إسلام ويب

دليل الطالب كتاب اللعانللشيخ : حمد الحمد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • قد يحصل أن يقذف الرجل زوجته بالزنا، فإذا لم يأت ببينه على ما قال أمر بالملاعنة وإلا حد أو عزر، والفقهاء يذكرون أحكام اللعان وصفته وما يترتب عليه، نسأل الله العافية.

    1.   

    تعريف اللعان ومشروعيته

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ كتاب اللعان ].

    اللعان مشتق من اللعن، وذلك لأن الملاعن يلعن نفسه في الخامسة إن كان من الكاذبين.

    وأما تعريفه في اصطلاح الفقهاء فيأتي في كلام المؤلف رحمه الله تعالى.

    قال: [ إذا رمى الزوج زوجته بالزنا فعليه حد القذف أو التعزير ].

    قال: إن فلانة زانية، أو إن الحمل الذي في بطنها من الحرام، فإن هذا الزوج يقام عليه الحد، ولذا قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في البخاري : (البينة وإلا حد في ظهرك)، فإذا قذفها فإنه يحد حد القذف.

    قال هنا المؤلف: [ أو التعزير ]، هذا إذا كانت غير محصنة، كأن تكون كتابية كما سيأتي هذا في حد القذف.

    فيعزره القاضي إما بجلد كأن يجلده عشرة أسواط أو أن يحبسه بما يراه القاضي رادعاً.

    قال: [ إلا أن يقيم البينة ]، فإذا أقام بينة فأتى بالشهود الأربعة فإنه يسلم من الحد، وكذلك إذا أقرت المرأة أنها زانية.

    هذا كله ليس بحثنا في هذا الدرس، وإنما هو كالمقدمة، وهذا كله يأتي شرحه في حد الزنا وفي القذف، لكن قال هنا: [ أو يلاعن ].

    قال: أنا ما عندي بينة والمرأة لم تقر، نقول له: نقيم عليك الحد إلا أن تلاعن، فإذا لاعن درأ عن نفسه الحد، هذا كله إذا كان المرأة تطالب بحقها.

    قال جل وعلا: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ [النور:6-9].

    وعلى ذلك فاللعان لا يكون إلا بين الزوجين، فلو أن رجلاً قذف أجنبية ليست زوجة له، فالملاعنة لا تدرأ عنه الحد، فالحد إنما يدرأ عن الزوج للملاعنة، وذلك لأن الرجل يبعد أن يقف أمام رءوس الأشهاد ويرمي امرأته بالزنا ويلاعنها إلا وهو صادق.

    1.   

    صفة اللعان

    قال: [ وصفة اللعان أن يقول الزوج أربع مرات: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا ويشير إليها ]، يقول ذلك عند القاضي لأنها دعوى، وهل ما يقوله شهادات أو أيمان؟

    الصحيح وهو قول الجمهور أنها أيمان مؤكدة بالشهادة، ولذا قال الله جل وعلا: فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ [النور:6] فقوله: (بالله) هذا قسم.

    فإذاً هي أيمان مؤكدة بالشهادة، والشهادة تأتي بمعنى اليمين، ومنه قول الله جل وعلا: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون:1]. ثم قال بعد ذلك: اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً [المجادلة:16].

    والذي يترتب على ذلك أن من صحت يمينه صح لعانه، وعلى ذلك يصح لعان الفاسق لأن يمينه تصح، ولذا فإذا حلف الفاسق فعليه الكفارة، وليس معناه أنها تقبل عند القاضي، فهذا كلام آخر، على أن يمينه أيضاً تقبل عند القاضي، إذا لم يأتي الخصم بالبينة.

    ولا يصح لعان الصبي المميز، لأن يمينه لا تصح، فالصبي المميز لو حلف فقال: والله لا أفعل كذا ثم فعل فليس عليه كفارة لأنه غير مكلف.

    ويلاعن الزوج أولاً قبل المرأة؛ لأن الله عز وجل قد بدأ به، ولأنه هو المدعي، ولأن جانبه أقوى لأن الغالب أنه هو الصادق، فيبعد أن يرمي امرأته بالفاحشة على رءوس الأشهاد ويلاعنها على ذلك إلا وهو صادق.

