إسلام ويب

من آداب النبوة (3)للشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في الحلقة الثالثة من آداب النبوة كلامٌ نفيس حول تكنية الأطفال وتكنية الرجل الذي لم يولد له، وهذا وإن كان محور هذه المادة وموضوعها الأساس إلا أنها احتوت كذلك على العديد من الفوائد الجليلة كآداب الضيافة، ومحبة الصحابة للرسول صلى الله عليه وسلم، وآداب الزيارة، والتواضع وغير ذلك.

    1.   

    شرح حديث: ( يا أبا عمير !…)

    الحمد لله الذي رفع السماوات بلا عمد، والذي بسط الأرض في مدد، الذي خلق الإنسان في كبد، والصلاة والسلام على أبي الزهراء سيد الأولياء، وخيرة الأصفياء، ما ترقرق الماء، وما لمعت النجوم في الظلماء، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعــد:

    فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

    ومع الإمام البخاري في كتاب الأدب، وهو يجدد الأبواب تلو الأبواب، ناقلاً عن المصطفى عليه الصلاة والسلام: هديه، ودله، وشمسه، ونوره، وعظمته، التي ما لحقها أحدٌ من البشرية، ولا أتى أحدٌ من الإنسانية بالخير لأمته، ولا أدخل أحدٌ لقومه بمثلما أتى به محمدٌ عليه الصلاة والسلام.

    يقول البخاري رحمه الله تعالى: باب الكنية للصبي، وقبل أن يولد للرجل.

    ثم قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا عبد الوارث عن أبي التياح، عن أنس رضي الله عنه وأرضاه، قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً، وكان لي أخٌ يقال له: أبو عمير قال: أحسبه فطيماً، وكان إذا جاء قال: يا أبا عمير! ما فعل النغير؟ نغرٌ كان يلعب به، فربما حضر الصلاة وهو في بيتنا، فيأمر بالبساط الذي تحته فيكنس وينضح، ثم يقوم ونقوم خلفه فيصلي بنا) وهذا الحديث يعرف بحديث: (يا أبا عمير! ما فعل النغير).

    وقد تهجم بعض الزنادقة، وأذناب الملاحدة على أهل السنة ونقلة الحديث، وقالوا: إنهم يروون أحاديث لا فائدة فيها، يقول هؤلاء الملاحدة والزنادقة ومن سار مسيرتهم: المحدثون لا فهم لهم، فهم يروون أحاديث لا تعقل وليس فيها فوائد! مثل حديث: (يا أبا عمير! ما فعل النغير) أي فائدة في هذا الحديث؟!

    ومثل حديث: (أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها) فهذه لا يُستنبط منها شيء، فلماذا يشغلون الناس بالأسانيد وكثرة الكلام، وليس هناك فائدة؟!

    وانبرى لهم الإمام ابن القاص، أحمد بن أبي أحمد الطبري، وأخرج أكثر من ستين فائدة، ثم أتى ابن حجر حافظ الدنيا، وعلامة الزمان وأستاذ القاهرة، وصاحب فتح الباري الذي لا هجرة بعد الفتح، فأخرج فوائد تلحق على تلك فتصبح سبعين فائدة.

    فلنسمع لهذا الحديث وللقضايا التي عالجها العلماء، والتي هي من القضايا الحارة في حياة المسلم، والتي أديرت بكئوس من الفضل بين الفضلاء، وعلى بساط من النبل بين النبلاء.

    جوانب من عظمة الرسول صلى الله عليه وسلم

    الرسول عليه الصلاة والسلام من عادته أنه سهل ميسر، ولذلك يقول أحد الغربيين في كتاب له: إن محمداً -يقصد الرسول صلى الله عليه وسلم- سهل في عظمته، بسيط في هيبته. وينقل هذا أبو الحسن الندوي في كتاب السيرة، أي: سهل ممتنع، كيان متحرك، رجلٌ حضاري يقود الأمة من الجاهلية إلى الإسلام، وينقل تاريخاً لم يكن ينقله ألف كسرى وكسرى، وألف قيصر وقيصر، في ثلاث وعشرين سنة يؤسس دولة ينقطع حلق الدهر لا يدرك مداها.

    هذه الدولة الإسلامية التي أخرجت العلماء، والأدباء، والشجعان، والأساتذة، والمعلمين، أسسها صلى الله عليه وسلم بهدوء، وهو جالس في بيت من طين في المدينة، ويأخذ الأمور بالتي هي أحسن وبهدوء وعظمة، ولكنه غَيَّر العالم.

    وكذلك الفرنسي الآخر الذي يقول: كان محمدٌ يصلح بين الشعوب وهو يشرب فنجان القهوة في بيته في المدينة، والقهوة لم تكتشف إلا في القرن السادس، لكنه ظن أن القهوة قديمة، وبعض الناس أتى من بلاد غير بلاد العرب، فرأى العرب يشربون القهوة، فأخذ يشربها، قال: هذه القهوة تؤلمني، لكن -والله- لما علمت أنها من السنة وأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يشربها؛ شربتها، قلنا له: ليست من السنة، قال: لا. أنتم تشربونها وكل شيء تفعلونه من السنة، فهو جاهل.

    فهم يظنون أن العرب إذا فعلوا شيئاً أن الرسول صلى الله عليه وسلم يفعله.

    فالرسول صلى الله عليه وسلم ليسره وسهولته، يعطي كلَّ واحد حَقَّهُ من الإجلال والإكرام والإعظام.

    ومن يتصور أن رسولاً كالرسول عليه الصلاة والسلام يعطي الأطفال وقتاً من وقته الثمين الغالي، الذي هو أغلى من الذهب والفضة، ويجلس مع الأطفال، فهذا الحديث قضية كبرى، وقصة يتحدث البخاري عنها في باب هو من ضمن الفوائد الستين أو السبعين من الباب.

    ملخص قصة حديث: (يا أباعمير) وفوائدها

    يقول البخاري -وهو يتساءل- لطلبة العلم وللمسلمين: باب الكنية للصبي. هل يحق لنا أن نكني الصبي فنقول: يا أبا محمد! يا أبا علي! وهو لم يتزوج، ولم يكن له أبناء؟

    ثم قال: وقبل أن يولد للرجل، فالرجل الكبير الذي عنده زوجات لكن ليس له ولد، هل نكنيه أم لا؟ فهذه قضية.

    وملخص الحديث أن الرسول عليه الصلاة والسلام سمع بفاجعة ومصيبة وكارثة حدثت في المدينة، وحلت في بيت من بيوت الأنصار، وهذه الكارثة هي موت طائر صغير كالعصفور لطفل كان يلعب به، وهذا الطفل اسمه أبو عمير، فاسمه كنيته، أي: ليس له اسم إنما الاسم الكنية، وهذا جائز في العربية وعند المحدثين، فأُخبر الرسول عليه الصلاة والسلام أن هذا الطفل مات طائره، وقد كان له طائر فربط رجله بحبل ليلعب به في البيت.

    فأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة، وأتاه الخبر الفاجع، وانتقل عليه الصلاة والسلام إلى بيت أبي عمير، وهو أخو أنس خادم الرسول صلى الله عليه وسلم ليعزيه، وليرفع له أسمى آيات العزاء والمواساة على هذا الفقيد الغالي الذي أصيبت به الأمة الإسلامية في عقر دارها.

    ووصل صلى الله عليه وسلم بحفظ الله ورعايته ودخل على الصبي، وقال وهو يظهر الأسى: {يا أبا عمير! ما فعل النغير} قال: مات يا رسول الله.

    فالرسول صلى الله عليه وسلم أظهر التأسف، ومعه شيء من البسمة الرقيقة التي عاشها صلى الله عليه وسلم، وطالما جذب بها القلوب وسبى بها الأرواح، وسوف يأتي بسط لهذه القضية، وما هو الحوار الحار الذي دار بين المعلم الكريم والزعيم العظيم، وبين هذا الطفل الصغير؟ فهذه قضية.

    وصل عليه الصلاة والسلام، وبعد أن انتهى من مراسيم العزاء، قام إلى بساط هناك، فأشار أن ينضح ليصلي بأهل البيت، فصلى بهم ركعتين عليه الصلاة والسلام، وفيها أكثر من عشر قضايا سوف تأتي معنا.

