إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. صالح بن عواد المغامسي
  4. سلسلة الأيام النضرة في السيرة العطرة
  5. سلسلة الأيام النضرة في السيرة العطرة [مواليه، أفراسه، سلاحه، صفته الخلقية]

سلسلة الأيام النضرة في السيرة العطرة [مواليه، أفراسه، سلاحه، صفته الخلقية]للشيخ : صالح بن عواد المغامسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد اعتنى السلف ومن بعدهم بحياة نبينا صلى الله عليه وسلم خير عناية وأعظمها، فذكروا كل ما اتصل به صلى الله عليه وسلم، حيث ذكروا مواليه، ودوابه، وأفراسه، وسلاحه، وأعظم من ذلك كله ذكرهم لما خصه الله تعالى به من جمال الخلق وحسن المنظر، فعرفوه صلى الله عليه وسلم بأعظم الأوصاف وأجملها في أحسن بيان وأكمله.

    1.   

    ذكر موالي النبي صلى الله عليه وسلم

    بيان معنى المولى

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

    فإن المؤلف رحمه الله ذكر موالي النبي صلى الله عليه وسلم، والمولى في اللغة يطلق على أربعة معان:

    ويطلق على السيد الذي أعتق، فيقال للجارية: أين مولاك؟ أي: أين سيدك.

    ويطلق على العبد إذا أعتق، أو على الجارية إذا أعتقت، فيقال له: مولى.

    وهو في هذين المعنيين من الأضداد، فيقال: فلان مولى بني فلان، أي: هم الذين أعتقوه وأخرجوه من عالم الرق إلى عالم الحرية بفضل من الله، والثاني منهما -أي: كونه معتقاً- هو الذي أراده المؤلف بقوله: موالي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وتطلق على النصير والظهير، ومنه قول الله جل وعلا: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ [محمد:11].

    وتطلق على الرب جل جلاله، قال الله جل وعلا: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ [الأنعام:62] أي: إلى الله ربهم.

    فهذه المعاني الأربعة في كلمة (موالي) والمؤلف رحمه الله قصد هنا المعتق، أي: الذين أعتقوا ثم خدموا النبي صلى الله عليه وسلم من مواليه.

    ذكر بعض خبر مولاه زيد بن حارثة

    وأشهرهم اثنان: زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وابنه أسامة ، ثم يأتي بعد ذلك شقران الذي اسمه صالح ، وسفينة ، وسيأتي الحديث إجمالاً عنهم أجمعين.

    أما زيد بن حارثة فهو مولى النبي صلى الله عليه وسلم الأول، وحبه، وكان خديجة رضي الله عنها، فوهبته للنبي صلى الله عليه وسلم فأعتقه فأصبح مولى له، فلما جاء أهله يطلبونه اختار النبي عليه الصلاة والسلام على أهله، فأشهد عليه الصلاة والسلام الناس على أن زيداً ابنه يرثه، فلما أبطل الله ما كان عليه القرشيون من التبني أصبح مولى للنبي عليه الصلاة والسلام، وكان حبيباً للنبي عليه الصلاة والسلام، واستشهد رضي الله عنه وأضاه في غزوة مؤتة هو وعبد الله بن رواحة وجعفر بن أبي طالب رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين، وقد جعله النبي عليه الصلاة والسلام أميراً على الجيش الذي توجه إلى مؤتة.

    وكان زيد هذا أبيض، وابنه أسامة كان أسمر اللون، فكان الناس أحياناً يشكو فيهما في النسل، فيقع هذا موقعاً غير حميد في قلب وصدر نبينا صلى الله عليه وسلم، حتى مر عليهما رجل من بني مدلج -وهم قوم أعطوا في القيافة حظاً- وهما نائمان، وقد غطيت رءوسهما وبقيت أقدامهما ظاهرة، وكانت قدما زيد بيضاء وقدما أسامة سوداء، ومجزز المدلجي لا يدري أن هذا زيد ولا يدري أن هذا أسامة ، ولا يرى رءوسهما، وإنما رأى الأقدام وهي في اللون، فقال والنبي صلى الله عليه وسلم جالس يسمع: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، ففرح صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا زاده يقيناً فيما يشكك الناس فيه، فدخل صلى الله عليه وسلم على عائشة رضي الله عنها تبرق أسارير وجهه، فقال: (أما علمت أن مجززاً المدلجي نظر إلى قدمي أسامة وأبيه فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض؟!). والإنسان إذا أحب شيئاً أحب ما يتعلق به، فلما أحب النبي صلى الله عليه وسلم زيداً وأسامة أحب كل ما يفرحهما ويبعد عنهما السوء والشرور، كما أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم كانوا يحبون النبي عليه الصلاة والسلام ويحبون كل ما يتعلق به صلوات الله وسلامه عليه.

    ذكر بعض خبر أسامة بن زيد

    وكان أسامة رضي الله عنه أثيراً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أكبر من الحسن بن علي بقرابة عشر سنين، ومع ذلك كان عليه الصلاة والسلام يضع أسامة على فخذ ويضع الحسن على الأخرى، ويقول: (اللهم إني أحبهما فأحبهما)، وقد جاء عن عائشة رضي الله عنها: (أنه صلى الله عليه وسلم قام ليمسح المخاط من أسامة رضي الله عنه، فأرادت عائشة أن تمسحه هي بنفسها، فقال لها: يا عائشة ! إني أحبه فأحبيه)، وهذا فضل من الله جل وعلا يضعه الله تبارك وتعالى في القلوب، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف).

    ولما كان في حجة الوداع صلوات الله وسلامه عليه ركب القصواء يريد أن ينفر النفرة الأولى من عرفة إلى مزدلفة، فكأنه تأخر قليلاً ينتظر أسامة ، فكان في الحجاج من هو حديث عهد بالإسلام من حجاج العرب وحجاج اليمن ممن لا يعرفون منزلة أسامة عند النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رأوا النبي عليه الصلاة والسلام يستبطئ كأنه ينتظر أحداً أخذوا يحدقون بأبصارهم ينتظرون رجلاً عظيماً سيأتي، فجاء أسامة يجري وهو غلام أسود، ثم حمله النبي صلى الله عليه وسلم على ظهر الدابة، وذهب به متوجهاً إلى مزدلفة وهم ينظرون ويقول بعضهم لبعض: أأخرنا من أجل هذا؟ ولا يعلمون ما يكنه صلى الله عليه وسلم من محبة عظيمة لهذا العبد الصالح حبيب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ولما سرقت المرأة المخزومية وأراد القرشيون ألا يقام عليها الحد لجئوا إلى أسامة ليشفع لهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ومن يقدر على هذا -أي: يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم- أعظم من أسامة رضي الله عنه وأرضاه؟! فكلمه فقال له صلى الله عليه وسلم: (أتشفع في حد من حدود الله) في الحديث المشهور.

