إسلام ويب

حكم الغناء والأناشيدللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ما حكم الغناء؟

    وما الفرق بينه وبين الأناشيد؟

    وهل يجوز الضرب بالدف؟

    هذه الأحكام وأحكام أخرى تحدث الشيخ عنها في هذا الدرس.

    1.   

    سيرة بلال بن رباح وما فيها من عبر

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعـد:

    هذا الدرس هو الدرس (41) من صحيح البخاري، ولنستمع إلى الإمام البخاري رحمه الله تعالى حيث يتحفنا من صحيحه، الكتاب النير العطر، بحديث في كتاب العيدين.

    يقول رحمه الله تعالى: باب الحراب والدرق يوم العيد.

    وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث فاضطجع على الفراش، وحول وجهه صلى الله عليه وسلم، ودخل أبو بكر فانتهرني، وقال: مزمارة الشيطان عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: دعهما، فلما غفل غمزتهما فخرجتا، وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب، فإما سألت النبي صلى الله عليه وسلم، وإما قال: تشتهين تنظرين؟ فقلت: نعم. فأقامني وراءه، خدي على خده، وهو يقول: دونكم يا بني أرفدة، حتى إذا مللت، قال: حسبك؟ قلت: نعم. قال: فاذهبي).

    في هذا الحديث مسائل وسوف تأتي بإذن الله، وبمناسبة لعب الحبشة وعرضهم يوم العيد أمام الرسول صلى الله عليه وسلم نتكلم هنا عن داعية الحبشة، وعن رجل من أهل الحبشة، هو أفضل أهل الحبشة في الإسلام وفي الصحابة، فمن هو يا ترى هذا الرجل؟

    بلال سفير الحبشة للإسلام

    بلال بن رباح داعي الأرض الذي تلقى نور السماء وأذن في الخالدين، وكان حقاً على قلب كل مؤمن أن يقول:

    وقل لـبلال العزم من قلب صادق      أرحنا بها إن كنت حقاً مصليا

    توضأ بماء التوبة اليوم مخلصاً     به ترق أبواب الجنان الثمانيا

    بلال رضي الله عنه وأرضاه يعرفه الجميع، أهل الملايو ومسلمو اليابان والصين والسودان والعراق والجزائر، كل مسلم على وجه الأرض يعرف بلالاً رضي الله عنه وأرضاه، هو سفير الحبشة إلى الإسلام، وسفير الإسلام إلى أهل الحبشة، فإن لكل قوم سفيراً وسفير الحبشة إلى الإسلام بلال رضي الله عنه وأرضاه، كما أن سفير الروم صهيبوسفير أهل فارس سلمان.

    دخل بلال مكة فما كان له قيمة عند المكيين ولا عند القرشيين، كانت وثنية تمعر في رءوسهم، لا يقيمون لهؤلاء الموالي قيمة أبداً ولا وزناً، وإنما ينزلون هؤلاء الموالي منزلة الحيوان، فأرخصوا ثمنه وهو غال عند الله، وعطلوا قيمته وهي ثمينة جد ثمينة، فلما أتى الإسلام كان بلال رضي الله عنه ممن شرح الله صدره للإسلام، أسلم مبكراً، ووضع يده في يد الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام؛ فأخرجه من الجاهلية إلى الإسلام، ومن الظلمات إلى النور، وهداه ورقاه فأصبح غالياً من أغلى الناس.

    كان عمر رضي الله عنه وأرضاه يقول: [[أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا]].

    إن السيادة في الإسلام تكون بالتقوى وبالعمل الصالح وبالقرب من الله عز وجل، وأما الجاهليون فما استمعوا لهذا، لما علموا أنه قال: لا إله إلا الله، ودخل في هذا الدين؛ لأن هذا الدين مجرد عن الطلاء، من يرغب في الاستقامة يأت، لا لمنصب ولا لولد ولا لمال ولا لأسرة ولكن لوجه الله تبارك وتعالى، فلما أتى بلال رفعه الإسلام وجعله الرسول صلى الله عليه وسلم مؤذناً فأبى أمية بن خلف وعذبه بأنواع العذاب، سحبه على وجهه على الرمضاء، طرح الصخور على صدره وما يزداد إلا إيماناً وتسليماً، كان كلما عذبه، قال: أحد أحد، أحد أحد هتف بها لكل معطل، يفني بها كل شرذمة باطلة خاسرة خائبة عند الله.

    هجرة بلال

    هاجر رضي الله عنه وأرضاه، واستفاقت المدينة من سباتها ومن نومها على أذان بلال تنفض الجاهلية والوثنية وأدرانها، كان دائماً يمر ببيت الرسول صلى الله عليه وسلم قبل الصلاة، ويقول: الصلاة الصلاة يا رسول الله! فينتشي صلى الله عليه وسلم، وإذا تأخر بلال عن هذا الموعد، قال عليه الصلاة والسلام: {أرحنا بها يا بلال } أي: بالصلاة؛ فإنها قرة عين المصطفى صلى الله عليه وسلم، وشرحة فؤاده، وراحة نفسه، عليه أفضل صلاة وأجل تسليم.

    وفي مرض موته صلى الله عليه وسلم يمر بلال فيقول: الصلاة الصلاة يا رسول يا الله! ولكن أين مناخ العيس من حلب؟! كيف يستطيع صلى الله عليه وسلم أن يقوم وهو في مرض الموت، فقال: {يا بلال! مر أبا بكر فليصلِّ بالناس} فيتلعثم بلال رضي الله عنه بالبكاء ويقول: واحبيباه! وارسولاه! واخليلاه! ثم يقول: يا أبا بكر! صلِّ بالناس، فيقول أبو بكر: الله المستعان، إنا لله وإنا إليه راجعون!