    الداعي لعقد هذا الباب ومكانة الكنية عند العرب

    ولكن قبل أن نتحدث يحق لنا أن نقف مع البخاري قليلاً، ونقول له: ما هو الداعي من عقد هذا الباب؟ وهل أنكر أحد من العلماء أو أهل العلم أن يكنى الصغير بكنية، أو الرجل الذي لم يولد له؟

    سوف يقول لنا: لا. لم ينكر أحد حتى من الجاهليين، ولكن لا نعمل في أدبنا ولا في سلوكنا، ولا في تعاملنا إلا بسنة.

    فهذا هو مراد البخاري الذي يعرف من سياق كلامه، فنقول له: بيض الله وجهك يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، وهذا هو الصحيح، وإلا فالجاهليون متعارفون على الكنية، يقول شاعر اليمن وهو يمدح نفسه بحسن الأدب:

    أكنيه حين أناديه لأكرمه     ولا ألقبه والسوءة اللقب

    كذاك أدبت حتى صار من خلقي     أني وجدت ملاك الشيمة الأدب

    يقول: من أدبي أني لا أنبز الناس بألقابهم: وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ [الحجرات:11] ولكنني أتحف الرجال بأسمائهم فأكنيهم، يا أبا محمد، يا أبا علي.

    وقد أثر عن عمر رضي الله عنه وأرضاه، أنه قال: [[ثلاث تورث لك الود في صدر أخيك:

    أولها: أن تناديه بأحب الأسماء إليه -وأحب الأسماء عند العرب أن تكنيه، يا أبا علي، يا أبا عبد الرحيم، يا أبا فلان، هذه الكنى-

    والأمر الثاني: أن توسع له في المجلس.

    والأمر الثالث: أن تبش وتهش في وجهه]]

    وهذه من مدرسة النبوة، ولا يخرج الكنز إلا من هناك، وكلام عمر رضي الله عنه لم يأتِ إلا من مشكاة محمد عليه الصلاة والسلام، والعرب متعارفة -كما قلت- على الكنية، يقول النابغة الذبياني، وهو يخاطب النعمان بن المنذر ملك العراق:

    نبئتُ أن أبا قابوس أوعدني     ولا قرار على زأر من الأسد

    وهذا النابغة شاعر، قد تكلم في عرض النعمان وهو في الصحراء، فتكلم في الملك واتهمه بأمور، فنقل الوشاة والعيون الخبر للملك، فقال الملك: من وجده منكم فليذبحه ذبح الشاة، فذهب يمشي ولا ينام، حتى خاف أن يموت قهراً وكمداً فعاد وقد نظم قصيدتين -لا بأس من إيراد بعضها- وذهب بهما إلى النعمان، منها هذه القصيدة، ومنها قوله، وهي من أحسن وألطف الأشعار في الرقائق والاستجداء، والتلطف، يقول للملك النعمان:

    كليني لهم يا أميمة ناصب      وليل أقاسيه بطيء الكواكب

    تطاول حتى قلت ليس بمنقضٍ     وليس الذي يرعى النجوم بآيب

    إلى أن يقول وهو يشكي همه وحزنه:

    وصدر أراح الليل عازب همه     تضاعف فيه الحزن من كل جانب

    علي لـعمرو نعمة بعد نعمة      لوالده ليست بذات عقارب

    إلى أن يقول للنعمان:

    حلفت يميناً غير ذي مثنوية      ولا علم إلا حسن ظن بصاحب

    ثم مدحه وقال:

    ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم     بهن فلول من قراع الكتائب

    ثم أتى فكناه في القصيدة.

    وقالوا: ليس للنعمان ابن اسمه قابوس، وإنما العرب تكني من لا ولد له، فهذا أمر.

    1.   

    تكنية الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه ومحبتهم لها

    ورد أن الرسول عليه الصلاة والسلام، كان يكني أصحابه، وهذا من أدبه الذي أدبه الله به، ومن حسن خلقه ورقته وسماحته، فقد كنى بعضهم بكنى ظاهرها فيه مذلة ولكنها من باب التبجيل، فكانت أحب الكنى إلى الصحابة.

    فــعلي كنيته أبو الحسن، فأتى عليه الصلاة والسلام -كما في حديث سهل بن سعد الساعدي في البخاري - فوجده نائماً في المسجد؛ فأخذ يوقظه صلى الله عليه وسلم برجله بلطف، ويقول: (قم أبا تراب! قم أبا تراب! قم أبا تراب!) فقام رضي الله عنه.

    والقصة ملخصها: أن الرسول عليه الصلاة والسلام سمع اختلافاً في وجهات النظر بين علي بن أبي طالب صهره، وبين فاطمة الزهراء بنته عليه الصلاة والسلام، فذهب إلى البيت ليصلح بين الزوجين، وهذه هي الواقعية في حياة المسلمين، أن الخطأ أو اختلاف وجهات النظر قد يحدث حتى في بيوت النبوة، فذهب فلم يجد علياً، قال: أين هو؟ قالت فاطمة: تغاضبنا وخرج من بيتنا إلى المسجد، فذهب عليه الصلاة والسلام وراءه ليأتي به، فوجده قد نام، ووجده رضي الله عنه وأرضاه قد تدثر في التراب؛ لأنه لم يكن له بساط، والمسجد لم يكن له فرش، أسد نام على الثرى.

    جسد لفف في أكفانه     رحمة الله على ذاك الجسد

    فأيقظه، وقال: (قم أبا تراب!) فكان الأمويون -أهل الشام - إذا غضبوا على علي بن أبي طالب، قالوا: أبو تراب، فيقول علي: هي أحب الكنى إليَّ؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يكنيني بها.

    وبعض الناس يفهمون بعض المدح أنه ذم، فكانوا يسبون عبد الله بن الزبير ابن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها وعنه، ويقولون: ماذا يفعل ابن ذات النطاقين؟ يعيرونه بـذات النطاقين، وقد سمعوا هذا الكلام فقالوه، والذي سماها بهذا هو المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ لأنها شقت نطاقها؛ فربطت بواحد الطعام وتمنطقت بواحد، فقال: (ذات النطاقين في الجنة).

    فلما سمع ابن الزبير أنهم يسبونه بهذا، تمثل بقول أبي ذؤيب الهذلي في قصيدة طويلة:

    فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها     فأول شاة سيرة من يسيرها

    وعيرني الواشون أني أحبها     وتلك شكاةٌ ظاهر عنك عارها

    وفي الصحيحين أن الرسول عليه الصلاة والسلام ذهب إلى الخندق والصحابة يحفرون الخندق، ومعهم زيد بن ثابت ذاك الشاب الحافظ للقرآن، العاقل، الأريب، زيد بن ثابت الذي كتب بيده القرآن من أوله إلى آخره، فلا مست النار يده أبداً، نقله من الصحف واللخاف والرقاع والعظام ونقله في مصحف.

    فمر عليه الصلاة والسلام والناس يحفرون في أول النهار، والجو بارد معتم، فمر وإذا بـزيد بن ثابت في سلاحه، ومعه مسحاة، وقد نام من كثرة السهر والتعب في الليل، فأيقظه صلى الله عليه وسلم بلطف، وقال: (قم أبا رقاد! قم أبا رقاد! قم أبا رقاد!) رقد فأعطاه صلى الله عليه وسلم هذا؛ لأن الحالة تناسبه، فكانت من أحب الكنى إلى زيد بن ثابت، والرسول صلى الله عليه وسلم إذا وسم أحد الصحابة بسمة كانت أحب ما يلقى أو ينادى به.

    وأبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه، كانت له هرة يعتني بها، فكني بـأبي هريرة، فربما ناداه صلى الله عليه وسلم يا أبا هر! ولذلك قال البخاري: باب من دعا صاحبه فنقص من اسمه حرفاً، فقال: يا أبا هر، وأبو بكرة هذا من الصحابة نزل من الطائف على بكرة، وقيل: أنزل متاعه على بكرة، فرآه صلى الله عليه وسلم، فقال: (أنت أبو بكرة) فسمي عند العلماء والحفاظ والنقلة وأهل السير أبو بكرة.

    1.   

    بعض آداب الضيافة والتعارف

    وفد هاني الخزاعي على الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال له صلى الله عليه وسلم: من أنت؟ -وكان صلى الله عليه وسلم يسأل الناس عن أسمائهم وأنسابهم- من أنت؟ وهذا وارد في القرآن، قال تعالى عن إبراهيم: قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ [الحجر:57] ومن السنة أنه إذا نزل عندك ضيف، أن تباسطه، وتنزل رحله، وتحادثه، وتؤانسه، وبعد ذلك تسأله من هو، أما أن تأخذ بتلابيب ثوبه عند الباب، وتقول: من أنت؟ وما نسبك؟ وما كنيتك؟ ومن أين أتيت؟ ومتى وصلت؟ نسأل الله العافية، نعوذ بكلمات الله التامات، هذه ليست من السنة.

