إسلام ويب

سلسلة محاسن التأويل تفسير سورة البقرة [15]للشيخ : صالح بن عواد المغامسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد حذر الله المؤمنين من أن يأكلوا أموالهم بينهم بالباطل، أو أن يستميلوا الحكام إليهم بالمال ليأخذوا مال الغير. وكذلك نبههم الله تعالى إلى أن يسألوا الرسول في الأمور الدينية التي تنفعهم وتقيم دينهم، وعدم السؤال في أمور الدنيا التي تعرف بالتجربة والخبرة. وكذلك حذرهم من أن يلقوا يأيدهم إلى التهلكة، فالتهور ليس بمنقبة كما أن الإحجام في غير وقته ليس بمنقبة، فالإقدام يكون في الوقت المناسب، والإحجام يكون كذلك في الوقت المناسب. ثم أمرهم بالإنفاق في سبيل الله تعالى فإن ذلك طريق من طرق الفلاح والنجاح.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ...)

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه, وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    كنا قد انتهينا في اللقاء الماضي إلى آيات الصيام, ونزدلف اليوم إلى قول الله جل وعلا: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:188].

    معلوم أن الإنسان -إذا أجرينا الأمور على حقيقتها- له أن يأكل من مال نفسه, لكن قول ربنا جل وعلا: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ [البقرة:188] هذا ما يسمى بإقامة الأخ مقام النفس, فأقام الله هنا الأخ مقام النفس, وفي هذا إشارة إلى أن المجتمع المسلم مجتمع يختلف كثيراً عن غيره من المجتمعات, ذلك أن الإسلام يربي أتباعه على أن يكونوا كالجسد الواحد، وقد تظافرت نصوص القرآن والسنة على هذا.

    وقوله سبحانه: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [البقرة:188] له من الناحية الفقهية صورتان:

    الصورة الأولى: صورة ناتجة عن الظلم، كالسرقة والنهب والغصب والاختلاس, فهذه صور تحمل معنى القوة, وتحمل معنى الظلم في الوصول إلى أموال الناس.

    والصورة الأخرى: صورة لا تحمل معنى الظلم ولا التسلط، وإنما يكتسب من خلالها حراماً، مثل صورة بيع الخمر, أو لعب القمار, وأمثال ذلك من المكاسب المحرمة التي لا تحمل معنى القوة والتسلط, لكنها تحمل معنى الطرائق المحرمة التي لو تمت بالاتفاق لكانت من أكل الأموال بالباطل، كأخذ أموال الناس ربا, فلو تم الربا باتفاق وتراض فإنه كون من أكل الأموال بالباطل؛ لأنه طريق محرم في كسب المال.

    فقول الرب تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ [البقرة:188] معناه: أن هذه الأموال التي إذا قدر أن جمعتموها بالباطل تكون أشد إثماً وأعظم جرماً مما إذا كنتم تتوصلون بها إلى ميل الحكام وجورهم لأجلكم, والحكام يدخل فيها الحاكم أولاً, ومن ينيبهم من القضاة, والذين لهم حق الفصل بين الناس, ومن جعل الله بيدهم أمراً أو نهياً أو نواصي الخلق.

    ثم قال تعالى: لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ [البقرة:188] فالمال الذي نتشفع ونتوصل به إلى استهداء الحاكم أن يكون معنا ضد غيرنا ينجم عنه أن الحاكم سيمالئنا ويميل إلينا لو رفعت إليه خصومة نحن أحد طرفيها, وهذا كله بسبب ما قدمناه له من أموال، وتسمى في عرف الشرع: رشوة, وألبسها اليوم الناس لباس الهدايا وغير ذلك من التذكار وأشباهه, فيكون الوصول إلى ما نريد عن طريق إقامة علاقات مالية غير جائزة شرعاً يراد بها أن يغض الطرف عنا.