    ولذا فإنه يبدأ به أولاً، فيقول: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا، ويشير إليها إن كانت حاضرة أو يسميها بما تتميز به.

    قال: [ ثم يزيد في الخامسة: وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ]، والمستحب أن يعظه القاضي ويذكره، وقد جاء في صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر الملاعن ووعظه وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، يعني: تحمل أن تجلد ثمانين جلدة ولا ترم هذه المرأة بالزنا إن كنت تعلم أنك كاذب، فعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، ثم دعا المرأة ووعظها كذلك.

    وفي سنن أبي داود والنسائي : (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر رجلاً أن يضع يده على فيه عند الخامسة ويقول: إنها موجبة)، يعني: توجب اللعن.

    قال: [ ثم تقول الزوجة أربعاً: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا، ثم تزيد في الخامسة: وأن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ]، تقول هذا في الخامسة، وهنا عبر بالغضب، لأن الغالب أنها كاذبة في هذا المقام؛ لأن الرجل يبعد أن يرميها على رءوس الأشهاد ويلحق بنفسه عاراً إلا وهو صادق، والغضب إنما يكون ممن يعلم الحق ويعمل بخلافه أو يقول بخلافه.

    قال: [ ويسن تلاعنهما قياماً ]، يعني: يقوم وتقوم، كما جاء هذا في البخاري ، [ بحضرة جماعة ] أي: يحضر جماعة.

    قال: [ وأن لا ينقص عن أربعة ]، وقد جاء في البخاري عن سهل بن سعد في قصة الملاعنة قال: (كنت مع الناس عند النبي عليه الصلاة والسلام).

    وجاء أن ذلك كان في المسجد كما ثبت أيضاً في البخاري من حديث سهل بن سعد ، فيستحب أن يكون في المسجد، ويستحب أن يكون قياماً، وأن يحضر ذلك جماعة من الناس.

    والمؤلف قال هنا: [ أن لا ينقص عن أربعة رجال ]، ليشهدوا على المرأة إذا أقرت به.

    قال: [ وأن يأمر الحاكم من يضع يده على فم الزوج والزوجة عند الخامسة ويقول: اتق الله فإنها الموجبة وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ]، وتقدم شرح هذا.

    1.   

    شروط اللعان

    ثم قال: [ فصل. وشروط اللعان ثلاثة: أحدها: كونه بين زوجين مكلفين ]، لأن الله جل وعلا قال: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ [النور:6].

    وقوله: (مكلفين) لأن اليمين إنما تصح من المكلف، وعلى ذلك فإذا رمى امرأته وهي صبية لم تبلغ ومثلها يوطأ كبنت تسع سنين، فإذا طلبت فإنه يتربص بها حتى تبلغ وتكون الملاعنة بعد البلوغ.

    قال: [ الثاني: أن يتقدمه قذفها بالزنا ]. ولو كان ذلك في دبر.

    فإذا قذفها بالزنا كان اللعان، فلا لعان من غير قذف بالزنا.

    وعلى ذلك لو قال الرجل: أنا لا أتهمها بالزنا، لكن هذا الولد ليس مني، فقد تكون وطئت بشبهة أو هي مكرهة فلا لعان، وليس له أن ينفي هذا الولد، وعلى ذلك فلا يكون اللعان إلا بقذف سابق بأن يقذفها بالزنا، وهذا هو ظاهر الأدلة.

    قال: [ الثالث أن تكذبه ]، فلو صدقته وقالت: إنها زانية، فلا لعان، ويقام عليها الحد.

    [ ويستمر تكذيبها إلى انقضاء اللعان ]، لو أنها رجعت أثناء وقوفها أمام الناس وخافت حين وعظت وذكرت فأقرت، فلا يستمر اللعان.

    1.   

    الأحكام التي تثبت باللعان

    قال: [ ويثبت بتمام تلاعنهما أربعة أحكام ].

    إذا ثبت التلاعن فما الذي يترتب على ذلك من الأحكام؟

    قال: [ الأول: سقوط الحد أو التعزير ]، فالرجل يكون بذلك قد درأ العذاب عن نفسه، فلا يقام عليه حد ولا تعزير.

