إسلام ويب

دليل الطالب كتاب الحج [3]للشيخ : حمد الحمد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إذا تلبس المسلم بالإحرام ونوى النسك من حج أو عمرة فقد دخل في حالة يحرم عليه فيها أمور تسمى بمحظورات الإحرام، والفقهاء يجعلونها قسمين: قسم هو من باب الترفه ولا إتلاف فيه، وقسم من باب الإتلاف، فيحرم على المحرم إتيان شيء منها، فإن أتاه فهل عليه الفدية، في ذلك تفصيل يختلف بحسب الحال والفعل.

    1.   

    محظورات الإحرام

    الأول لبس المخيط على الرجل

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب محظورات الإحرام].

    أي: ما يمنع منه المحرم، فهذا الباب فيما يمنع منه المحرم بحج أو عمرة.

    قال: [وهي سبعة أشياء: أحدها: تعمد لبس المخيط على الرجال حتى الخفين].

    هذا هو المحظور الأول وهو في حق الرجل دون المرأة، ولذا قال: (على الرجال)، وفي حديث ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم سئل: (ما يلبس المحرم؟ فقال عليه الصلاة والسلام: لا يلبس القميص ولا العمامة ولا البرنس ولا السراويل ولا الخفاف إلا ألا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين، ولا يلبس ثوباً مسه ورس ولا زعفران) . وفي رواية للبخاري : (ولا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين).

    وهذا الحديث فيه أن كل مخيط ينهى عنه الرجل المحرم.

    وهل المراد بالمخيط ما فيه خيوط فننهى الرجل عن لبس النعلين اللتين فيهما خيوط؟ وننهاه عن لبس الحزام الذي فيه خيوط؟ وننهاه عن لبس الرداء الذي فيه خيوط؟

    الجواب: ليس هذا هو المراد، ولا أصل لذلك في كلام أهل العلم، والعوام يظنون أن هذا هو المراد، ولذا فإنهم يلبسون النعال التي لا خيوط فيها، وهذا لا أصل له في الكتاب ولا في السنة ولا في كلام أهل العلم.

    وإنما المراد بالمخيط: المفصل على البدن كالسراويل والقمص ونحو ذلك مما يفصل على البدن كله أو بعضه.

    يقول: (حتى الخفين)، وفي الحديث المتقدم: (ولا الخفين إلا ألا يجد نعلين فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين).

    فالخفاف لا يجوز للمحرم أن يلبسها، لكن إن احتاج إلى لبسها كالذي يحرم في الطائرة ولا يجد نعلين وعليه الخفاف فهذا له أن يلبسها للحاجة، ولا يجب عليه على الصحيح أن يقطع الخفاف حتى تكونا أسفل من الكعبين؛ لأن هذا الحكم منسوخ، فقد جاء في الصحيحين في حديث ابن عباس رضي الله عنه: (أن النبي عليه الصلاة والسلام خطب بعرفات فقال عليه الصلاة والسلام: ومن لم يجد نعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزاراً فليلبس السراويل)، ولم يأمر عليه الصلاة والسلام بأن تقطع الخفاف حتى تكونا أسفل من الكعبين وإنما أمر بذلك في المدينة؛ لأن حديث ابن عمر الذي تقدم ذكره كان في المدينة، وحديث ابن عباس الذي ليس فيه الأمر بالقطع في عرفات فهو متأخر.

    وحديث ابن عمر أيضاً إنما قاله لأهل المدينة فقط، وأما حديث ابن عباس فإنه لمن حضر حجته عليه الصلاة والسلام إلى الناس جميعاً من أهل المدينة وغيرهم.

    وإذاً فإن الراجح والمشهور في المذهب: أنه إن لم يجد نعلين فيلبس الخفين ولا يلزمه أن يقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين.

    الثاني تغطية الرأس من الرجل والوجه من الأنثى

    قال: [الثاني: تعمد تغطية الرأس من الرجل].

    قال عليه الصلاة والسلام: (ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً)، قال ذلك فيمن وقصته راحلته فمات وكان محرماً.

    وتقدم الحديث الذي رواه ابن عمر وفيه: (لا يلبس القميص.. إلى أن قال: ولا العمائم) ، فالعمامة ينهى عنها المحرم وكذلك كل غطاء للرأس، ولذا قال في الحديث: (ولا تخمروا رأسه) يعني: لا تغطوه.