    وقد جرت سنة الله في خلقه عموماً إلا من ألجم بالتقوى، أن من أطعمت فمه غضت عنك عينه, ولذلك فالأحرار من الرجال يأنفون أن يكون لأحد عليهم منة؛ حتى لا تدفعهم تلك المنة إلى أن يغضوا طرفاً عما لا يليق, قال البارودي -وهو يعتبر عند أهل الأدب مجدداً للشعر العربي بعد كبوته-:

    خلقت عيوفاً لا أرى لابن حرة علي يداً أغضي لها حين يغضبُ

    والمقصود من الآيات: أن الله جل وعلا يريد من المجتمع أن يكون الحق هو السائد فيه, والمهيمن عليه, وأن الناس لا يأكل قويهم ضعيفهم, وطرائق هذا الأمر ألا يكون للحكام ومن ينيبونهم طريق إلى الغير, وهذا الطريق إلى الغير يكون بعدم إعطائهم ما يستدرجون به حتى يكونون في صفنا على غيرنا, هذا مراد الله جل وعلا من الآية, وقد جاءت بعد آيات الصيام التي حذرت من شهوتي الفرج والبطن.

    ولما كان حب المال متأصلاً في الناس قال الله: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [العاديات:8]، فحرم الله جل وعلا الباطل في كسبه، واستخدامه فيما هو أشنع منه, كالوصول إلى رضى الحكام الذي ينجم عنه أن تؤكل أموال الناس بالباطل, قال الله: لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:188].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يسألونك عن الأهلة ...)

    قال ربنا -وهو أصدق القائلين-: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ [البقرة:189] وجاء الجواب القرآني: قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة:189].

    ثمة في أسلوب العرب في كلامها أسلوب يسمى أسلوب الحكيم, وأسلوب الحكيم يمكن إجماله في جملة واحدة وهي: تلقي السائل بخلاف الذي يطلبه, فأنت تجيبه جواباً غير متوقع من لدنه, لكن هذا الجواب أشد فائدة له.

    ومنه أن جماعة جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم -قيل: إنهم بعض الصحابة, وقيل: إنهم بعض اليهود, ولا يتعلق بمعرفة القوم كبير علم أو خلاف- فسألوه عن الهلال: لماذا يبدو دقيقاً ثم يكتمل ثم يعود كما كان؟ فالله يجيبهم على ما ينبغي أن يكون عليه السؤال، فليس السؤال عن علة كونه يبدو هكذا بأحق من السؤال عن الغاية من كونه على هذه الحالة، فنقلهم الله من السببية إلى الغائية أو الغاية, فبين الله جواب ذلك بقوله: قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة:189]، وذكر الحج بعد قوله: مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ [البقرة:189] وهو ذكر خاص بعد عام, فالحج يدخل في قول الله جل وعلا: مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ [البقرة:189] ومواقيت: جمع ميقات, كما أن مواعيد جمع ميعاد، والميعاد بمعنى الوعد, والمواقيت بمعنى: الوقت, فهي مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ [البقرة:189]، فالزكاة تعرف بالأهلة إذا حال الحول, والعدد للنساء تعرف بالأهلة, وما يكون بين الناس من مواعيد تضبط عن طريق الأهلة, وجميع مصالح الشرع معلقة بالأهلة.

    وقد مر معنا أن المصالح الدنيوية المحضة معلقة بالشمس, وأما المصالح الشرعية فهي معلقة بالهلال, والشمس والقمر كلاهما آيتان من آيات الله، ويسميان: القمران.

    ولماذا أفرد الله الحج؟ جرت عادة العرب في الشيء الذي تملكه وتعرفه من قبل أن تقدم وتؤخر فيه, فالزكاة والصلاة لم يكن للعرب عهد بها, فلهذا لا تملك تغييرهما, وأما الحج فكانت العرب تعرفه قبل الإسلام، كما كانت تعرف الأشهر الحرم كذلك قبل الإسلام, وقد أدخلوا التقديم والتأخير والزيادة والنقصان في الأشهر الحرم, ولهذا قال الله: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ [التوبة:37] فحتى لا يحصل لأشهر الحج ما حصل للأشهر الحرم قال الله جل وعلا -مفرداً للحج وحده-: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة:189]، وهذا نوع من التوطئة والتمهيد لما يأتي بعدها.

