمن ماء الشرب والطهارة من الحدث والخبث وغسل الثياب ]، هذه عليه لأن العرف يحكم بذلك، لكن ما تتزين به المرأة وتتجمل به من كحل أو غير ذلك قالوا: لا يجب، والصحيح أنه يجب للعرف.

    قال: [ وعليه لها خادم إن كانت ممن يخدم مثلها ]، أي: إن كانت المرأة ممن يخدم مثلها في العادة فيجب أن يأتي لها بخادم تخدمها، لأن هذا هو العرف، وذلك إذا كان مثلها يخدم، فإن كان مثلها لا يخدم فلا، كأن كانت في الأصل فقيرة لا يخدم مثلها، العرف عندنا هنا لا ينظر إلى أصلها، وإنما ينظر إلى حالها وإلى حال زوجها، فلو كان زوجها ثرياً مثله يأتي بالخدم قالوا: يجب هنا في العرف، ولو كانت شابة لا ولد لها فالعرف في غالب البلاد لا يقضي بالخادمة، لكن إذا كانت أم أولاد فإن العرف في بعض البلاد يقضي لها بالخادم، إذاً: نرجع إلى العرف.

    1.   

    وقت دفع نفقة الزوجة وكسوتها

    قال: [ فصل: والواجب عليه دفع الطعام في أول كل يوم ].

    الواجب عليه أن يعطيها في أول كل يوم طعامها، هذا في العرف القديم، يعني إذا كان الصباح أخذ لها حفنة من أرز أو حفنة -مثلاً- من طحين وقال: هذا طعام هذا اليوم؛ لكن العرف الآن ليس على هذا.

    قال: [ ويجوز دفع عوضه إن تراضيا ]، إن قال: أعطيك يا فلانة كل شهر خمسمائة ريال، وتكون هذه هي النفقة فرضيت فلا بأس، وإن قالت: لابد أن تأتي بالطعام فلها ذلك، لأن الواجب أن يطعمها لا أن يعطيها دراهم تشتري بها الطعام.

    قال: [ ولا يملك الحاكم أن يفرض عوض القوت دراهم إلا بتراضيهما ]، إن ترافعا إلى القاضي فالقاضي لا يفرض دراهم إلا بالتراضي؛ لأن لها أن تقول: أنا لا أقبل الدراهم وإنما أريد أن يؤتى لي بالطعام، لأن ذلك يحتاج إلى مؤنة.

    قال: [ وفرضه ليس بلازم ]؛ لأنه فرض غير واجب.

    قال: [ وتجب لها الكسوة في أول كل عام ]، أي: في أول كل عام يعطيها الكسوة السنوية، لكن الصحيح أن هذا يرجع إلى العرف، فقد تتعدد الكسوة باختلاف البلدان غنى وفقراً، عسراً ويسراً.

    وعلى ذلك نقول: يرجع هذا إلى العرف لما تقدم، فالقاعدة هي الرجوع إلى العرف.

    قال: [ وتملكها بالقبض فلا بدل لما سرق أو بلي ]، لو سرق منها أو بلي لم يلزمه أن يأتي لها ببدل، والصحيح في العرف أنه يلزمه ذلك.

    قال: [ وإن انقضى العام والكسوة باقية فعليه كسوة للعام الجديد، وإن مات أو ماتت قبل انقضائه رجع عليها بقسط ما بقي ] إذا أعطاها كسوة للعام من أوله فماتت بعد ستة أشهر أو مات بعد ستة أشهر وكانت الكسوة تسوى مائة فإنه يرجع بخمسمائة؛ لكن العرف يخالف هذا.

    قال: [ وإن أكلت معه عادة أو كساها بلا إذن سقطت ]، هذه عادة الناس، فعادة الناس أن المرأة تأكل وتكسى من غير أن يقول: هذه كسوتك وتقول: رضيت، أو يقول: هذا قوتك وتقول: رضيت، فالعادة أنها تأكل معه في بيته وتلبس مما يأتي لها من الثياب.

    ثم قال: هنا إذا غاب الزوج عن زوجته مدة، ولم ينفق عليها فهل لها أن ترجع بالنفقة، أم تسقط نفقة الزوجة بمضي الزمان؟

    الجواب: لا تسقط نفقة الزوجة بمضي الزمان، وهذه من الفروق بين نفقة الأقارب كالولد ونفقة الزوجة، فنفقة الزوجة لا تسقط بمضي الزمن، ونفقة الأقارب تسقط بمضي الزمن، ولذا جاء في سنن البيهقي أن عمر رضي الله عنه بعث إلى أمراء الأجناد في أناس تركوا نساءهم بأن يأخذوهم على أن ينفقوا أو يطلقوا، فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما حبسوا.

    فالمرأة لها أن تطالب زوجها بنفقة ما مضى، فإذا تركها سنة لا ينفق عليها ثم جاء يقول: أنت الآن أكلت وشربت والحمد لله، فإنا نقول: لها أن تطالب بالنفقة، فهذا حق لها، ولذا تجب في حال عسره ويسره، فنفقة الزوجة على الخصوص دون نفقة الأقارب لا تسقط بمضي الزمان.

    1.   

    ما يسقط نفقة الزوجة وما لا يسقطها

    قال: [ فصل، والرجعية مطلقاً ] إلى أن قال: كالزوجة في النفقة والكسوة والمسكن، لأن الرجعية زوجة، ولذا قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ [البقرة:228] فهو بعل لها، فبمقتضى الزوجية يجب أن ينفق، ولذا قال الله عز وجل: لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ [الطلاق:1] فبيته بيتها، وعلى ذلك إذا طلق الرجل امرأته طلاقاً رجعياً فلها النفقة ولها الكسوة ولها السكنى، ولذا جاء في المسائل أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إنما النفقة والسكنى لمن تملك الرجعة).