    وفي البيهقي عن ابن عمر من قوله رضي الله عنه أنه قال: [ إحرام الرجل في رأسه وإحرام المرأة في وجهها ]. وعلى ذلك فليس له أن يغطي رأسه بأي غطاء مما يعد لباساً في العرف كالطاقية والشماغ والغترة والعمامة وغير ذلك.

    قال: [ولو بطين]، فلو أخذ طيناً ووضعه هكذا على رأسه نهي عن ذلك؛ لأن هذا غطاء للرأس، لكن إن حمل على رأسه شيئاً مثل بعض الناس ممن يحمل حقيبته ومتاعه على رأسه فهذا لا شيء فيه، أو يحمل فراشه كالذين يسيرون من عرفة على أقدامهم حتى يصلون منى فلا شيء في ذلك، هذا هو المشهور في المذهب؛ لأن هذا لا يعد لباساً؛ ولأن هذا لا يستدام في العادة فلا حرج فيه.

    كذلك إذا جلس في خيمة والخيمة مغطاة من الشمس فلا شيء عليه، ولذا جاء في صحيح مسلم : (أن النبي عليه الصلاة والسلام ضربت له قبة في نمرة) فهذا لا شيء فيه.

    قال المصنف رحمه الله: [أو استظلال بمحمل].

    المحمل هو الذي يكون كالصندوق يوضع على الراحلة ويستظل به راكب الراحلة، والمشهور في المذهب أن هذا يمنع منه المحرم، ولذا قال المصنف رحمه الله: (أو استظلال بمحمل)، والراجح وهو مذهب الشافعي أنه لا حرج فيه، ومثله الآن السيارات التي لها سقف يغطي راكبها فهذه لا حرج فيها، ويدل على ذلك ما ثبت في صحيح مسلم عن أم الحصين قالت: (رأيت النبي عليه الصلاة والسلام ومعه أسامة بن زيد وبلال بن رباح أحدهما آخذ بخطام ناقته والآخر قد رفعها ثوبه على رأسه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة) يعني: رفع ثوبه على رأسه ليستره من الشمس، وهو كالشمسية التي تسمى اليوم بالشمسية، فلا حرج فيها، ومثل ذلك على الصحيح -كما تقدم- الاستظلال بمحمل ونحوه فإنه لا حرج فيه.

    قال: [وتغطية الوجه من الأنثى] أما الرجل فله أن يغطي وجهه وهو محرم، وأما ما جاء في صحيح مسلم في قصة الرجل الذي وقصته راحلته فمات وفيه: (ولا تغطوا وجهه) فهذه الجملة شاذة، ولذا قال الذهبي رحمه الله: وذكر الوجه غريب.

    وعلى ذلك فقوله: (ولا تغطوا وجهه) قال ذلك للمحرم وهو رجل، وهذه الجملة شاذة كما قرر هذا الذهبي رحمه الله وقرره أيضاً ابن حجر .

    أما المرأة فإنها تنهى عن تغطية وجهها، ولذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: (لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين)، فتنهى المرأة عن تغطية وجهها بنقاب أو برقع أو أي غطاء إلا أن يكون هناك أجنبي، أو أن تكون في موضع تخشى من أن ينظر إليها الأجانب كأن تكون في السيارة في النهار والسيارة تمر قريباً منهم فتغطي وجهها، لكن إذا كانت في الليل أو كانت السيارة مستورة فإنها تكشف وجهها وجوباً، وكذلك في خيمتها تكشف وجهها وجوباً، هذا ما عليه المذاهب الأربعة.

    وبعض العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يرى أنها إنما تنهى عن النقاب والبرقع وأما ما سوى ذلك فلا تنهى عنه.

    والراجح ما ذهب إليه الجمهور وأنها تنهى عن كل ما يستر وجهها إلا إذا غطته لحاجة كأجنبي، ويدل على ذلك أثر ابن عمر المتقدم فإنه قال: (إحرام المرأة في وجهها وإحرام الرجل في رأسه). رواه البيهقي عن ابن عمر من قوله بإسناد صحيح ولا يعلم له مخالف.