    ثم قال ربنا: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا [البقرة:189] .

    فأي شيء تطلبه على غير وجهه فهو من إتيان البيوت من ظهورها, فإذا طلبته من وجهه كان من إتيان البيوت من أبوابها, فيقول ربنا: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا [البقرة:189]

    والنبي الخاتم صلى الله عليه وسلم يسأل عما يتعلق بمصالح الدين والآخرة، وأما ما لا يتعلق بمصالح الدين والآخرة أصلاً فلم يبعث من أجله, فالمسألة إما بر أو شأن دنيوي محض.

    فكأن الله يقول: الشأن الدنيوي المحض ليس لكم أن تسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عنه؛ لأنه لم يبعث لهذا, فكون الهلال يبدأ صغيراً ثم يكبر ثم يعود كما كان وهذا شأن دنيوي محض أنتم -أيها الأخيار من أصحاب محمد- منزهون أن تسألوا نبيكم عن مثل هذا, فلم يبق إلا الشأن الديني الذي تجمعه كلمة بر.

    والبر: اسم جامع لجميع صفات الخير، وهناك طرائق للبر ينبغي أن يسأل عنها النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا نهاهم أن يأتوا البيوت من ظهورها، أي: أن يسألوه من غير الوجه اللائق، وإنما إدراك الأشياء يكون باتخاذ الأسباب الموصلة إليها, فلذا قال الله: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا [البقرة:189].

    لكن القرآن دائماً يجعل التقوى في طيات الأوامر الشرعية كلها؛ لأنها هي المقصود الأسمى من العباد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واقتلوهم حيث ثقفتموهم ...)

    وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ [البقرة:191].

    معنى: ثَقِفْتُمُوهُمْ [البقرة:191] أي: ظفرتم بهم وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ [البقرة:191] وقد أخرجوا المسلمين من مكة, وقد وقع هذا للمسلمين بأن فتحوا مكة, فحققوا قول الله: وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة:191] فما وقع منهم من فتنتكم في الدين حتى يردوكم عن دينكم إلى الشرك؛ أعظم من كونكم تقاتلونهم لتسفكوا دماءهم.

    ثم قال تعالى: وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ [البقرة:191] وهذا من إطلاق المسجد الحرام على مكة, وفيه بيان لحرمة مكة عند الله, وفي الحديث: (إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض).

    وهذا نزدلف به إلى الخلاف القائم بين العلماء: أيهما أفضل مكة أم المدينة؟

    جماهير العلماء على أن مكة أفضل من المدينة, ولهم في ذلك دلائل وقرائن من أشهرها:

    أن الله جل وعلا جعلها موئلاً للخليلين: محمد وإبراهيم عليهما السلام.

    والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف).

    ولأن الكعبة في مكة وهي بيت الله.

    ولأن الله جل وعلا أوجب الحج إلى مكة وإلى بيته العتيق لا إلى غيره, وغيرها من القرائن كثير.

    وذهب الإمام مالك رحمه الله -وهو المشهور عن عمر وابنه عبد الله - وجمهور أتباعه إلى أن المدينة أفضل من مكة؛ لسكنى النبي صلى الله عليه وسلم فيها, ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة).

    وقال في حديث آخر: (لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها) فقالوا: إذا كان موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها, فكيف ببلدة فيها روضة من رياض الجنة!

    وبعض العلماء يفصل فيقول:

    إن مكة أفضل، ولا يمكن لما فقهه مالك أن يصادم تلك النصوص الشرعية, لكن يقولون: إن المجاورة في المدينة أفضل من المجاورة في مكة. والعلم عند الله.