    وهذا -نسأل الله العافية- يخيف الضيوف فيتوبون توبة نصوحاً إلى الله ألا يزوروه مرة ثانية، لكن السنة أنك بعد مباسطته تسأله.

    قال الأزدي:

    أحادث ضيفي قبل إنزال رحله     ويخصب عندي والمكان جديب

    وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى     ولكنما وجه الكريم خصيب

    يقول: إذا أتى ضيفي لا أسأله حتى أحادثه وألاطفه وأمازحه، ثم أسأله.

    وعند الترمذي بسند فيه نظر، قال عليه الصلاة والسلام: (إذا تعرف أحدكم على أخيه، فليسأله عن نسبه واسمه، فإنه واصل المودة) كيف تماشي إنساناً في سفر من الرياض إلى أبها وهو بجانبك، وقد أصبح بينك وبينه كلام، ومودة، وشيء من المؤانسة والمرافقة، ثم تتركه ولا تعرف اسمه ولا يعرف اسمك؟!

    إن هذا الدين دين التعارف، والتآخي، واللطف، والحنان، وكلما ازددت من الأصدقاء كانوا لك عوناً، خاصة الأخيار والأبرار والأتقياء.

    قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه: تزودوا من الإخوان فإنهم عزٌ في الدنيا وفي الآخرة، قالوا: يا أبا الحسن! أما في الدنيا فصدقت، لكن في الآخرة كيف؟ قال: أما سمعت أهل النار يشتكون، ويقولون: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء:100-101] -قالوا: ليس لنا اليوم صديق يشفع فينا- وقال رضي الله عنه أما سمعت الله يقول: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67].

    وفي صحيح مسلم وأصل الحديث في البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: (قدم وفد عبد القيس على الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال: من الوفد؟ -أو من القوم؟- قالوا: ربيعة، قال: مرحباً بالوفد -أو القوم- غير خزايا ولا ندامى) وأورد ابن القيم في زاد المعاد بسند فيه ضعف، أن وفد الأزد -أزد شنودة- وفد على الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: (من القوم؟ -الأصل أن يقولوا: الأزد- قالوا: مؤمنون، فتبسم عليه الصلاة والسلام، وقال: إن لكل قوم حقيقة فما حقيقة إيمانكم! قالوا: خمس عشرة خصلة... الحديث).

    1.   

    الموقف الشرعي من كنية (أبو الحكم) وجواز التكني بأسماء البنات

    فأتى هاني الخزاعي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (من أنت؟ قال: أبو الحكم، قال: الحكم هو الله، قال: يا رسول الله! إن قومي كانوا إذا اختصموا في الجاهلية أصلحت بينهم فسموني أبا الحكم، قال صلى الله عليه وسلم: هذا شيء حسن، ولكن هل لك من أولاد، قال: نعم. قال: من أكبرهم؟ قال: شريح، قال: فأنت أبو شريح، فكان يسمى أبو شريح).

    وعند البخاري ومسلم والترمذي: (أن الرسول عليه الصلاة والسلام دخل مغتسله بعد أن فتح مكة، فدخلت أم هانئ، فقال: من؟ قالت: أم هانئ، قال: مرحباً بـأم هانئ) فاستدل بهذا العلماء على أنه لا بأس بالترحاب عند التحية بعد رد السلام، فالرسول عليه الصلاة والسلام كنى أصحابه، وحياهم، ورحب بهم عليه الصلاة والسلام، وهذا مما أورث محبته في النفوس عليه الصلاة والسلام.

    وأبو الحكم بن هشام هو أبو جهل فسماه صلى الله عليه وسلم أبا جهل، فهو لا يستحق الحكم، ولا يستحق أن يكون حكيماً؛ لأن الجاهل والمذنب والفاجر لا يستحق الحكمة، إنما الحكمة مخافة الله، فإنسان فاجر لا يكنى بأبى الحكم فهو أبو جهل، ولو أنه كان يصلح بين قومه، لكن تردى في النار يوم كفر بلا إله إلا الله.

    ومن الصحابة من تكنى بأسماء النساء -بالبنات- فـأبو الدرداء اسم بنته الدرداء؛ فكان يسمى أبا الدرداء، وهناك أبو الزاهرية، وأبو ريحانة، فلا بأس أن يتكنى الإنسان بابنته، وليس فيها عيب، وما عابها أحد، لا من العرب الخلف ولا من السلف، بل العجيب أن بعض الشعراء مدحوا بعض الملوك فنسبوهم إلى أمهاتهم وتركوا آباءهم.

    دخل جرير بن عطية الخطفي على عمر بن عبد العزيز فمدحه، فقال:

    وما كعب بن مامة وابن سعدى بأكرم منك يا عمر الجوادا

    أقول لصاحبي والخيل تعدو     على الأمواه تضطرد اضطرادا

    عليكم ذا الندى عمر بن ليلى جواداً سابقاً ورث النجادا

    وعمر بن ليلى هو عمر بن عبد العزيز الخليفة.

    والنابغة الذبياني يقول للنعمان بن المنذر:

    ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم     بهن فلول من قراع الكتائب

    تخيرن من أزمان يوم حليمة إلى اليوم قد جُرِّبنَ كل التجارب

    يقول: سيوفكم أيها الملوك، معلقة في بيوتكم تقاتلون بها الأعداء، من أزمان حليمة جدتكم، وحليمة هذه كانت ملكة، والدرس ليس عن حليمة ولكنه عن التكني.

    ومن هذه القضايا أن الزيارة واردة من الملائكة للناس، قال عليه الصلاة والسلام في الصحيح لجبريل: (ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟ قال: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ )[مريم:64]) يقول: نحن لا ننزل عبثاً، أي: لا ننزل ونصعد متى نريد، بل نتنـزل بأمر من الله وتكليف: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ [مريم:64].

    1.   

    مشروعية زيارة الفاضل للمفضول

    وهل يزور الفاضل المفضول؟ هل من الأدب والشهامة والفضل أن يزور الفاضل المفضول؟

    مثلاً عالم يزور تلاميذه، والسلطان يزور رعيته، والشيخ الكبير يزور الشباب، هذا وارد، وممن فعل هذا محمد عليه الصلاة والسلام، فزار أصحابه في أطراف المدينة، وزار النساء كما سوف يأتي في الشرح، وزار الكبار والأطفال والمساكين والأعراب عليه الصلاة والسلام.

    أما الكبار فقد زار سعد بن عبادة يوم مرض، فوجده مريضاً مغمى عليه؛ فبكى عليه الصلاة والسلام، فقال له الصحابة: (مالك؟ قال: إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، وإنما يعذب بهذا -وأشار إلى لسانه-).

    وسمع أن أعرابياً بدوياً تهزه الحمى هزاً؛ فذهب يزروه، فقال: (لا بأس عليك طهور) فغضب الأعرابي، وقال: بل حمىً تفور، على شيخ كبير، تُزيره القبور.

    الحمى هذه ترقص الإنسان حتى تجعله يرقص ويطرب رقصاً عجيباً؛ لأنها تهز كل عضو فيه، تدخل في ثلاثمائة وستين عضواً، فتنفضه نفضاً، كأنه على الكهرباء.

    فدخل صلى الله عليه وسلم على الأعرابي، فقال: لا بأس عليك يطهرك الله من الذنوب والخطايا، يا لجلالة الإسلام! ويا لعظمة الدين! يوم تصاب بجرح، أو بألم، أو بمرض، أو تسهر عينك، تكون كفارة، فقال صلى الله عليه وسلم: لا بأس، ما أتاك بأس، إنما أتاك دواء وبلسمٌ وعلاج وأتاك طهور وماء باردٌ، وحسنات ودرجات عند الله، والأعرابي لا يفقه! يريد أن يأكل ويشرب، قال: لا. ليست بطهور، بل حمى تفور، على شيخ كبير، تُزيره القبور.

    يقول: بعد أيام -إن شاء الله- الموعد المقبرة، فيقول عليه الصلاة والسلام: (نعم إذاً) أي: ما دمت دعوت على نفسك، فنعم إذاً؛ فمات بعد ثلاثة أيام.

