إسلام ويب

دليل الطالب كتاب الصيام [6]للشيخ : حمد الحمد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأحكام المشتهرة في أحكام الصيام ما يتعلق بجماع الصائم في نهار رمضان، إذا تتعلق به جملة من الأحكام منها شرط وجوب الكفارة عليه، وحكم الكفارة على من جامعها، ونوع الكفارة وغير ذلك من الأحكام.

    1.   

    حكم الجماع في رمضان

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فصل ].

    هذا الفصل في حكم من جامع في نهار رمضان، والأصل في هذا الفصل ما ثبت في الصحيحين (أن رجلاً أتى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: يا رسول الله! هلكت -وفي رواية: احترقت- قال: وما أهلكك؟ قال: يا رسول الله! وقعت على امرأتي في نهار رمضان وأنا صائم. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا. قال: هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: هل تجد ما تُطعم ستين مسكيناً؟ قال: لا، فأتي النبي عليه الصلاة والسلام بعرق فيه تمر فقال: خذ هذا فتصدّق به. قال: وعلى أفقر منا يا رسول الله؟! فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر من أهل بيتي) يعني: ما بين لابتي المدينة وهما الحرتان: الحرة الشرقية والحرة الغربية، وهذا الحديث فيه وجوب الكفارة على من جامع في رمضان، وتقدم أن الصوم له مفسدات من الأكل والشرب، والحجامة، والجماع، والإنزال، والاستقاء عمداً، أي: إخراج القي عمداً، تقدم شرح هذه المفسدات، والواجب فيها القضاء، من أفطر بأكل أو شرب أو بإنزال أو بغير ذلك فالواجب عليه القضاء، لكن هذا الفصل في وجوب أمر زائد عن القضاء في خصوص الجماع، فمن جامع في نهار رمضان فعليه الكفارة: عتق رقبة فإن لم يجد صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكيناً.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ومن جامع نهار رمضان في قُبل أو دُبر ] يعني: في فرج، سواء كان هذا الفرج هو القُبل -وهو قُبل المرأة- أو كان في دبر.

    قال رحمه الله تعالى: [ ولو لميت ] هذا شذوذ، قد يطأ الرجل ميتة، بعض الناس قد يقتل ويطأ، أو يجدها ميتة فيطأها.

    قال رحمه الله تعالى: [ ولو بهيمة ] وهذا أيضاً من الشذوذ، فإذا حصل وطء أنزل أم لم ينزل، كرجل وطئ امرأته في رمضان، بمعنى: أولج، فإذا أولج في الفرج فالتقى ختانه بختانها فقد وجب الغُسل، وكذلك سائر الأحكام، فإذا وطئ امرأ في نهار رمضان أنزل أو لم ينزل فعليه الكفارة، إذاً: هل يشترط الإنزال؟ لا، أنزل أم لم ينزل، فإن لم باشر فأنزل، يعني: أتى المرأة بين فخذيها لكنه لم يولج لا في قُبل ولا في دُبر، فما الواجب عليه؟ القضاء فقط، ولو استمنى بيده فالواجب عليه القضاء فقط، ولو قبّل فأنزل أو مس فأنزل أو نحو ذلك فالواجب عليه في المذهب القضاء فقط، وتقدم الخلاف في القُبلة وفي المس، إذاً: لا بد من إيلاج أنزل أم لم ينزل.

    وأما وجوب الكفارة بالأكل أو الشرب ففيه خلاف، والصحيح المشهور في المذهب أنه لا تجب به الكفارة، وإلا فمن أهل العلم من يوجب في كل مفسد حتى في الأكل والشرب، لكن الصحيح أنه تجب فقط في الوطء في قُبل أو في دُبر وإن كان وطء الدبر حراماً لا يجوز، لكن عليه مع الإثم الكفارة.

    1.   

    من تلزمه الكفارة بالجماع

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ في حالة يلزمه فيها الإمساك ] فإن كان لا يلزمه الإمساك مثل المسافر ومثل المريض لو جامع وكانت المرأة معذورة فهل في ذلك شيء؟ لا شيء في ذلك، جامع امرأته وهو مسافر؛ لأنه معذور بالفطر.