    يقول الله: وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ [البقرة:191]؛ لأن هذا نوع من القصاص كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:191-192].

    وقطعاً أن الشرك لا يدخله الغفران, فما معنى قول الله فَإِنِ انتَهَوْا [البقرة:192]؟ أي: انتهوا عن الشرك لا عن القتل، وهذا قيد لا بد لك أن تفقهه؛ لأنهم إن بقوا على شركهم ولم يقاتلونا فلن يغفر لهم.

    فقوله: فَإِنِ انتَهَوْا [البقرة:192] أي: عن قتالكم وعن الشرك فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:192].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ...)

    قال الله تعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ [البقرة:193].

    قوله: حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [البقرة:193] قال العلماء: حتى لا يكون تقول ينجم عنه اضطهاد الناس في دينهم, ولما حصلت ولاية ابن الزبير اقتتل الناس كثيراً مع أتباع يزيد ، وجيء لـعبد الله بن عمر الصحابي المعروف, ابن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقيل له: ألا تقاتل والله يقول: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [البقرة:193] ؟ فقال رضي الله عنه وعن أبيه: لقد قاتلنا حتى لا تكون فتنة وكان الدين لله -يقصد: أيام النبي صلى الله عليه وسلم-، وأنتم اليوم تقاتلون حتى تكون فتنة, وشتان ما بين القتالين.

    قوله: وأنتم -يخاطب الخوارج- تقاتلون اليوم حتى تكون فتنة.

    ومعلوم أن هذا حصل أيام عبد الله بن الزبير ويزيد بن معاوية ، وأيام خروج عبد الله بن الزبير على يزيد ، فقد أرسل يزيد مسلم بن عقبة المري , وأراد أن يرسل أولاً عبيد الله بن زياد , لكن عبيد الله بن زياد باء بمقتل الحسين , فأراد أن يبعثه يزيد إلى مكة، لكنه أخذ درساً من الأولى, فقال -أي: عبيد الله بن زياد -: والله لا أبوء بهما جميعاً, أي: قتل الحسين وغزو مكة، اعفني, فسلم القيادة لرجل اسمه مسلم بن عقبة المري ، وكان شيخاً كبيراً في السن, فبدأ بقتال أهل المدينة, ثم انتقل إلى ابن الزبير ، فقاتل أهل المدينة حتى وقعت موقعة الحرة، فأسماه أهل المدينة مسرفاً بدلاً من مسلم , يقول قائلهم:

    هم منعوا ذماري يوم جاءت كتائب مسرف وبني اللكيعة

    وعلى يده استبيحت المدينة، ثم أراد أن يتوجه إلى مكة -وقلنا: إنه خرج وهو شيخ كبير- فمات, فوكلت القيادة إلى غيره, ومات يزيد بعده أو قبله.

    المهم أنه قبل أن يصل جيش الشام إلى مكة مات يزيد ، وأعلن ابن الزبير رضي الله تعالى عنه الخلافة على الحجاز, وتبوأ الخلافة في الشام معاوية بن يزيد ، ثم مروان بن الحكم ، ولما ولي سب ابن زوجته, وهو شاب نشأ في حجره، فلما سبه وعيره بأمه التي هي زوجته -وهذا الابن من رجل آخر- ذهب الرجل يشتكي مروان بن الحكم عند أمه, فاغتاضت الزوجة وقالت له: إنه لن يسمعك إياها بعد اليوم, يعني: بيتت قتله، فلما قدم إليها قتلته خفية في داره، وذلك أنها اجتمعت عليه هي وخدمها، فلما مات مروان أعلن عبد الملك الخلافة له, فانتقلت الخلافة -كما يقول المؤرخون- من البيت السفياني إلى البيت المرواني نسبة إلى مروان بن الحكم ، فصار الأمويون بعدها يقال لهم: بنو مروان، وهذا معنى قول شوقي :

    مررت بالمسجد المحزون أسأله هل في المصلى أو المحراب مروانُ

    فيقصد بالمصلى والمسجد مسجد بني أمية.