    ومع هذا فإن المحبة القلبية شيء والحكم على الشيء بالصواب أو الخطأ شيء آخر؛ فإنك لن تقيم الدين إذا كنت تحابي في قضايا يتعلق بها صواب وخطأ، فهو عليه الصلاة والسلام يحمل في قلبه من الحب لـأسامة ما بينا بعض أماراته، ومع ذلك لم يدفعه ذلك إلى ترك الحق، ومن ذلك أنه خرج أسامة في سرية، ثم إن أسامة حارب رجلاً من المشركين، فلما تمكن أسامة رضي الله عنه من هذا المشرك وسقط السيف من المشرك وعلم بأنه هالك لا محالة قال: لا إله إلا الله، ففهم أسامة أن هذا الرجل قالها ليتقي بها حر سيف أسامة ، فقتله، ثم ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأشاح صلى الله عليه وسلم بوجهه عنه، وقال: (يا أسامة ! أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟!) فقال: يا رسول الله! إنه لم يقلها إلا خوفاً من السيف. وقال: (أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟!) ومازال يعاتبه، ثم قال له: (كيف تصنع بلا إله إلا الله يوم القيامة)، قال أسامة : فتمنيت أنني لم أسلم إلا ذلك اليوم، وهذا يدل على أن من حمل في قلبه (لا إله إلا الله) يوكل أمره إلى الله، إلا بحق شرعي ظاهر كما هو معمول به عند علماء المسلمين، كما قال صلى الله عليه وسلم: (زنا بعد إحصان، وكفر بعد إيمان، والتارك لدينه المفارق للجماعة، وقتل النفس)، فهذا الأمور التي يحق بها قتل المرء بطريقة الشرع، قال الله تعالى: وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الفرقان:68] أي: بطريق شرعي ظاهر عبر القضاء، لا عبر أمور أخر يصنعها الإنسان كيفما يشاء.

    ثم إن أسامة رضي الله عنه استفاد عظيماً من هذه الحادثة، فلما جاءت حروب علي رضي الله عنه مع خصومه كان أسامة يحب علياً جداً، وعلي يحب أسامة ، فتعجب علي من أن أسامة لم يدخل معه في حروب، فقال له معاتباً: ما كنا نظنك إلا واحداً منا آل البيت! فقال أسامة رضي الله عنه وأرضاه: يا أبا الحسن ! والله لو أخذت بمشفر الأسد لأخذت بمشفره الآخر حتى نموت جميعاً أو نحيا جميعاً حباً فيك، أما هذا الأمر الذي أنت فيه فلا أدخل فيه أبداً. أي: اطلب مني ما تشاء إلا أنني لن أدخل معك في حرب ضد مسلمين، فأخذها من قسوة عتاب النبي صلى الله عليه وسلم له، لما قال له: (كيف تصنع بلا إله يوم القيامة) فما أحب أن يكرر الخطأ مرة أخرى رضي الله عنه وأرضاه.

    فكون امرئ يتساهل في دماء المسلمين تحت أي تأويل -كما يحدث في العراق وغيرها- هو من الجهل، فمن قال لا إله إلا الله يكف السيف عنه إلا بحق وطريقة شرعية عبر قضاء، أما أن يتولى الإنسان قتل الناس بحجج واهية في ذهنه فهذا لم يفقه ما أنزل الله على رسوله ولا ما أوحى الله به إلى نبينا صلى الله عليه وسلم.

    ولو كان النبي ملتمساً عذراً في هذه القضية لأحد لشخصه لالتمسه لـأسامة في قتل ذلك المشرك الذي كان إلى قبل لحظات لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، وإنما عندما رأى السيف مشهوراً على رأسه رمى السيف وقال: لا إله إلا الله ليعصم بها دمه، ومع ذلك لما قتله أسامة عنفه النبي عليه الصلاة والسلام.

    ثم إن أسامة أسند إليه النبي عليه الصلاة والسلام إمرة جيش أراد أن يذهب مرة أخرى إلى مؤتة بعد أن قتل أولئك الثلاثة، ولكنه صلى الله عليه وسلم قبض وانتقل إلى الرفيق الأعلى والمحل الأسنى قبل أن ينفذ جيش أسامة ، فكان أول ما صنعه أبو بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه أنه أنفذ جيش أسامة بعد وفاة النبي صلوات الله وسلامه عليه، وكان عمر رضي الله عنه وأرضاه إذا لقي أسامة يقول: أهلاً بالأمير، مات النبي صلى الله عليه وسلم وأنت علي أمير؛ لأن عمر كان في الجيش الذي جهزه النبي صلى الله عليه وسلم وجعل أسامة قائداً له، فكبار الصحابة كانوا في ذلك الجيش، فلما اعترض البعض وأخذوا يتحدثون الأقاويل قائلين: كيف يصبح أسامة قائداً للجيش؟ قال صلى الله عليه وسلم: (لئن اعترضتم عليه فلقد اعترضتم على أبيه من قبل، وايم الله إنه لخليق بالأمارة) رضي الله عنه.

    فهذا بعض من سيرة حبيب رسول صلى الله عليه وسلم، وإن من حبنا لنبينا صلى الله عليه وسلم أن نحب هذا العبد المؤمن التقي الغلام الذي كبر بعد ذلك وشاخ حتى مات في خلافة معاوية .

    كما أن من مواليه ثوبان وغيره من الصحابة، ولكن لا يوجد حديث مستفيض ولا سيرة مستفيضة عنهم رضي الله عنهم وأرضاهم كما هو موجود عن أسامة وعن أبيه.

    1.   

    ذكر مؤذنيه صلى الله عليه وسلم

    من أخبار بلال بن رباح

    ومما يتعلق به عليه الصلاة والسلام -وهذا ما لم يذكره المصنف- أنه كان له خطباء، وكان له شعراء، وكان له مؤذنون.

    فأما المؤذنون فإن أشهرهم بلال رضي الله تعالى عنه العبد الحبشي الذي أعتقه أبو بكر رضي الله تعالى عنه، وكان ندي الصوت يؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما مات عليه الصلاة والسلام ذهب بلال مع جملة من ذهب من الصحابة في معارك الفتوح، ثم رجع بلال فاستأذن ممن كان يؤذن في الحرم آنذاك، فأذن بلال ، فلما سمع الناس صوت بلال وهو يقول: أشهد أن محمداً رسول الله؛ ارتجت المدينة بالبكاء؛ لأن آخر العهد هو أن بلالاً كان يقول: أشهد أن محمداً رسول الله والنبي صلى الله عليه وسلم حي بين أظهرهم.