    فكما أن الرأس لا يغطى من الرجل فكذلك وجه المرأة لا يغطى وهي محرمة، إلا أن يكون هناك أجنبي، ولذا قالت عائشة رضي الله عنها كما في البيهقي : المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت من الألوان والزينة ولها كذلك أن تلبس الحلي لا تنهى المرأة عن شيء من ذلك لكنها لا تتبرج بزينة أمام الأجانب لكن لها أن تلبس من الثياب ما شاءت.

    المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت، ولا تتبرقع ولا تتلثم، وإن شاءت أسدلت ثوبها على وجهها من الرجال.

    وقالت أسماء رضي الله عنها كما في مستدرك الحاكم : (كنا نغطي وجوهنا ونحن محرمات من الرجال)، فدل على أنها تغطي وجهها من الرجال وأما غير ذلك فإنها تكشف وجهها.

    ويدل على ذلك أن المرأة لا تنهى عن شيء من اللباس فلو كان النهي عن البرقع وعن النقاب لكونه لباساً لا لكونه غطاء للوجه ما نهيت عنه المرأة؛ لأن المرأة لا تنهى عن شيء من الألبسة، فدل ذلك على أن النهي في البرقع وفي النقاب إنما هو لكونه غطاء لا لكونه لباساً، وهذا كما تقدم هو قول جماهير العلماء.

    يقول المصنف رحمه الله: [لكن تسدل على وجهها للحاجة].

    كما لو كان هناك أجنبي فإنها تسدل الستر على وجهها عن الأجانب، فإذا كانت في خيمتها كما تقدم كشفت وجهها، ولا يجب أن يكون هذا الغطاء غير ملامس للوجه، بعض النساء تضع عوداً لئلا يمس هذا الغطاء وجهها، وهذا لا أصل له في الكتاب ولا في السنة، وإنما قال به بعض العلماء والراجح خلافه كما هو المشهور في المذهب، وممن قال بخلاف ذلك الموفق ابن قدامة وشيخ الإسلام وغيرهما، وهذا هو المشهور في المذهب، وأنه لا يلزمها أن تضع عوداً أو نحوه لئلا يمس هذا الغطاء وجهها.

    الثالث قصد شم الطيب

    قال: [الثالث: قصد شم الطيب].

    الطيب: هو ما تطيب رائحته ويتخذ للشم في العرف، أما ما طابت رائحته ولم يتخذ طيباً وإنما يؤكل كالتفاح أو النعناع أو نحو ذلك فإن هذا لا شيء فيه، ولذا لا يمنع عن القيثوم وعن الشيح وعن أكل التفاح ونحو ذلك كما هو المشهور في مذهب أحمد وغيره، إنما يمنع عما يتخذ طيباً.

    لكن إذا استخلص من الفاكهة طيباً منع منه المحرم؛ لأنه قد اتخذ طيباً.

    ومما يدل على المنع للمحرم عن الطيب ما ثبت في قصة الرجل الذي وقصته راحلته فمات وكان محرماً، فقال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين: (ولا تحنطوه) والحنوط: أخلاط من الطيب، وفي رواية: (ولا تمسوه طيباً).

    وقال: (ولا يلبس ثوباً مسه ورس أو زعفران) والزعفران مما يتخذ طيباً وكذلك الورس.

    وهذا المحظور تشترك فيه المرأة والرجل.

    قال هنا: (قصد شم الطيب إلا لحاجة)، أي: إلا لحاجة شراء فليس له أن يفتح زجاجة الطيب ويشم هذا الطيب، وليس له أن يتبخر؛ لأن المقصود من الطيب شمه فليس له أن يشمه، إلا أن يكون بغير قصد كأن يدخل في مكان فيه طيب فلا شيء عليه، وأما إذا قصد ذلك فإن ذلك محظور من محظورات الإحرام.

    قال: [ومس ما يعلق] يعني: ما يعلق باليد، فليس له أن يمس الطيب السائل الذي يعلق باليد، أما إذا كان يابساً مثل الخشب الذي يتبخر به فمسه بيده فلا شيء عليه؛ لأنه لا يعلق باليد، لكن لو أن هذا الخشب دهن بطيب -كما يفعله بعض الباعة- فإنه إذا مسه انتقل هذا إلى يده وعلق بيده؛ فهذا محظور.