    فلما ولي عبد الملك أمر الحجاج فحاصر ابن الزبير في مكة، وضربها بالمنجنيق حتى احترقت أستارها، وهو لا يريد حرق الكعبة فهذا كفر، لكنه أراد قتال ابن الزبير ، حتى قتل ابن الزبير رضي الله عنه وآل الأمر إلى الحجاج ، وبالتالي إلى عبد الملك بن مروان .

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الشهر الحرام بالشهر الحرام ...)

    قال الله تعالى: الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ [البقرة:194] .

    الحرمات: جمع حرمة، كما تقول: حجرات جمع حجرة، والحرمة: الشيء الذي ينبغي أن يحفظ ويصان ولا ينتهك, فكلما ينبغي أن يحفظ ويصان ولا ينتهك يسمى حرمة.

    أما تفسير الآية: فأنت تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر، وكلهن في ذي القعدة, وذو القعدة شهر حرام, والأشهر الحرم ثلاثة سرد وواحد فرد, فالثلاثة السرد ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، وأما الفرد فهو رجب.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم اعتمر في ذي القعدة، وذو القعدة شهر حرام, وفي ابتداء عمرته في يوم الحديبية ردته قريش, فلما ردته انتهكت ثلاث حرمات: حرمة الشهر الحرام الذي هو ذو القعدة، وحرمة البلد الحرام الذي هو مكة, وحرمة العمرة التي أحرم لها.

    فرجع النبي صلى الله عليه وسلم وحل من إحرامه, فقريش بهذا انتهكت ثلاث حرمات, لذا قال الله: الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ [البقرة:194]، ولاحظ كلمة (قصاص) يعني: مساواة, وقلنا آنفاً: إن قريش انتهكت حرمة الشهر، وحرمة البلد, وحرمة الإحرام, ونظيره في السياسة قول عائشة -لما قتل عثمان : لقد انتهك الخوارج ثلاث حرمات: حرمة الشهر الحرام ذي الحجة، وحرمة البلد وهو المدينة، وهي بلد حرام, وحرمة الخلافة.

    فأمر الخلافة شرعاً أمر معظم, ولهذا الصحابة رضي الله عنهم قبل أن يدفنوا نبيهم عليه الصلاة والسلام أجمعوا أمرهم على أبي بكر ؛ لعلمهم بحرمة الخلافة ومكانتها, فقتلة عثمان انتهكوا ثلاث حرمات، والذين صدوا النبي صلى الله عليه وسلم انتهكوا ثلاث حرمات كما قدمنا.

    لكن النبي عليه الصلاة والسلام اعتمر ذلك العام، فعمرة الحديبية كانت عام ستة, وما يسمى بعمرة القضاء كانت عام سبعة، وعمرة الجعرانة كانت عام ثمانية، والرابعة كانت مع حجه عليه الصلاة والسلام في السنة العاشرة.

    والمقصود: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أخلت قريش مكة له دخلها عليه الصلاة والسلام، ونزحوا إلى الجبال, فهذا معنى قول الله: وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ [البقرة:194]، وكأن الله يقول: ردوك يا نبينا عام ستة فأدخلناك إياها عام سبعة, فكل الثلاث عادت، فأحرم صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة, ودخل البلد الحرام وبقي على إحرامه عليه الصلاة والسلام.

    وهذه الآية -وهي: قول الله تعالى-: الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [البقرة:194] يطنب فيها الفقهاء؛ لأنها تحتمل عدة أشياء, فإنسان أخذ مالك ثم ظفرت بماله أتأخذه أم لا تأخذه؟

    فيها أقاويل خلاصتها:

    لو تسلط أحد ما على مالك ثم وقفت على ماله بقدر الذي أخذ منك جاز لك أن تأخذه, ولا يسمى سرقة ولا نهباً ولا ظلماً؛ لأن الله يقول: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ [البقرة:194].