    من أخبار أبي محذورة

    كما كان له صلى الله عليه وسلم مؤذن يقال له: أبو محذورة ، وهذا الرجل اتخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذناً عندما دخل الصحابة مكة، فقد كان صغار المشركين يحاكون أذان المؤمنين، فمر النبي صلى الله عليه وسلم بطريق فسمع صوتاً أعجبه، فاستدعى الأطفال، وطلب منهم كلهم أن يؤذنوا حتى وصل إلى أبي محذورة ، فأعجبه صوته وجعله مؤذناً وعلمه كيف يؤذن.

    من أخبار عبد الله بن أم مكتوم

    ومنهم عبد الله بن أم مكتوم الذي جاء ذكره في حديث (إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم)، أي: عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه، وكان رجلاً أعمى.

    1.   

    ذكر خطابته صلى الله عليه وسلم

    أما خطباؤه فقد كان أشهر من خطب له صلى الله عليه وسلم في البلاغة والفصاحة ثابت بن قيس ، وكان جوهري الصوت، ولما أتى وفد ينازع النبي عليه الصلاة والسلام بالشعر والخطابة أمر النبي عليه الصلاة والسلام ثابتاً أن يخطب، وأمر حسان أن يقول الشعر، فقال ثابت خطبته فعجب الناس من خطبته، وكان جوهري الصوت، فخاف من الآية التي نزلت وفيها: لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ [الحجرات:2] أنها نزلت فيه، فطمأنه عليه الصلاة والسلام وقال له: (إنك تعيش حميداً وتموت شهيداً)، فأدرك ثابت بن قيس رضي الله عنه معركة اليمامة ومات فيها شهيداً رضي الله عنه وأرضاه كما أخبر نبينا صلوات الله وسلامه عليه.

    1.   

    ذكر شعرائه صلى الله عليه وسلم

    وأما حسان فقد كان أحد شعراء النبي عليه الصلاة والسلام وهم كثر، فمنهم كعب بن مالك ، ومنهم عبد الله بن رواحة ، ومنهم حسان رضي الله عنه، وقد أدرك ستين عاماً في الجاهلية وستين عاماً في الإسلام، فهو أكبر من النبي صلى الله عليه وسلم بسبع سنين؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام دخل المدينة وقد تم له ثلاث وخمسون سنة صلوات الله وسلامه عليه.

    والمقصود أن حسان كان أكبر من النبي صلى الله عليه وسلم بسبع سنين، فلما دخل النبي عليه الصلاة والسلام المدينة كان عمره ستين عاماً، فعاش مائة وعشرين عاماً، وكان له شعراً يقع موقع النبل على القرشيين، وقد قال له النبي صلى الله عليه وسلم له: (اهجهم وروح القدس معك)، وفي أول الأمر استأذن النبي عليه الصلاة والسلام في أن يهجو قريشاً، فقال: (كيف تهجوهم وأنا منهم)، أي: إنني قرشي. فقال للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله! لأستلنك منهم كما تستل الشعرة من العجين، ثم أخذ حسان يهجو المشركين بعد أن جلس إلى أبي بكر ؛ لأنه يعلم بالأنساب، فكان أبو بكر يعلمه نسب النبي صلى الله عليه وسلم في قريش، فيتوخى حسان نسب النبي عليه الصلاة والسلام ويضع شعره على ما لا يصيب النبي عليه الصلاة والسلام، فكان مما قاله في شعره:

    وعبد الدار سادتها الإماء

    والنبي عليه الصلاة والسلام من بني عبد مناف وليس من بني عبد الدار.

    ومن شعره في الجاهلية:

    لله در عصابة نادمتهم يوماً بجلق في الزمان الأول

    أولاد جفنة حول قبر أبيهم قبر ابن مارية الكريم المفضل

    يغشون حتى ما تهر كلابهم لا يسألون عن السواد المقبل

    بيض الوجوه كريمة أحسابهم شم الأنوف من الطراز الأول

    فهذا من شعره في الجاهلية، فلما جاء الإسلام قال قصيدته النبوية المشهورة التي تمثل بها بعض الصحابة، وقيل: تمثل بها النبي عليه الصلاة والسلام في عام الفتح:

    أتهجوه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفداء

    فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء

    إلى آخر القصيدة، فلما مات النبي عليه الصلاة والسلام رثاه حسان بقوله:

    بطيبة رسم للرسول ومعهد منير وقد تعفو الرسوم وتهمد

    بها حجرات كان ينزل وسطها من الله نور يستضاء ويوقد

    معارف لم تطمس على العهد آيها أتاها البلى فالآي منها تجدد

    عرفت بها رسم الرسول وصحبه وقبراً به واراه في الترب ملحد

    فما فقد الماضون مثل محمد ولا مثله حتى القيامة يفقد

    صلى الإله ومن يحف بعرشه والطيبون على المبارك أحمد

    صلوات الله وسلامه عليه.

    فهذا -معشر المؤمنين- بعض خواص حياة نبينا صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرنا خدمه ومواليه صلوات الله وسلامه عليه.

    1.   

    عظم حب الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم وتصديقهم له

    ولقد حرص سلف الأمة رضي الله عنهم ورحمهم الله على كل ما يتعلق بنبينا صلى الله عليه وسلم، حتى إنهم دونوا ما كان يركبه صلى الله عليه وسلم وما كان يملكه من الدواب، وهذا أمر محمود لهم، وقد كان السلف كذلك من عنايتهم بكل ما يتعلق به صلوات الله وسلامه عليه، وهذا يؤكد ما قلناه من أن من أحب شيئاً أحب ما يتعلق به.

    أما ما ذكره المصنف فإنه بالنسبة لطالب العلم لا يلزم حفظه كله، والمقصود عندما تتذكر الأحاديث أن تربط الأحاديث الفقهية أو غير الفقهية بما قرأت في السيرة.

    مثال ذلك: حديث خزيمة بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى فرساً من رجل من بني مرة ولم يكن هناك شاهد، فكأنهما اختلفا في أمر، فطلب الأعرابي شاهداً يشهد أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى منه هذا الفرس؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام اتفق معه على سعر، ثم إن الأعرابي كأنه طمع، فقال: ما بعتك، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إنك بعتني إياه، وقد انتهينا من الأمر، فلم يجد شاهداً، فجاء خزيمة بن ثابت رضي الله تعالى عنه وأرضاه وقال: أنا أشهد أن النبي صلى الله عليه وسلم اشتراه منك بكذا وكذا. فلما شهد قال له عليه الصلاة والسلام: كيف تشهد -وهو يعلم أنه لم يحضر-؟! فقال: يا رسول الله! إنني أصدقك بخبر السماء -أو كلمة نحوها- أفلا أصدقك في أنك اشتريت فرساً من أعرابي بكذا وكذا. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة بشهادة رجلين.