    وزار صلى الله عليه وسلم البراء بن معرور رضي الله عنه وأرضاه، أحد الوجهاء من الصحابة، وأحد الذين لهم مواقف خالدة في الإسلام، فلما زاره صلى الله عليه وسلم وكان في سكرات الموت سلم عليه صلى الله عليه وسلم وعانقه، ودموع البراء تهراق، وهو يرفع إصبعه ويقول: [[أشهد أنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، أشهد أنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً]] وهذا في سكرات الموت! فربما رأى شيئاً من الجنة، أو لاح له شيءٌ من النعيم، فقام عليه الصلاة والسلام عنه، وظن أنه سوف يبقى على قيد الحياة ردحاً من الزمن، وبعد أن وصل مسجده صلى الله عليه وسلم، سمع الهاتف يقول: مات البراء يا رسول الله! فلم يتلعثم صلى الله عليه وسلم، بل استقبل القبلة، ورفع يديه الطاهرتين، الشريفتين، المجيدتين العظيمتين، إلى الحي القيوم، وهو يقول: (اللهم الق البراء فاضحك إليه ويضحك إليك) وهي من أعظم الأدعية في الإسلام، فهو رجل عظيم.

    وزار صلى الله عليه وسلم النساء الكبيرات، من أمهات الأبطال والسادة الأخيار من المهاجرين والأنصار، فقد كان يزور أم سليم، وكانت أم سليم إذا نام صلى الله عليه وسلم في بيتها، وتحدر العرق من على جبينه الطاهر، أخذت العرق في قارورة، وكان للعرق هذا رائحة كالمسك في البيت، فإذا مرض أحد أهلها أخذت قطرة واحدة وجعلت هذه القطرة مع ماء وغسلت المريض حتى يشف بأذن الله.

    وفي الصحيح أنه زار صلى الله عليه وسلم أم حرام بنت ملحان، وكانت مجيدة، عابدة، زاهدة، ربت أبطالاً، وأخرجت سادات في الأمة، فلما نام صلى الله عليه وسلم في بيتها قام يضحك، فقالت: (يا رسول الله! مالك؟ قال: رأيت قوماً من أمتي يركبون ثبج البحر ملوكاً على الأسرة، يغزون في سبيل الله -أي: سوف يأتون- قالت: يا رسول الله! ادع الله أن أكون منهم، قال: أنت منهم، ثم نام صلى الله عليه وسلم، ثم قام يضحك، قالت: مالك يا رسول الله؟ قال: رأيت أناساً من أمتي كالملوك على الأسرة كما قال في الأول، قالت: ادع الله أن أكون منهم، قال: أنتِ من الأولين).

    فركبت البحر مع زوجها عبادة بن الصامت، ومع أبي أيوب الأنصاري، يوم قادهم يزيد بن معاوية ليفتحوا القسطنطينية ويعلنوا لا إله إلا الله في القسطنطينية التي ما عرفت لا إله إلا الله منذ قرون عديدة، فأسسوا هناك المساجد وحلق الذكر، والمدارس التي تربي الأرواح، وأما أبو أيوب فلم يعد إلى بلاد العرب مرةً ثانية، فقد قال: [[إذا أنا مت فادفنوني عند آخر بلاد المسلمين حتى يخرجني الله يوم القيامة بين أناس مشركين]] وفي رواية: [[علَّني أن أستيقظ من قبري بين الكفار وأنا أقول: لبيك اللهم لبيك]] فدفن هناك.

    عمر رضي الله عنه وأرضاه أرسل جيشاً إلى قندهار التي يقاتل عليها المجاهدون الأفغان، وهي بلادهم وأرضهم وحماهم وتراثهم، فهم يقاتلون عليها أعداء الله الشيوعيين، ففي قندهار هذه قتل أناس كثيرٌ من الصحابة الأخيار؛ فأتوا إلى عمر؛ فأخبروه، وقالوا: قتل فلان وفلان، وعمر يضع عمامته على وجهه ويبكي، ثم لما طالت القائمة بالقتلى قالوا: وأناس لا نعرفهم، فرفع عمر صوته، فقال: إن كنتم لا تعرفونهم فوالذي نفسي بيده إن الله يعرفهم.

    بـقندهار ومن تكتب منيته     بـقندهار يرجم دونه الخبر

    وزار صلى الله عليه وسلم أم أيمن، وقد أرضعته عليه الصلاة والسلام، وهي أم أسامة بن زيد، وكانت ترعى أربعين من الماعز للرسول عليه الصلاة والسلام، وكان إذا ولدت واحدة منها ذبحها صلى الله عليه وسلم فكانت تبقى أربعين، وربما كانت تتدلل هذه المرأة الصالحة على الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنها تعده ابناً لها، فقد أرضعته وهي كبيرة، والرسول عليه الصلاة والسلام أعطاها بستاناً من الغنائم، وأراد أن يأخذه من يديها ليعطيه رجلاً فقيراً على أن يبدلها مكان هذا البستان بآخر، فرفعت صوتها ورفضت، فتبسم صلى الله عليه وسلم وترك البستان لها.

    ولما توفي عليه الصلاة والسلام -وهذا الحديث في الصحيحين - قال أبو بكر وقد تولى الخلافة: [[يا عمر! اذهب بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها، فذهب الشيخان الجليلان، والبطلان القائدان إلى أم أيمن، فجلسا عندها فأخذت تبكي، وقد تذكرت، فقال أبو بكر: مالك تبكين؟ أما تعلمين أن ما عند الله خيرٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما عندنا؟ قالت: أعلم ذلك، ولكن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء فجعلان يبكيان]] وهذا في الصحيحين.

    وقلت: يزور الفاضل المفضول، فالإمام الشافعي لامه بعض تلاميذه، قالوا: تزور أحمد بن حنبل، وأحمد أصغر منك سناً وأنت أعلم منه، فقال مقطوعة، يقول فيها:

    قالوا يزورك أحمد وتزوره     قلت الفضائل لا تغادر منزله

    إن زارني فلفضله أو زرته      فلفضله فالفضل في الحالين له

    وقد كتب للإمام أحمد يقول:

    أحب الصالحين ولست منهم      لعلي أن أنال بهم شفاعه

    وأكره من تجارته المعاصي      ولو كنا سواءً في البضاعه

    فرد الإمام أحمد يقول:

    تحب الصالحين وأنت منهم     ومنكم قد تناولنا الشفاعه

    لأنه قرشي من أسرة الرسول صلى الله عليه وسلم، يقول: أنت تحب الصالحين، وأنت من أكبر الصالحين، فلا تتواضع في هذا الجانب، فأنت معروف بقيام الليل والتلاوة والصدق ونشر العلم.

    1.   

    الزيارة البغيضة زيارة الحُمَى أو الثقلاء

    ورد في الآداب وكتب السير التذمر من زيارة الحمى، يقولون: أسأم زيارة عند العرب الحمى إذا زارت أحدهم، وقد تفاءل بها الصالحون ورحبوا بالحمى زائرةً في الظلام، ولكن تذمر منها كثيرٌ من الناس، وقالوا: لا نريد زيارتها ولا نرى وجهها، ولكن كثيراً قالوا: أنها تكفر الذنوب، وهي التي تغسل السيئات عن الناس، أما المتنبي فإنه نام في مصر مع كافور، فأتته الحمى فأخذ يتقلب ظهراً على بطن، وأنشد قصيدته الرائعة، التي هي من أحسن قصائده في الحمى، وهي قصيدة الحمى، التي يقول فيها:

    ملومكما يجل عن الملام     ووقع فعاله فوق الكلام

    وزائرتي كأن بها حياءً     فليس تزور إلا في الظلام

    يقول: عجباً لهذه الحمى قاتلها الله، عدوة الله لا تأتي إلا في الليل، ولا تأتي في النهار، وهذه من صفات الحمى.

    بذلت لها المطارف والحشايا      فعافتها وباتت في عظامي

    ومما تُذمر منه الثقلاء، والثقيل هو الذي إذا أتاك أوقعك في السيئات، بعض الناس إذا دخل على بعض الناس يجرجره إلى السيئات، فهذا أثقل الزائرين، كان الأعمش إذا رأى رجلاً ثقيلاً مقبلاً، قال: ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون، وورد في قصص الثقلاء ما لا نطيل الوقت بذكره.

    1.   

