إسلام ويب

تفسير سورة فصلت [33-36]للشيخ : المنتصر الكتاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يرشد الله عباده المؤمنين إلى أحاسن الأعمال والأقوال، فبين أن الدعوة إلى الله وعمل الصالحات أحسن ما يكون عليه المسلم، ومن ذلك القول الحسن والفعل الحسن، ومقابلة السيئة بالحسنة، فذلك من الخلق الحسن، وما يلقاها إلا الذين صبروا ومن كان ذا حظ عظيم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن أحسن قولاً...)

    قال تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33].

    يقول ربنا: إن رتبة الاستقامة رتبة عالية لا يصلها كافر ولا منافق ولا عاص، وهناك رتبة أعلى من ذلك وهي قوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33].

    فالأول -وهو مبشّر بالفضائل والخيرات والكرامات- نفعه مقصور على نفسه، فهو قال: لا إله إلا الله لنفسه واستقام في نفسه، وأما هذا وهو الذي قال الله عنه: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33] أي: لا أحد أحسن منه، بل هو أحسن الخلائق وأكرمها وأرفعها، وهو أرفع منزلة ومقاماً ورتبة؛ لأنه فعل الخير في نفسه وأمر به الغير، وآمن بالله في نفسه ودعا الناس إلى لله، فقال: ربي الله أولاً، واستقام ثانياً، ودعا إلى الله ثالثاً، فدعا الخلق أن يقولوا: لا إله إلا الله، وأن يطيعوا ربهم ورسولهم صلى الله عليه وسلم ويكونوا من المؤمنين ويتبرءوا من الكافرين؛ دعاهم إلى التحلي بالأخلاق الفاضلة وترك الأخلاق السافلة.

    قال تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا فهو قد دعا الخلق إلى المعروف وفعله، ونهى عن المنكر وانتهى عنه، لا كذاك الله قال الله عنه: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ [البقرة:44]، وإنما عمل صالحاً ودعا الخلق إلى الله بلسانه وإلى تفسير كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإلى أن يكونوا على حاله قبل مقاله، بأن يكونوا مصلين كما هو مصل، وصائمين كما هو صائم، وأن يزكّوا أموالهم كما يزكيها، وإلى حج بيت الله الحرام كما يحج، وأن يتركوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن كما تركها.

    وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، أي: وصف نفسه باسم الإسلام الذي سمانا الله به، وأعداؤنا يقولون عنا: المحمديون. ونعم فنحن محمديون أتباع محمد صلى الله عليه وسلم ونفخر بذلك، ولكن اسمنا المسلمون، بهذا سمانا الله، ولا نسمي أنفسنا المحمديين، وإن وصفنا بذلك قلنا: نعم، وهذا شرف لنا، ولكننا مع ذلك المؤمنون، والإسلام ديننا، عليه نحيا وعليه نموت بفضل الله وكرمه.

    وأما (محمديون) فلم يكن هذا الوصف لا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة ولا العصور الفاضلة ولا ما مضى، ولكن أعداء الإسلام والمسلمين أرادوا أن يجعلوها زعامة بشرية فينسبونا إلى شخص لا إلى دين، ونحن مع ذلك لا نتبرأ من هذه النسبة، بل نتشرف بها، ونزيد فنقول: نحن مسلمون وندين بالإسلام الذي أنزله الله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأمرنا به.

    وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33]، الجواب: لا أحد، فهو استفهام تقريري، أي: هو قرار وأمر من الله بأن أحسن الرتب وأعلى منازل المؤمنين الذين آمنوا بربهم واستقاموا على طاعته، ثم بعد ذلك دعوا الناس إلى الله وعملوا الصالحات التي أمروا بها واجتنبوا المنكرات التي نهوا عنها، وأعلنوا غير وجلين ولا خائفين ولا مترددين في أوساط الكفرة أعداء الإسلام والمسلمين بأنهم مسلمون وشرفهم الإسلام وهو أكرم ما أكرمهم الله به.

    وقد سئل الحسن البصري عن تفسير هذه الآية: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33] فقال: ذاك حبيب الله وصفوته وخيرته، وهو رسوله الذي دعا إليه وآمن به وعمل الصالحات التي أمر بها عباد الله وترك المنكرات التي نهى عنها خلق الله، فذاك الذي أُمرنا بأن يكون قدوتنا وأسوتنا، كما قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21].