    فالإنسان أحياناً يرزقه الله موهبة في انتهاز الفرص الحسنة، ومن أمثلة هذا من السيرة ما فعله أبو أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه، فالنبي عليه الصلاة والسلام لما دخل المدينة كان فيها حيان عظيمان: الأوس والخزرج، فكان راكباً على الناقة، فيقول له الخزرج: هلم إلى هاهنا يا رسول الله، فيقول: (خلو سبيلها فإنها مأمورة)، ويقول الأوس نفس الكلام، فيقول: (خلو سبيلها فإنها مأمورة)، وكان بين الأوس والخزرج من النزاعات ما الله به عليم، فلم يكن يحب عليه الصلاة والسلام أن ينزاح ويميل إلى أحدهما من أول الأمر، فلما بركت الناقة تركها النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينزل، ثم قامت وجالت جولة ثم رجعت وبركت في موطنها الأول، ولم ينزل عليه الصلاة والسلام؛ إذ لو نزل عند الأوس لقال الخزرج: مالأ علينا من أول يوم، ولو نزل عند الخزرج لقالت الأوس مثل ذلك، فبقي على الناقة.

    فجاء أبو أيوب الأنصاري ، فعمد إلى متاع النبي عليه الصلاة والسلام وأدخله بيته، فلما أدخله بيته حسم الأمر، فلما جاء الناس المجاورون للأرض التي أصبحت بعد ذلك مسجداً يقولون: يا رسول الله! هاهنا هاهنا. قال عليه الصلاة والسلام: (المرء مع رحله)، فظفر أبو أيوب رضي الله عنه وأرضاه بسكنى النبي عليه الصلاة والسلام عنده من دون غيره من الأنصار بتفكيره وانتهازه للفرصة الحسنة.

    وكذلك خزيمة بن ثابت ، فإن كل الصحابة يصدقون النبي عليه الصلاة والسلام بخبر السماء، ولكن خزيمة انتهز الفرصة أكثر من غيره، وقال: أنا أشهد، ومعلوم أنه حين يقول بهذا الأمر فإن النبي عليه الصلاة والسلام لن يرد شهادته، فظفر بأن تجعل شهادته بشهادة رجلين رضي الله عنه وأرضاه، وهذه من المناقب المحمودة في الرجال.

    إذا هبت رياحك فاغتنمها فإن لكل خافقة سكونا

    وإن درت نياقك فاحتلبها فلا تدري الفصيل لمن يكون

    وهذه أسباب يضعها الله تبارك وتعالى في الناس، فهذا يصيب بها وهذا يخطئ، وإذا أراد الله شيئاً هيأ أسبابه.

    1.   

    ذكر خبر ناقة القصواء

    ونقف عند العضباء، وهي القصواء نفسها، وهي الناقة -إذا صح التعبير- الرئيسة التي كانت تحمل النبي عليه الصلاة والسلام، وهي التي حملته في الهجرة، وحملته في يوم عرفة، وحملته في الحج، وهذه الناقة كانت لا تكاد تسبق، فجاء أعرابي بقعود فسابق هذه الناقة وسبقها، فلما سبقها شق ذلك على الصحابة؛ لأن من أحب شيئاً أحب ما يتعلق به، فالصحابة لا يعنيهم أن قعوداً يسبق ناقة، ولكن شق عليهم وتغير حالهم لأن هذه الناقة ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهنا جاء التأديب النبوي للأمة، وهذا من أعظم وسائل تربية الناس على التوحيد، أي: أن يربوا عملياً، فإن متون التوحيد مما دونه العلماء على جلالة قدرها أمر عظيم لا خلاف فيه، ولكنه لا يدرس التوحيد بشيء أحسن من بيان كيفية تعليم النبي صلى الله عليه وسلم الأمة التوحيد، فلما سبقت الناقة وتغيرت وجوه الصحابة قال صلى الله عليه وسلم للصحابة: (حق على الله أنه ما ارتفع شيء في الدنيا إلا وضعه).

    فهذا هو التوحيد، فالشمس والقمر فتنة للناس، ولذلك كتب الله على الشمس والقمر الكسوف والخسوف حتى يعلم أنهما مهما بلغتا قابلان للنقصان، ووجهه صلى الله عليه وسلم لم يكن هناك وجه أشد نوراً منه، ومع ذلك يشج وتكسر الرباعية وينزل الدم؛ لأنه مهما بلغ فهو وجه مخلوق، فكل من حولك من العظماء يريك الله جل وعلا فيهم آية تدل على أنهم بشر تجري عليهم أحكام البشر.

    وانظر إلى جمع من الممثلين والممثلات ممن يوسمون بالجمال، فغالبهم يموت بمرض يشوه جماله، كان فتنة في زمانه لكثير من الصبايا والنساء، فلما قربت وفاته أتته أمراض حتى تغير وجهه، حتى إن أهله كانوا يخفون وجهه عن الناس، حتى مات ووري بجنازة مستورة حتى لا يرى الناس وجهه، بعد أن كان فتنة في السابق، فسنة الله في خلقه أن كل شيء مهما عظم يعتريه النقص، قال الله جل وعلا: وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص:88]، وقال سبحانه: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:26-27].

    فكل عظيم مهما ارتقى سينزل، ونبينا صلى الله عليه وسلم لما ساد الجزيرة ودخل مكة فاتحاً، وخطب الناس في خطبة الوداع وبلغ الأمر منتهاه مرض وأصابته الحمى وأصبح -وهو سيد الخلق الذي جاهد في أرجاء الجزيرة كلها- يعجز عن أن يصل إلى المسجد، وكان عليه الصلاة -وهو والسلام أفصح من نطق الضاد وأفصح الفصحاء وسيد البلغاء- يعجز عن أن يتكلم ويدعو لـأسامة بصوت مرتفع، بل وصل إلى أنه يرى السواك ولا يستطيع أن يقول: أعطوني السواك، فسبحان ربنا الذي لا شيء مثله، ولا نظير له ولا ند، وهو الذي يرينا عظمته وجلاله وكماله وقدرته، وأنه تبارك وتعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، يرينا هذه الآية في كل غدوة ورواح، لكن المتعظين بتلك الآيات قليل، جعلني الله وإياكم من أولئك القليل.

    1.   

    بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم

    ومما يتعلق بذكر أفراسه ودوابه عليه الصلاة والسلام أنه كان عليه الصلاة والسلام بشر من الناس، يعيش كما يعيش الناس، فيركب كما يركبون، ويمشي كما يمشون، ويفرح كما يفرحون، فلما سبق فرسه فرح، ولما رأى فرساً أعجبه اشتراه، وقلما نقل عنه البيع في حياته صلى الله عليه وسلم، أما الشراء فهو كثير، فكان يشتري ما كان يعجبه، وكان يأخذ ويعطي ويفاوض ويبيع ويساوم، سمحاً إذا باع سمحاً إذا اشترى.