    إذاً الرجعية إنما يسقط قسمها في المبيت فقط، وأما نفقتها وكسوتها وسكناها فلا تسقط.

    قال: [ والبائن والناشز الحامل ].

    أي: البائن الحامل، فإذا طلق امرأته بالثلاث بانت منه بينونة كبرى، فلا ينفق عليها لأنها ليست بزوجة ولذا لا ترث ولا تورث، ولكن إن كانت حاملاً فإنه ينفق عليها.

    قال الله جل وعلا: وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ [الطلاق:6].

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في سنن أبي داود : (لك النفقة إن كنت حاملاً)، قال ذلك للبائن.

    وجاء في صحيح مسلم أن فاطمة بنت قيس طلقها زوجها ثلاثاً فلم يجعل لها النبي عليه الصلاة والسلام سكنى ولا نفقة.

    إذاً: البائن التي طلقها بالثلاث لا نفقة لها ولا سكنى إلا أن تكون حاملاً، فإذا كانت حاملاً فإنه ينفق عليها حتى تضع حملها، وهل النفقة للحمل أو النفقة لها هي من أجل الحمل، المشهور في المذهب أن النفقة للحمل، لأنها وجدت بوجوده وتنتفي بانتفائه.

    والقول الثاني وهو رواية عن أحمد : أن النفقة لها هي من أجل الحمل، قالوا: بدليل أنها تجب في حال العسر واليسر، قالوا: فدل أنها لها.

    واختار شيخ الإسلام أنها لها وللحمل جميعاً، فقال: هي للحمل ولها.

    ويترتب على الخلاف أنا إذا قلنا إنها للحمل فإنها تسقط بمضي الزمن، وإذا قلنا لها من أجل الحمل فلا تسقط بمضي الزمن.

    وشيخ الإسلام يقول بالأمرين جميعاً، وهذا هو الصحيح، لأن النفقة للحمل فتنتفي بانتفائه وتوجد بوجوده ولها من أجل هذا الحمل.

    وعلى ذلك فنقول: النفقة للحمل ولها، ولذا تجب النفقة في حال العسر واليسر على الحامل، ولا تسقط بمضي الزمان، فهي للحمل لأنها إنما وجبت لوجوده، وتجب لها من أجل حملها، ولذا لا تسقط بمضي الزمان.

    والناشز كذلك إن كانت حاملاً، فإن لم تكن حاملاً فلا نفقة لها، فالمرأة إذا عصت أو نشزت فلا نفقة لها، وإن كانت حاملاً فلها النفقة.

    لو أن المرأة خرجت من بيت زوجها بلا رضاه إلى أهلها ومكثت عند أهلها ناشزاً فلا ينفق عليها، فإن كانت حاملاً وجب أن ينفق.

    قال: [ والمتوفى عنها زوجها حاملا ]، كذلك المتوفى عنها زوجها يؤخذ من تركته وينفق عليها، وتقتسم معهم الباقي؛ لكن يؤخذ من أصل التركة ما يكفيها نفقة وكسوة وسكنى، لأنها حامل.

    قال: [ كالزوجة في النفقة والكسوة والمسكن ]، فالرجعية مطلقاً والبائن الحامل والناشز الحامل والمتوفى عنها إذا كانت حاملاً هن كالزوجة في النفقة والكسوة والمسكن.

    قال: [ ولا شيء لغير الحامل منهن ]، أي: من الثلاث.

    حكم نفقة الزوجة إذا سافرت لحاجتها أو لنزهة أو زيارة

    قال: [ ولا لمن سافرت لحاجتها أو لنزهة أو زيارة ولو بإذن الزوج ]، يقول: إذا سافرت المرأة لتزور أهلها فلا نفقة لها ولو بإذنه، وإن زارت أهلها في البلد ولو بغير سفر، أو حجت تطوعاً أو نحو ذلك، وكذلك حج الفرض، قال: فلا نفقة لها.

    والصحيح وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي أن لها النفقة إلا أن تكون ناشزاً أو عاصية، فالنفقة بمقتضى الزوجية.

    وهم قالوا: لأنه لا يستمتع بها في هذه الحال لأمر من جهتها، وإذا سافرت ولو بإذنه انقطع استمتاعه عنها؛ لكن نقول: إن النفقة إنما تجب بمقتضى الزوجية، ولا يسقط حقها من النفقة إلا إذا نشزت أو عصت.

    وعلى ذلك فإذا استأذنته لحج تطوع أو حجت فرضاً ولو بلا إذنه -لأن الفرض لا يحتاج إلى إذن- أو سافرت إلى أهلها أو ذهبت لنزهة، إن كان ذلك بإذنه فيجب أن ينفق، لكن لو زارت أو سافرت إلى أهلها بلا إذنه فهذه عاصية.

    قال: لكن إذا كان سفرها لأهلها بمقتضى العرف والعادة -لأن العادة أنهم يسمحون لنسائهم أن يسافرن في السنة مرة- فيجب أن يأذن لها، وإن سافرت ولو بلا إذنه لم يسقط حقها من النفقة لأن هذا السفر حق لها وليس له أن يمنعها؛ لكن عليها أن تطيب خاطره وأن لا تذهب إلا بإذنه، وقد تقدم أن هذه الأمور ترجع إلى العرف.