    فمثلاً: إذا خدعك شخص ما فأخذ منك عشرين ألفاً, ثم اكتشفت بتعاملك معه أنه أراد خداعك, فقال: أقرضني, ثم أنكر, وأنت وثقت به فأعطيته عشرين ألفاً, فما لبث أن أنكرها وجحدها، ثم لم يلبث أن وقفت على عشرين ألفاً له: إما وجدتها على مكتبة أو في درج سيارته، أو ما أشبه ذلك, واستطعت أن تحصل عليها، فلك أن تأخذها بدلالة الآية.

    وهناك حالة واحدة لا يجوز أن تأخذ فيها وهي: إذا نسي وأعطاك إياها أمانة, أي: نسي صنيعه الأول وأعطاك إياها أمانة، فليس لك أن تأخذها إذا طلبها؛ لأن النبي قال: (ولا تخن من خانك).

    إذاً: فإذا كانت على وجه الائتمان فلا ينبغي أن تأخذها وإن قال به بعض العلماء, لكن أحب إلينا ألا تفعل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (ولا تخن من خانك).

    هذا كما في قول الله تعالى: يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء:142] وفي قوله: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ [الأنفال:30] وفي قوله: وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً [الأنفال:58] فلم يقل: خنهم, وإنما قال: فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ [الأنفال:58] أي: بين لهم الأمر على جلاء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ...)

    قال الله تعالى: وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة:195].

    هذه الآية دائماً تصبح محل نزاع، فيأتي الإنسان المحجم يستدل بظاهر قول الله: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195].

    ويأتي الباذل المقدام فيفسرها بأثر أبي أيوب عند أن قال: نزلت فينا معشر الأنصار أننا آثرنا الزرع على الجهاد.

    والحق أن يقال ما يلي: الإنفاق لا يسمى إنفاقاً إلا إذا كان في وجه يسمى إصلاح مال, وأما تضييع المال فلا يسمى إنفاقاً.

    وينبغي أن تعلم أن الله أمر بالإنفاق وأمر بالجهاد, وبين الإنفاق والجهاد طرفي نقيض, فيقابل الإنفاق إما البخل وإما الإسراف، فقول الله تبارك وتعالى: وَأَحْسِنُوا [البقرة:195] تعود على الإنفاق, والمعنى: لا تنفقوا إنفاقاً يصل إلى حد الإسراف، ولا تكونوا بخلاء.

    وفي قوله تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195] أي: لا تقعدوا عن الجهاد، وأيضاً: فلا تلقوا بأنفسكم إلى المهالك على وجه يغلب على الظن أنه الهلاك المحقق, فيصبح الإقدام غير التهور، فتصبح الآية وَأَحْسِنُوا [البقرة:195] ضابطاً لقوله تبارك وتعالى: وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195] .

    فالقعود عن الجهاد إلقاء للنفس في التهلكة؛ لأنك قصرت في واجب شرعي فتهلك بتركه، والتهور في المعركة بإلقاء النفس في التهلكة المحققة على وجه مذموم، منتقد شرعاً.

    والإنفاق إذا كان إسرافاً فهو إلقاء للمال في التهلكة على وجه مذموم، كما أن القعود عن الإنفاق بخل يلقي النفس في التهلكة؛ لأن البخل لا يورث إلا ذماً.

    إذاً: فالمعنى: فيما يغلب على الظن أنه هلاك.

    والعرب كانت تعيب التهور في المعارك ولا تعده شجاعة, ويقولون: إن الأعشى مدح أحد الملوك في زمانه فقال:

    وإذا تجيء كتيبة ملمومة خرساء قد كره العدو نزالها

    كنت المقدم غير لابس لمة بالسيف تضرب معلماً أبطالها

    يقول: إذا جاءت كتيبة خرساء من الحديد الذي عليهم فكأنها صماء، فيتحاشى أحد أن ينازلها، فأنت أيها الملك كنت المقدم غير لابس لمة، أي: غير لابس درع.