    فهذا كله يدل على أنه بشر، وقد كان القرشيون يتعجبون في أول الأمر كيف يكون هذا نبياً ويقولون: مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا [الفرقان:7]، فأخبره الله جل وعلا في آيات عديدة أن الدنيا ليست مكافأة لأحد، ولو كانت مكافأة في ذاتها لمنعها الله جل وعلا أهل الكفر، فعاش نبيه صلى الله عليه وسلم بشراً كما يعيش الناس، ونعم بعض أهل الكفر، وبعضهم لم ينعم، تجري على الجميع أحكام الله جل وعلا القدرية، ولا علاقة لها بالإيمان ولا بغيره، لكن الآخرة هي دار الجزاء، فالله يقول في الزخرف: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [الزخرف:33-35]، فجعل الله جل وعلا الآخرة هي دار التقوى.

    1.   

    لا عيش إلا عيش الآخرة

    ولما كان يحمل اللبن ويحمل أصحابه اللبن كان عمار يحمل لبنتين لبنتين، فأعجب النبي صلى الله عليه وسلم أنه يحمل لبنتين فقال: (ويح ابن سمية ؛ تقتله الفئة الباغية) ثم قال: (اهتدوا بهدي عمار)، ولما أراد أن يبث فيهم روح العمل قال لهم عليه الصلاة والسلام يدعو: (اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة).

    فالمؤمن وطالب العلم في المقام الأول لا يجعل من العلم حظاً للكسب الدنيوي، وإنما يجعل العلم الذي علم به سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه وفقهه وما إلى ذلك يجعله طريقاً إلى الآخرة، وكلما كان للإنسان حظ من الدنيا بعلمه قل حظه في الآخرة وقل قبول علمه عند الناس في الغالب.

    فالعلامة الألباني رحمه الله تعالى وغفر له لما بشر بأنه فاز بجائزة الملك فيصل العالمية حاول الصحفيون أن يجعلوا من فوزه مادة ثرية في الصحافة، فاتصل به أحد الصحفيين ليهنئه ويسأله عن مشاعره، فقال الشيخ رحمه الله: وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [الزخرف:35]، ثم أقفل الهاتف وأنهى المكالمة فالعالم الرباني بحق هو من ينشد ما عند الله وأجر الآخرة، وهذا الذي ينبغي أن يكون عليه العلماء وطلبة العلم في المقام الأول.

    فبادره وخذ بالجد فيه فإن آتاكه الله انتفعتا

    فإن أوتيت فيه طويل باع وقال الناس إنك قد رؤستا

    فلا تأمن سؤال الله عنه بتوبيخ علمت فهل عملتا

    وإنما العلم العمل، والله جل وعلا يقول: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، فهذا هو أهم ما يمكن أن يكتسبه الإنسان في هذه المقطوعة من السيرة.

    1.   

    ذكر سلاحه صلى الله عليه وسلم

    قال المصنف رحمه الله: [ وكانت له ثلاثة رماح أصابها من سلاح بني قينقاع، وثلاثة قسي: قوس اسمها الروحاء، وقوس شوحط، وقوس: صفراء وكان له ترس فيه تمثال رأس كبش، فكره مكانه، فأصبح وقد أذهبه الله عز وجل، وكان سيفه ذو الفقار، تنفله يوم بدر، وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد، وكان لـمنبه بن الحجاج السهمي ، وأصاب من سلاح بني قينقاع ثلاثة أسياف: سيف قلعي، وسيف يدعى بتاراً، وسيف يدعى الحتف، وكان عنده بعد ذلك المخذم ورسوب، أصابها من الفلس، وهو صنم لطيء.

    قال أنس بن مالك : كان نعل سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فضة، وقبيعته فضة، وما بين ذلك حلق فضة، وأصاب من سلاح بني قينقاع درعين: درع يقال لها: السعدية، ودرع يقال لها: فضة، وروي عن محمد بن سلمة قال: رأيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم درعين: درعه ذات الفضول، ودرعه فضة، ورأيت عليه يوم خيبر درعين: ذات الفضول والسعدية ].

    هذا ما ذكره المصنف، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان إمام المجاهدين، ولا يمكن إن يكون إمام المجاهدين حتى يكون لديه سلاح، وهذه الأسلحة التي ذكرت ونقلت عنه صلى الله عليه وسلم نقلت بأسانيد تختلف، فمنها ما هو صحيح، ما هو دون ذلك، ولكنها جملة قبلت عند العلماء وتناقلوها.

    ذكر خبر سيفه ذي الفقار

    وسيفه ذو الفقار هو السيف الذي كان لا يكاد يفارقه صلى الله عليه وسلم، بمعنى أنه كان يحمله كثيراً، ولذلك قال المصنف: وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد، أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى قبل معركة أحد في هذا السيف ثلمة، أي: شبه كسر، وسيف الإنسان هو الذي يدفع به عن نفسه، فأول في المنام بأنه أحد عصبته، وكان مقتل حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه وأرضاه وموته شهيداً، ورأى بقراً تنحر، وهذا موت بعض أصحابه.

    فعلى هذا قلنا: إن سيفه ذا الفقار هو السيف الذي لا يكاد يفارقه.

    ولم يذكر المصنف أنه كان له صلى الله عليه وسلم سيف يقال له: مأثور، ورثه عن أبيه، بمعني أن النبي صلى الله عليه وسلم ورث هذا عن أبيه عبد الله ، فمأثور في الأصل كان لـعبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم.

    إنفاق رسول الله ما كان يملكه قبل موته

    وقد مر معنا هنا ذكر السلاح، ومر معنا قبله ذكر الدواب، ومر معنا قبل الدواب ذكر الإماء والموالى والعبيد، فأين ذهب الإماء والعبيد والسلاح والدواب؟!

    قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد صح عنه أنه مات ولم يترك ديناراً ولا درهماً، وأن درعه كانت مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعاً من شعير، وأن جميع ما ذكر من قبل من العبيد والإماء والدواب والسلاح قد أنجز التصدق به صلى الله عليه وسلم قبل موته؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقه).

    1.   

    ذكر أوصاف رسول الله الخلقية

    وقد جعل المؤلف هذا القسم من الكتاب عن صفته صلوات الله وسلامه عليه الخلقية، ثم ذكر معجزاته وما خصه الله به من كرائم الأخلاق، ومنها ما هو مشتهر، فقد يكون التعريج عليه ليس به شأن بالنسبة لتكراره، وأما بالنسبة لصلته بالدين فكل ما يتعلق بنبينا صلى الله عليه وسلم هو أمر ذو بال وشأن.