    فجعل الحسن أشرف من تمسك بهذه الآية وقام بها وعمل بآدابها وبحقائقها هو صاحب الشريعة المنزل عليه هذا الكتاب الكريم المكلف ببيانه، وهو خاتم الأنبياء رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

    ويأتي بعده من تأسى به واقتدى به وفعل ذلك، ومن هنا كان العلماء ورثة الأنبياء كما أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ لأن وظيفتهم وعملهم وما كلّفوا به مدة حياتهم إلى لقاء الله أن يدعوا إلى الله ويبينوا كتابه ويشرحوا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم بقولهم وبفعلهم وبسلوكهم وبحالهم قبل مقالهم.

    وقد أثنى الله على المسلمين بقوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110] فالإسلام دين اجتماعي بالطبع، فلم يكتف الله من المؤمن أن يؤمن وينزوي ويغلق عليه داره إلا إذا خاف الفتنة وعجز عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعلة ولسبب ما، فعند ذاك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (خير رجل عند الفتن من اتبع بغنمه شعف الجبال) أي: يشرب من لبنها ويعيش من صوفها ويكف عن الناس شره ويستريحون منه، فتلك العزلة لا تكون إلا عند فساد الوقت والأمر، واختلاط الكفر بالإيمان، وعند دعوة كل ضال مضل لبدعته وكفره وفساده وضلاله.

    والمؤمن والعالم والوارث المحمدي على كل اعتبار وفي كل زمن من الأعصار يفعل الخير معلناً له ويترك الشر معلناً له، ويدعو عباد الله إلى عبادة الله، ويبين لهم كتاب الله وما جاء فيه من أوامر ونواهٍ وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وما جاء فيها من أوامر ونواه؛ قال تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا ، أي: قولاً وفعلاً وعبادة وأحكاماً ونشراً للمعروف وتركاً للمنكر، وأعلن معتزاً ومترفعاً بأنني من المسلمين ومن أتباع سيد الخلق وخاتم الأنبياء محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه.

    وكما قال عليه الصلاة والسلام: (أكرم ما أُكرم به الرجل أن يكون مسلماً).

    وقال: (كفى بالإسلام نعمة، كفى بالإسلام فضلاً وكرامة)، فهو يأمرنا أن نقول: الحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة، فلا نعمة أعظم وأكمل وأشرف منها.

    وهي نعمة نقّى الله بها عقولنا وطهُر بها صدورنا من عبادة الأوثان والأحجار والكفرة والفسقة والمنافقين والمضلين ومن اتباعهم، فنقّى عقولنا وملأها بتوحيده وبذكره وبعبادته، وجعلنا أتباع خاتم الأنبياء وسيد الخليقة منذ خلق الله آدم وإلى آخر إنسان في الوجود، ويشرف العبد بشرف من يواليه ويتبعه، ونحن شرفنا أننا عبيد الله وشرفنا الثاني أننا من أتباع النبي الحبيب الكريم خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأكّد هذا المعنى عليه الصلاة والسلام كما في الأحاديث المتواترة المستفيضة بقوله: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل).

    وأمرنا عليه الصلاة والسلام أن ننكر المنكر ونأمر بالمعروف باليد؛ حتى نأطر الناس على الحق أطراً، أي: نجبرهم عليه جبراً.

    والجبر يكون باللسان أولاً، فإن امتنعوا فالبيد، فإن امتنعوا فبالسيف والعقوبة الرادعة.

    والتغيير العام باليد هو للمسئولين وللدولة ولمن لهم زعامة ورئاسة وكلمة في الأمر المعروف والنهي عن المنكر فهؤلاء يغيرون ذلك باليد، وكذلك الأب في بيته والمعلم في مدرسته والمدرس في حلقته، وما عدا ذلك إن استطاع أن ينكر المنكر ويأمر بالمعروف باليد فليفعل، فإن لم يستطع فلا أقل من اللسان ويقول: ما على الرسول إلا البلاغ، فإن لم يستطع فبالقلب، كأن يخاف إذا تكلم أن يسجن أو يضرب، متهمين له بالتدخل في السياسة.

    واليوم يعتبرون الإسلام والدعوة إليه سياسة؛ لأنهم محاربون للإسلام وللقرآن ولمحمد عليه الصلاة والسلام، فإذا قال: أيها الناس! أطيعوا الله ربكم ومحمداً نبيكم والقرآن كتاب ربكم؛ قالوا له: أنت تحارب الدولة في قوانينها الجائرة اليهودية وفي أحكامها الداعرة الفاسقة، ثم يقولون له: أنت رجل مشوه تتلاعب بمقدرات الدولة وسياساتها، ومن هنا أخذوا يقولون: لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين، فاخترعوا ديناً وأصبح حالهم بيد الشيطان، قال تعالى: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30].