    قال: [واستعماله في أكل أو شرب بحيث يظهر طعمه أو ريحه] كالقهوة إذا طبخت بالزعفران -والزعفران من الطيب- فظهرت الرائحة أو ظهر الطعم، أما الرائحة فواضح؛ لأن الطيب تقصد منه رائحته وأما الطعم فلأن وجود الطعم يستلزم الرائحة.

    أما إذا وجد اللون فقط كما لو طبخ طبخاً كثيراً حتى إنه لم يبق إلا لونه كما يكون هذا في الأرز إذا طبخ فيه شيء من الزعفران فأصبح لونه أصفر لكن لا طعم للزعفران ولا رائحة؛ فإذا كان الأمر كذلك فإنه لا شيء فيه، لأن اللون لا يؤثر، والذي يؤثر هو وجود الطعم أو وجود الرائحة.

    حكم من أتى شيئاً من المحظورات غير متعمد

    قال: [فمن لبس أو تطيب أو غطى رأسه ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً فلا شيء عليه].

    ذكر هنا ثلاث محظورات: اللبس وتغطية الرأس والطيب، هذه المحظورات الثلاث تشترك في كونها جميعاً لا إتلاف فيها.

    فمن تطيب فهل يكون أتلف شيئاً؟ الجواب: لا.

    إذا لبس قميصاً فهل يكون أتلف شيئاً؟ الجواب: لا.

    إذا غطى رأسه فهل يكون قد أتلف شيئاً؟ الجواب أيضاً: لا.

    إذاً: هذه محظورات لا إتلاف فيها، قالوا: فيعذر فيها بالنسيان والإكراه والجهل، فمن تطيب ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً فلا شيء عليه، ومن لبس ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً فلا شيء عليه، ومن غطى رأسه ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً فلا شيء عليه، هذا هو المشهور في المذهب.

    قالوا: وأما التي فيها إتلاف كتقليم الأظافر فهذا لا يعذر فيه بالنسيان ولا بالجهل ولا بالإكراه.

    والحاصل: أن ما فيه إتلاف يستوي عمده وخطؤه؛ قالوا: لأن فيه إتلافاً.

    والقول الثاني في المسألة وهو اختيار شيخ الإسلام ورواية عن الإمام أحمد واختار هذا القول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي قالوا: بل لا فرق في هذا بين ما فيه إتلاف وما ليس فيه إتلاف، فالجميع يعذر فيه بالنسيان والجهل والإكراه؛ لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: (عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، وهذا هو القول الراجح.

    ويدل على ذلك أن قتل الصيد فيه إتلاف، وقد قال الله جل وعلا: لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ [المائدة:95] فرتب الجزاء على قتل الصيد على سبيل التعمد، فدل ذلك على أنه ليس في شيء من محظورات الإحرام فدية لمن كان ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً.

    ولأن الإتلاف الذي فيه الجزاء وفيه الضمان مطلقاً هو الإتلاف الذي في حق الآدمي، وأما ما كان في حق الله جل وعلا فلا ضمان فيه؛ لأن حق الله مبني على المسامحة وأما حق الآدمي فإنه مبني على المشاحة.

    إذاً المشهور في المذهب التفريق بين ما لا إتلاف فيه وهو اللبس والطيب وتغطية الرأس، وما فيه إتلاف وهو الوطء؛ لأن الوطء إن كان من ذكر ففيه إتلاف للبكارة، وإن كان من غير ذكر وهي الثيب فإن ذلك من باب الإلحاق فتلحق الثيب بالبكر، كذلك قتل الصيد فيه إتلاف، وتقليم الأظافر فيه إتلاف، وحلق الشعر فيه إتلاف، قالوا: فهذه المحظورات فيها الفدية مطلقاً، فلو أن رجلاً أخذ من شعره ناسياً أو نتف من إبطه ناسياً فإن عليه فدية، والراجح أنه لا فدية عليه ما دام ناسياً أو مكرهاً أو جاهلاً.

    الرابع إزالة الشعر والأظافر من البدن

    قال: [الرابع: إزالة الشعر من البدن ولو من الأنف].

    قال جل وعلا: وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ [البقرة:196]، وقاس أهل العلم شعر سائر البدن على شعر الرأس، وحكى الموفق الإجماع على ذلك.