    وقد شرع المؤلف في ذكر من وصفه صلى الله عليه وسلم، والمنهج هنا أننا سنقرأ إجمالاً صفته صلى الله عليه وسلم كما ذكرها بعض من رآها، ثم بعد ذلك نشرح شرحاً علمياً الصفة الخلقية لرسولنا صلى الله عليه وسلم؛ لأن ذلك الوصف المنقول عن أولئك الأخيار فيه من غرائب الألفاظ ما ليس بدارج عند الناس، فربما يغفل الكثير عن معناه.

    قال المؤلف رحمه الله: [ وروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه إذا رأى النبي صلى الله عليه وسلم مقبلاً يقول:

    أمين مصطفى بالخير يدعو كضوء البدر زايله الظلام.

    وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ينشد قول زهير بن أبي سلمى في هرم بن سنان حيث يقول:

    لو كنت من شيء سوى بشر كنت المضيء ليلة البدر

    ثم يقول عمر وجلساؤه: كذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن كذلك غيره.

    وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيض اللون مشرباً حمرة أدعج العينين، سبط الشعر، كث اللحية، ذا وفرة، دقيق المسربة، كأن عنقه إبريق فضة، من لبته إلى سرته شعر يجري كالقضيب، ليس في بطنه ولا صدره شعر غيره، ششن الكفين والقدمين، إذا مضى كأنما ينحط من صبب، وإذا مشى كأنما ينقلع من صخر، إذا التفت التفت جميعاً، كأن عرقه اللؤلؤ، ولريح عرقه أطيب من ريح المسك الأذفر، ليس بالطويل ولا بالقصير ولا الفاجر ولا اللئيم، لم أر قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وسلم -وفي لفظ: بين كتفيه خاتم النبوة وهو خاتم النبيين- أجود الناس كفاً وأوسع الناس صدراً، وأصدق الناس لهجة وأوفى الناس ذمة وألينهم عريكة وأكرمهم عشيرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه أحبه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وسلم).

    وقال البراء بن عازب : (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مربوعاً بعيد ما بين المنكبين، له شعر يبلغ شحمة أذنيه، رأيته في حلة حمراء لم أر شيئاً قط أحسن منه صلى الله عليه وسلم).

    وقالت أم معبد الخزاعية في صفته صلى الله عليه وسلم: (رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه ثجلة، ولم تزر به صعلة، وسيماً قسيماً في عينيه دعج وفي أشفاره وطف، وفي صوته صحل وفي عنقه سطع، وفي لحيته كثافة، أزج أقرن، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سما وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، حلو المنطق فصل لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم تحدرت، لا بائن من طول ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، وهو أنضر الثلاثة منظراً، وأحسنهم قدراً، له رفقاء يحفون به، إن قال أنصتوا لقوله، وإن أمر تبادروا لأمره، محفود محشود، لا عابس ولا مفند).

    وعن أنس بن مالك الأنصاري رضي الله عنه أنه وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (كان ربعة من القوم ليس بالطويل البائن ولا بالقصير المتردد، أزهر اللون ليس بالأبيض الأمهق ولا بالآدم، ليس بجعد ولا قطط ولا سبط، رجل الشعر).

    وقال هند بن أبي هالة رضي الله عنه: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فخماً مفخماً يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع وأقصر من المشذب، عظيم الهامة رجل الشعر، إن انفرقت عقيقته فرق، وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفره، أزهر اللون واسع الجبين، أزج الحواجب سوابغ في غير قران، بينهما عرق يدره الغضب، أقنى العرنين، له نور يعلوه يحسبه من لم يتأمله أشم، كث اللحية أدعج العينين سهل الخدين ضليع الفم، أشنب مفلج الأسنان دقيق المسربة، كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، معتدل الخلقة بادناً متماسكاً سواء البطن والصدر، مسيح الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس أنور المتجرد، موصول ما بين اللبدة والسرة بشعر يجري كالخط، عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك، أشعر الذراعين والمنكبين، عريض الصدر طويل الزندين، رحب الراحة شذر الكفين والقدمين، سائر الأطراف، خمصان الأخمصين، مسيح القدمين، ينبؤ عنهما الماء، إذا زال زال قلعاً ويخطو تكفؤاً ويمشي هوناً، ذريع المشية، إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وإذا التفت التفت جميعاً، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة، يسوق أصحابه ويبدأ من لقيه بالسلام صلوات الله وسلامه عليه).

    1.   

    بيان أشهر من وصف الرسول من الصحابة

    نقول من باب الدرس العلمي: إن أشهر من وصف النبي صلى الله عليه وسلم اثنان: علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأرضاه وهند بن أبي هالة .

    أما علي فمعروف، فهو ابن عم رسول صلى الله عليه وسلم، وكان عليه الصلاة والسلام قد رباه عندما أخذه من أبيه أبي طالب ، فهو دائم الحال مع النبي عليه الصلاة والسلام، فكان يسيراً عليه أن يصفه، على أنه ينبغي أن يعرف أن الوصف لا يوفق له كل أحد، فإن الوصف يحتاج إلى نوع من البلاغة وإلى دقة الملاحظة وإلى حسن الإلقاء وإلى أمور عدة عندما يصف إنسان إنساناً رآه.

    كما أن من وصف النبي صلى الله عليه وسلم من الرجال هند بن أبي هالة ، والأصل أن العرب تسمي بـ (هند) للمرأة، ولكن وقع عند العرب من سمي بهند رغم أنه رجل، وقد مر أن خديجة بنت خويلد زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت قبله قد تزوجت رجلين: أحدهما أبو هالة ، فأنجب من خديجة هنداً الذي أصبح أخاً غير شقيق لبنات وأبناء النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه رضي الله عنه من خديجة أم المؤمنين، ومن خديجة أيضاً أبناء النبي صلى الله عليه وسلم وبناته سوى إبراهيم ، كما مر معنا.