    [ الثاني: الفرقة ولو بلا فعل حاكم ]، فيفرق بينهما، قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (لا سبيل لك عليها).

    وفي صحيح مسلم : (أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بالرجل، فشهد أربع شهادات، ثم ثنى بالمرأة، ثم فرق بينهما).

    وفي سنن أبي داود : (مضت السنة أن المتلاعنين يفرق بينهما ولا يجتمعان أبداً).

    فإذاً لا يجتمعان أبداً، فلا يقول بعد ذلك: أريد أن أعقد عليها أو أنكحها.

    أما إذا أقرت أثناء ذلك فيقام عليها الحد وحدها، فإن كانت محصنة فحدها الرجم، وإن كانت غير محصنة فإنها تعزر.

    وقوله: (الفرقة ولو بلا فعل حاكم)، يعني لا ننتظر إلى أن يحكم الحاكم بالفرقة، بل لا سبيل له عليها.

    ولذا قال: [ الثالث: التحريم المؤبد ]، فلا تحل له أبداً.

    ثم قال: [ الرابع: انتفاء الولد، ويعتبر لنفيه ذكره صريحاً كأشهد بالله لقد زنت، وما هذا ولدي ].

    إذاً: لا ينتفي الولد بمجرد اللعان حتى ينفيه، فإذا نفاه انتفى، وإذا لم ينفه لم ينتف.

    إذاً: إذا نفاه صريحاً وقال: ما هذا ولدي، فإن الولد ينتفي، لكن إذا لم يتعرض له بنفي فإنه لا ينفى.

    وهل يشترط أن يكون اللعان لنفي الولد عند الوضع أم يصح وهي حامل؟

    قولان: أصحهما أنه يصح اللعان وهي حامل، ولا يشترط أن ينتظر في اللعان حتى تضع.

    وذلك لأن الرجل في قصة الملاعنة قد أنكر حملها كما في البخاري وكانت الملاعنة وهي حامل.

    فإن قيل: إنه ليس بمستيقن، فقد يكون هذا الحمل ريحاً؟ فالجواب: أنا لا نبني على الظن، ولذا فإن الحامل تفطر في رمضان، إذا خافت على نفسها وعلى ولدها، وهذا بناء على الظن، ويؤخر عنها الحد وهي حامل بناء على الظن.

    إذاً: لا ينتظر حتى تضع، فلو نفاه وهي حامل صح النفي.

    هذا رجل رمى امرأته بالزنا ولم ينف الولد، وهنا يأبى الولد ودعي لولده بالصلاح مثلاً فقال: آمين ونحو ذلك، ثم أراد أن ينفيه بعد ذلك، فلا يقبل.

    كذلك أيضاً: لا يتراخى في النفي، وذلك لأنه خيار لدفع الضرر، فلابد أن يكون فوراً؛ لأن تراخيه دليل رضاه.

    فلابد أن ينفيه فوراً إلا أن يكون غائباً أو لم يعلم بالحمل، أما إذا علم بالحمل وتراخى ولم ينفه فليس له أن ينفيه بعد ذلك، لأنه خيار شرع لدفع الضرر فكان على الفور كخيار الشفعة.

    إذا شهد الرجل أربع شهادات بالله ثم لعن نفسه في الخامسة إنه لمن الصادقين، ثم إن المرأة قيل لها: احلفي فأبت أن تحلف، فما الحكم؟

    المشهور في المذهب أنه يخلى سبيلها، والقول الثاني وهو اختيار شيخ الإسلام وهو مذهب المالكية قالوا: بل لا يخلى سبيلها وإنما يقام عليها الحد، وهذا هو الراجح.

    لأن الله جل وعلا قال: وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ [النور:8] فظاهر هذه الآية أنها إن لم تشهد فإن العذاب لا يدرأ عنها، وعلى ذلك فلا يخلى سبيلها إذا لم تلاعن ونكلت، بل يقام عليها الحد.

    1.   

    ما يلحق من النسب

    قال: [ فصل فيما يلحق من النسب ]، أي: فيما يلحق من نسب الولد.