    فعابت العرب الأعشى على هذا البيت الذي قاله في الملك, وقالوا: ما زدت على أن وصفت الملك بالتهور, وهذه ليست بشجاعة. فالضابط القرآني جاء مبيناً لمسالك الناس في الإنفاق: ألا يكون إسرافاً ولا بخلاً، وفي الحروب ألا يكون قعوداً ولا تهوراً.

    وهذا هو معنى قول الله: وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة:195].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله ...)

    قال الله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196].

    اختلف العلماء هنا في معنى الإتمام, فذهب ابن عباس إلى أن المقصود بالإتمام: أن تحج وتعتمر من دويرة أهلك. وأكثر المفسرين على أن المقصود: إذا شرعت في حج وعمرة ولو كانا نفلين فيجب عليك أن تتمهما.

    فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة:196].

    مجمل ما دلت عليه الآيات ما يلي:

    الإحصار، وهو في اللغة: الحبس والمنع, لكن هل يكون الإحصار بغير العدو، أم لا يسمى إحصاراً إلا بالعدو؟

    اختلف العلماء في ذلك: فذهبت طائفة إلى أن الإحصار الذي جاءت به الآية لا يكون إلا بالعدو, ودليلهم قوله تعالى: فَإِذَا أَمِنتُمْ [البقرة:196]، والأمن لا يكون إلا من خوف عدو.

    وأجمل الأقوال أن يقال: إن الآية جاءت في حصر العدو, لكن كل ما نجم عنه حرج وضيق وحبس عن البيت فيقاس عليه قياساً جلياً لا شبهة فيه, وهذا حتى نخرج من نزاع العلماء.

    فإن أحصر الإنسان عن الوصول إلى البيت لأي سبب كان فإن الله يقول: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196]، والهدي: هو ما يساق ويقرب ويذبح في مكة من بهيمة الأنعام، فأعلاه بدنه وأدناه شاة.

    قوله: ... فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [البقرة:196].

    اختلف العلماء في المقصود بمحل الهدي: فقال بعضهم في الإحصار: إن دم الإحصار حيثما أحصرت، وقال آخرون: يبعث بالهدي إلى الحرم، فلا يكون منه حج حتى يصل الهدي إلى محله، وذهبوا إلى أن المقصود بأن الحرم هو محل الهدي؛ لقول الله جل وعلا: هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة:95]، وقول الله جل وعلا: ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج:33] والمراد مكة.

    والأصل أن منى هي الأصل في النحر وإن دخلت في مكة, هذا قول.

    والذين قالوا: إن دم الإحصار يكون في موطن الإحصار استدلوا بقوله تعالى: حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [البقرة:196].

    كفارة من فعل محظوراً في الحج

    قال الله جل وعلا: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ [البقرة:196] فالأصل أن هناك محظورات في الإحرام، فقال الله: فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة:196].

    فالصيام ثلاثة أيام، والصدقة نصف الصاع، والنسك أصله العبادة, ولكن لما كان النحر من أعظم القربات أطلق على التقرب إلى الله ببهيمة الأنعام, لكن هذا يكون على التخيير، ومما يقع فيه الخطأ في الفتوى بين بعض طلبة العلم: أنهم لا يفرقون بين ترك الواجب وفعل المحظور.

    فما الذي يترتب على فعل المحظور؟ وما الذي يترتب على ترك الواجب؟

    يكون التخيير في كفارة فعل المحظور, فمن فعل محظوراً من محظورات الإحرام وجاءك يستفتيك فقال: حلقت رأسي، أو تطيبت, أو فعل أي محظور من محظورات الإحرام, فهذا تقول له: أنت مخير بين ثلاثة أمور: بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين كل مسكين نصف صاع، أو ذبح شاة؛ لقول الله جل وعلا: فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة:196]، فـ (أو) هنا للتخيير.