    وعلى أساس ذلك أرادوا أن يبنوا في مكان واحد كنيسة نصرانية ومعبداً يهودياً ومسجداً مسلماً؛ ليخلطوا شعبان برمضان والأرز بالقمح والشعير، ويقولون: اليهودية والنصرانية والإسلام كلها شيء واحد، فمن آمن بواحد كان كمن آمن بالثلاثة، أي: فالمسلم كمن عبد الله الخالق وعبد المخلوق من العزير والعجل ومن مريم وعيسى ومن الأوثان والأخشاب والأصنام! وهكذا إذا سلب الله تعالى إنساناً دينه فإنه يتبع ذلك بطريقة آلية ويصبح إلى الحيوان أقرب منه للإنسان.

    فقوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33]، أي: لا أحد أحسن من هذا ولا أكرم منه، فهذه أعلى الرتب للمؤمن الفاضل الداعية الذي يريد عبادة ربه في نفسه، وأن يدعو إليه أولاده وطلّابه والناس أجمعين حيث اجتمع بهم في مشرق أو مغرب، في سهل أو جبل، في حضر أو سفر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة...)

    قال تعالى: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:34-35].

    يقول ربنا وهو يوازن ويقارن بين الخير والشر، وبين الرحمن والشيطان، وبين الكفران والإيمان: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ .

    أي: لا يكونان سواء في رتبة واحدة ومنزلة واحدة، فالحسنة في معناها الأعم هي الإسلام، والسيئة في معناها الأعم الكفر بالله رباً وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً وبالقرآن كتاباً.

    قال تعالى: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وكان هذا في مكة، والآية مكية، وأما في المدينة فلم يدفعوا بالحسنة ولا بالمعروف، فإنهم لما حوربوا ظلماً وعدواناً في عقيدتهم وفي أوطانهم وفي أخلاقهم دفعوا ذلك بالسيف والقوة، وكل قوة بحسب عصرها، وكما قال تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال:60].

    ولما كان السيف والرمح والمنجنيق والجواد هي القوة استعملها السلف الصالح؛ لأنها هي قوة الزمان، وأما إذا أصبحت القوة هي الصاروخ والطائرة والدبابة وأنواع التدمير والتخريب إلى القنبلة الذرية وغيرها فسيأمرنا الله أن نفعل ذلك، وأن نتقوى بذلك ونتسلح به، ويدخل ذلك في عموم قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال:60]، وهذه الأشياء لا تريد أكثر من دراسة سنوات من الشباب وما يشترى به ذلك ويُصنع به، ومع هذا ما لا يزال المسلمون مقصّرين فيه، ويذهبون متسولين إلى دول شرقية وغربية؛ لعلها تتكرم عليهم وتجود لهم بشيء من الأسلحة، ولا تكاد تجود إلا بما أتى عليه الزمان وأصبح لا يصلح لشيء ولا يتم إلا بهم؛ ليبقوا المسيطرين، وتبقى أسرارنا وسلاحنا وجيوشنا وقوتنا بأيديهم، وهذا البلاء هو الذي فتت وحدتنا وأضاع قوتنا وشتت دولتنا وغلّب علينا اليهود إخوان القردة والخنازير وعبدة الطاغوت.

    وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ويبقى معناها كذلك: ادفع بالتي هي أحسن من معنى آخر، ويصلح هذا ادفع بالتي هي أحسن أي: من سابك فلا تسبه، ومن هجرك من المؤمنين فلا تهجره، ومن قاطعك فلا تقاطعه، ومن جهل عليك فلا تجهل عليه، كما قال تعالى في سورة أخرى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف:199].

    هذا المعنى الثاني للآية، وهو الذي قاله جمهور المفسرين للآية: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ، أي: ادفع بالخصلة التي هي أحسن من عملهم ومن خصلتهم وأكرم من فعالهم ومن إيذائهم وظلمهم.

    قوله: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ، أي: إذا دافعت قريباً أو صديقاً، والكلام هنا بين المسلمين لا بين المؤمن والكافر، بل الكافر لا بد من حربه وردعه، ولا بد من قتاله وإذلاله؛ لأن في قتاله نصراً للإسلام وفي إذلاله عزاً للإسلام، ومن خالف ذلك وخرج عنه كان كمن اشترى الذل والهوان ورضيه لنفسه، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (المؤمن لا يذل نفسه).