    [ إذا أتت زوجة الرجل بولد بعد نصف سنة ]، يعني بعد ستة أشهر من العقد، فإنه ينسب له لقوله جل وعلا: وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا [الأحقاف:15]، وقال: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ [البقرة:233] فبقي للحمل ستة أشهر، فهذا هو أقل الحمل، وهذا هو قول علي رضي الله عنه وجماعة من الصحابة، ولا يعلم له مخالف.

    وعلى ذلك فلو أن رجلاً عقد على امرأة فأتت بولد من ستة أشهر فإنه ينسب إليه.

    وإذا أتت به لخمسة أشهر فلا ينسب إليه.

    قال: [ منذ أمكن اجتماعه بها ]، فإذا عقد أمكن الاجتماع، وعلى ذلك ولو لم يدخل بها.

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو رواية عن الإمام أحمد واختاره أيضاً ابن القيم ووالد شيخ الإسلام وهو قول طائفة من الحنابلة، قالوا: لا يلحق به إلا أن يبني بها، فإذا بنى بها فنحسب ستة أشهر من البناء.

    قالوا: لأنها لا تكون فراشاً له بمجرد العقد، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (الولد للفراش)، والمعقود عليها ليست فراشاً لا لغة ولا عرفاً، وإنما تكون فراشاً إذا بنى بها، فإذا دخل بها ثم أتت به لستة أشهر ثبت الحكم.

    هذا رجل عقد على امرأة وبعد ثلاثة أشهر بنى بها، يعني أعلن النكاح ودخل بها تلك الليلة، فأتت به بعد ثلاثة أشهر من البناء، فعلى هذا القول لا ينسب.

    وعلى القول الثاني ينسب.

    لكن لو علم أنه كان يخلو بها منذ العقد في غرفة واحدة كما يحصل في بعض البلاد، فإنه ينسب إليه.

    قالوا: وأكثر مدة للحمل أربع سنين، قالوا: لأنه وقع ذلك كما ذكره الإمام مالك رحمه الله عن نساء بني عجلان، وأن امرأة محمد بن عجلان وضعت لأربع سنين، وعلى ذلك لو أنه طلق المرأة فأتت بولد لأربع سنين فإنه ينسب إليه، أما إذا وضعت بعد خمس سنين فلا.

    لكن لو أخبرته بأن عدتها قد انقضت، فقد علم أنها ليست حاملاً وأنها مستبرأة، وحينئذٍ لا ينسب إليه، وهذا كله مراعاة لحفظ النسب.

    قال: [ ولو مع غيبته فوق أربع سنين ] يعني وكان يخفى سيره فلا يدرى به إذا أتى، بعض الناس يقول: أنا غائب مسافر؛ لكن المسافر يمكن يأتي بالطائرة يوماً ويجامع المرأة ويرجع، لكن إذا كان لا يخفى مسيره ويعلم قطعاً أنه لم يأت ولم يجتمع بها، كأن وكل أباه أن يعقد له على امرأة في بلده وعلم أنه لم يسافر إليها حيث إن الجوازات ليس فيها ختوم، فأتت بولد فهل ينسب إليه؟

    الجواب: لا ينسب إليه لأن مسيره لا يخفى.

    قال: [ حتى ولو كان ابن عشر لحقه نسبه ]، هذا عمره عشر سنوات ودخل في الحادية عشرة، فإنه عند أهل العلم يمكن أن يطأ، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع)، رواه أبو داود .

    قالوا: ابن عشر قد يطأ، ولذا لا يجامع أخته في الفراش، بل يجب أن يفرق بينهما لأنه قد يطأ.

    وعلى ذلك فلو عقد ابن عشر سنين على امرأة فأتت بولد لستة أشهر فإنه ينسب إليه.

    والقول الثاني في المسألة وهو قول في المذهب واختاره أبو الخطاب وابن عقيل وهو قول أبي بكر من الحنابلة قالوا: لا ينسب إليه حتى يبلغ، لأن الولد لا يكون إلا من الماء فإذا كان ينزل فإن الولد ينسب إليه وإلا فلا، وهذا هو الصحيح. وإن كان العمل بالمذهب احتياطاً للنسب أولى.