    فـهند أخ لـرقية وأخ لـأم كلثوم وأخ لـفاطمة وأخ لـزينب وأخ للقاسم وأخ لـعبد الله ، وقلنا: إن النسب النبوي انحصر في نسل فاطمة رضي الله عنها وأرضاها، ومن نسل فاطمة الحسن والحسين أبناء علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فأصبح هند من حيث النسب خالاً للحسن والحسين ، والحسن رضي الله عنه وأرضاه أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه أدركه وهو صغير، وقد قلت: إن الإنسان قد يراه فلا يحسن الوصف، فـالحسن رضي الله عنه سأل خاله هنداً أن يصف له النبي صلى الله عليه وسلم، فما مر معنا من ذكر المصنف لوصف هند بن أبي هالة للنبي عليه الصلاة والسلام إنما جاء جواباً للحسن بن علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    وكما وصفه من الرجال هند وعلي وصفته أم معبد ، وأم معبد امرأة من خزاعة كان لها خيمتان في الطريق بين مكة والمدينة، فلما مر عليه الصلاة والسلام في هجرته عليها سألها السويق والتمر والماء، فلم يجد عندها شيئاً يشتريه، كما في القصة المعروفة، فأشارت إلى شاة في كسر البيت، فمسح عليها صلى الله عليه وسلم وسمى الله جل وعلا، فدرت الشاه كما هو معروف. وفي ذلك قيل:

    جزى الله رب الناس خير جزائه رفيقين حلا خيمي أم معبد

    هما نزلا بالبر وارتحلا به وأفلح من أمسى رفيق محمد

    فرأته أم معبد مرة واحدة عندما كان مع صاحبيه أبي بكر وعامر بن فهيرة والدليل الكافر عبد الله بن أريقط ، ولكن فحوى القصة يدل على أن الدليل لم يكن معهم وقت شرب اللبن.

    والذي يعنينا أن أم معبد رأته، ثم وصفته صلى الله عليه وسلم، فالذي بين يدي العلماء من نعت هيئته صلى الله عليه وسلم مرده في الأكثر إلى هؤلاء الثلاثة. كما وصفه أنس بن مالك وعبد الله بن بسر والبراء بن عازب ، وبعض الصحابة في الصحيحين وغيرهما، ولكن ذلك لا يصل مجموعاً إلى هذه الأوصاف المطولة في وصفه صلوات الله وسلامه عليه ونحن نعلم أن الله جل وعلا زكى في القرآن نبينا جملة فقال: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]، وزكى لسانه فقال: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى [النجم:3]، وزكى بصره فقال: مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى [النجم:17]، وزكى الله قلبه فقال: مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى [النجم:11].

    وصف شعره صلى الله عليه وسلم

    ثم إن الناس بطبيعة الحال إذا أحبوا أحداً لم يروه تتشوف قلوبهم ونفوسهم إلى معرفة صفاته، خاصة من لم يرزق رؤيته مناماً، وهذا حال أكثر الناس.

    فنقول: إن وصفه صلى الله عليه وسلم علمياً على النحو الآتي:

    كان عليه الصلاة والسلام يجعل شعره أول الأمر على الناصية، وهذا ما يسمى عند العلماء بالسدل، وكان يفعل هذا لأن اليهود كانت تفعله، وكان مخيراً بين أمرين، إما أن يفعل مثل عباد الأوثان سكان الجزيرة، وإما مثل فعل أهل الكتاب، فكان أحب إليه أن يشابه أهل الكتاب من أن يشابه عباد الأوثان؛ لأن أهل الكتاب -وإن كانوا على خطأ في الجملة- لهم كتاب يرجعون إليه، فكان يضع شعر رأسه مسدلاً على ناصيته، ثم جاءه جبريل بالتفريق، ففرق صلى الله عليه وسلم، فأخذ يضع شعره ذات اليمين وذات الشمال صلوات الله وسلامه عليه.

    وهذا الشعر وصف بأنه رجل وبأنه سبط، والشعر إما أن يكون مسترسلاً ناعم جداً، وإما أن يكون غير ذلك، وهو صلى الله عليه وسلم كان شعره وسطاً بين هذين، فلم يكن ناعماً جداً ولم يكن شعراً جعداً صلوات الله وسلامه عليه.

    وصف جبينه وحاجبيه صلى الله عليه وسلم

    وكان صلى الله عليه وسلم واسع الجبين، وكان أزج الحواجب أقرن، وفي رواية أم معبد قالت: أزج أقرن، وفي رواية هند بن أبي هالة : أزج من غير قرن. وورد كذلك في وصف أكثر من وصفوه أنهم قالوا: إنه أزج من غير قرن، ولا ريب في أن أخذ عدد من الروايات خير من الأخذ برواية واحدة، وهذا هو الأمر الوحيد الذي اختلفت فيه الروايات.

    والأزج: الدقيق شعر الحواجب مع طولهما، وجاء في بعض الألفاظ أنها سوابغ، أي: كاملة على العين كلها.

    أما قول أم معبد رضي الله عنها بأنه أزج أقرن فمعناه أن الحاجبين اتصلا في الوسط. ولكن قلنا: إن وصف هند بن أبي هالة فيه أنه أزج في غير قرن، وإذا كان كذلك سمي أبلج، وهذا هو الصحيح في وصفه صلى الله عليه وسلم.

    وكان بين الحاجبين عرق، فهذا العرق جاء في الرواية أنه يدره الغضب، أي: إذا غضب صلى الله عليه وسلم ينتفخ، كما أن الضرع ينتفخ إذا ملئ حليباً، فكان هذا العرق صلى الله عليه وسلم منه يراه أصحابه ظاهراً يمتلئ دماً إذا غضب صلوات الله وسلامه عليه.

    وصف أشفار عينيه صلى الله عليه وسلم

    وفي وصفه أنه كان عطف الأشفار، وفي رواية: غطف الأشفار، قيلت بالغين وقيلت بالعين، فإذا قلنا: (العطف) فمعناه أنها منحنية، وإذا قلنا بالغين فالمعنى أنها طويلة، والروايتان كلتاهما محتملة؛ لأن الشيء لا ينحني إلا إذا كان طويلاً، فتخرج رواية الغطف على الطول وتخرج رواية العطف على الانثناء في الطول.

    والمقصود منهما طول أهداب عينيه صلوات الله وسلامه عليه، كما كان شديد سواد العينين.

    وصف فمه صلى الله عليه وسلم

    أما فمه عليه الصلاة والسلام فقد كان كبيراً، وجاء في الروايات أنه كان ضليع الفم، وهو أمر تحمده العرب للرجل؛ لأنه يدل عندهم على البلاغة والفصاحة، وكانوا لا يرون صغر الفم أمراً محموداً لمن أراد البلاغة والفصاحة، كما كان صلى الله عليه وسلم.

    وجاء في وصفه أنه أشنب، والأشنب ليس له علاقة بالشنب، وإنما الأشنب هو الذي أسنانه دقيقة منتظمة، وقد سئل رؤبة بن العجاج أحد شعراء العرب عن معنى كلمة (أشنب)؛ لأن كلمة (أشنب) ترد في الشعر العربي في الغزل كثيراً، فأخرج رمانة -والرمان حبه مصفوف- فقال: هذا هو الأشنب.

    والمقصود من هذا أنه كان صلى الله عليه وسلم حسن الفم دقيق الأسنان منتظمة أسنانه انتظاماً عظيماً؛ لأن ذلك هو خلقة الله لخير الثقلين صلوات الله وسلامه عليه.