    وأما من ترك واجباً فإنه يهرق دماً وليس هناك تخيير، لكنه إن عجز عن الدم ينتقل إلى صيام عشرة أيام, وهذا مما يقع به الخطأ في الفتوى، فلو جاء إنسان وقال: أيها الشيخ المبارك! أو يا طالب العلم! تجاوزت الميقات دون أن أحرم، فنقول له: أنت لم تفعل محظوراً، وإنما تركت واجباً فعليك دم, ولو جاءك من يقول: لم أبت في مزدلفة, فتقول له: تركت واجباً عند جماهير العلماء، فعليك دم.

    لكن لو قال: حلقت، أو قلمت أظفاري، أو مسست طيباً، أو لبست مخيطاً، فهذا تقول له: أنت مخير بين الثلاثة الأمور في الآية؛ لأنك فعلت محظوراً.

    قال الله: فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196] .

    وهل هو دم جبران أو غير ذلك؟ هذا فيها خلاف بين العلماء, لكن معلوم أن الأنساك ثلاثة: إفراد وتمتع وقران, فعلى قدر ما تأخذ على قدر ما تعطي, والعكس كذلك.

    فهذا الذي ذهب يحج وأفرد الحج بسفرة لوحدها، ولم يعط زيادة من طاعة وهي العمرة, فلا يؤخذ منه دم، وأما من قرن ما بين الحج والعمرة في سفرة واحدة فعليه دم؛ عوضاً عن الجمع بين الحج والعمرة في سفر واحد.

    ومن تمتع فقد مكث أياماً يلبس ويتطيب ويأتي النساء، فعوضاً عن هذا التمتع يهرق دماً؛ فلذا قال الله: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ [البقرة:196] أي: إلى أهلكم تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ [البقرة:196]، ومعلوم أن الثلاثة والسبعة: عشرة, فلماذا نص الله على ذلك وقال: تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ [البقرة:196] ؟

    اختلف العلماء, والأظهر عندي والعلم عند الله:

    أن هذه الآمة أمة أمية لا تحسب، وهم المخاطبون الأولون بالقرآن, فبينه الله بياناً جلياً حتى لا يقع منهم خطأ, فقال: تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ .

    القول فيما يعود عليه حرف الإشارة

    قال الله تعالى: ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة:196] .

    ذَلِكَ [البقرة:196] اسم إشارة، فعلى ماذا يعود؟

    تأمل الآية، قال تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة:196].

    فـ: ذَلِكَ [البقرة:196] يعود إلى أحد اثنين: إما للتمتع، أو لما يترتب على التمتع من هدي وصيام, فإذا قلنا: إنه يعود إلى التمتع.. فمعنى قول الله: ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة:196] أنه ليس لأهل مكة أن يتمتعوا، فيصبحوا مقصورين على نسكين إفراد وقران.

    وإذا قلنا: إن ذَلِكَ [البقرة:196] عائد على ما يترتب على التمتع من الهدي أو الجزاء الذي هو الصيام بدلاً منه, فيصبح المعنى: أن الجزاء على من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، فيكون لهم التمتع وليس عليهم هدي.

    والمراد بحاضري المسجد الحرام سكان مكة، فإذا كانت هناك عمارة نصفها في الحرم ونصفها خارجه فلا يعقل أن من كانت غرفته في أول الدار ليس عليه هدي، ومن كانت غرفته في آخر الدار عليه هدي، فهذا ينزه عنه كلام الله.

    ثم قال الله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [البقرة:196].

    هذا ما تيسر إيراده وتهيأ إعداده حول هذه الآيات المباركات.

    نسأل الله أن يوفقنا وإياكم إلى ما يحب ويرضى, وأن يلبسنا وإياكم لباس العافية والتقوى, وصلى الله على محمد وعلى آله, والحمد لله رب العالمين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3002485251

    عدد مرات الحفظ

    718555586