    قال: [ ومع هذا لا يحكم ببلوغه ]، هذا ابن عشر سنين عقد له على امرأة فأتت لستة أشهر بولد، فإنه ينسب إليه على المذهب، ولكن لو زنا فلا يقام عليه الحد لأنه لم يحكم ببلوغه؛ لأن الأصل عدم البلوغ.

    إذاً إنما ألحق به الولد احتياطاً للنسب لئلا يضيع هذا الولد.

    قال: [ ولا يلزمه كل المهر ]، لو طلق، وذلك لأنه لم يدخل بها ولم يبن بها، إلا إن ثبت أنه قد دخل بها فإن في ذلك المهر كاملاً.

    قال: [ ولا يثبت به عدة ولا رجعة ]، لا يثبت به عدة لأنه إنما ألحق به الولد من باب الاحتياط للنسب فقط.

    الرجل لو طلق المرأة بعد العقد وقبل الدخول فليس له عليها عدة وليس له رجعة، وإنما ألحقنا به الولد من باب الاحتياط للنسب، أما الأحكام الأخرى فهي باقية.

    قال: [ وإن أتت به لدون نصف سنة منذ تزوجها ]، فلا ينسب، ولذا قال في آخر الكلام: (لم يلحقه نسبه).

    قال: [ أو علم أنه لم يجتمع بها ]، أي: تيقنا أنه لم يجتمع بها، كأن يكون محبوساً أو يكون مسافراً ولا يخفى مسيره، فإنه لا ينسب إليه.

    [ كما لو تزوجها بحضرة جماعة ثم أبانها في المجلس ]، فهذا لا يلحق به، [ أو مات ]، كذلك [ لم يلحقه ] أي: نسبه.

    1.   

    ما يلحق به نسب ولد الأمة

    قال: [ فصل فيما يلحق به نسب ولد الأمة ].

    هذا في حكم نسب ولد الأمة.

    قال: [ ومن ثبت أو أقر أنه وطئ أمته في الفرج أو دونه ثم ولدت لنصف سنة لحقه ].

    هذا رجل عنده أمة مملوكة، فأقر أنه وطأها فالحكم أن الولد ينسب إليه ويلحق به إذا أتت به لستة أشهر فأكثر، لكن لو أتت به لأقل من ستة أشهر فلا ينسب إليه.

    قال هنا: (في الفرج أو دونه)، أي: في الفرج أنزل أم لم ينزل ولو عجز، وبعض الناس قد يعزل لكن الماء قد يأتي إلى الرحم، ولذا جاء في صحيح مسلم (أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن لي جارية وأنا أعزل عنها، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إنه لا يمنع مما أراد الله شيئاً).

    وقال كما عند الشافعي : (لا تأتيني أمة قد اعترف سيدها أنه يطؤها إلا ونسبت الولد إليه) أو كما قال عليه الصلاة والسلام، قال ذلك لما بلغه أن رجالاً يطئون ولائدهم ثم يعزلون، رواه الشافعي بإسناد صحيح.

    لكن إذا كان دون الفرج، فنقول: هذا فيه تفصيل على الصحيح، فإذا كان قد أنزل فيلحق به وإن كان دون الفرج، لأنه قد يسيل ويدخل في الرحم، والواجب هو الاحتياط للنسب. وأما إذا كان لم ينزل فالصحيح أنه لا يلحق به، وهو رواية عن الإمام أحمد .

    هذا رجل أتى جاريته بين فخذيها ولم ينزل فنقول: لا ينسب إليه الولد، وذلك لأن ذلك ليس مظنة للولد، لكن لو أنزل كان ذلك مظنة للولد، أما حيث لم ينزل فلا توجد مظنة، وعلى ذلك فلا يلحق به.

    قال: [ ومن أعتق أو باع من أقر بوطئها فولدت لدون نصف سنة لحقه ].

    هذا رجل أقر أنه وطأ أمته فلانة، فباعها وأتت بولد بعد خمسة أشهر فلمن يكون؟

    يكون له فيلحق به -يعني بالبائع- وعلى ذلك فالبيع باطل، ولذا قال المؤلف: [ والبيع باطل ]، لأن الجمهور يرون أن بيع أم الولد لا يصح، لأنها قد أتت بولد منه فلا يصح بيعها، إذاً: ترد إليه وهو يرد الثمن.