    وقال الله جل وعلا: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ [الحج:29] ، قال ابن عباس : التفث الشعر والظفر. رواه ابن جرير .

    وعلى ذلك فكل شعر البدن لا يجوز أخذ شيء منه، فدخل في ذلك شعر الإبط، وشعر العانة، وشعر الأنف، وشعر الشارب، وشعر اللحية.

    قال: [وتقليم الأظافر].

    فليس للمحرم أن يقلم أظافره، وهذا بإجماع العلماء كما قال الموفق ابن قدامة ، وهو من أشد أهل العلم تحرزاً في حكاية الإجماع، وتقدم قول ابن عباس أن التفث: الشعر والأظافر، ولذا جاء في صحيح ابن خزيمة : (أن النبي عليه الصلاة والسلام لما نحر هديه ورمى الجمرة قلم أظافره).

    الخامس قتل الصيد البري

    [الخامس: قتل صيد البر الوحشي المأكول، والدلالة عليه، والإعانة على قتله، وإفساد بيضه، وقتل الجراد والقمل، لا البراغيث، بل يسن قتل كل مؤذ].

    هنا في إزالة الشعر وفي تقليم الأظافر، إذا صال عليه شيء من الشعر أو صال عليه شيء من الأظافر فأزاله فلا شيء عليه؛ لأنه مؤذ فلو نزلت شعرة مثلاً من حاجبه على عينه فآذته أو انكسر ظفره فآذاه فقصه فلا شيء عليه؛ لأن هذا من باب دفع الصائل.

    وأما إذا أزاله لمصلحة نفسه لا لأنه آذاه كأن يكون هناك وسخ في أظافره أو أن يكون هناك في رأسه داء مثل القمل فأزال الشعر، فهذا لمصلحة نفسه فعليه الفدية؛ لأن الله قال: وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ [البقرة:196].

    ومثل ذلك قتل الصيد، فلو قتل صيداً ليأكله لمجاعة فهذا لمصلحة نفسه فعليه الجزاء.

    ولو صال عليه الصيد في خيمته كما لو أقبل عليه حمار وحشي وكاد أن يطأه فخاف على نفسه ورماه فليس عليه شيء.

    إذاً: إذا صال عليه شيء فقتله إن كان صيداً أو أزاله إن كان شعراً أو ظفراً فلا شيء عليه، وأما إذا كان قد أزاله لمصلحة نفسه ولم يكن منه أذى وإنما الأذى من غيره، مثلما تحلق شعر رأسك لوجود قمل في شعرك فالأذى ليس من الشعر بل من القمل، فإذا أزل الشعر فعليه الفدية.

    وعندما ينزل شيء من الشعر على عينيك وتبعده ويعود ويؤذيك فعندما تزيله فلا شيء عليه هنا؛ لأن المؤذي هو الشعر.

    قوله: [الخامس: قتل صيد البر الوحشي المأكول].

    هذا هو الخامس. قال الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ [المائدة:95].

    قوله: (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) الصيد هنا هو صيد البر؛ لأن الله جل وعلا قال: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا [المائدة:96]، فصيد البحر جائز للمحرم.

    وقال: (الوحشي) يعني: الذي هو في أصله وحشي، لكن لو كان في أصله أهلياً وليس وحشياً ثم إنه توحش، كما لو أن رجلاً ترك شيئاً من الغنم أو الإبل وأصبح في البر لا يعرف له مالك وأصبح متوحشاً فهذا إذا قتله لا يكون ذلك محرماً؛ لأن هذا ليس بوحشي في أصله، بل هذا أهلي، وقد يحتاج إليه ولا يمكنه أن يمسكه فيذبحه كالذي يكون في رءوس الجبال ولا يمكنهم أن يذبحوه فيرمونه رمياً، فهذا لا شيء فيه.

    المقصود من ذلك هنا: أن هذا ليس بوحشي بل أهلي؛ والعبرة إنما هي بالأصل وإن كان قد توحش، فالإبل والبقر والغنم أهلية.

    كذلك لو أن المتوحش أصبح أهلياً، كالذي يأخذ حمار وحش صغير ثم يربيه فهذا صيد؛ لأن أصله متوحش، فليس له أن يشتريه لو وجده في السوق وهو محرم؛ لأنه ينهى عن إمساك الصيد.