    وصف لونه صلى الله عليه وسلم

    وكان صلى الله عليه وسلم أزهر وكان أبيض غير أمهق، وكان مشرباً بحمرة، وبيان ذلك أن الإنسان يظهر بعض بدنه للشمس والرياح، وبعض بدنه يكون مستوراً بالثوب، فبعض بدنه -كوجهه وكفيه- يتعرض للشمس والرياح، وبعض جسده مستور، والأمهق هو الأبيض الذي بياضه غير محمود، وهو بياض أقرب إلى المرض المعروف.

    فلم يكن صلى الله عليه وسلم بياضه بياض الأمهق.

    وأما المشرب بحمرة فهو البياض فيما هو ظاهر للناس، أي أن وجهه ويديه بيضاوان مشربان بحمرة، وأما أنه أزهر فمعناه أنه أبيض ذو نور، وهو ما كان داخل البدن، أي: أبيض ذو نور البدن غير الظاهر للناس، وهي الذي لا يظهر إلا في بعض الأحيان، كما جاء في الحديث أنه لما كان في غزوة تبوك خرج يصلي بالناس، يقول الراوي: فكأني أنظر إلى وبيص ساقيه صلى الله عليه وسلم.

    أي: نور ساقيه صلوات الله وسلامه عليه، فهذا ما يتعلق بلونه عليه الصلاة والسلام.

    وصف لحيته صلى الله عليه وسلم

    وكان صلى الله عليه وسلم كث اللحية، وكان الشيب فيه قليلاً جداً، وأكثر شيبه كان في العنفقة التي تحت الشفة السفلى.

    واللحية لتطلق على الشعر الذي على اللحيين، فكان الشيب فيه صلى الله عليه وسلم أكثره أسفل الشفة السفلى، وكان فيه كثير منه أعلى العارضين وكان عنقه كأنه إبريق فضة، أي: أبيض، فصلوات الله وسلامه عليه.

    وصف شعره في صدره صلى الله عليه وسلم

    وكان ما بين لبته وسرته خيط من شعر ممتد على هيئة خيط دقيق، وهو ما عبر عنه العلماء والأئمة الذين وصفوه بقولهم: دقيق المسربة، فالمسربة الخيط من الشعر الممتد من الثغرة التي تسمى اللبة والوهدة إلى السرة، ولم يكن في صدره ولا بطنه صلوات الله وسلامه عليه شعر آخر غير هذا الخيط الدقيق من الوهدة أو اللبة إلى السرة.

    وصف سعة صدره صلى الله عليه وسلم

    وكان عريض ما بين المنكبين، أي أنه عليه الصلاة والسلام واسع الصدر، والإنسان إذا كان واسع الصدر فغالباً لا يكون له بطن، وإذا ضاق الصدر ظهر البطن، ولذلك جاء في وصفه أنه صلى الله عليه وسلم سواء الصدر والبطن، أي: ليس الصدر بظاهر ولا البطن بظاهر، وإنما كان سواء الصدر والبطن.

    وصف زنديه وراحتيه صلى الله عليه وسلم

    وجاء في وصفه أنه طويل الزندين، والزندان هما اللذان يلتصقان بالراحة من اليد، كما كان صلى الله عليه وسلم رحب الراحة -أي: واسعها- مع شيء من الغلظة في الخلقة واللين في الملمس.

    وصف قدميه صلى الله عليه وسلم

    وأما القدمان فجاء فيهما روايتان: رواية أبي هريرة أنه لم يكن أخمص، وأكثر الروايات على أنه كان أخمص صلى الله عليه وسلم، أي: مرتفع جزء من القدم، وهذا عليه خلق أكثر الناس، وجاء في رواية صحيحة عند مسلم أظنها من حديث أبي هريرة أنه لم يكن أخمص، ولكن الذي عليه أكثر الرواة أنه صلى الله عليه وسلم كان أخمص القدمين.

    وصف عظامه في جسمه صلى الله عليه وسلم

    كما كان ضخم الكراديس، والكردايس العظام الكبيرة في الجسم، فكان عظيم الركبتين، عظيم الكتفين، عظيم المرفقين.

    كما كان بديناً متماسكاً، وهذه البدانة تقول عنها أم معبد : لم تعبه ثجلة، والثجلة: الضخامة المعيبة، وقالت: ولم تزر به صعلة، والصعلة: صغر الرأس، ولكن رأسه كان صلى الله عليه وسلم متناسباً مع بدنه صلوات الله وسلامه عليه.

    وصف صوته صلى الله عليه وسلم

    ومر معنا في رواية أم معبد أنها قالت: في صوته صحل، الصحل: البحة، فالصوت إما أن يكون حاداً لا بحة فيه، وإما أن يكون مقروناً ببحة، وقد كان صوته صلى الله عليه وسلم مقروناً ببحة، ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها لما ذكرت خبر الوفاة: فأخذته بحة شديدة.

    فالفائدة من كلمة (شديدة) هنا لمن يجمع السيرة بعضها إلى بعض أن تفهم أنها زائدة عن المعهود لوطأة الحمى وشدة المرض.

    جمال خلقته العامة صلى الله عليه وسلم

    كما كان صلى الله عليه وسلم ذا نور عام، إذا رآه أحد من بعيد -كما قال علي - هابه، وإن خالطه أحد أحبه؛ لما يرى من كرم خلقه وفضله صلوات الله وسلامه عليه.

    وكان الحسن بن علي سبطه أشبه الناس به من الناحية العليا، والحسين بن علي رضي الله عنه وأرضاه أشبه الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم من الناحية السفلى.

    وفي مجمل خلقته لم يكن طويلاً جداً ولم يكن قصيراً صلوات الله وسلامه عليه، وقلنا: إنه كان بديناً متماسكاً، أي أن لحمه مرصوص بعضه إلى بعض غير مترهل وفي حديث عائشة لما ذكرت قيامه عليه الصلاة والسلام الليل أنها قالت: فلما بدن وحمل اللحم قلل من الوتر. فكان يوتر بثمان يسردهن، ثم يجلس، ثم يقوم إلى التاسعة، فأصبح يسرد ستاً ويقوم إلى السابعة، تقول عائشة : فلما بدن وحمل اللحم وثقل أصبح يفعلهن ستاً.

    وموضع الشاهد أنه عندما كبر وزاد بدنه قليلاً صلوات الله وسلامه عليه لم يصل إلى الحد الذي يمكن أن يقال عنه: إنه مترهل عليه الصلاة والسلام، وإنما كان بدنه متماسكاً متناسقاً بعضه إلى بعض، وسيماً قسيماً صلوات الله وسلامه عليه.

    فهذا مجمل ما دل على هيئته الخلقية صلوات الله وسلامه عليه.