    ويقول الله جل جلاله: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ [المنافقون:8].

    ويقول: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:139].

    فنحن الذين نزعم الإيمان والإسلام الأعلون، فلا يليق باثني عشر ألفاً من المسلمين أن يقبلوا الدنية، فكيف إذا كنا اثني عشر مليوناً؟ وكيف إذا كنا ملياراً من الخلق -ألف مليون من البشر- في شمال الدنيا وجنوبها وفي مشارقها ومغاربها؟ ولكن حقت علينا كلمة العذاب عندما تركنا كتاب الله وراءنا ظهرياً وتركنا قائدنا صلى الله عليه وسلم وعصيناه وخالفناه، فأصبحنا كما قال عنا في حياته: (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قيل: يا رسول الله! أمن قلة نحن يومئذ؟ قال: لا، بل أنتم يومئذٍ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، يُنزع الرُعب من قلوب عدوكم ويلقى الوهن في قلوبكم؛ لحبكم الدنيا وكراهيتكم للموت).

    وقديماً قال أبو بكر رضي الله عنه في أول معركة إسلامية بين الكفر والإيمان بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أرسل خالد بن الوليد قائداً عاماً لقتال المرتدين ومانعي الزكاة: يا خالد ! اطلب الموت توهب لك الحياة، ولو طلبت الحياة لأعطيت الموت، والأنفاس والأرزاق معدودة محصية لا تزيد ولا تنقص، فلا الحرص يزيدها طولاً ولا الأمل والطمع ينقصها، فالأعمار قد جفت بها الأقلام ورُفعت بها الصحف، وكان ما كان في اللوح المحفوظ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يبدل القول فيه لدى ربنا سبحانه وتعالى.

    إذاً: فقوله تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ هذا مع الإخوة المسلمين، ادفع بالكلمة الأحسن وبالكلمة الطيبة، فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ .

    وسواء كان من أقاربك أو من إخوانك المسلمين، فإذا شتمك فاصبر له، وإذا قاطعك فلا تقطعه، وخاصة إذا كان هذا القريب والحميم زوجة أو زوجاً أو أخاً أو أختاً أو عماً أو عمة أو ذا صلة بك مثل صلة الدم والقرابة، فعامل سوءهم بإحسانك، وقطيعتهم بإكرامك وشدتهم بلينك وتحملهم.

    قال تعالى: فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ ، أي: فإذا من كان عدواً لك حريصاً على إيذائك والقضاء عليك وإذلالك ينقلب ولياً حميماً وصديقاً قريباً ذا صداقة وأخوة حارتين ويعود حريصاً على قربك وعلى الإحسان لك ويندم على ما صدر منه وبدر.

    قال ابن عباس : وهذه الآية كقوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف:199].

    وفي الآية التي عقب هذه الآية يأمرنا الله أن نلتزم مع المسلمين والسماحة والمغفرة والتغاضي عن الذنوب وعن الإساءة؛ سواء كانت بالقول أو بالفعل أو بأخذ المال وعلى أي طريقة كانت، كما قال تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ [الأعراف:199]، أي: ما تعارف عليه الناس من أخلاق وصلاة ومعاملة، وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف:199] والجاهلون هم الذين جهلوا مقامك وجهلوا الأخلاق الفاضلة والسنة النبوية، وجهلوا ما يجب عليهم أن يفعلوه مع إخوانهم المسلمين، فأعرض عنهم، فإذا أنت صنعت ذلك إذا بالعدو يصبح أخاً حميماً كريماً وصديقاً محباً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما يلقاها إلا الذين صبروا...)

    قال تعالى: وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:35].

    يقول تعالى: وما يلقى هذه الرتبة وهذه الخصلة إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:35].

    أي: وما يلقاها إلا الصابر والكاظم والمؤمن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر والواصل للأرحام.

    وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:35]، أي: ولا يتحملها ويلقاها ويحصل على هذه الخصلة العظيمة من الصبر على الأخ المسلم في إيذائه وظلمه وقلة أدبه وجهالته إلا ذو حظ ومكانة وسعد في رضا الله ورحمته.

    والحظ العظيم الذي يذكر في كتاب الله هو الجنة والمغفرة الإلهية والدرجة العالية في الجنان، ولا يفرّط في هذا ويبتعد عنه إلا من لا يحب التخلق بفعل الصالحين والمؤمنين كما أمر الله.