    قوله: (المأكول) فإذا كان ليس بمأكول كما لو رمى ذئباً أو غيره فلا شيء عليه.

    إذاً: ينهى عن قتل صيد البر الوحشي المأكول؛ لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [المائدة:95].

    ولا يجوز له أن يعين من يريد صيده سواء كان هذا الصياد حلالاً أو حراماً، ولا أن يشير إليه، ولذا قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين: (هل منكم من أحد أمره أو أشار إليه بشيء؟)، ولما قال لهم كما في الصحيحين: (ناولوني السوط قالوا: والله لا نعينك عليه).

    فينهى المحرم أن يناول من يريد الصيد سوطاً ولو كان محلاً، أو أن يدله فيقول: في المكان الفلاني صيد، أو أن يشير إليه يقول: هذا هو الصيد؛ ينهى عن ذلك كله.

    قال: [وإفساد بيضه].

    ينهى عن إفساد بيضه كبيض النعام؛ لأن البيض يئول أمره إلى أن يكون صيداً وعلى ذلك فينهى عن إفساد بيضه.

    [وقتل الجراد]؛ لأن الجراد صيد بري فينهى عن قتل الجراد.

    قال: [والقمل]، ينهى كذلك عن قتل القمل.

    والقول الثاني في المسألة وهو رواية عن الإمام أحمد : أنه لا ينهى عن ذلك، وهذا هو الراجح؛ لأن القمل مؤذ فلم يكن هناك حرج في قتله.

    قال: [لا البراغيث، بل يسن قتل كل مؤذ مطلقاً].

    كل مؤذ يجوز للمحرم أن يقتله، ويدل على ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (خمس يقتلن في الحل والحرم: الحدأة والعقرب والغراب والفأرة والكلب العقور)، وفي رواية: (الحية)، فهذه مؤذيات فيقتلن في الحل والحرم، وليس على من قتل شيئاً منهن جزاء.

    إذاً: الجزاء إنما يكون في قتل الصيد البري المأكول المتوحش، وأما ما سوى ذلك فننظر إن كان مؤذياً جاز قتله، وإن كان غير مؤذ لم يجز قتله، وإن قتله فلا شيء عليه.

    إذاً إن كان صيداً برياً مأكولاً متوحشاً فإنه لا يجوز قتله للمحرم، ولا تجوز الإشارة إليه، ولا أن يناول من أراد قتله سوطاً أو سلاحاً أو غير ذلك، وفيه الجزاء، ويأتي شرح الجزاء إن شاء الله، وما سوى ذلك ننظر: إن كان مؤذياً فإنه يقتل، وإن كان غير مؤذ فإنه لا يقتل، وإن قتل فلا جزاء.

    السادس عقد النكاح

    قال: [السادس: عقد النكاح، ولا يصح]؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب).

    فإن نكح بطل هذا النكاح، ولذا جاء في موطأ مالك : أن عمر رضي الله عنه رد نكاح محرم يعني: أبطله، فنكاح المحرم باطل فلا يجوز أن يعقد لنفسه، ولا أن يعقد لغيره، ولا يكون ولياً للمرأة، ولا وكيلاً في الزواج، وأما الشاهد وكذلك ما يسمى بالمأذون الذي يعقد الأنكحة للناس فلا شيء فيه، ما دام أن العاقدان المتزوجان محلين، يعني: المرأة حلال وليست محرمة والرجل كذلك حلال وليس بمحرم، والولي كذلك حلال، فحينئذ لا حرج أن تشهد ولا حرج أن تكون مأذوناً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قال: (لا ينكح المحرم ولا ينكح). قال: (ولا يخطب) فينهى عن الخطبة؛ لأن ذلك من مقدمات الجماع والله جل وعلا يقول: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة:197].

    ومن أهل العلم من يقول: تكره الخطبة، والذي يترجح أن الخطبة تحرم لظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: (ولا يخطب).

    السابع الوطء ودواعيه

    قال: [السابع: الوطء في الفرج]، فالوطء في الفرج مفسد للإحرام إذا كان قبل التحلل الأول كما تقدم شرحه في الدرس السابق، وقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: فَلا رَفَثَ [البقرة:197] والرفث هو الجماع ومقدماته.