    ويؤثر في السيرة أنه رضي الله عنه وأرضاه قام من صلاة الفجر في أول يوم توفي فيه صلى الله عليه وسلم فرفع صوته الندي الشجي بالتكبير والتهليل فلما بلغ قول المؤذن: أشهد أن محمداً رسول الله التفت فخنقته العبرة وبكى وما استطاع أن يتم الأذان.

    كان يوم الفتح مع الرسول صلى الله عليه وسلم، عندما دخل الجيش العرمرم المسلم الذي يرفع لا إله إلا الله، جيش قوامه عشرة آلاف، والرسول قائده صلى الله عليه وسلم، فلما حانت صلاة الظهر ونصر الله رسوله نصراً مؤزراً ما سمع التاريخ بمثله، وقف كفار قريش أمامه وقد جردهم من السلاح والسيوف والرماح، وقال: ما ترون أني فاعل بكم؟

    فبكوا حتى اختلطت أصوات بكاء الأطفال بالنساء، وظنوا أنها مجزرة ومذبحة، وظنوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم سوف يعاملهم بالمعاملة التي عاملوه بها، فقد أخرجوه وكذبوه وشتموه وآذوه وظنوا أنه كالبشر الذين فعلوا ما علمتم في التاريخ.

    هتلر يوم دخل الشرق ماذا فعل؟

    و نابليون يوم دخل الدول العربية ماذا صنع؟

    ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم من نوع آخر، رباه الله وعلَّمه وأدبه؛ فقال: {اذهبوا فأنتم الطلقاء! عفا الله عنكم} فزاد البكاء بكاءً، وقام أبو سفيان يقول: الله ما أرحمك! الله ما أوصلك! الله ما أبرك! الله ما أكرمك!

    ولما أتت صلاة الظهر قام صلى الله عليه وسلم وأخذ بحلق الكعبة وقال: {الحمد لله الذي نصر عبده -اسمعوا للنصر التاريخي العظيم- وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده. ثم قال: قم يا بلال أذن. فقام بلال فارتقى الكعبة} وكانت مقصودة من الرسول صلى الله عليه وسلم.

    كان من الممكن أن يدعو أبا بكر أو عمر لكن قال: قم يا بلال، يا من سحب على الرمال! يا من أوذي بالصخور! يا من تعرض للإهانة والإساءة! يا من كان هؤلاء لا يقيمون له وزناً! أخبرهم أن هذا الدين يرفع المولى، ويعز الضعيف، ويعرف قيمة الإنسان؛ فقام وهم ينظرون إليه، أهذا هو العبد الأسود الذي كان معنا نمتهنه كما نمتهن الدابة؟!

    أهذا هو الخادم يرتقي على الكعبة؟! فيقوم ويطلق: الله أكبر؛ فيرتج المسجد الحرام بالبكاء.

    إنه نصر عظيم! وإنه صوت عجيب! وإنه فتح كبير! ويعود حتى يقول صفوان بن أمية: ما كنت أظن أن الحياة تطول بي حتى أرى هذا الغراب ينادي من على الكعبة.

    ولكن سوف يعلم لمن الرفعة عند الله عز وجل.

    وفي صحيح البخاري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {دخلت الجنة البارحة فسمعت دف نعلك يا بلال، فماذا كنت تصنع؟ قال: يا رسول الله! ما كنت كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة -أي: في النوافل- لكن ما توضأت وضوءاً إلا صليت بعده ركعتين}.

    بلال بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم

    توفي صلى الله عليه وسلم وكان من أحب الناس إليه بلال، ومن أندى الأصوات لديه صوت بلال، فلما أتى أبو بكر قال: أذن يا بلال؟ قال: والله لا أؤذن لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له أبو بكر: لم لا تؤذن؟

    قال: ما كنت أرفع صوتي مؤذناً إلا له صلى الله عليه وسلم، ثم استأذن أبا بكر أن يخرج إلى الشام فقال أبو بكر: لا آذن لك.

    قال بلال: إن كنت أعتقتني لوجه الله؛ فاتركني أخرج للشام للجهاد -و أبو بكر يريد أن يستأنس بـبلال وهو معه- وإن كنت أعتقتني لنفسك؛ فلك ما ترى وسوف أبقى؛ فدمعت عينا أبي بكر رضي الله عنه، وقال: أعتقتك لوجه الله فاخرج. فخرج إلى الشام، وبقي هناك، وفي بعض السير أنه رأى -وهو في حمص - الرسول صلى الله عليه وسلم في المنام فقال: هجرتنا يا بلال من الزيارة، فقام يبكي في الليل وشد راحلته وأتى المدينة -ولو أن في هذا السند ضعفاً لكنه جبر بطرقه- فقدم فلما وصل المدينة رآه الصحابة فكأنهم يرونه لأول مرة، فعانقوه وهم يبكون، ولما فتح عمر رضي الله عنه بيت المقدس قال: يا بلال! قم أذن للظهر. فقد فتح بيت المقدس. قال: اعفني يا أمير المؤمنين! قال: سألتك بالله أن تؤذن. فقام فأذن قالوا: فما بقيت عين إلا بكت ذاك اليوم.

    هذا بلال رضي الله عنه، أحد أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ومن أهل الحبشة الذين نعيش معهم ونسمع إلى أخبارهم ومراسيمهم وإلى عيدهم أمام الرسول صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    حديث عائشة والجاريتين

    مجمل قصة الحديث تقول عائشة: (دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم العيد) وهو من أول الأعياد في حياته صلى الله عليه وسلم (فلما دخل صلى الله عليه وسلم وجد جاريتين عند عائشة تغنيان ) وفي رواية صحيحة: (وليستا بمغنيتين، لكن تكلفتا الغناء) فليس عندهن عود ولا ناي ولا طبل ولا وتر، وإنما ترزفان وتنشدان بصوتيهما.