    حكم اختلاف الزوجين في أخذ النفقة والنشوز

    قال: [ وإن ادعى نشوزها أو أنها أخذت نفقتها وأنكرت فقولها بيمينها ]، إن ذهبت إلى القاضي تطالب بالنفقة، فقال: لقد أخذت النفقة، فعليها اليمين، وعلى ذلك فالقول قولها وتحلف، فإذا حلفت أعطاها نفقة ما مضى.

    والقول الثاني في المسألة وهو مذهب المالكية واختيار شيخ الإسلام قالوا: إن القول قول الزوج لأن العرف يشهد بذلك، فسكوت المرأة عن المطالبة فيما مضى والناس ينفقون على زوجاتهم من غير أن يأتوا ببينة تشهد بذلك، أي أنه لا أحد يأتي ببينة ويقول: انظر فأنا أنفق على امرأتي، فكونها ساكتة في بيته وليس لها ما تنفق منه يدل على أنها تأكل من بيته، وعلى ذلك فالقول قوله لكن بيمينه، فنقول له: القول قولك أنت لكن احلف أنك كنت تنفق عليها، وذلك لأن دلالة الحال أقوى من الأصل.

    أي أنه تعارض عندنا في هذه المسألة الأصل ودلالة الحال، فالأصل عدم النفقة، ولذا قال الفقهاء إن اليمين على الزوجة لأن الأصل معها، والآخرون قالوا: دلالة الحال أن المرأة ما دام في بيت زوجها فإنه ينفق عليها، ودلالة الحال أقوى من الأصل.

    حكم إعسار الزوج بالنفقة أو غيابه دون ترك النفقة

    قال: [ ومتى أعسر بنفقة المعسر ]، يعني أصبح لا يستطيع أن ينفق عليها حتى نفقة المعسرين، فإذا أعسر بنفقة المعسر، [ أو كسوته أو مسكنه، أو صار لا يجد النفقة إلا يوماً دون يوم، أو غاب الموسر وتعذرت عليها النفقة بالاستدانة وغيرها ]، أي فليس عنده طريق أخرى تأكل منه، فلا تستطيع أن تذهب إلى البقالة أو التموينات فتقول: اكتبوا على زوجي حتى يأتي، قال: [ فلها الفسخ فوراً ومتراخي ].

    هذا رجل أصبح لا يقدر أن ينفق على امرأته حتى نفقة المعسر، أو يقدر يوماً ويعجز يوماً، أو هو قادر لكنه سافر ولم تقدر على الاستدانة عليه، قالوا: فلها الفسخ، واستدلوا بما روى الدارقطني عن سعيد بن المسيب : أنه قال فيمن لا يقدر على أن ينفق على امرأته: يفارقها، فقيل له: سنة؟ قال: سنة. ومراسيل سعيد بن المسيب عند أهل العلم يحتج بها، هذا هو المذهب.

    والقول الثاني في المسألة وهو مذهب الأحناف ورواية عن أحمد واختيار ابن قيم الجوزية واختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي قالوا: بل ليس لها أن تفسخ، ولا يمكنها القاضي من الفسخ إلا أن تكون مضطرة إلى ذلك، أي في ضرورة.

    المذهب يقولون: حتى لو كانت المرأة غنية، أو كان هناك من ينفق عليها، كما لو قال أبوها: أنا أنفق، أو كانت هي موظفة أو لها مال إرث؛ يقول: فلها أن تفسخ ما دام أنه عجز عن نفقة المعسر أو سافر ولم يترك لها نفقة ولم تتمكن من الاستدانة، أي أن لها الفسخ مطلقاً.

    أما أهل القول الثاني فقالوا: إنه ليس لها الفسخ إلا إذا دفعتها إلى ذلك الضرورة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا ضرر ولا ضرار)، فإذا خشيت على نفسها الضرر حيث لم يكن عندها شيء تنفق منه، فليس هناك مال قد ورثته ولا وظيفة ولا غير ذلك، فما دام أنها تخشى على نفسها الضرر فلها أن تفسخ.

    قالوا: لأن العسر كان كثيراً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، والعسر واليسر مطيتان يركبهما ابن آدم، فلو مكنا كل امرأة من أن تفسخ نفسها من وزجها إذا أعسر لكثر ذلك، وإنما نمكنها فقط إذا خشيت الضرر على نفسها فندفع عنها الضرر بذلك، وهذا هو الصحيح.

    ثم قال رحمه الله: [ ولا يصح بلا حاكم ]، الفسخ هنا لا يصح بلا حاكم لأنه مختلف فيه، فلابد من حاكم، فلا تمكن المرأة من أن تفسخ نفسها وتذهب إلى أهلها وتنتظر الأزواج وتقول: أنا قد فسخت نفسي، بل لابد أن يحكم بذلك القاضي، [ فيفسخ بطلبها أو تفسخ بأمره ]، إذاً: لابد من أن يكون هناك فسخ مبني على أمر القاضي.

    حكم أخذ النفقة من مال الزوج إذا امتنع عنها

    قال: [ وإن امتنع الموسر من النفقة أو الكسوة وقدرت على ماله فلها الأخذ منه بلا إذنه بقدر كفايتها وكفاية ولدها الصغير ]، هذه تسمى بمسألة الظفر.

    هذه امرأة لا ينفق عليها زوجها حيث إنه شحيح عليها، فلها أن تأخذ من مال زوجها ما تنفق به على نفسها وعلى أولادها بالمعروف يعني ما يكفيهم عرفاً.