    قال رحمه الله تعالى: [ مكرهاً كان أو ناسياً لزمه القضاء والكفارة ] مكرهاً أو ناسياً، قالوا: حتى لو كان الرجل مكرهاً، قالوا: لأن الذكر لا ينتشر مع الإكراه، والقول الثاني في المسألة وهو اختيار شيخنا الشيخ محمد رحمه الله قال: إن المكره معذور، وذلك لأن الرجل إذا هُدد بالقتل على أنه يجامع هذه المرأة، وكان ذلك -مثلاً- في رمضان، فإذا قرب من المرأة وإن كان مكرهاً فقد ينتشر ذكره لأنه كان مكرهاً؛ لأنه أكره في حال الابتداء وبقي الإكراه لكن الشهوة غلبته فانتشر ذكره، وعلى ذلك فالصحيح أن المكره معذور؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه).

    قال رحمه الله تعالى: [ أو ناسياً ] يقول: إن الناسي ليس بمعذور، إذا وطئ الرجل امرأته وهو ناس فليس بمعذور، قالوا: لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يستفصل من الرجل الذي جامع امرأته، لم يقل: هل كنت ناسياً أم لا؟ وترك الاستفصال في مقام الاحتمال يُنزّل منزلة العموم في المقال، يعني: هذا له حكم العموم، لما لم يستفصل دل على أن الحكم عام يستوي فيه النسيان والذُكر، والصحيح أن الناسي معذور؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من أفطر ناسياً فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) وقال عليه الصلاة والسلام: (من أفطر ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة) رواه الحاكم ، (من أفطر ناسياً) دخل في ذلك الجماع، وأما قصة هذا الرجل؛ فلأن الأصل عدم النسيان، الأصل أن الإنسان يأتي هذا الفعل وهو ذاكر ليس بناس هذا هو الأصل، ولأن الرجل قال: (هلكت) و(احترقت)، والإنسان إنما يصف نفسه بذلك إذا لم يكن ناسياً؛ لأنه يقول: احترقت وهلكت، فدل على أنه كان ذاكراً وأنه كان مختاراً، وعلى ذلك فالراجح -وهو قول الجمهور-: أن الناسي يُعذر، وكذلك الجاهل على اختيار شيخ الإسلام ، وعلى ذلك فالجماع كغيره يُعذر فيه الناسي ويُعذر الجاهل ويُعذر المكره، لكن الجاهل متى يُعذر؟ إن كان مثله يجهل ولم يكن مفرّطاً، أما إذا كان مفرطاً في السؤال مفرطاً في العلم فإنه لا يُعذر، إذا كان العلم متيسراً سهلاً أسبابه متيسرة وهو مع ذلك لم يسأل فإنه يكون غير معذور.

    إذاً: الناسي والجاهل والمكره يُعذرون في مسألة الجماع في نهار رمضان على الصحيح.

    1.   

    حكم من جومع في رمضان

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وكذا من جومع إن طاوع ] انتهينا من الذي جامع، بقي الذي جومع كالمرأة، قلنا: إن الذي جامع تجب عليه الكفارة إذا أولج -أنزل أم لم ينزل- في أي فرج قُبلاً كان أو دبراً من حيوان أو إنسان، من حي أو ميت، ولكن قلنا: إن الصحيح أن الناسي والجاهل والمكره يعذرون، وننتقل الآن إلى من جومع كالمرأة.

    قال رحمه الله تعالى: [ وكذا من جومع إن طاوع ] الذي يُجامع في قبله أو في دبره -كالمرأة- هذا عليه الكفارة [ إن طاوع ] يعني: إن كان مختاراً، فإن كان مكرهاً فلا شيء عليه، حتى على المذهب لا شيء عليه، وعلى ذلك فالمرأة لو جامعها زوجها وهي مطاوعة مختارة ليست بمكرهة فما الواجب عليها؟ تجب عليها الكفارة أيضاً، فعلى زوجها كفارة وعليها كفارة.