    غناء الأنصار يوم بعاث

    {فدخل صلى الله عليه وسلم فاضطجع وحول وجه إلى الحائط} ترك المغنيتين وترك عائشة ولم ينكر صلى الله عليه وسلم ولكنه لم يستمع، فحول وجهه صلى الله عليه وسلم إلى الحائط، وواصلت المنشدتان تغنيان بغناء الأنصار يوم بعاث، وهو مكان حول المدينة حدثت فيه معارك رهيبة بين الأوس والخزرج، والله يمتن على الأوس والخزرج وعلى غيرهم فيقول: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:63].

    لقد كانوا متناحرين ومتباغضين وهم كلهم من الأزد وهم أبناء عم، لكن أورث الشيطان بينهم حقداً حتى قالت عائشة: وكان يوم بعاث يوماً الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، لماذا؟

    وذلك أن من حكمة الله قبل أن يبعث الرسول صلى الله عليه وسلم أو يهاجر إلى المدينة تقاتل الأوس والخزرج فسفكوا عظماءهم جميعاً، وبقي الشباب وبعض الشيبة، ولو بقي هؤلاء العظماء ما قبلوا الإسلام، فالله عز وجل مهد هذا اليوم فصفي فيه الحساب بينهم، قتل فيه رئيس الخزرج عمرو بن النعمان وكذا رئيس الأوس حضير والد أسيد وهو من الأوس، وقتلت فيه الأسر الشهيرة حتى قدم صلى الله عليه وسلم وأكثرهم شباب، فتقبلوا هذا الدين وعاشوا معه وأخلصوا له.

    وكان اليهود إذا أرادوا أن يحركوا الضغينة فيما بين الأنصار أو يوقدوا نار الفتنة ذكروهم بيوم بعاث، فإذا سمعوا يوم بعاث فكأنها النار أشعلتها بوقود.

    حتى أن شاس بن قيس وهو تاجر يهودي خبيث أتى في المسجد والأنصار جلوس فغاظه أنهم مجتمعين، الأوسي بجانب الخزرجي إخواناً متحابين في الله عز وجل، ألف الإسلام بينهم، يتضاحك بعضهم إلى بعض في إخاء ما شهد التاريخ مثله، فأتى اليهودي فجلس بجانبهم وقال لرجل من الأوس: ماذا يقول شاعر الخزرج يوم بعاث؟ قال: يقول كذا وكذا.

    قال للخزرجي: ماذا يقول شاعر الأوس يوم بعاث؟

    قال: يقول كذا وكذا؛ فأخذتهم النعرة والحمية، فقام ابن الأسلت وحسان فأنشدوا شعراً كل يسب قبيلة الآخر، فنادى رجل من الأوس: يا معشر الأوس! السلاح السلاح -وهذا أورده ابن جرير في تفسيره - فأخذوا السيوف وقالوا: موعدنا الحرة وهي ضاحية في المدينة، يريدون أن يصفوا الحساب مرة ثانية، والغضب قد دخل رءوسهم، والشيطان قد وسوس لهم حتى نسوا تعاليم الدين، فقاموا وأخذوا يتنادون بالسيوف. والأنصار من أشجع الناس، حتى قتل منهم في معارك الإسلام (80%) وما مات منهم موتاً إلا (20%) حتى يقول حسان:

    فنحكم بالقوافي من هجانا     ونضرب حين تختلط الدماء

    وكان بعض الأنصار إذا لقي المعركة؛ فقد شعوره كـالبراء بن مالك، حتى قال عمر: [[لا تولوه المعركة؛ فإنه سوف يحطم المسلمين حطماً]].

    ومن الأنصار أبو دجانة كان إذا أتت المعركة أخرج عصابة حمراء وعصب رأسه؛ فقال الناس: افتحوا لـأبي دجانة طريقاً فقد أخرج عصابة الموت.

    فخرجوا رضوان الله عليهم، فصف الأوس في صف، وصف الخزرج في صف وسلوا السيوف، وأتى الخبر الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في بيته، وإذا الصائح يصيح وإذا البكاء يرتفع، وقالوا: يا رسول الله! أدرك الأوس والخزرج لا يقتتلوا هذا اليوم. قال: ولم؟ قالوا: أوشى بينهم شاس بن قيس حتى ورث بينهم الضغينة، وقد تواعدوا في الحرة الآن؛ فقام صلى الله عليه وسلم حافياً، فما انتعل من السرعة، خرج يجر إزاره، ومعه أبو بكر وعمر وكثير من المهاجرين، حتى وقف صلى الله عليه وسلم بين الصفين، فذكرهم بالله واليوم الآخر، وقال: ألم آت وأنتم ضلال فهداكم الله بي؟ متفرقون فجمعكم الله بي؟ ثم ذكرهم حتى بكوا، ثم تركوا السيوف وتعانقوا وهم يبكون فأنزل الله في ذلك: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا [آل عمران:103]

    فلما سمعوا قول الرسول صلى الله عليه وسلم كأنهم سمعوه لأول مرة:

    إذا اقتتلت يوماً ففاضت دماؤها     تذكرت القربى ففاضت دموعها

    فتعانقوا والرسول صلى الله عليه وسلم معهم، وعادوا إلى المدينة إخواناً متحابين، فهذا الموقف على ذكر يوم بعاث الذي ذكرته عائشة.