    لا نقول: خذي بقدر ما تأكلين وتشربين، بل نقول: حتى الكسوة وإن كان زوجك غنياً تأخذين مالاً يكفي لكسوة سنة تناسب غنى زوجك إلى آخر ذلك.

    وهذه تسمى بمسألة الظفر عند أهل العلم، ومسألة الظفر هي أن يكون لك حق واضح ظاهر على شخص وليس بحق خفي، فإذا ظفرت بحقك من خصمك فلا حرج عليك، وذلك إذا كان السبب ظاهراً، كما لو نزلت ضيفاً على أحد في مكان ليس فيه مطاعم -كما كان الناس في القديم يمرون في الطرق أو في القرى الصغيرة- فإذا نزلت ضيفاً عليه فلم يقرك فلك أن تأخذ قراك، وكذلك الولد إذا كان أبوه لا ينفق عليه فله أن يأخذ نفقته؛ لأن السبب هنا سبب ظاهر.

    فإن كان السبب خفياً فلا، فمثلاً: هذا رجل أعطاك عشرة آلاف أمانة وكنت قد أقرضته قبل ذلك خمسة آلاف ريال وجحدها ولا بينة لك عليه، فليس لك أن تأخذ، لأنه ليس لك بينة، وعليه قول النبي صلى الله عليه وسلم في مسند أحمد : (أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك).

    لكن إن كان لك شهود يشهدون أنك قد أقرضته خمسة آلاف ريال أو كان مقراً بذلك فأخذت حقك فهذا سبب ظاهر.

    إذاً: إذا كان السبب ظاهراً فلك أن تظفر بحقك، وإن كان السبب خفياً فلا.

    مثال الخفي أيضاً: ما يأخذه بعض الناس من بيت المال، فإذا استطاع البعض أن يأخذ شيئاً زائداً على بعض البنود أخذ وقال: هذا حقنا من بيت المال، فنقول: لا، هذا سبب خفي وليس بسبب ظاهر، فلا يجوز ذلك.

    1.   

    أحكام نفقة الأقارب والمماليك

    شروط وجوب النفقة على الأقارب

    ثم قال رحمه الله: [ باب نفقة الأقارب والمماليك. يجب على القريب نفقة أقاربه وكسوتهم وسكناهم بالمعروف بثلاثة شروط ] يعني تجب بثلاثة شروط:

    قال جل وعلا: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [البقرة:83] وقال: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ [الإسراء:26].

    وفي الحديث: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف).

    فنفقة الأقارب تجب بثلاثة شروط، والأقارب قد يكونون أصولاً وقد يكونون فروعاً وقد يكونون حواشي، فالأصول كالأب، والفروع كالابن، والحواشي كالأخ والأخت والعم والخال، هؤلاء هم الأقارب.

    يقول: [ تجب بثلاثة شروط: الشرط الأول: أن يكونوا فقراء لا مال لهم ولا كسب ]. لأن هذه النفقة إنما تجب من باب المواساة، فإذا كان غنياً فإنه لا تجب مواساته، وإذا كان قادراً على التكسب لكنه يؤثر الكسل ولا يريد أن يتكسب فلا يجب أن تنفق عليه.

    أي: إذا كان له حرفة ويستطيع أن يعمل ولكن يؤثر الكسل وليس له عذر، أما لو كان له عذر كأن كان كممنوعاً من العمل فهذا عذر.

    إذاً: الشرط الأول أن يكون الأقارب فقراء لا مال لهم ولا كسب.

    الثاني: [ أن يكون المنفق غنيا ]، هذا الذي نطالبه بالنفقة يشترط أن يكون غنياً [ إما بماله أو كسبه ]، يعني يكون عنده مال أو كسب كوظيفة أو حرفة، فالموظف الذي يأخذ راتبه في كل شهر له كسب وكذلك من له حرفة.

    قال: [ وأن يفضل عن قوت نفسه وزوجته ورقيقه يومه وليلته ]، لابد أن يفضل ذلك عن كفاية نفسه وزوجته؛ لأن الزوجة لا تدخل في النفقة على الأقارب ولذا تقدم أن الأقارب هم الأصول والفروع والحواشي.

    إذاً: أن يكون فاضلاً عما ذكر؛ لأنه إذا كان فقيراً فهو يحتاج إلى المواساة.

    قال: [ الثالث: أن يكون وارثاً لهم بفرض أو تعصيب إلا الأصول والفروع فتجب لهم وعليهم مطلقا ].

    الأصول كما تقدم هم الأب والأم وإن علوا، فالجد والجدة أصول، والفروع الأولاد، فيقول: تجب النفقة على الأصول والفروع -وهما عمودا النسب- بلا شرط إرث، فإذا كنت غنياً وهم فقراء فيجب أن تنفق على أصولك وعلى فروعك.

    وأما الحواشي فيشترط أن تكون وارثاً لهم، فالحواشي كالأخ.

    فلو كان لأخيك أبناء فإنك لا ترثه وعليه فلا يجب أن تنفق عليه.

    وإذا كان أخوك ليس له أبناء وإنما له زوجة فقط فإنك ترثه لو مات، وعلى ذلك فتنفق عليه.

    إذاً الحواشي لا يجب أن تنفق عليهم إلا إذا كنت وارثاً لهم بحيث إن هذا القريب لو مات ورثته.

    والقول الثاني في المسألة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه وهو مذهب الأحناف قالوا: بل ينفق على الأقارب مطلقاً سواء كانوا وارثين أم لم يكونوا وارثين.

    قالوا: وأما قوله جل وعلا: وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ [البقرة:233] فإنما دلت على أن الإرث سبب للنفقة ولم تمنع أن يكون هناك سبب آخر وهو الرحم والقرابة، قال الله جل وعلا: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ [الإسراء:26].