    وفي مسند أحمد أنه جاء رجل إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال: (يا رسول الله! إن لي أقارب أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إليّ، أأفعل فعلهم وأعمل عملهم؟ قال: إذاً: تُتركون كلكم، وإن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل) أي: تضعفه في أفواههم، فهذا القريب الذي يسيء إليك وتحسن إليه، ويقطعك وتصله، وتحب له الخير ويتمنى لك الشر لا تفعل فعله ولا تعمل عمله.

    والمل: الرماد الحار، أي: كأنك بذلك تضعه في أفواههم فيؤذيهم، أي: إن إحسانك يغلب سيئتهم، وصلتك تغلب قطيعتهم، وبفعلك يهينون أنفسهم ويحتقرونها ويرونك الأكبر والأعظم والأرشد والأقرب إلى الله وإلى التخلق بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.

    وفي معنى هذا يقول الله وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف:199].

    وقوله: فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ الولي: الأخ، والحميم: القريب والصديق.

    وَمَا يُلَقَّاهَا ، يعني: وما يلقى هذه الرتبة الشريفة ويحصل عليها.

    إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا ، أي: المتحلون بالصبر وبالتحمل وبما يتحلى به أولو العزم من الرجال المؤمنين الصادقي الإيمان.

    وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ، أي: ولا يلقاها ويتلقاها ويظفر بها -إي: بهذه الرتبة الكريمة- إلا صاحب حظ عظيم.

    والحظ العظيم: الجنة والرتبة العالية ورحمة الله ورضاه ودخول الجنان، وهو شيء لا يتحمله ولا يطيقه إلا مؤمن صادق الإيمان قوي الإرادة يغلّب رضا الرحمن على إرضاء الشيطان، ويغلّب الأخلاق الفاضلة على الأخلاق السافلة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ...)

    قال تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [فصلت:36].

    إما: شرطية، و(ما) في غير القرآن زائدة، وفي القرآن صلة أتت للتأكيد.

    وقوله تعالى: (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ) أي: إذا وسوس لك الشيطان ودفعك وتغلب عليك بوساوسه وبنزواته وبشهواته إلى أن تقاتل أخاك وتحارب قريبك وتنقلب على ابن عمك وتعادي المسلمين، فاستعذ بالله.

    وأفظع من هذا أن تحاربهم وتشهر السلاح في وجوههم، قال عليه الصلاة والسلام: (سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر)، فسباب المسلم وشتيمته فسق، وقتاله كفر، وجحود للإسلام، والله ما أوجب القتال إلا ضد الكافرين بالله أو ضد البغاة من المؤمنين المبتدعة، الذين يظلمون الناس ويأكلون أموالهم بالباطل ويشهرون السلاح في وجوههم، فهؤلاء يقاتلون قصاصاً وجزاء للسيئة بمثلها، وأما القتال أولاً فلا يكون إلا لكافر أو من فعل ما يستحق عليه القتل كالزاني المحصن وكالمرتد عن الإسلام وقاتل النفس؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة) وما عدا ذلك فقتال المؤمن كفر.

    قال تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ فالله جل جلاله أعطانا دواء لنزغ الإنسان ودواء لنزغ الشيطان، فأما دواء نزغ الإنسان -الذي تراه ويراك- عند ظلمه واعتدائه أن تحسن إليه بالكلمة الطيبة وبالعطاء وبصلته وبالغض عن مساوئه، وأما الشيطان الذي لا تراه فلا يفيد معه هذا؛ لأنه طُبع على الشر، كما قال تعالى: إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [البقرة:168].

    فقوله تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ أي: وإما أن يوسوس لك الشيطان ويدفعك في طريق الشر عن طريق وساوسه ونزواته وشهواته، نَزْغٌ أي: إيذاء ووسوسة ودفع إلى الشر، فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ، أي: قل: أعوذ بك يا رب! وأجعلك معاذي وموئلي وحصني الذي أتحصن به من هذا الشيطان الرجيم.

    وتلاوة القرآن وذكر الله من أعظم ما يتحصن به في ذلك، ومن أعظم التحصن في ذلك تلاوة آية الكرسي والمعوذتين وسورة الكهف، وتلاوة القرآن في البيت تطرد الشيطان ووساوسه عن الرجل والمرأة والأولاد، والبيت الذي لا يذكر الله فيه وليس فيه صلاة ولا تلاوة ولا عبادة فهو بيت الشيطان نفسه، ولا خير في هذا البيت ولا في الصلة به ولا شراكته ولا مصاهرته ولا القرب منه، وفي مثله يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (الحب في الله والبغض في الله من الإيمان).