    إنكار أبي بكر على الجاريتين

    {فاضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الفراش وحول وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني} وكان أبو بكر رجل فيه حدة، حتى يقول عمر: [[كنت أراعي حدة في أبي بكر]] وقد علم الله إخلاصه وصدقه وإنابته وعبوديته، فرفعه فأصبح أفضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك يقول عمر: [[لما ذهبنا إلى سقيفة بني ساعدة -لما مات صلى الله عليه وسلم- وخفنا أن يختلف الناس علينا؛ زورت كلاماً في صدري، لأخطب في الأنصار به، وخفت أن يسبقني أبو بكر؛ لأنه كان مشغولاً وما تهيأ أبو بكر، قال: فلما جلسنا أردت أن أتكلم وكنت أراعي حدة في أبي بكر، فلما أردت الحديث رفض أبو بكر رضي الله عنه واعترض على عمر قال: فتكلم فوالله ما ترك كلمة زورتها في صدري إلا أتى بأحسن منها!]] وهو من أخطب خطباء العرب على الإطلاق، ومن أنسب أنسابهم ومن أفصح فصحائهم، اسمعوا إلى الكلمة اللينة، الأنصار في سقيفة بني ساعدة هموا بالاختلاف، وسبب اجتماعهم أنهم يريدون أن يكون الخليفة من الأنصار، وسعد بن عبادة كأنه الرجل المتوج للخلافة، فكأنهم يشيرون ويلوحون ولا يصرحون بتسليم الخلافة له، فلما أتى أبو بكر اندفع في الكلام وقال: [[يا معشر الأنصار! نحن الأمراء وأنتم الوزراء، قدمنا الله في القرآن وثنى بكم، نحن أقرب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم نسباً وأقرب داراً والعرب لا تجتمع لحي إلا لحينا، ثم قال: يا معشر الأنصار! جزاكم الله عنا خير الجزاء، واسيتم وكفيتم وآويتم]].

    ذكر ذلك الإمام الشافعي يقول: حدثني الثقة أن أبا بكر قال في سقيفة بني ساعدة: واسيتم وكفيتم وآويتم، والله ما مثلنا ومثلكم إلا كما قال طفيل الغنوي:

    جزى الله عنا جعفراً حين أشرفت     بنا نعلنا في الشارفين فزلت

    هم خلطونا بالنفوس وألجئوا      إلى غرفات أدفأت وأظلت

    أبوا أن يملونا ولو أن أمنا     تلاقي الذي يلقون منا لملت

    فلما سمعوا هذا الكلام بايعوا أبا بكر بالخلافة رضي الله عنه وأرضاه.

    الشاهد هو في حدة أبي بكر، حتى يقول رضي الله عنه وأرضاه في اليوم الثاني من توليه الخلافة، الذي كان إعلاناً عاماً وخطبة عامة وبياناً عاماً للمسلمين في توليه الخلافة؛ لأنه في اليوم الأول لم يستطع أن يتكلم رضي الله عنه وأرضاه، فقد انصدع من البكاء على المنبر، تذكر الرسول صلى الله عليه وسلم وتذكر تلك الأيام والذكريات فما استطاع أن يتكلم، فقام عمر رضي الله عنه فتكلم كلمة أبي بكر في اليوم الأول، ومجد أبا بكر وذكر مناقبه.

    وفي اليوم الثاني تكلم أبو بكر وقال: [[يا أيها الناس: إن لي شيطاناً يأتيني -وكل إنسان له شيطان- فالله الله لا أمسَّن أبشاركم]] (أي لا أضربكم) يخاف من الحدة أن ينال منهم رضي الله عنه وأرضاه.

    وفي كنز العمال منسوباً إلى السير: أنه رضي الله عنه وأرضاه جاءته إبل الصدقة يريد أن يوزعها في مصارفها، فقال لرجل من الناس: لا يدخل علي أحد ثم قال: يا عمر! ادخل معي. فدخل عمر رضي الله عنه وأما هذا الحارس فغفل، فدخل أعرابي بخطام معه، فقال أبو بكر رضي الله عنه: من أدخلك؟ وأخذ الخطام وضربه، فقال: اعطني من مال الله الذي عندك، فقال أبو بكر: أستغفر الله، اقتص مني. قال عمر: والله لا يقتص منك. قال: لماذا؟ قال: تجعلها سنة، كلما أدبنا أحد أو عزرنا أحد قال: أقتص منكم!! لكن أعطه من المال؛ فأعطاه ناقة وأخرجه من إبل الصدقة.

    تقول عائشة: {فانتهرني} أبو بكر -له أن ينتهرها لأنها ابنته- حتى في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم تأخر عن الناس في صلاة العشاء فمر أبو بكر فقال: الصلاة يا رسول الله. انظر إلى تواضعه صلى الله عليه وسلم! في الصحيحين أن عمر رضي الله عنه يأتي في المسجد في صلاة العشاء وينظر إلى الصفوف ممتلئة وهم ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد نعس هذا ونام هذا وخفق رأس هذا، فخرج عمر وأتى إلى باب الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: الصلاة يا رسول الله، نام النساء والصبيان.

    والآن بعض الناس لشدة تعامله وعنفه لا يرضى هذا الكلام، أتخاطبني وتقول لي هذا الكلام؟! من أنت حتى تناديني من عند باب بيتي؟ لكن الرسول صلى الله عليه وسلم قام وصلى بالناس، فثبت أن أبا بكر مر ببيته صلى الله عليه وسلم فقال: الصلاة يا رسول الله. فسمع حفصة وعائشة يرفعان صوتيهما على رسول الله يطالبانه بالنفقة، فقال: يا رسول الله! احث في وجوههن التراب وقم صل بالناس؛ فتبسم صلى الله عليه وسلم وقام يصلي بالناس؛ لأنه كما وصفه الله وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4].