    قال: [ ولنصف سنة فأكثر لحق المشتري ]، باعه وبعد نصف سنة فأكثر من البيع أتت بولد فإنه يكون للمشتري.

    1.   

    ما يتبع الولد فيه أمه وما يتبع فيه أباه

    قال: [ ويتبع الولد أباه في النسب ]، لقوله جل وعلا: ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ [الأحزاب:5] ولا يتبع أمه، ولذا يقال: فلان ابن فلان ولا ينسب إلى أمه.

    [ وأمه في الحرية وكذا في الرق ].

    هذا رجل تزوج أمة، أي أنها ليست ملكاً له وإنما هي ملك غيره فنكحها فأتت بولد، فهل الولد حر أم رقيق؟

    الجواب: رقيق؛ لأنه يتبع أمه وأمه أمة، ولا يتبع أباه، ولذا قال: وأمه في الحرية وكذا في الرق.

    ولو أن حرة تزوجت عبداً فأتت بولد فإن الولد يكون حراً.

    قال: [ إلا مع شرط ].

    هذا رجل علم أن لفلان أمة فخطبها وتزوجها، وشرط أن يكون أولاده منها أحراراً، فإن هذا الشرط يصح، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (المسلمون على شروطهم) فإن لم يشترط فيكونون عبيداً لسيد الأمة.

    قال: [ أو غرور ]، أي: إذا شرط أن تكون حرة فزوج أمة فإن أولاده يكونون أحراراً.

    قال: [ ويتبع في الدين خيرهما ]، فولد المسلم يكون مسلماً وإن كانت أمه كتابية.

    وإذا كان العكس فكذلك، أي: لو كان أبوه مثلاً كتابياً نصرانياً أو يهودياً وأمه كانت وثنية أو بوذية فإنه يتبع الكتابي لأن دينه خير.

    قال: [ وفي النجاسة وتحريم النكاح والذكاة والأكل أخبثهما ].

    في الحكم في النجاسة يتبع الأخبث، فلو تولد البغل من حمار أهلي وفرس فحكمه من جهة النجاسة والطهارة أنه نجس وحرام، لأنه يتبع الحمار الأهلي، والحمار الأهلي نجس.

    كذلك أيضاً في تحريم النكاح، فإذا كان الأب كتابياً وكانت الأم بوذية وأتيا ببنت وكانت البنت كتابية، فلا يحل نكاحها؛ لأن أحد والديها ليس بكتابي، ولذا فالمشهور في المذهب أن الكتابية لا تحل إلا إذا كان أبواها كتابيين، والصحيح خلافه، وأنه ما دام أنها كتابية يهودية أو نصرانية فإنها تحل ولو كان والداها أو أحدهما ليس بكتابي.

    وكذلك في الذكاة يتبع الأخبث، فإذا كان هذا يقول إنه نصراني، فالنصراني تحل ذبيحته، ولكن لو كانت أمه مجوسية فهل تحل ذكاته؟ قالوا: لا تحل، والصحيح أنها تحل، لأنه كتابي.

    إذاً: الصحيح أنه لا يشترط في النكاح وفي حل الذبيحة أن يكون الكتابي من أبوين كتابيين.

    ونقف عند هذا القدر، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

    1.   

    الأسئلة

    حكم ابن الأمة

    السؤال: هل يكون ابن الأمة حراً؟

    الجواب: لا يكون حراً، ولهذا نهى الشارع عن نكاح الإماء، فلا يجوز أن تنكح الأمة المملوكة إلا أن تكون لا تقدر على مهر حرة ولا تجد ثمناً تشتري به أمة.

    حكم قذف المرأة زوجها

    السؤال: إذا قذفت المرأة زوجها فهل تلاعن؟

    الجواب: المرأة ما تلاعن في الأصل، يعني: لو قذفته المرأة يقام عليها الحد إذا رفع الأمر إلى الحاكم.