    قال رحمه الله تعالى: [ غير جاهل وناس ] إن كان جاهلاً أو ناسياً فإنه يعذر، قالوا: المُجامَع يختلف، المُجامَع يُعذر عند الإكراه ويُعذر عند الجهل ويُعذر عند النسيان، وأما المُجامِع الذي يجامع فإنه لا يُعذر، والصحيح أنه يُعذر، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان).

    إذاً: المرأة عليها كفارة إذا جومعت مطاوعة ولم تكن معذورة، لكن لو كانت المرأة قد طهرت من حيضها فأتاها الرجل وجامعها، فهل عليها كفارة؟ كان معها زوجها الضحى وكانت حائضاً فطهرت في الساعة العاشرة ضحى فاغتسلت لصلاة الظهر فجامعها، هل عليها كفارة؟ لا؛ لأن عليها قضاء هذا اليوم في الأصل، وتقدم أن المرأة إذا طهرت من الحيض لم يجب عليها الإمساك، لكن ليس لها أن تمكنه من نفسها وهو صائم حتى لا تعينه على الإثم، والله جل وعلا يقول: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2] لكن لو طاوعت فعليها الإثم، وعليها الاستغفار، ولكن لا كفارة عليها، لم؟ لأنه لا يجب عليها الصوم في ذلك اليوم على الصحيح.

    وتقدم أن المرأة عليها كفارة إن لم تكن معذورة، إن كانت مطاوعة ومختارة ذاكرة عالمة فعليها الكفارة، فإن قيل: إن النبي عليه الصلاة والسلام لم يوجب في هذا الحديث على المرأة كفارة وإنما أوجب على الرجل! قال له: (هل تجد له رقبة تعتقها؟ قال: لا) فما الجواب؟ نقول: الجواب أن المرأة لم تكن سائل: وإنما السائل هو الرجل، ثانياً: المرأة قد تكون معذورة ولذا لم يتعرض لها النبي صلى الله عليه وسلم بحكم، ثالثاً: أن حكمها يُعرف بالقياس؛ لأن النساء شقائق الرجال، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (النساء شقائق الرجال) كما لو جاءك شخص وقال: صليت أنا وفلان وفعلنا وفعلنا، والإعادة تلزم الاثنين، فماذا تقول؟ تقول له: أعد، فأين حكم الآخر؟ الآخر لم يسأل؛ لأن حكم هذا يُعرف به حكم الآخر.

    1.   

    كفارة الجماع في رمضان

    قال رحمه الله تعالى: [ والكفارة عتق رقبة ] هذه الكفارة عتق رقبة، ما هي الرقبة؟ العبد أو الأمة المملوك، وكان هذا موجوداً في السابق مشتهراً وجوده، أما الآن فهو نادر، فيجب عليه أن يُعتق رقبة، يعني: يحرر رقبة من الرق.

    قال رحمه الله تعالى: [ فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ] هل هو بالخيار أم على الترتيب؟ على الترتيب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رتب.

    قال: [ فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ] إن كان بدأ في أول الشهر، بدأ -مثلاً- من أول رجب فيصوم رجب وشعبان، وإن كان أحدهما ناقصاً أو كانا ناقصين، لكن لو بدأ من اليوم الثاني أو اليوم الثالث ولم يبدأ من أول يوم فيجب عليه أن يصوم ستين يوماً، وهل له أن يفطر إذا سافر أو مرض؟ له كرمضان، فإذا سافر أفطر، فإذا رجع أكمل مباشرة، يبادر، الذي يصوم الشهرين المتتابعين لو أنه أصبح مريضاً مرضاً يبيح له الفطر نقول: أفطر فإذا جاء الغد فصم.

    قال رحمه الله تعالى: [ فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً ] لكل مسكين كيلو ونصف، فإن كان الطعام من الطعام الجيد كالأرز فيكفيه ربع الصاعت، وربع الصاع هو ثلاثة أرباع الكيلو.

    1.   