    ويقول: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159] بل ثبت أنه صلى الله عليه وسلم شكا إلى أبي بكر من عائشة فدخل أبو بكر وعنف عائشة وأخذ يغمزها بيده فأخذ صلى الله عليه وسلم يمنعها ويحميها، فلما خرج أبو بكر قال: {أما رأيتي كيف منعتك من أبيك؟!} صلى الله عليه وسلم.

    فهنا أتى فدخل عليها فانتهرها، والرسول صلى الله عليه وسلم مضطجع، وظن أبو بكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم نام، فقال: { مزمارة الشيطان عند النبي صلى الله عليه وسلم!} يقول: هذا الغناء تغنيه في بيت الرسول صلى الله عليه وسلم؟ { فأقبل عليه صلى الله عليه وسلم والتفت إليه وقال: دعهما -وفي لفظ صحيح- فإن لكل قوم عيد وهذا عيدنا} دعهما فإن هذه مناسبة عامة، وسوف يأتي كلام مفصل عن هذه المسألة في هذه الناحية.

    قالت عائشة: [[فلما غفل غمزتهما فخرجتا]] فـعائشة كانت هي خائفة من أبيها وكذلك أرادت أن تقر كلام الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يليق بها بعد أن قال صلى الله عليه وسلم: دعهما، أن تقول: اخرجا، لكن لما غفل رسول الله صلى الله عليه وسلم غمزتهما فخرجت الجاريتان.

    لعب الأحباش في المسجد يوم العيد

    قالت عائشة: وكان يوم عيد، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين، والناس كانوا يجتمعون في المصلى قبل أن يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان إذا خرج لبس أحسن لباس، والمسلم عليه أن يعتني بالمناسبات الإسلامية، بعض الناس في الزواج والأعياد وفي الرحلات يلبس من أحسن اللباس، فإذا أتى يوم الجمعة أتى بثوب النوم! فهل هذا يليق؟! يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف:31] عند كل صلاة، فالواجب إظهار القوة والعظمة والروعة والجمال والطيب في المناسبات والأعياد الإسلامية.

    يقول ابن عباس: {رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في حلة حمراء يوم عيد فوالذي نفسي بيده ما رأيت أجمل منه}. كان الرسول صلى الله عليه وسلم يلبس في المناسبات أحسن الثياب، عندما يكون مع أهله يلبس ثياب الابتذال أي ثياب البيت، ويوم الجمعة يلبس أرقى لباس، وفي المعركة يلبس الدروع صلى الله عليه وسلم.

    البس لكل حالة لبوسها     إما نعيمها وإما بؤسها

    فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد إلى المسجد ودخل المدينة، وإذا بهؤلاء النفر والثلة تستعرض أمامه صلى الله عليه وسلم، وهل ضاقت بهم الأرض حتى يعرضون ويلعبون بالحراب، في المسجد؟! وكانوا من أرمى الناس، وكان وحشي الذي قتل حمزة منهم، فكانوا يهزون الحربة حتى يرضون عنها فيرمونها فلا تغادر مقتلاً إلا أصابته.

    أما أناشيدهم فيقولون كما في المسند وغيره محمد عبد صالح، محمد عبد صالح. يقولون هذا الرسول صلى الله عليه وسلم هو رسول البشرية ومعلم الإنسانية!

    ألم تر أن السيف ينقص قدره     إذا قيل إن السيف أمضى من العصا

    أنت إذا أتيت تمدح عظيماً من العظماء فتقول له: أنت إنسان، ليس هناك مدح، أو أنك أتيت إلى كريم، فقلت له: أنت رجل. ليس هناك طائل. وهنا كيف يقولون: محمد عبد صالح! بل هو سيد الصالحين صلى الله عليه وسلم، فأخذ صلى الله عليه وسلم يتبسم، وفي رواية في الصحيح: {فلما رآهم عمر - عمر رضي الله عنه دائماً يغير هذه الأمور المخالفة- أخذ حصباء من المسجد ورماهم، وقال: أفي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فالتفت فإذا به يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوقف} مادام أن الرسول صلى الله عليه وسلم موجود هنا فالأمر يقتضي استفتاءه صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {دعهم -يا عمر - ليعلموا أن في ديننا فسحة -وفي لفظ صحيح- دعهم لتعلم يهود أن في ديننا فسحة} أي: هناك يسر وسهولة وسماحة في ديننا؛ فتركهم.

    انظر إلى تكملة القصة.. فقال صلى الله عليه وسلم: {أتشتهين تنظرين؟ (أي يقول لـعائشة: أتشتهين تنظرين إلى هذا العرض؟) قالت: نعم. قالت: فأقامها صلى الله عليه وسلم وراء ظهره وجعلت خدها على خده، وهي تنظر إليهم، حتى قال لها: أرضيتي؟ قالت: نعم.} فقام صلى الله عليه وسلم وقامت وبادرت بالحجاب.

    1.   

    مسائل من حديث لعب الأحباش وغناء الجاريتين

    هذا مجمل القصة وفيها مسائل:

    معرفة أعياد المسلمين والأعياد البدعية

    المسألة الأولى: ما هي أعياد المسلمين وما هي الأعياد البدعية؟ وأحسن من كتب في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم، ذاك الكتاب العجيب، الذي هو قنبلة على رأس كل ملحد وبدعي وشركي ومعطل.