    آداب الزيارة في الإسلام

    وأوقات الزيارة في الإسلام كلها واردة، إلا ثلاثة أوقات وهي عورات للمسلمين لا يجوز الزيارة فيها إلا لأمر ضروري، حين توضع الثياب من الظهيرة، أي: بعد صلاة الظهر، وقبل صلاة الفجر، وبعد صلاة العشاء، فليعلم هذا عند طلبة العلم، وعند الإخوان والأخيار، والصالحين، وبعد صلاة الظهر وقت قيلولة فلا تأتِ في الساعة الثانية والنصف، وتقول: الأمر بسيط، أريد أن أتحدث معك، وأريد أن نجلس قليلاً في الظهر. فهذا ليس وقت سمر أيها الأخ الكريم، بل هذا وقت راحة.

    ثم يأتيك قبل صلاة الفجر بساعة، ويطرق عليك الباب، ويقول: لا أريد شيئاً يا أخي، فقط أريد أن أشرب القهوة معكم، وأسأل عن أخباركم. فهذا خطأ.

    وكذلك بعد صلاة العشاء، ويتساهل كثير من الناس بعد صلاة العشاء وهو ليس وقت زيارة، وليعلم هذا، فأحسن وقت للزيارة بعد العصر والمغرب، ومن بعد العاشرة في الصباح، لأنك ربما تزوره قبل العاشرة فتجده على الفطور فتفطر معه، فعليك أن تحذر فتأتيه بعد العاشرة.

    وقد تأتيه -نسأل الله العافية- وقت الغداء الساعة الثانية فتتغدى معه، فعليك بأوقات الزيارة بعد العصر والمغرب.

    ومن الأدب ما ذكره سيد قطب في ظلال القرآن أن إذا أراد المسلم أن يزور المسلم أن يتصل به تلفونياً، يقول: هذه الوسائل وجدت عند الكفار فاستخدموها في الآداب، ونحن أهل الإسلام أولى بذلك، فلا يأت إنسان بأهله وأطفاله، ثم يقف عند الباب، فقد يكون أهل البيت أمواتاً، أو يكونون في مشكلة، أو ربما كان الرجل يتعارك مع امرأته، وكل إنسان في زاوية يمسح دموعه ودمه، فيطرق عليهم الباب قال: أتينا نزوركم. أين الاتصال وترتيب الزيارة؟!

    فالذي ينبغي -أيها الإخوة الكرام- أن يكون لنا تنسيق في حياتنا، إذا أردت أن تزوره فاتصل به قبل فترة.

    وبعض الناس إذا أراد أن يدعو أحداً وهو يتثاقل من الدعوات، فإنه يفتح كل مجالات الأعذار للإخوان حتى يعتذرون، فهو يقول له: إن لم يكن عندكم ارتباط، أو لن يأتيكم أحد، أو لست مشغولاً، أو لست مريضاً فتعال تغد معي اليوم، فأنت تفتح له باب الأعذار حتى تأتي وهو مرتاح وأنت مرتاح.

    فلا بد من هذه الوسائل، ولا يستهان بها، بل هي من أعظم الفقه في الدين، حتى نكون على بصيرة، لأن هذا الدين أخرج الناس من البادية وأعرافها وجفائها إلى أمة حضارية تعرف كيف تتعامل مع الإنسان.

    الزيارة غباً: هل من السنة أن تزور كل يوم؟ عقد البخاري لهذا باباً في الصحيح، وأتى بحديث الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو من حديث أسماء، أنه صلى الله عليه وسلم كان يزور أبا بكر يومياً، لكنه علم مودة أبي بكر، وصدقه وقرب أبي بكر من قلبه، وأما في الإسلام فإن الزيارة غباً هي الأسلم، وورد في الحديث: (زر غباً تزدد حباً) وهذا الحديث ضعيف، لكن قال بعض الحفاظ: إذا اجتمعت طرقه قامت على سوقها وأصبح حديثاً حسناً فله أصل.

    والغب: أي فترة بعد فترة، فلا تزره اليوم قبل الظهر، وبعد صلاة العصر، فتأتي وتقول: اشتقت لك، ثم في اليوم الثاني تقول: اشتقت لك، فسوف يستقبل صاحب البيت القبلة ويقول: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الضراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر، فالزيارة تكون بقصد، مثلما قال أبو تمام:

    ليس الحجاب بمخفٍ عنك لي أملاً     إن السماء ترجى حين تحتجب

    يقول: إذا أبطأ الغيث خرج الناس يستسقون، لكن لو نزل الغيث كل يوم فهو يزري، كانوا يقولون: يا رب! ارفع عنا هذا المطر، يا رب! لا تهدم علينا بهذا المطر بيوتنا وأنت أبصر وأنت أرحم، ولكن إذا تخلف المطر وقحطت الأرض خرجوا للاستسقاء، فالزيارة غباً واردة ولا تحدد، وحددها بعض الناس، بأن تزور على قدر طاقتك، إلا الأرحام والأقارب الذين تمون عليهم ويمونون عليك فلا بأس، أما أن يكون الإنسان ثقيلاً فلا يطلب هذا.

    ومن آداب الزيارة -أيها الأخيار الأبرار النبلاء الفضلاء- أن إذا زرت ألا تنام عنده، كأن تزوره بعد صلاة العصر، فتبقى إلى الواحدة والنصف ليلاً، فيخرج ويرجع وينتهي كلامه، وينظر في النجوم: هل طلع نجم سهيل؟ وهل بدت الثريا؟ هل أذن الفجر؟ ثم يدعو الله عز وجل، ثم يذهب إلى زوجته شاكياً باكياً فهذا ليس بوارد، فعلى المسلم أن يكون خفيفاً.

    أيها الإخوة: لا ننفركم من زيارة الإخوان والأحباب، لكن هذه موجودة في كتب التربية، ووجدت حتى في التفسير وأشار إليها العلماء المفكرون، ونحن لا بد أن نبحثها مثلما نبحث مسائل الوضوء والصلاة والزكاة والصيام.

    قال: وزيارة الأحباب والأقران والزملاء بعضهم لبعض، فهذه مطلقة، فلا تقل: لا أزوره؛ لأنه لم يزرني، بل كن دائماً أنت فاضلاً بادئاً بالفضل.

    وقد زار سلمان أبا الدرداء وزار أبو الدرداء سلمان.

    أما سلمان هذا ففقيه، طال عمره، ففقه عقله ونبل، فزار أبا الدرداء، وأبو الدرداء كان قوياً في العبادة صارماً، يكلف نفسه كثيراً، فزاره في النهار، فوجده لا يأكل، ورأى امرأته متبذلة، قال: مالك أصبحت عجوزاً في البيت؟ قالت: أبو الدرداء أما النهار فصائم، وأما الليل فقائم.

    فأتى سلمان وكان فقيهاً، فقال لـأبي الدرداء: كل معي، قال: لا آكل أنا صائم، قال: والله لا آكل حتى تأكل، فأكل، فلما أتى الليل نام معه متعمداً حتى يلقنه درساً تربوياً عالياً، فقهاً واقتصاداً في العبادة فقام يصلي بعد العشاء، قال: نم، فنام ساعة، فقام، فأخذه بثوبه، وقال: نم، فلما أصبح قبل الفجر بساعة، قال: الآن قم، فقام، فلما أتى الصباح جلس معه في حوار حار ساخن، وقال: [[يا أبا الدرداء: إن لربك عليك حقاً -هذا الحديث في الصحيحين - ولنفسك عليك حقاً، ولعينك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، ولضيفك عليك حقاً، فأعطِ كل ذي حقٍ حقه]].

    فأخذ أبو الدرداء هذا الكلام، وذهب به يعرضه على المصطفى المعلم الكبير، يعرض المخطوطة على صاحبها، ويعطي القوس باريها، قال: (يا رسول الله! أتى سلمان؛ فنام عندنا، ففعل كيت وكيت، وقال: كذا وكذا، قال: صدق سلمان، صدق سلمان، صدق سلمان، سلمان أفقه منك يا عويمر) فهذا هو الإسلام، وهذه هي الزيارة.

    وهل الزيارة على البعد واردة؟ لأنه قد وجد من العلماء من قال: لا تشد الرحال لزيارة الناس، إنما تشد للمساجد الثلاثة، أي: هل لك أن تشد رحلك، وتركب سيارتك، وتحجز في الطيران، وتذهب لتزور أخاً؟ وهل هذا من البدعة أم لا؟

    لا. ليس من البدعة، بل هو من أفضل الأعمال أن تزور أخاً لك في الله، ولو شددت إليه الرحال.

    أتيناكم من بَعْدِ بُعْدٍ نزوركم     فهل من ضياف وارد وجفان

    كما يقول الصاحب بن عباد.