    الرد على من يطعن في الإسلام بإقرار الرق

    السؤال: كيف نرد على من يقول: إن في دين الإسلام عنصرية وتفرقة مثل حرة وأمة وعبد وسيد وبيع وشراء؟

    الجواب: الحمد لله أن هذا وارد في القرآن والسنة، ونحن لا ننكر ما جاء في القرآن والسنة، فأمر العبيد والإماء كان موجوداً، ولكن سبب الرق في الأصل هو الكفر، فيسترق الكافر ويخدم المسلمين وهذا خير من قتله، وفيه أيضاً حاجة للمسلمين.

    وهذا كما تقدم سببه الكفر بالله جل وعلا، لكن يستمر هذا الرق حتى لو أسلم فإنه يبقى رقيقاً.

    والناس الآن يحتاجون إلى الخدم الأجانب حيث لم يوجد الأرقاء، ولكن مع ذلك لا نسيء إليهم بل نحسن، فنحن مأمورون بالإحسان إلى العبيد والإماء، وأن لا نثقل عليهم في العمل، وأن لا يسب ولا يشتم ولا يهان.

    ثم إن هذا ليس خاصاً بشريعة الإسلام، بل هذا عام في الأمم كلها من ذوات الأديان وغيرها.

    نسب ابن الملاعنة

    السؤال: من يلاعن زوجته وينفي الولد فلمن ينسب الولد بعد نفي نسبه؟ وكيف يكتب نسبه في الجواز مثلاً؟

    الجواب: إذا نفى الولد ينسب لأمه.

    وأما كتابة اسمه فقد جرى الناس على أن يكتب فلان ابن عبد الله بن عبد الرحمن ونحو ذلك؛ لكنه شرعاً ينسب لأمه، ويرثها وترثه.

    حكم امرأة وضعت بعد سنتين من غياب زوجها

    السؤال: رجل ترك زوجته بسبب السفر منذ عامين وشهرين، ومنذ أيام أخبرته زوجته أنها وضعت وأقسمت أنها لم يمسها رجل منذ سفره، وهي عفيفة وهو غير مصدق، فما الحل؟ وما وضع هذه الطفلة؟ وهل يمكن أن يمكث الحمل أكثر من تسعة أشهر، خاصة أنه قد سمعنا أن الشافعي ولد بعد حمل عامين؟

    الجواب: هذا درسنا اليوم، هذا يقول: إنه ترك زوجته وسافر فوضعت بعد سنتين وشهرين، وقد قلنا: إن أكثر الحمل أربع سنين، وأنا أعرف نساء أتين بالولد بعد سنتين، والناس يقولون: ارتفع الحمل، يعرفون أن فلانة حملت لشهر أو لشهرين، ثم يرتفع الحمل، ثم بعد ذلك يبين الحمل، فهذا يقع، والغالب أن الحمل تسعة أشهر، لكن قد يكون ستة أشهر فقط وقد يكون سبعة أشهر وقد يكون ثمانية أشهر وقد يكون لأربع سنين، وعلى ذلك فعلى هذا الرجل أن يتقي الله جل وعلا، وأن يقبل منها ذلك، وأن ينسب الولد إلى نفسه.

    تهديد المرأة بالطلاق

    السؤال: هل من مروءة الرجل أن يهدد المرأة بالطلاق؟ مثل قول: أنت طالق إذا رأيت الهلال عيناً؟ وبعض الرجال يستغل معرفته بأمور الطلاق ويهدد المرأة؟

    الجواب: هذا أمر لا يجوز، فالمرأة لا تؤذى بمثل هذا، قال تعالى: فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [البقرة:229] وليس من الإمساك بالمعروف أن يكثر من تهديدها بالطلاق فيقول: إن فعلت كذا فأنت كذا، يريد أن يؤذيها، هذا أمر لا يجوز.

    الفقهاء عندما يذكرون هذه المسائل يريدون أن يتفقه الإنسان في دينه لأن هذه الأمور قد تقع، فهذا الطالب قد يكون مفتياً فيسأل، وقد يكون قاضياً فيحكم، وليس المقصود أن هذه الأمور ينبغي أن يفعلها الناس وأنها أمر لا بأس به ولا يكره، بل المقصود أن هذه الأمور إذا وقعت فهذا هو حكمها.