    وأعياد المسلمين: عيد الفطر وعيد الأضحى، ليس للمسلمين عيد إلا هما. قال أنس: لما قدم صلى الله عليه وسلم كان للأنصار أعياد في الجاهلية فقال: {إن الله عز وجل أبدلنا بيومين خير من أعيادكم: يوم تفطرون من صيامكم ويوم تضحون} فعيد الأضحى وعيد الفطر هما عيدا المسلمين وليس لهم أعياد غيرهما، ومن ابتدع مناسبة وعظمها وقدسها فقد أخطأ وابتدع، فلا عيد للمرأة ولا للرجل غير عيد الفطر وعيد الأضحى، ولا عيد للمولد، فيأتون بإنسان قد يكون ملحداً أو فاجراً ويقيمون له عيد ميلاد، ويذكرون حسبه ونسبه، وماذا أكل وشرب، وكيف ينام ويقوم، ولا له أثر في الدنيا أبداً! فليس هناك أعياد إلا هذين العيدين، وأما عيد الجمعة فهو عيد على المجاز، وإلا فمناسبة العيد ليس إلا عيد الفطر وعيد الأضحى فقط.

    والأعياد البدعية كيوم النيروز، وهو يوم لأهل فارس يعظمونه، وعيد الميلاد، وعيد المرأة، وغيرها من هذه الكلمات التي جعلها الناس مناسبات وهي ليست بمناسبات.

    فأعيادنا: عيد الفطر وعيد الأضحى حرام صيامهما، فلا يصومهما المؤمن أبداً، سواء كان عليه قضاء أو نذرٌ أو يريد تنفلاً، بل له أن يتزين ويتجمل ويتطيب وأن يروِّح عن نفسه، وسوف يأتي الكلام عن الترويح المباح ما هو، وما هي المناسبة التي تجري في مثل هذه الأعياد.

    مظاهر الفرح يوم العيد

    الأمر الثاني: الفرح يوم العيد:

    الفرح يوم العيد كإنشاد الشعر الذي لا يصاحبه طبل ولا مزمار ولا دف ولا ناي، والفرح يوم العيد كالرحلة والنزهة، والفرح يوم العيد كزيارة الأقارب، وبعض المزاح المباح والدعابة الطيبة، وإظهار التوسعة على الأهل من الكسوة والمطعم والنزهة وغير ذلك.. هذا هو الفرح الذي نص عليه أهل العلم.

    حكم الغناء في الشريعة الإسلامية وأضراره

    الأمر الثالث: حكم الغناء في الإسلام:

    تقول عائشة هنا: تغنيان؛ فهل الغناء وارد وجائز أم لا؟

    أما قولها في الحديث: {تغنيان} تبين هذه الرواية رواية {وليستا بمغنيتين} أي: لا تجيدان الغناء، والغناء في الإسلام هو الغناء الذي يصاحبه وتر أو طبل أو ناي أو مزمار فهو حرام نص عليه الرسول صلى الله عليه وسلم على تحريمه، وفي القرآن ما يشير إلى ذلك قال أعز من قائل: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً [لقمان:6].

    قال ابن مسعود في "لهو الحديث": أقسم بالله إنه الغناء، وفي صحيح البخاري عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف} واستحلالها أي: بعد التحريم، فهي محرمة إذاً.

    وقوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ [الإسراء:64] قال بعض أهل العلم: أي بالغناء. والغناء كما يقول ابن مسعود: [[ينبت النفاق في القلب كما ينبت البقل من المطر]] فحرام على المؤمن أن يسمع أذنيه الغناء الذي يصاحبه وتر أو عود أو ناي أو غيرها من الآلات الموسيقية، فإن كان من المرأة؛ فهو أشد تحريماً وأغلظ قبحاً وأشد سوءاً، نسأل الله العافية والسلامة.

    ومن أضرار الغناء: أنه يصد عن ذكر الله عز وجل، ويعمي القلب، ويشغل عن الطاعة، ويفوت المقصود، ويحبب الجريمة من الزنا، والفاحشة. قال عمر بن عبد العزيز لأبنائه: [[إياكم والغناء فإنه بريد الزنا]] وقال ابن القيم في كتاب مدارج السالكين: الغناء بريد الزنا، فما استمعه إنسان وداوم عليه إلا حبب إليه الفاحشة وهون عليه حدود الله عز وجل، وحمله إلى أن يقترف المعصية إلا من عصم الله. وقال عقبة بن عامر لأبنائه: إياكم والغناء؛ فإنه يشغل عن كتاب الله عز وجل ويصد عن طاعته.

    ومنها: أنه يزرع النفاق في القلب، فإن الذي يستمع الغناء صباح مساء يوجد فيه شعبة من النفاق العملي، فهو يظهر للناس الخير ويبطن السوء من كثرة ما استمع.

    ومنها: أنه يوجد وحشة بين العبد وبين الله عز وجل، فلا يجد أنساً بذكر الله، ولا أنساً بقراءة القرآن كما قال ابن القيم:

    قرئ الكتاب فأنصتوا لا خشيةً      لكنه إنصات لاغ لاه

    وأتى الغناء فكالحمير تراقصوا     والله ما سجدوا لأجل الله

    فأهل الغناء يجدون من روعة صوت الغناء ما لا يجدون في القرآن، حتى إذا أتيت بأحسن مقرئ وأجمل صوت وقراءة حزينة مبكية لا يتأثرون ولا يبكون، فإذا سمعوا الغناء هشوا وبشوا وارتاحوا له.

    فهذه أضرارا الغناء التي نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين حكمها.

    حكم الأناشيد والفرق بينها وبين الأغاني

    هناك فرق بين الغناء وبين النشيد، والنشيد الإسلامي مباح إذا خلا من ثلاثة أمور:

    الأمر الأول: ألا يصاحبه دف ولا طبل ولا مزمار ولا ناي ولا وتر ولا أي آلة من آلات المعازف، فإن صاحبه شيء من ذلك فهو حرام؛ لأنه استحلال للآلات بعد تحريمها.