    قال: [ودواعيه] كالقبلة والمس، فهذه ينهى عنها المحرم، وهذه يجهلها كثير من الناس، فبعض الناس يقبل وهو محرم، ويمس يد المرأة بشهوة وهو محرم، وهذا محظور من محظورات الإحرام؛ لأن هذه مقدمات الجماع.

    قال: [والمباشرة دون الفرج]. يعني: أن يباشرها بين فخذيها ولا يولج في فرجها، هذه من الدواعي.

    قال: [والاستمناء] هذه كلها من محظورات الإحرام.

    ومما يتعلق بالجماع أنه إذا جامع قبل التحلل الأول فعليه بدنة، وإن جامع بعد التحلل الأول فعليه شاة، وتقدم شرح هذا، أما إن حصل شيء من الدواعي كالمباشرة أو المس أو القبلة وحصل منه مذي أو مني فإن عليه فدية الأذى على الصحيح، أي أنه يخير بين إطعام ستة مساكين أو ذبح شاة أو صيام ثلاثة أيام.

    إذا باشر فأنزل أو أمنى أو قبل فأمنى أو أنزل، أو استمنى، فإن الواجب عليه كما تقدم إحدى هذه الخلال الثلاث: إما أن يصوم ثلاثة أيام، أو يطعم ستة مساكين، أو يذبح شاة، هذا هو مذهب الشافعي خلافاً للحنابلة، وهذا القول هو القول الراجح.

    1.   

    ما يجب في محظورات الإحرام

    قال: [وفي جميع المحظورات فدية إلا قتل القمل].

    تقدم أن قتل القمل -على القول بأنه لا يجوز للمحرم- لا فدية فيه.

    وأما عقد النكاح فإذا عقد المحرم فقد قلنا: إن نكاحه يبطل وليس عليه فدية، ولذا فإن النبي عليه الصلاة والسلام لم يذكر الفدية، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، قال: (لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب) ولم يذكر فدية عليه الصلاة والسلام.

    قال: [وفي البيض والجراد قيمته مكانه].

    إذا أفسد بيض صيد ثم سأل أهل الخبرة: ما قيمة هذا البيض؟ قالوا: قيمته مثلاً مائة ريال. نقول: تصدق بثمنها بأن تشتري طعاماً وتتصدق به على مساكين الحرم، كذلك إذا قتل جراداً فإننا ننظر إلى القيمة ويتصدق بها.

    قال: [وفي الشعرة أو الظفر إطعام مسكين وفي اثنين إطعام اثنين].

    إذا أخذ شعرة واحدة فعليه إطعام مسكين، وإذا أخذ شعرتين فعليه إطعام مسكينين، وإذا أخذ ظفراً واحداً فعليه إطعام مسكين واحد، وإذا أخذ ظفرين فعليه إطعام مسكينين.

    وإذا أخذ ثلاث شعرات أو ثلاثة أظفار فهذا جمع، فعليه الفدية: إما إطعام ستة مساكين، أو ذبح شاة، أو صيام ثلاثة أيام.

    هذا هو المشهور في مذهب أحمد ؛ قالوا: لأن ما ثبت الضمان بجملته ثبت الضمان في أبعاضه، الضمان يثبت في الجمع وهو ثلاث فيثبت في الأبعاض، قالوا: فنظرنا في الشرع فوجدنا أن أقل فدية هي إطعام مسكين في قوله تعالى: فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184] فقلنا بذلك، وهذا ظاهر.

    وعلى ذلك فمن أخذ شعرة فعليه إطعام مسكين، وإن أخذ شعرتين فعليه إطعام مسكينين.

    قال: [والضرورة تبيح للمحرم المحظورات ويفدي]، فإذا اضطر المحرم إلى فعل المحظور فعله وفدى.

    إذا احتاج الرجل أن يغطي رأسه وهو محرم أو اضطر إلى ذلك غطى رأسه وعليه الفدية.

    بعض النساء تقول: إنها مثلاً تحتاج إلى النقاب وتقول: لأنها تخشى على نفسها السقوط مع زحام الناس فتلبس النقاب وتكشف شيئاً من عينيها لتنظر لحاجتها إلى ذلك، فنقول: لا حرج عليها في ذلك ما دام أنها تحتاج وعليها الفدية، بأن تصوم ثلاثة أيام أو تطعم ستة مساكين أو تذبح شاة.

    ونقف عند هذا القدر، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.