    حكمة ذكر الغضب للمرأة واللعن للرجل في اللعان

    السؤال: تقول: لماذا ذكر الله اللعن في الرجل والغضب بالنسبة للمرأة؟

    الجواب: الغضب هنا أعظم؛ لأن المرأة قد تكون تعلم من نفسها ذلك وتكذب، ومن علم الحق ولم يقل به فإنه يغضب عليه، ويكون من الأمة المغضوب عليها.

    حكم الولد إذا اعترفت أمه أنه ليس من أبيه

    السؤال: إذا أنجبت امرأة متزوجة ولداً واعترفت بعد بأن هذا الولد ليس لزوجها وإنما زنت برجل آخر وكان زوجها لا يستطيع الإنجاب، فلمن يلحق هذا الولد؟

    الجواب: لا يحلق بهذا الرجل ويكون كاللقيط الذي ليس له نسب.

    حكم من وجد زوجه تزني فقتلها وقتل الفاعل بها

    السؤال: إذا وجد رجل زوجته تعمل الفاحشة وقتل زوجته والفاعل بها، فهل يقتص منه، وهل عليه شيء عند الله؟ ثم أشار إلى قصة سعد رضي الله عنه.

    الجواب: إذا قتل الرجل هذه المرأة وهي تزني وقتل الفاعل سواء كان الفاعل محصناً أو غير محصن، فإن ذمته بريئة فيما بينه وبين الله، ولكن القاضي يحكم بالقصاص؛ لأن هذا الأمر الذي يدعيه أمر خفي الله أعلم به، ولأنه لو فتح هذا الباب لأتى رجل بآخر يريد قتله إلى بيته واحتال عليه وقتله، وقال: هذا وجدته يعتدي على أهلي، ولذا فإنه فيما بينه وبين الله ذمته بريئة ولكن القاضي يحكم بالقصاص، إلا أن يأتي ببينة، ولو أتى بأربعة شهود على الزنا فالقاتل يعزر تعزيراً بسجن أو نحوه ولا يقتله، ويأتي هذا إن شاء الله في الكلام على القصاص.

    الجمع بين أقل مدة الحمل وأكثرها

    السؤال: كيف يمكن الجمع بين الرأي القائل بأن أكثر الحمل أربع سنين وبين قوله تعالى: وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا [الأحقاف:15]؟

    الجواب: قلنا إن الغالب في الحمل تسعة أشهر، وأقله ستة أشهر، وأكثره أربع سنين، فالتسعة أشهر هذه هي الغالبة، وأما أقله -ستة أشهر- فلهذه الآية الكريمة، وأكثره أربع سنين للواقع -أي: الوقوع عندهم- يقولون: إن هذا قد وقع، ويقولون: هذا أكثر ما بلغنا، وهذا لا يرجع فيه إلى نص.

    أي أن أولئك يقولون: قد تحمل لسنتين تقول: من أين لكم الدليل، قالوا: الوقوع. أي أن هذا حصل واقعاً، فهناك نساء يعرفن بالعفة والصلاح والتقوى أتين بولد لأكثر من سنة أو سنتين.

    ثم إن الواجب الاحتياط للنسب حتى لا يظلم هذا الولد في نسبه ولا تظلم هذه المرأة برميها بالفاحشة.

    معنى أن تلد الأمة ربتها

    السؤال: ما معنى أن تلد الأمة ربتها؟

    الجواب: من أهل العلم من قال: هذا عندما تنتشر الإماء وتأتي الأمة من سيدها بولد فتكون هي أمة ويكون هذا الولد ابناً لهذا السيد، فقد يأمر أمه وينهاها كما يأمر السيد أمته.

    ومن أهل العلم من قال: هذا لانتشار العقوق كما في هذا الزمان، بحيث إن الأم تكون كالأمة تطبخ وتغسل وتنظف البيت ونحو ذلك، وتأمرها ابنتها كما تأمر الخادمة فتقول: افعلي ولا تفعلي، وكلا الأمرين من علامات الساعة، نسأل الله العافية.

    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2740534524

    عدد مرات الحفظ

    684603075