    والأمر الثاني: ألا يكون الشعر الذي ينشد به شعر مجون وغزل يحبب الفاحشة والجريمة فإنه حرام.

    والأمر الثالث: ألا يُسرف فيه، ولا يكثر ولا تضيع فيه الأوقات؛ لأن بعض الناس لما فتح باب إباحة النشيد؛ أنشد وهو قائم وهو قاعد وفي المخيم وفي خارج المخيم وفي السفر وفي الحضر، وفي الحافلة! حتى لم يترك للقرآن مكانة ولا وقتاً يقرأ فيه، فالنشيد إنما يؤخذ منه بقدر الحاجة، يجعل في فترة ترويح؛ لأنه ليس بعلم ولا فقه ولا مسائل حلال ولا حرام، وإنما هو ترويح يؤخذ بقدر الحاجة. والصحيح أن الصحابة أنشدوا، وقد استمع صلى الله عليه وسلم للنشيد، لكنه صوت بلا مزمار، ولذلك كان له صلى الله عليه وسلم مولى اسمه أنجشة، والموالي في الغالب أصواتهم حسنة، والسبب في الحداء هذا أن العرب تحدو للبعير إذا أرادوا أن يسافروا مع الجمال حدوا لها، أي: أنشدوا للجمال فتهز رءوسها وتقطع المسافات ولو كانت هلكى من الجوع.

    قال ابن قتيبة في عيون الأخبار يروي عن الأصمعي قال: دخلت خيمة رجل من الأعراب فوجدت عنده جمالاً قد ماتت وهي حول الخيام -على ميمنة الخيمة وعلى ميسرتها- فقلت: ما هذه؟ قال: سلط الله عليَّ هذا العبد، وفعل الله به وصنع، وقد ربطه في طرف الخيمة. قلت: وماذا فعل؟ قال: أنشد إبلي من البارحة حتى قطعت كبودها تسعى حتى وصلت إلى البيت ثم ماتت..!

    وهذا صحيح فإن ابن عباس رضي الله عنه قال: [[أول ما عرف الحداء عن العرب أن غلاماً لـعبد المطلب جد الرسول صلى الله عليه وسلم سافر معه إلى الشام، فضرب عبد المطلب الغلام، فأخذ الغلام يبكي ويترنم في البكاء، فأخذت الإبل تهز رءوسها فعرف أن الإبل تتحرك مع الحداء]] وهذا موجود ومعروف عند العرب، فإن الجمل إذا كلَّ وملَّ أنشدوا له؛ فارتاح وتعجب وانبسط وانشرح صدره، ولذلك يقول عمر كما في مناقبه لـابن الجوزي في كتاب المناقب: [[أنشدوا لنا في السفر فإنه زاد المسافر. قال: فلما أنشد أقبل عليه الصحابة، فتركهم حتى تفرقوا فقرأ في سورة الذاريات فما أقبل عليه أحد قال: عجيب! أنشد النشيد فتقبلون وأقرأ القرآن فلا تقبلون!]] وقد طلب عمر رضي الله عنه النشيد، فإنه ثبت عنه أن دخل عليه متمم بن نويرة أخو مالك فقال: [[يا متمم! ماذا قلت لأخيك؟ يا ليتني كنت شاعراً فأرثي أخي! والله ما هبت ريح الصبا إلا جاءتني ريح أخي من اليمامة]] أخوه هو زيد بن الخطاب، أسلم قبل عمر واستشهد قبل عمر، وخرج لقتال مسيلمة الكذاب الدجال الأثيم فقتل هناك، يوم يبعثه الله من تلك الجبال من اليمامة يشهد أن لا إله إلا الله ويشهد أنه قاتل في سبيل الله، وعاد خالد من اليمامة، واستقبل أبو بكر وعمر الجيش فلما رآهم واستعرضهم، التفت عمر إلى زيد، وكان رجلاً طوالاً عله أن يجده في الصفوف فلم يجده فانصرع يبكي رضي الله عنه وأرضاه.

    فيقول لـمتمم: ماذا قلت في أخيك؟ لأن أخاه مالك بن نويرة قتله خالد بن الوليد، فقال فيه من أعجب الأبيات عند العرب، حتى قال الأصمعي: أم المراثي هي قصيدة متمم يقول فيها:

    بكت عيني اليمنى فلما زجرتها     عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا

    فليت المنايا كن خلفن مالكا      فعشنا جميعاً أو ذَهَبْنَ بنا معا

    وكنا كندماني جذيمة برهة     من الدهر حتى قيل لن يتصدعا

    وعشنا بخير في الحياة وقبلنا     أصاب المنايا رهط كسرى وتبعا

    فلما تفرقنا كأني ومالكاً      لطول اجتماع لم نبت ليلة معا

    فبكى عمر وقال: [[يا ليتني كنت شاعراً فأرثي أخي]].

    وفي الأدب المفرد للبخاري رحمه الله بسند حسن قال الأسود بن سريع: {ركبت وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم على الراحلة فقال: أتحفظ شيئاً من شعر أمية قلت: نعم. قال: أنشدني. قال: فأنشدته بيتاً فقال: هيه! فأنشدته الثاني فقال: هيه! حتى أنشدته مائة بيت، ثم قال صلى الله عليه وسلم: آمن لسانه وكفر قلبه}.