    والرسول عليه الصلاة والسلام -كما في سنن أبي داود - زار العباس بن عبد المطلب في البادية، فسلم عليه وعلى أطفاله وصلى عندهم عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    الأماكن التي تزار

    ما هي الأماكن التي تزار؟

    هل يزار قبر عبد القادر الجيلاني، والبدوي، وهذه القبور التي أخذها الذين لا يفقهون شيئاً، وقالوا: الدعاء مستجاب عندها، ويمرغون وجوههم عندها، حتى إن أحد الناس الحمقى أخذ قارئاً يقرأ عليه، قالوا: إذا ذهبنا إلى قبر البدوي فاقرأ علي، فذهب معه، فلما أجلسه عند القبر، قال: ماذا أقرأ؟ قال: اقرأ ما فتح الله عليك، قال: كم الأجرة؟ قال: فلسين -أو عملة قليلة تشابهها- فقرأ: (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ [الحاقة:30-32] قال: كيف تقرأ هذا الكلام؟ قال: هذا قيمته في الكيل، وأما الذي بالجنيهات: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ [الذاريات:17-16].

    فالمقصود أن بعض الناس يزورون هذه المزارات ويعتقدون فيها النفع والضر، وهذا شرك، وقد تساهل الذهبي في السير، حيث كان يترجم للشخص ويقول: وكان قبره يزار.

    والرسول عليه الصلاة والسلام قبره لا يشد إليه الرحل، لكن إذا وصل المسلم إلى المدينة المنورة والمسجد الشريف، فعليه أن يمر على الحبيب عليه الصلاة والسلام.

    يا خير من دفنت في القاع أعظمه     فطاب من طيبهن القاع والأكم

    نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه     فيه الجلال وفيه العز والكرم

    وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى) أو كما قال عليه الصلاة والسلام، وقد وقع صراع تساقطت منه عمائم الأبطال، وتكسرت النصال على النصال، بين ابن تيمية وعلماء وقته إلا من رحم ربك.

    فهم يقولون: شد الرحال إلى القبر وارد، وهو يقول: لا. لا يشد الرحل إلى قبره صلى الله عليه وسلم، وألف في ذلك مجلداً، وقد رد عليه السبكي، ولكن لم يحسن الرد، فرده مظلم لا يشفي، وهو مبني على الأحاديث الموضوعة، ولكن أتى ابن تيمية برد مشرق، كأنه نظم النجوم من الدلائل الساطعات الواضحات فرحمه الله، وأسكنه فسيح جناته.

    1.   

    فوائد أخرى في حديث الكنية

    فهذا الحديث: (يا أبا عمير! ما فعل النغير) كان هناك رجل يسمى صالح جزرة، وهو محدث كبير، وحافظ المشرق، أتى من الشمال، فقال له أبو حاتم الرازي: ماذا وقع عندكم في الشمال؟ قال: كل خير، مات الشيخ فلان، وأتى محدث آخر فأول ما قرأ علينا، حديث: يا أبا عُمَير! فقال: يا أبا عَمِير! ما فعل البعير؟

    يقول ابن حجر: من التصحيفات التي وقعت في الأحاديث مثل ما وقع في هذا الحديث، والتصحيف هو: تغيير الكلمات.

    وفي هذا الحديث قضايا:

    منها: أن هذا الطفل مات بعدما مات النغر ويقولون: هو الطفل الذي قصد في الحديث الصحيح، أنه ولدٌ لـأبي طلحة، وكان مريضاً، فدخل أبو طلحة ليلة من الليالي، وإذا بطفله قد مات، وهو لا يعلم أنه قد مات، وكانت أم سليم امرأة عاقلة، رشيدة، زاهدة، فغسلته وكفنته وسجته، فدخل أبو طلحة، وقال: كيف الطفل؟ قالت: ما ارتاح إلا هذه الليلة، وهو في أحسن حال، فظن أنه مرتاح، فلما أصبح الصباح أخبرته الخبر، فأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: (بارك الله لك في ليلتك) أو كما قال عليه الصلاة والسلام، فأخلفه الله بتسعة أولاد كلهم حفظوا القرآن، وأصبحوا من علماء الأقاليم في البلاد الإسلامية، ومنهم إسحاق بن أبي طلحة أحد رواة البخاري ومسلم من أكبر العلماء في الدنيا، تسعة حفظوا القرآن، وأصبحوا علماء ودعاة إلى الجنة.

    ومن القضايا كذلك بارك الله فيكم: أن الرسول صلى الله عليه وسلم سجع في الحديث هذا، فقال: (يا أبا عمير! ما فعل النغير) وفي القرآن سجعٌ لكنه ألذ من الشهد، وأحسن من الماء الزلال: وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً * فَالْحَامِلاتِ وِقْراً [الذاريات:1-2].. وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً [النازعات:1-2] والْمُرْسَلاتِ عُرْفاً * فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفاً [المرسلات:1-2] إلى غير ذلك من الآيات فيها سجع، ولكنه غير متكلف، بل هو نورٌ يهدي به الله من يشاء صراطاً مستقيماً.

    ومن القضايا: أنه يجوز جعل الاسم بدل الكنية، فـأبو بكر يقولون: اسمه كنيته، وبعضهم يقول: اسمه عبد الله بن عثمان، والظاهر والله أعلم أن أبا عمير اسمه كنيته.

    حكم لعب الأطفال بالألعاب

    ومنها: قضية التلهي بالطير، وأنه لا بأس للمسلم أن يعطي أبناءه بعض اللعب خاصة الصغار منهم، التي يتسلون بها، ولكن بشرط أن تكون اللعب المباحة، أما اللعب المجسمة وهذه التصاوير، مثل صور البنات والأطفال والخيول، فالذي يظهر -والله أعلم- أن هذه ليست من جنس اللعب، وأنها لا يجوز أن تدخل البيوت؛ لأنها منحوتة؛ ولأن فيها تشبه بخلق الله عز وجل، وهي مذمومة، وكأنها تأخذ ظاهر الحديث: {لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة ولا جنب ولا كافر} هذا الحديث في السنن وهو حسن، وفي السنن حديث صحيح: {لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب} أما قوله: {ولا بيتاً فيه صورة ولا جنب ولا كافر} فهو حديث حسن، ومن العلماء من صحح هذه الجملة كلها.

    فالمقصود أن هذه اللعب ينبه عليها ولا تدخل البيوت؛ فإنها تخرج الملائكة، وهي خدش للتوحيد؛ لأنها مشابهة لخلق الله تعالى وهي منحوتة، وقد يستدل بعض الناس، ويقول: أدخلها بيتي؛ لأنه أثر أن عائشة رضي الله عنها وأرضاها، كانت لها خيولٌ تلعب بها؛ لأنها كانت طفلة، فدخل صلى الله عليه وسلم عليها، وكان للخيول أجنحة، فقال: {ما هذه يا عائشة؟ قالت: خيول، قال: خيول بأجنحة؟! قالت: يا رسول الله! سليمان كانت له خيولٌ بأجنحة، فتبسم عليه الصلاة والسلام وسكت} قال العلماء: لم تكن عائشة تصور الخيول كصورة الخيل، فهي لا تستطيع أن تصور رأس الخيل، وعينيه ويديه، وأرجله، وذيله، أو تصور قامته وسمكه، فيكون خيلاً كما يفعلون الآن؛ لأن هذه مصانع متخصصة، وشركات عالمية متطورة، فصناعة اللعب هذه تأتي بتعب وجهد، ووراءها مفكرون حتى تنتج للناس، فـعائشة رضي الله عنها أتت بعود وجعلت قطعة قماش من هنا وقطعة من هنا، وقالت: هذا فرس، وهو ليس بفرس ولا يشبه صورة الفرس والخيل، فهذا ليس من هذا أيها الأبرار.

    واللعب التي يلعب بها الأطفال، كالدراجات والسيارات، والطائرات، واللعب، والصفارات، إلى غير هذا، وهي لا بد في فترة من الفترات أن يكون عند الأطفال منها شيء، أما إذا بلغ الطفل خمس عشرة سنة وتشتري له دراجة فيصبح دائماً في الشوارع فهذا لا ينبغي، بل لا بد أن يكبر عقله مع كبر سنه حتى يعلم مهمته في الحياة.

    قد رشحوك لأمر لو فطنت له     فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل

    يقولون: الرسول عليه الصلاة والسلام لما بلغ السابعة من عمره، كانت لـعبد المطلب سجادة في ظل الكعبة، ممنوع أن يجلس أحدٌ على هذه السجادة، وهي لا تأخذ إلا رجلاً واحد، فلا يجلس فيها إلا عبد المطلب سيد قريش والعرب، وكانت تفرش قبل العصر، فيجلس، وتجلس إليه قريش وكبراء العرب وملوك العرب عنده، ولو أتى ملك من ملوك الدنيا فإنه لا يجلس عليها.