    وعلى ذلك فالراجح أنه يجب أن ينفق على الحواشي، سواء كانوا وارثين أم لم يكونوا وارثين، هذا هو الراجح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

    أما المشهور في مذهب الحنابلة فقالوا: إن الحواشي لا ينفق عليهم إلا إذا كان وارثاً.

    نفقة الأقارب على قدر إرثهم

    قال: [ وإذا كان للفقير ورثة دون الأب فنفقته على قدر إرثهم ].

    هذا فقير ولا يقدر على العمل وليس عنده مال وأبوه غني ولو كان هذا الابن كبيراً فيجب على أبيه أن ينفق عليه هذا لا خلاف فيه، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)، فنفقة الولد واجبة على الأب.

    لكن إن لم يكن له أب فقال هنا: فنفقته على قدر إرثه، مثلاً: هذا الرجل فقير وله أم وأخ فالأم ترث الثلث، والأخ يأخذ الباقي تعصيباً، قالوا: فيكون ثلث النفقة على الأم، وعلى الأخ الباقي.

    إذاً: إذا وجدنا شخصاً فقيراً فأردنا أن نضع له نفقة على أقاربه، فإننا ننظر لو مات من يرثه ثم نوجب النفقة على الورثة بقدر ذلك، فإذا كان يكفيه في الشهر ألف ريال في المثال السابق فعلى الأم الثلث وعلى الأخ الباقي، وهكذا في غير هذه المسألة.

    قال: [ ولا يلزم الموسر منهم مع فقر الآخر سوى قدر إرثه ]، ففي المسألة التي تقدمت أم وأخ، فلو كانت الأم معسرة والأخ غني فإنما يجب على الأخ الثلثان فقط، إذاً: يأخذ هذا الفقير ثلثي نفقته فقط لأن الأم معسرة.

    والقول الثاني وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله قالوا: بل إذا كان أحد الورثة موسراً وكان الآخرون معسرين فعلى الموسر الكل، وهذا هو الصحيح لأنها تجب للمواساة، فكانت المواساة واجبة بقدر حاجته.

    حكم الإجبار على الكسب لأجل النفقة

    ثم قال المؤلف رحمه الله: [ ومن قدر على الكسب أجبر لنفقة من تجب عليه من قريب وزوجة ].

    هذا رجل له أم وهو قاعد عن الكسب لا يعمل، وإنما يطعم عند الناس وقد رضي لنفسه بهذا، فيلزمه شرعاً بالعمل والكسب لينفق على أمه.

    ترتيب الأقارب في استحقاق النفقة

    قال: [ ومن لم يجد ما يكفي الجميع بدأ بنفسه ].

    هذه مسألة نادرة، يعني: لو أن رجلاً ليس عنده إلا قوت يسير كصاع من الطعام، فإن لم يجد ما يكفي الجميع بدأ بنفسه كما جاء في الحديث: (ابدأ بنفسك).

    [ فزوجته ] أي أن الزوجة بعد النفس، قالوا: لأن حق الزوجة لا يسقط بالعسر ولا باليسر فهي محبوسة عليه، لا لأنها أفضل من أمه وأولى بالبر من أمه وأبيه، ولكن لأنها محبوسة عليه وتجب نفقتها في العسر واليسر.

    قال: [ فرقيقه ]، الرقيق كذلك محبوس عليه وتجب نفقته في العسر واليسر.

    قال: [ فولده ]، قالوا: لأن النص جاء بالنفقة على الولد: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف).

    قال: [ فأبيه فأمه ]، والراجح أن الأم تقدم على الأب، ولذا لما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (من أحق الناس بصحابتي؟ -وفي لفظ: من أبر- قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: ثم أباك، ثم أدناك فأدناك).

    وفي أبي داود والترمذي : (ثم الأقرب فالأقرب).

    قال: [ فولد ابنه ]، ولد الابن أولى من الجد، ولذا قال: [ فولد ابنه فجده، فأخيه، ثم الأقرب فالأقرب ]، إذاً يبدأ بالأقرب ثم الأقرب، لكن هذه المسألة كما تقدم نادرة.

    حكم أخذ النفقة المستحقة من مال المنفق وإنفاق الأجنبي بنية الرجوع

    قال: [ ولمستحق النفقة أن يأخذ ما يكفيه من مال من تجب عليه بلا إذنه ]، هذه مسألة الظفر كما تقدم في حق الزوجة، أي أن الولد له أن يأخذ من مال أبيه ما يكفيه بالمعروف إذا كان الأب لا ينفق.

    قال: [ وحيث امتنع منها زوج أو قريب وأنفق أجنبي بنية الرجوع رجع ].

    هذا رجل غضب على أهله فتركهم فأنفق الجار على زوجة جاره وعلى أولاد جاره ولم ينو التبرع وإنما نوى الرجوع، فله الرجوع لأن هذا كالدين.

    فإن نوى التبرع، وقال: هؤلاء ليس لهم أحد ينفق عليهم وأنا أريد ثواب الله فأنفق عليهم ونوى أنه تبرع فليس له الرجوع.

    إذاً: له الرجوع إن نوى الرجوع، فإن نوى التبرع فليس له الرجوع.

    قال: [ ولا نفقة مع اختلاف الدين إلا بالولاء ]، لأن اختلاف الدين يمنع من التوارث، فمنع من النفقة.