    حكم المعسر عن الكفارة

    قال رحمه الله تعالى: [ فإن لم يجد سقطت عنه ] هذا رجل قال: لم أجد رقبة ولا أستطيع أن أصوم الشهرين المتتابعين وليس عندي ما أطعم به ستين مسكيناً، فإنها تسقط عنه؛ لأنه معسر، ولذا قالوا: إن النبي عليه الصلاة والسلام لم يوجب ذلك في ذمة الأعرابي، لم يقل: هذا في ذمتك. وإنما سكت النبي عليه الصلاة والسلام، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، قالوا: فدل على أنها قد سقطت.

    قال رحمه الله تعالى: [ بخلاف غيرها من الكفارات ] لأن هذا الحديث يدل على إسقاطها، وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة، قالوا: ولا كفارة في رمضان بغير الجماع، فلو أنه استمنى أو باشر هل عليه الكفارة؟ لا.

    ولو كان في غير رمضان، كرجل في يوم قضاء، أو في يوم صيام كفارة، أو في يوم صيام نذر، أو في يوم صيام تطوع جامع، فهل عليه الكفارة؟ لا.

    هذا رجل سافر فكان عليه يوم من رمضان، ثم إنه قضاه -مثلاً- في الخامس عشر من شوال فجامع امرأته، فسد صومه، ولكن هل عليه الكفارة؟ لا.

    فهي في رمضان فقط لحرمة الشهر، ولو أنه جامع في صيام نذر، نذر أن يصوم أسبوعاً فجامع امرأته في هذا الأسبوع، فهل عليه الكفارة؟ لا، فالكفارة -إذاً- في نهار رمضان فقط، وأما في غيره فلا، لا في صيام واجب ولا في صيام تطوع، فإن كان الصيام واجباً فعليه الاستغفار، وأما المتطوع فهو أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر.

    قال رحمه الله تعالى: [ والإنزال بالمساحقة ] يقول: إذا حصلت مساحقة بين امرأتين -وهذا أيضاً من الشذوذ وهو منهي عنه- فأنزلا -أنزلت هذه وأنزلت هذه- فعلى كل منهما الكفارة، وإن لم تنزل هذه وأنزلت هذه فعلى التي أنزلت الكفارة، والقول الثاني في المسألة والذي مشى عليه في الإقناع أن الكفارة لا تجب في المساحقة وإنما يفسد بها الصوم أنزلت أم لم تنزل، وهذا هو الصحيح؛ لأن المساحقة ليس فيها إيلاج، فالصحيح أن المساحقة يفسد بها الصوم ولكن لا كفارة، فيفسد الصوم وعليهما الاستغفار والتوبة والإنابة إلى الله جل وعلا، ولكن لا يجب في ذلك الكفارة، والله أعلم.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

    1.   

    الأسئلة

    حكم الكفارة في حال اليسر بعد سقوطها بالعسر

    السؤال: هل تسقط الكفارة عن المعسر ولو أيسر؟

    الجواب: المشهور في المذهب أنه حتى لو أيسر، ومن أهل العلم من يقول: تبقى في ذمته، فإذا قلنا: تبقى في ذمتك إذا أيسرت لزمته حال اليسار، أما المشهور في المذهب هنا فإنهم يقولون: تسقط، فلو أيسرت بعد ذلك لم تجب عليك.

    حكم فطر المسافر في الطريق

    السؤال: نوينا السفر ونوينا الصيام، لكن لما رأيت المرأة غلبتني نفسي فجامعتها وأفطرت بالجماع، فما الحكم؟

    الجواب: لا شيء عليه لأنه مسافر، فإن رجع زال العذر، كرجل مسافر قال: أنا سأصوم، فوصل إلى أهله بعد العصر وهو صائم، فلما أتى أهله جامع، نقول: هذا عليه الكفارة.

    كينونة الرق في عصرنا

    السؤال: هل الرق ما زال موجوداً؟

    الجواب: يقال: إنه موجود في جهة بعض بلاد أفريقيا ونحوها، يوجد فيها لكنه قليل.

    حكم قطع صيام كفارة الجماع في رمضان ونحوه

    السؤال: ما حكم من أفطر بغير عذر في صيام كفارة الجماع ونحوها؟

    الجواب: إذا أفطر بغير عذر يستأنف من جديد؛ لأنه يجب التتابع، لكن إذا أفطر بعذر كمرض أو سفر يُكمل مباشرة.