    فالرسول صلى الله عليه وسلم كان دائماً إذا أتى لا يجلس إلا على هذه السجادة، فتقيمه قريش فيقوم من مكانه ويجلس على السجادة، فيقول عبد المطلب: والبيت ذي النصب والحجب، والنجوم والشهب، إن لهذا الابن سبباً من السبب، يقول: والله إن هذا الابن ليس بعادي، وإنه سوف يكون عظيماً من عظماء الدنيا، ونحن نقول: ليس من عظماء الدنيا، بل هو أعظم عظيم في الدنيا عليه الصلاة والسلام، فهمته العالية جعلته يجلس هناك.

    يقول ابن القيم في كتاب الفوائد: قيل: لدويدة صغيرة تحرك القذر والأذى، مالك تفعلين هذا بنفسك؟ قالت: همتي أنزلتني إلى هذا المكان.

    فالمقصود أن التلهي باللعب لا بأس به، لكن بالشروط التي ذكرت، وإقامتهم على الصلاح، وعلى تَعَلُّم العلم فهو لا بأس به، أما تعليمه في سن لا يعقل فيها، فهو إتعاب للنفس فقط، فمن السابعة يبدأ بالمسجد، ويبدأ بالتعليم، ويبدأ بحفظ وقته، وحضور الجلسات والاستفادة من أهل العلم.

    سؤال المسلم عن أحوال إخوانه

    وفي هذا الحديث السؤال عن الأحوال: سؤال المسلم عن أحوال إخوانه وخاصة الجيران، فإن بعض الناس يمرض جاره ويشفى مرات كثيرة ولا يدري، وبعد أيام عديدة يقول: أخبرنا آل فلان أنكم مرضتم فشفاكم الله.

    فهذا عذر أقبح من ذنب، فإن المسلم لابد أن يتفقد أحوال جيرانه، والذي يخبرك هو المسجد، فيخبرك أن الناس سافروا، أو وجدوا، أو ماتوا، أو حضروا، أو مرضوا، فمن صلى معنا تفقدناه، ومن كان مفقوداً دائماً فلا أصل له، ليس موجوداً في كتابنا ولا في مخطوطاتنا، فهو ليس له أصل.

    لكن الذي دائماً يحفظ الصف الخامس أو الصف الأول، فهذا معروفٌ عند الناس، عند الإمام والمؤذن، وعند الإخوان والجماعة، إذا غاب نسأل: أين ذهب فلان؟ ليست عادته أن يغيب فيعرف أهل الحي أنه سافر، فلذلك ينبغي أن نحافظ على هذه الصلوات، وأن نسأل الناس عن أحوالهم.

    ولكن إذا سُئل المريض عن حاله فليكن بحكمة، لا تأتي إلى مريض متعب ومرهف وسئم، فتلقي عند رأسه محاضرة، حتى يتمنى أنه ما رآك فيزيد مرضه مرضاً، فمن الناس من يأتي إلى المريض فيقول: والله سمعنا أن هذا المرض مات منه فلان وفلان، وكان هذا المرض مرض جدتي يوم نقلت إلى المستشفى التخصصي وماتت بعده، وهو مرض خالتي الذي ما أخذت بعده العافية والحمد لله، يقولون: هذا من التشاؤم في الزيارة.

    قالوا: فإن كنت وجدته قريباً من العافية؛ فقربه، وقل: لا بأس عليك، لم أظن أن حالك حسنة كذا، ما شاء الله تبارك الله؛ لأن الوهم يزيد المريض مرضاً، ورفع معنويات المريض أمرٌ حسن، وفيه قصص وأعاجيب ذكرها ابن الجوزي وغيره من أهل العلم.

    وكذلك إذا رأيت أنه اقترب من الموت، فذكره بلقاء الله، وحسَّن ظنه بالله، وقل: ما شاء الله! ما أسعد من يقدم على رب كريم! وأنت من الأخيار إن شاء الله، ومواظب على الصلوات ومن الصالحين، أما أن تأتي وهو في سكرات الموت وتقول: يا فلان! ماذا فعلت في بيتك؟ وهل بعت سيارتك في المعرض؟ وماذا فعل الأبناء في الدراسة؟ وهو يتشهد ويقول: بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى.

    فوضع الندى في موضع السيف بالعلا     مضرٌ كوضع السيف في موضع الندى

    تواضع الرسول صلى الله عليه وسلم وفضل التواضع

    وفي الحديث: التواضع، وهي أكبر سماته صلى الله عليه وسلم، فهو لا يحمل ذرة واحدة من الكبر، بل كان أقرب الناس إلى الناس، يجلس على التراب، وتأخذه الجارية بيده؛ فيذهب معها في سكك المدينة، ويقف مع الأعراب، ويبيع ويشتري في السوق، ويأخذ الدابة فيربطها ويقودها صلى الله عليه وسلم، ويركب الحمار، ويكنس ويَقُم البيت، ويرفع الثوب، ويخصف النعل، لكنه سيد الخلق عليه الصلاة والسلام.

    ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام: {من تواضع لله رفعه، ومن تكبر على الله وضعه} كلما تواضعت رفعك الله، يقول: انتعش انتعش، أي: ارفع رأسك، وكلما تكبر الإنسان، قال: اخسأ فلن تعدو قدرك.

    ولذلك أكبر الناس في نفوسهم؛ أصغرهم في قلوب الناس، حتى تجد المتكبر إذا مر تلعنه قلوب الناس، فهو حقير لا يقيمون له ولو ذرة، والمتواضع ليس في نفسه شيء؛ وإذا مر سلمت عليه القلوب وحيته.

    يقول البخاري: باب المقة من الله، قال أهل العلم، كما قال ابن حجر: الصيت الحسن والثناء الحسن من الواحد الأحد، ولا يعطيه إلا الله لكن بالتواضع، فأوصي نفسي وإياكم بالتواضع لكل أحد، ومن التواضع: البشاشة والبشر، أي: من علامة المتكبرين أنه لا يسلم كثيراً، يريد أن تسلم عليه ولا يسلم عليك، ويقف مكانه حتى تقرب أنت لحضرته ولشخصيته العظمى فتسلم عليه، ومنه كذلك أنه لا يقوم، وإذا مد يده أعطاك رءوس الأصابع، ويتنحنح كثيراً، والتفاتاته التفاتات كبر، وتصرفاته عنجهية، ويتحدث عن نفسه دائماً: قلت، وفعلت، وكلمت، وراجعت، ونزلت، ودخلت، وأكلت، وشربت.. ترجمة لحياته.

    وهذا مرض خطير نسأل الله أن ينجينا وإياكم منه، فأكبر مِيَزَه صلى الله عليه وسلم التواضع، حتى يقول الله عز وجل: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159].

    دخل عليه رجل وهو في مكة عليه الصلاة والسلام، ولما رأى هذا الرجل هيبة الرسول عليه الصلاة والسلام، وعظمته، وجلاله، ونوره، أخذ يرتعد، فقال: {هون عليك فإني ابن امرأة كانت تأكل القديد بـمكة} نعم. كانت تأكل القديد لكنك أصلحت العالم، وحولت مجرى التاريخ، لكنك أقمت الدنيا وأقعدتها، لكنك دكدكت جيوش الضلالة، ونسفت كل كيان للجاهلية على وجه الأرض، نعم. لم يغير أحد مجرى التاريخ كما فعل عليه الصلاة والسلام، ولا نقل أمة ضائعة ضالة من مكان إلى آخر مثلما فعل عليه الصلاة والسلام.

    وأكبر ميزة له عليه الصلاة والسلام كما في الحديث، قال أنس: {كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً} وهذا مصداق لقوله تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] وورد أن سعد بن هشام قال لـعائشة: كيف كان خلقه صلى الله عليه وسلم؟ قالت: {كان خلقه القرآن} وهذا في صحيح مسلم.

    وأكبر معالم خلقه صلى الله عليه وسلم تدور على أربعة: الصبر، والشجاعة، والكرم، والتواضع.