    وقوله: (إلا بالولاء)، فالولاء له حكم آخر، فيجب للعتيق أن ينفق عليه معتقه وإن اختلف دينهما، لأن التوارث يثبت حتى مع اختلاف الدين كما تقدم شرحه في الفرائض.

    1.   

    حكم النفقة على المماليك وإعفافهم

    قال: [ فصل، وعلى السيد نفقة مملوكه وكسوته ومسكنه ]. هذه النفقة على المملوك، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (للملوك طعامه وكسوته بالمعروف ولا يكلف من العمل ما لا يطيق).

    قال: [ وتزويجه إن طلب ]، لقول الله تعالى: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ [النور:32] فإذا طلب أن يزوج زوجناه.

    فإن قال السيد: أنا لا أستطيع أن أزوجه، نقول: بعه.

    أو قال: أنا أريد عبداً لا زوجة له فنقول: إذاً بعه إما أن تزوجه وإما أن تبيعه، ولا تحبسه.

    قال: [ وله أن يسافر بعبده المزوج ]، لأن هذا لحاجته، [ وأن يستخدمه نهاراً ] ويتركه ليلاً لزوجته.

    قال: [ وعليه إعفاف أمته ]، إذا كان له أمة فعليه أن يعفها [ إما بوطئها ] أي: بأن يطأها هو، [ أو تزويجها ] بأن يزوجها، [ أو بيعها ]، إذا كان له أمة فلابد أن يعفها بأن يطأها هو أو يبيعها أو يزوجها.

    تحريم الإساءة إلى المملوك

    قال: [ ويحرم أن يضربه على وجهه ]، لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن ضرب الوجه وتقبيحه، كما في صحيح مسلم .

    قال: [ أو يشتم أبويه ولو كافرين ]، لأن هذا يؤذيه، وهذا كله من الإحسان إلى الرقيق.

    قال: [ أو يكلفه من العمل ما لا يطيق ]، للحديث المتقدم.

    قال: [ ويجب أن يريحه وقت القيلولة ووقت النوم والصلاة المفروضة ]، لأن العرف جار بذلك، وإذا لم يرحه فقد شق عليه.

    [ وتسن مداواته إن مرض ]، إذا مرض استحب له أن يداويه لإزالة الضرر عنه، والصحيح أنه يجب إذا كان يخشى عليه فيجب أن يداويه.

    [ وأن يطعمه من طعامه ]، قال عليه الصلاة والسلام: (إخوانكم خولكم فأطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون، ولا تكلفوهم من العمل إلا ما يطيقون، ولا تكلفوهم من العمل ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم).

    تأديب المملوك والزوجة والولد

    قال: [ وله تقييده إن خاف عليه ]، أي: إن خاف عليه الإباق فله أن يقيده، [ وتأديبه ] أي: وله أن يؤدبه بالضرب غير المبرح ونحوه، [ ولا يصح نفله إن أبق ]، إذا أبق العبد فإن صلاته النافلة لا تقبل كما ثبت في صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة).

    قال: [ وللإنسان تأديب زوجته وولده ولو مكلفا بضرب غير مبرح ].

    له أن يؤدب زوجته كما تقدم في الدورة السابقة، وله أن يؤدب ولده، لكن الضرب يكون غير مبرح.

    قال: [ ولا يلزمه بيع رقيقه مع قيامه بحقوقه ]، إذا كان عنده عبد أو أمة وقد قام بحقوقهم فهو ينفق عليهم ويطعمهم ويحسن إليهم، فلا يلزم ببيعه والحالة هذه، إنما يلزم ببيعه إذا كان يسيء إليه.

    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

    1.   

    أحكام النفقة على البهائم

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فصل، وعلى مالك البهيمة إطعامها وسقيها ].

    هذا الفصل من كتاب النفقة في نفقة البهيمة، فعلى مالك البهيمة إطعامها وسقيها، قال عليه الصلاة والسلام: (دخلت النار امرأة في هرة حبستها لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض)، متفق عليه.

    وعلى ذلك فيجب أن يطعم هذه البهيمة وأن يسقيها، وإذا احتاجت إلى دواء فيجب أن يداويها.

    قال: [ فإن امتنع أجبر ]، أي: إن امتنع فإنه يجبر على ذلك، لأن هذا واجب عليه، [ فإن أبى أو عجز ]، أي: قال: ما عندي مال أشتري به علفاً لهذه البهيمة، [ فإنه يجبر على بيعها ]، فنقول: خذها إلى السوق وبعها.

    [ أو إجارتها إن كانت مما يؤجر ] فإنه يؤجرها، كأن تكون بقرة لدياس الحبوب، أو أن تكون ناقة تركب فيؤجرها، [ أو ذبحها إن كانت تؤكل ]، إن كانت شاة نقول: اذبحها وكلها ولا تعذب هذا الحيوان بالجوع.

    إذاً: يخير بين هذه الثلاث: فإما أن يبيعها أو يؤجرها أو يذبحها إن كانت مما يؤكل، فإن كانت مما لا يؤكل فإنها لا تذبح، بل يخير بين بيعها أو إجارتها.

    قال: [ ويحرم لعنها ]، لعن البهيمة حرام، ولذا جاء في صحيح مسلم أن امرأة لعنت ناقتها في سفر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (خذوا ما عليها واتركوها فإنها ملعونة)، والأشبه عندي والله أعلم أن ذلك من باب التعزير المالي، يعني: يعزر هذا المالك بأن يتركها لأنه لعنها.

    قال: [ وتحميلها مشقا ]، لا يجوز أن تحملها ما يشق عليها، فإذا كان الحمار يحتمل كذا وكذا من الحمل فلا تحمله ما يشق عليه، لأن ذلك إضرار به، والإضرار محرم.