    فإذا وسوس لك الشيطان فلا تخضع له ولا تصبر على لأوائه وعلى شره وعلى إيذائه وعلى ظلمه، بل إن شعرت به يوسوس في صدرك ويحيط بك فاستعذ بالله وقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

    ولما رأى النبي صلى الله عليه وسلم شخصين يتلاحيان -يتشاتمان- وقد غضب أحدهما غضباً إلى أن انتفخت أوداجه وتوسعت عيناه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (إني لأعلم كلمة لو قالها زال ما به، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، وكان الرجل لا يزال في غضبه فقال عند رسول الله: أبي جنون؟ أي: حتى أقول ذلك! والغضب جنون.

    والكثير من الناس لا صبر لهم، فتجدهم تثور أنفسهم لأقل كلمة، والنبي صلى الله عليه وسلم كان الطبيب المداوي للنفوس والأجسام، فقد كان يأتيه الآتي فيقول: يا رسول الله! أوصني، فكان يجيب كل واحد بما يناسب مرضه البدني أو النفسي، وقد جاءه رجل فقال: (أوصني يا رسول الله! قال: لا تغضب. فأعادها ثلاثاً فقال: لا تغضب).

    وكانت علة هذا الرجل وسبب تدميره أنه لم يقبل هذه النصيحة وهذه الوصية، وهي ترك الغضب. وهذا كثيراً ما يحدث، فقد يأتيك رجل ينتف شعره وينادي بالويل والثبور ويقول: إنه غضب وقد طلّق زوجته ثلاثاً، ويسأل: أيردها ويعيدها؟ ويقول: إنه أقسم عليها أن لا تخرج إلى بيت أمها وأبيها، ويكون في هذا خراب بيته وتشتيت أولاده وضياع تجارته، ثم يأتيك وكأنك أنت الذي تنزل الشريعة وأحكامها فيقول: أنقذني وخذ بيدي، لقد كنت في غضب شديد فقلت وقلت، ولا جواب إلا أن تتحمل نتيجة غضبك وعقوبته، وإلا فلم تغضب؟

    والغضب شيطان، وهو يفسد الإنسان عن أعماله في دينه ودنياه، وقد يكفر. وكثيراً ما تصدر من الإنسان الغضبان كلمات تعتبر ردة، مثل: أن يقول والله لو نزل الله من السماء، أو: لو جاءني محمد صلى الله عليه وسلم لما فعلت، فيحمله الغضب على الردة والكفر وما لا يليق بالإنسان، ولو ضبط نفسه في غضبه ووجد مربياً يربيه ويرشده ويوجهه لما وصل إلى هذا البلاء.

    وأنا أذكر عندما كنت في سن الشباب أنه كان هناك تجار من العامة الذين ليسوا من أهل العلم بالشريعة يلزمون العلماء ويسألونهم عن الحلال والحرام ويستفتونهم عن مشاكلهم في بيتهم مع زوجاتهم وأولادهم وفي زراعتهم وتجارتهم، واليوم استغنى كل هؤلاء فلا حاجة لهم في حلال ولا حرام ولا شريعة ولا دين. ولو دخلت بيته وسألته عندما تحيض امرأتك ماذا تصنع؟ وإذا سهوت في الصلاة ماذا تصنع؟ وعندما تقع لك مشكلة فيها رباً أو رشوة ماذا تصنع؟ فسيجيبك جواب الحيوان: لا أعلم!

    بل وتجده لا يهتم بشيء إلا كيف يجمع المال من الحلال والحرام، فلا يهمه أن يعيش كافراً أو مؤمناً ولا يفكّر في هذا، ومن هنا كان فساد المجتمع وفساد الناس وتسلط الشياطين والنساء على الرجال العقلاء وعلى أهل الفضل وأهل الخير والصلاح.

    والنبي صلى الله عليه وسلم يقول عن النساء: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن)، فالرجل العاقل ذو اللب تلعب به المرأة وتضحك عليه حتى يخضع لها في كل ما تشتهي مما يجوز وما لا يجوز.

    ثم قال تعالى: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [فصلت:36].

    أي: السميع لأقوالكم العليم بحالكم، فهو يسمع قول الصادق ويعلم بواطنه وما ينطق به فيسمعه ويحاسبه عليه على ما يضمره من خير أو شر، فإن كان إيماناً أحسن له، وإن كان كفراً أو نفاقاً جازاه بمقتضاه، ولا تخفى عليه خافية جل جلاله وعلا مقامه.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3017245771

    عدد مرات الحفظ

    723990112