    فأما الصبر: فكان من أصبر الناس، بلغ به الجوع إلى أن أخذ الحصى وربطها على بطنه، فما شكا ولا بكى ولا تذمر ولا تأسف، وإنما استمر في دعوته حتى بلغت مغرب الشمس ومشرقها، وضُربت بناته، وأوذي، وأخرج من دياره، وحورب، وقوتل، وماتت زوجاته وقريباته، وأعمامه، وأنصاره، والشهداء حوله، فما ازداد إلا صرامة وصلابة ومضاءً.

    وأما شجاعته: فكانت السيوف تلعب عن يمينه ويساره، والرماح تتكسر على رأسه، وهو واقف لا يتزحزح خطوة واحدة، هل تعلمون أحداً أشجع من علي؟ يقول علي: [[والله لقد كنا إذا التقينا بالأعداء، واحمرت الحدق، واشتد الهول؛ نتقي بالرسول عليه الصلاة والسلام فيكون أقربنا من القوم]] إذا كان علي على شجاعته يتقي بالرسول صلى الله عليه وسلم، ويتترس به، فما بالك بالرسول عليه الصلاة والسلام، وفي معركة حنين انهزم كل الجيش، ولم يبق إلا ستة والرسول عليه الصلاة والسلام، فنزل من على بغلته وسل سيفه صلى الله عليه وسلم، وقال:

    أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب

    ولذلك أجمع أهل السير أنه لم يكن أشجع منه أبداً، وسمع صوتاً مرة من المرات فنهض صلى الله عليه وسلم على فرسه حتى أدرك الصوت والغارة، وعاد وما كلم أحداً من الناس.

    1.   

    الأسئــلـة

    حكم لمس الجارية الصغيرة

    السؤال: ذكرت أن الرسول صلى الله عليه وسلم كانت تأخذ بيده الجارية، فتذهب به، وقد ورد النهي عن لمس المرأة الأجنبية، وأرجو توضيح ذلك.

    الجواب: أولاً: يا أخي! الجارية لا تأخذ حكم المرأة، فالرسول صلى الله عليه وسلم ربما داعب الجواري الصغار، ومازحهن، وقبلهن شفقة ورحمة فهو أبو الجميع صلى الله عليه وسلم، أما المرأة التي تُشْتَهى ويرغب فيها فكان صلى الله عليه وسلم لا يمس يد امرأة كما ورد بذلك الحديث فليعلم هذا، فلا تعارض؛ لأن هذه الجارية صغيرة السن، وورد في الحديث في صحيح مسلم، أن الجارية كانت تأخذه بيده صلى الله عليه وسلم، وربما قبل صلى الله عليه وسلم بعض الجواري الصغار تحبباً وتأليفاً، وهذا ليس فيه شيء، وليس فيه شبهة ولا فتنة ولا ريبة.

    إنما النهي عن المرأة التي تسمى امرأة، وتشتهى، وقد أصبحت لها فتنة فهي امرأة، فليعلم هذا.

    الكنى الفاسدة وحكم التكني بها

    السؤال: ما رأيكم في بعض الشباب الذين يكنون بكنى فاسدة مثل: أبو عذاب، أبو غريب، أبو عشق؟

    الجواب: أنا لم أسمع بهذا، ولكن قد يحدث هذا في بعض الأماكن، وهذا من قلة الرشد، بعض الناس يأتي بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان، وفي الدنيا آلاف الأسماء، وفي الدنيا غنية عن هذه الأسماء، فيتعب نفسه ويضيق على نفسه بهذه الأسماء، حتى أن بعضهم يسمى بأسماء ليس لها معان، أنا سمعت أحد الدعاة والخطباء يقول: سألت ولداً وقلت: ما اسمك؟ قال: اسمي أنو، فيقول الخطيب: أنو هذه ليست كلمة عربية ولا فرنسية ولا إنجليزية، فبعض الأسماء ليس لها طائل، وكأننا ألجئنا الآن إلى أسماء جديدة بدأت تفد إلينا، وهذا نحذر منه؛ لنبقى على الصبغة الإسلامية، وعندنا من الأسماء الكثيرة، أسماء الشجعان والأبطال والأعلام والواجهات الحضارية ما يكفينا عن هذه الأسماء، كل من في اسمه تعبيد فلنتكن به، أبو عبد الرحمن، أبو عبد الله، أبو عبد السلام، أبو حمزة، أبو الزبير، أبو طلحة، أبو علي، أبو عمر، إلى غير ذلك من الأسماء التي هي من أروع الأسماء وأحسنها.

    وهذا ينهون عنه وليس فيه تحريم فيما أعرف، لكن غيره أحسن منه وأولى؛ لأن في الاسم اشتقاق من المسمى.

    ولذلك بعض الناس يُساء في أسمائهم فيخرجوا هكذا، وليست كل تسمية واردة أو فيها خير، وليس كل تسمية احترازاً للرجل، فالله كنى أبا لهب في القرآن وهو كنار تلظى، ويقول الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لموسى لما أرسله إلى فرعون: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44] قال علي بن أبي طالب كما في تفسير ابن كثير: معناه كنياه، أي: نادياه بالكنية، قال سفيان الثوري -وهذا عند ابن كثير -: كانت كنية فرعون أبو مرة، وهذا معروف.

    أهمية الاتصال بالعلماء واستفتائهم

    السؤال: يواجه الإنسان المسلم مشاكل في حياته، خاصة المشاكل العائلية، ويريد الإنسان أن يجد حلاً في الشريعة الإسلامية، فمن نستطيع أن نتصل به في مدينتنا الفاضلة وجزاكم الله كل خير؟

    الجواب: عليك إذا حدث لك حادث أن تتصل بالعلماء فعندنا الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ ابن عثيمين، وأمثالهم، ويجدون لك حلاً، وهناك مكتب للدعوة والإفتاء في أبها عليك أن تتصل به وهم يحيلونك على العلماء، أو عندهم الحل إن شاء الله.

    حجاب المرأة

    السؤال: يقول: متى تتحجب المرأة؟ ومتى لا يجوز النظر إليها؟

    الجواب: تتحجب المرأة إذا أصبحت تشتهى وترغب وأصبح عليها ريبة فتبدأ تتحجب.

    أول شيء خلقه الله في الكون

    السؤال: ما هو أول شيء خلقه الله تعالى؟

    الجواب: أنا لا أفيدك وأنت لا تستفيد، ومع العلم أن شارح الطحاوية وكثير من علماء العقيدة بحثوا هذا، لكن لن يسألك الله عز وجل يوم القيامة ما أول ما خلق؟ وليست من المسائل التي يقوم عليها كبير الفائدة، وهي إشغال للأذهان، لكن الراجح عند علماء السنة -إن شاء الله- أن أول ما خلق القلم؛ ففي حديث عبادة الصحيح:{أول ما خلق الله القلم} فمن نصب أول أي: ظرف لم يجعل القلم أول ما خلق، أي: في الوقت الذي خلق الله القلم فعل شيئاً آخر، أي: ليس القلم أول ما خلق، لكن في الوقت الذي خلق فيه القلم، تكلم الله أو فعل، أو قال له: اكتب، ومن العلماء من قال: أولُ، على الابتداء، فإن كانت على الإبتداء، فمعناه: أول المخلوقات القلم، وقال له: اكتب، فكتب مقادير الخلق قبل أن يخلق الخلق بخمسمائة عام.

    حكم قطع رءوس المجسمات

    السؤال: ما قولكم في المجسمات إذا قطع رأسها، وهل تصبح مثل الشجرة؟

    الجواب: يقول هذا بعض أهل العلم وهذا صحيح، وفي سنن النسائي أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بصورة فقطع رأسها فأصبحت كالشجرة، فأنت إذا أتيت للصورة فقطعت رأسها، وفصلته، فحينئذٍ لا يصبح فيها ريبة، ولا تحريم إن شاء الله، وهذا القول صحيح، وقد أفتى به كثيرٌ من علمائنا الأخيار، والعمدة على حديث النسائي الذي في سننه.

    حكم التصدق عن الأموات

    السؤال: هل يجوز التصدق بمال بنية التصدق عن أموات المسلمين جميعاً، فإني عندما أزور المقابر أرحمهم وأريد لهم زيادة الأجر؟

    الجواب: أنت مأجور ومشكور بشرط أن يكون الأموات من المسلمين، وأن تنوي بهذا الثواب لهم، فيصلك الثواب، ويصلهم إن شاء الله، وهذا لم يخالف فيه ومعك الدليل في هذا إن شاء الله.

    ونسأل الله عز وجل لنا ولكم القبول والهداية، والتوفيق والخير والرشد، وإن يلهمنا رشدنا ويقينا شر أنفسنا، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.