    قال: [ وحلبها ما يضر ولدها ]، لأنه لا ضرر ولا ضرار، فإذا كان هذا يضر بولدها فليس لك أن تحلبها بما يضر ولدها لأن هذا تعذيب للولد.

    قال: [ وضربها في وجهها ووسمها فيه ]، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ضرب الوجه، ونهى عليه الصلاة والسلام عن وسم الوجه كما جاء في صحيح مسلم ، فعلى ذلك فالذين يسمون الإبل أن يسموها على العنق أو على الفخذ أو على اليد، وليس لهم أن يسموها على الوجه فإن ذلك محرم.

    قال: [ وذبحها إن كانت لا تؤكل ]، أي: ليس له أن يذبحها إن كانت لا تؤكل، لأن في ذلك تعذيباً لها وإضاعة للمال، وأما إذا كانت تؤكل فإنه يذبحها.

    قال: [ ويجوز استعمالها في غير ما خلقت له ]، يقول: لك أن تستعملها في غير ما خلقت له إذا كان ذلك لا يعذبها ولا يشق عليها ولا حرج في ذلك، فلو أنه ركب مثلاً بقرة وكان ضعيف البنية ولا يضرها فلا حرج في ذلك.

    إذاً: إذا كان بحيث لا يضرها فله أن يستعملها في غير ما خلقت له، فلو استخدم الإبل في دياس الحقول فلا بأس بذلك ولا حرج.

    1.   

    الأسئلة

    حكم طلب الزوجة الطلاق من زوج عقيم لا يوفيها نفقتها

    السؤال: زوج عقيم لم يخبر زوجته بذلك ومع ذلك لم يوفها حقها من نفقة، فإذا طلبت منه الزوجة الطلاق هل في ذلك إثم؟

    الجواب: ليس عليها إثم في ذلك، فما دام أنه عقيم ولم يخبرها بذلك فلها الفسخ على الصحيح.

    حكم الأخذ من مال الزوج بدون إذنه وقد أخذ من مالها

    السؤال: إذا تزوجت أرملة لها أيتام من رجل وعدها بتربية أبنائها ولم يفعل، وهي تعمل وتكسب وهو يأخذ من مالها ولا بد لها مما أخذ منها، فإذا وجدت أو أخذت من ماله دون علمه باعتباره مما أخذه منها؟

    الجواب: إذا كان قد أخذ منها هذا المال وكان هذا ثابتاً يقر به ولا ينكره فلها أن تأخذ.

    أما ما يتعلق بالنفقة فلها أن تأخذ من النفقة وإن كانت موظفة، وعلى ذلك فلها أن تأخذ من ماله ما تنفق به على نفسها دون أولادها، أما الأولاد الذين هم أولادها هي وليسوا أولاده فالنفقة عليها هي إلا إذا كان شرط ذلك على نفسه.

    حكم نظر الخاطب إلى المخطوبة وهي في العدة جاهلاً بذلك

    السؤال: من كانت في عدة طلاق رجعي وهي في بلد وزوجها في بلد آخر وهي لا ترغب في الرجعة، وفي آخر العدة تقدم لها خاطب وهو لا يدري أنها في عدة، وهي لا تدري أن في ذلك إثماً، فهل عليها شيء إذا تمت بينهما المشاهدة؟

    الجواب: ما دام أنهم على جهل فلا حرج عليها لأنها جاهلة، وإلا فإن الخطبة لا تجوز في حال عدتها، ولكن ما دام أنها جاهلة فلا حرج عليها في ذلك، وأما العقد فلا يصح إلا بعد انتهاء العدة.

    حكم طاعة الأب في عدم الإنفاق على الأم

    السؤال: هل يجوز للأب أن يأمر ابنه بأن لا ينفق على أمه وحيث إن نفقة الأب غير كافية؟

    الجواب: عليه أن يطيع أباه ولا يعصي أمه، فالأب يأمره أن لا ينفق على أمه ويقول: أنا أنفق عليها لكن لا يعطيها الكفاية، فنقول لهذا الرجل: أحسن صحبة أمك وأعطها ما تحتاج إليها ولو خفية من غير علم الأب.

    حكم أخذ الأب مال ابنته المتزوجة

    السؤال: هل يجوز للأب أن يأخذ من مال ابنته المتزوجة لحديث: (أنت ومالك لأبيك)، مع العلم أن الأب حالته ميسورة وهو موظف؟

    الجواب: نعم، له ذلك إذا كان ما يأخذه فاضلاً عن حاجة البنت، بأن كانت حالة البنت مستقرة وعندها حاجياتها وهي في بيت ملك ولها مال زائد فللأب أن يأخذه، وأما إذا كان يأخذ مما تحتاج إليه فليس له ذلك.

    حكم دفع الزكاة إلى الإخوة والأخوات

    السؤال: هل يجوز إعطاء الإخوان من زكاة الأموال والأخوات المتزوجات إن كانوا فقراء؟

    الجواب: هذه مسألة فيها خلاف بين أهل العلم، فمن أهل العلم من يرى أن الإخوان لا يعطون من الزكاة، لأن النفقة تجب عليهم، ومنهم كـشيخ الإسلام من يقول: إنه يجوز أن يعطوا من الزكاة، لأن النفقة لم تجب أصالة وإنما وجبت من باب الإحسان إليهم ولما بينه وبينهم من القرابة، وهذا أصح.

    حكم إعانة الزوجة زوجها في النفقة

    السؤال: هل يجب على المرأة التي تعمل في وظيفة ما أن تساعد زوجها في نفقة البيت والأولاد، وكان ذلك عن رضا وتفاهم بين الزوجين؟

    الجواب: لا يجب في الأصل؛ لكن إن أحسنت بذلك فهذا أمر حسن، وإلا فالأصل أنه لا يجب عليها.

    حكم زيارة الزوجة لأهلها بغير إذن الزوج

    السؤال: هل العرف في العشرة الزوجية بين الزوجين مقدم على موافقة ورضا الزوج، أي هل يرجع إلى العرف في زيارة المرأة لأهلها، سواء كان ذلك يحتاج إلى سفر أم لا، وإذا لم يأذن بذلك الزوج فما العمل؟ هل تزورهم بغير إذنه وهل تأثم بذلك؟

    الجواب: هي لا تأثم، لأن العرف يقضي بذلك، ولكن لا ننصحها أن تذهب إلا بإذنه، فتطيب خاطره لئلا تفسد حياتها، وأهلها هناك يمكن أن ترسل إليهم رسالة أو تتصل بهم.

    حكم تكاليف علاج الزوجة

    السؤال: لو كانت الزوجة تحتاج لنفقة ومال من أجل العلاج للحمل، فقد رزقت بطفلين وزوجها يمتنع عن إعطائها ذلك العلاج، ثم احتاجت لعلاج وزوجها يمتنع ويقول: إن الأموال التي تنفق في العلاج تكفي مهراً لزوجة ثانية؟

    الجواب: يجب عليه أن يعالجها، وهذا هو العرف، فعلاج المرأة واجب في العرف على الصحيح.

    أما أن يقول: إن الأموال التي تنفق في العلاج تكفي مهراً لزوجة ثانية، فهذا لاشك أنه ليس من الإحسان للمرأة، فالإنسان لا يحاسب المرأة فيما يدفعه من حقوق عليه، فهذا لا يجوز، بل يجب أن تبذل ما عليك من حق طيبة به نفسك، كما أن المرأة يجب أن تبذل ما عليها من حقوق طيبة بها نفسها.

    من يؤخذ بقوله من المفتين

    السؤال: يقول: نحضر مثلاً دروساً مختلفة أو نسمع فتاوى، وكل عالم يقول: هذا الراجح، فبماذا نأخذ؟

    الجواب: هذا الراجح عنده هو، أما أنت فإن كنت مجتهداً فاختر لنفسك، وأما إن كنت مقلداً فإنك تقلد الأوثق في نفسك وتأخذ بفتواه.

    حكم أخذ الزوج راتب زوجته بغير رضاها

    السؤال: امرأة تعمل في وظيفة وزوجها يجبرها أن تعطيه الراتب أو يلزمها بسداد ديون له بغير رضا منها، فماذا تفعل إن امتنعت وكان ذلك سبباً لغضبه؟

    الجواب: نقول: تصبر وتحتسب، أما هو فلا يجوز له ذلك، لكن صلاح بيتها واستقامة البيت وبقاؤها عند الأولاد خير لها من هذا المال؛ لكن الزوج لا يجوز له أن يأخذ من ماله امرأته إلا بإذنها.

    حكم نفقة الزوجة إذا مكثت في بيت أبيها دون إذن الزوج

    السؤال: إذا غضبت المرأة من زوجها وذهبت إلى أبيها وجلست فوق الشهرين وزوجها يذهب إلى بيت أبيها ثم يأخذ الولد ويمشي ولم يعطها نفقة؟

    الجواب: المرأة إذا غضبت على زوجها فخرجت بلا حق، فإنه لا نفقة لها، لأنها ناشز.

    حكم أخذ الأب مال ولده بدون رضاه

    السؤال: يقول: إن أباه قد أخذ بيته الذي يسكن فيه، مع العلم أن للوالد بيتاً وله راتب ولا يحمل مسئولية، وأنا هنا في الغربة أعيل عائلة مكونة من زوجة وست بنات إلى آخر ذلك، وأراعي الوالد بما تيسر لكن لا يرضى بما أعطيه ويقول: إن عطاءه كل شهر واجب، وبالنظر إلى ظروف الوالد فإنه في يسر من أمره؟

    الجواب: تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أنت ومالك لأبيك)، لكن هذا في الشيء الفاضل، فإذا كان الشخص له بيت وله سيارة تكفيه فليس للوالد أن يأخذ بيته ولا سيارته، لكن إن كان له فائض كأن كان له بيتان وسيارتان فللأب أن يأخذ البيت الآخر وله أن يأخذ السيارة الأخرى.

    حكم نفقة الزوجة إذا خرجت من بيتها بطلب من أبيها مكرهة

    السؤال: إذا طلب الأب من ابنته أن تضع الحمل عندهم في البيت وأصر عليها في ذلك فذهبت معه دون إذن الزوج، فهل تكون بذلك ناشزاً وهل لها النفقة؟

    الجواب: هذه مكرهة، فالذي يترجح لي أن لها النفقة لأن والدها أكرهها أن تذهب إلى بيته وهي تخشى من أبيها، فما دام أن الأب قد أخذها مكرهة فإن النفقة لا تسقط لأنها معذورة.

    وأما إذا أخذها بلا إكراه ولم يرض بذلك الزوج فإنها تعد ناشزاً ولا تجب لها النفقة، لكن الأولى للزوج أن ينفق عليها من باب الإحسان، وينبغي له أن يوسع صدره وأن يتسامح، وما دام أن الأب يرغب أن تكون ابنته عنده أثناء الولادة فليجعلها عنده فالأمر واسع.

    والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.