    وفي بعض الروايات أن عمرو بن الشريد هو الذي أنشد الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وعند الطبراني في المعجم الكبير عن الأسود بن سريع قال: {وفدت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله! إنني مدحت ربي بقصيدة؛ فتبسم صلى الله عليه وسلم وقال: أما إن ربك يحب المدح} إي والله.. الله عز وجل يحب المدح، صح من حديث ابن مسعود عند مسلم: {ولا أحد أحب إليه المدح من الله ولذلك مدح نفسه} أما قال الله: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:1-4]؟

    أما قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:1]؟ أما قال بعد أن دمر الأمم الكافرة: فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:45]؟

    فالله يحب المدح، ولذلك من كان ينظم شعراً فليمدح الله عز وجل وليكثر من الثناء عليه.

    وفي البداية والنهاية لـابن كثير أن الشاعر العباسي أبا نواس لما توفي رئي في المنام، فقالوا: ماذا فعل الله بك؟ قال: كدت أهلك فغفر الله لي. قالوا: بماذا؟ قال: نظمت قصيدة وصفت فيها النرجسة ومدحت الله في القصيدة فغفر لي. ذكره ابن كثير في سورة البقرة لمن أراد أن يعود، وذكره في ترجمة أبي نواس في البداية والنهاية، وهي أبيات جميلة في مدح النرجسة يقول في بعضها:

    تأمل في نبات الأرض وانظر     إلى آثار ما صنع المليك

    عيون من لجين شاخصات     بأحداق هي الذهب السبيك

    على قضب الزبرجد شاهدات      بأن الله ليس له شريك

    غفر الله له بإعلانه الوحدانية في هذه القصيدة.

    إذاً: الشاهد الذي حدت عنه واستطردت هو عن أنجشة وكان مولى للرسول صلى الله عليه وسلم، فطلب منه الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحدو، فقام يحدو بنشيد من أناشيد العرب؛ فأخذت الإبل تهرول والنساء عليهن، فكدن يسقطن فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: {رويداً يا أنجشة بالقوارير}.

    أي: خفف الصوت حتى لا يسقطن النساء وهن في الهودج من على الجمال.

    وفي الصحيحين أن عبد الله بن رواحة رضي الله عنه وأرضاه كان ينشد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في المعركة، وينشد يوم المعمعة ويوم السعة، يقول:

    والله لولا الله ما اهتدينا     ولا تصدقنا ولا صلينا

    فأنزلن سكينة علينا     وثبت الأقدام إن لاقينا

    ثم كان ينشد الرسول صلى الله عليه وسلم فيقول:

    فثبت الله ما آتاك من حسن     تثبيت موسى ونصراً كالذي نصرا

    فقال صلى الله عليه وسلم: وإياك فثبت.

    ولما أتته المنية نزل من على فرسه واقتحم وأخذ الراية وقال:

    أقسمت يا نفس لتنزلنه

    لتنزلن أو لتكرهنه

    إن أقبل الناس وشدوا الرنة

    مالي أراك تكرهين الجنة

    هل أنت إلا نطفة في شنة

    إلى آخر تلك الأبيات، فالنشيد الخالي من المجون والإسراف وآلات اللهو لا بأس به إذا اقتصد فيه كما مر.

    وعند ابن عبد ربه صاحب العقد الفريد -وهي ليست مراجع أصيلة لكن أوردها كالزهرة تشم ولا تعك- وعند ابن قتيبة في عيون الأخبار أن عمر رضي الله عنه وأرضاه مر بغلامين له يرعيان ناقة (راعيان على ناقة واحدة) فقال عمر: ماذا تفعلان هنا؟ قالا: نرعى هذه الناقة. قال: أعيدا علي النشيد الذي كنتما تنشدانه آنفاً. فخجلا وخافا واستحيا. قال: عزمت عليكما إلا أنشدتما. فبدأ أحدهما ينشد ثم أنشد الآخر فإذا أصواتهما لا تحسن ولا ترفع ولا تشرح، فقال عمر: [[أنتما كحمار العبادي]]. والعبادي هذا كان له حماران قيل له: أيهما أخس؟ قال: هذا ثم هذا. ثم قال: أراعيان على ناقة؟!

    فالمقصود: أن الصوت الحسن يستأنس به؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: {ليس منا من لم يتغن بالقرآن} ومعنى التغني: تحسين الصوت، وما أذن الله لأحد كما أذن لقارئ حسن الصوت أن يتغنى بالقرآن، قال ابن تيمية: معنى أذن: استمع، (وأذنت لربها وحقت) معناها: استمعت. وتحسين الصوت مطلوب في الصلاة، ولا يقول الإنسان هذا من التكلف بل عليه أن يحسن صوته ما استطاع، فإن أبا موسى -كما في الصحيحين - يقول: {لو أعلم أنك يا رسول الله تستمع لقراءتي لحبرته لك تحبيراً} أي: القرآن.

    وأنشد الموالي والجواري عنده:

    طلع البدر علينا     من ثنيات الوداع

    إلى آخر القصيدة.

    وفي السنن : [[w=8002498>أن أنساً رضي الله عنه وأرضاه دخل على أخيه البراء بن مالك، فوجده قد رفع رجلاً على رجل، وينشد ويرفع صوته وعقيرته في البيت، فقال: أتنشد وأنت من علية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: اسكت، والله لقد نشدنا عند رسول الله]].

    هذا البراء الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: {رب أشعث أغبر ذي طمرين -ثوبين ممزقين- لو أقسم على الله لأبره} فلما جاءت معركة تستر قالوا: يا براء! أقسم على ربك أن ينصرنا هذا اليوم. قال: انتظروني قليلاً، فنزل فاغتسل وتحنط وتكفنّ وقال: [[اللهم إني أقسم عليك هذا اليوم أن تنصرنا وأن تجعلني أول قتيل في المعركة ]] فكان أول من قتل وكان النصر مع المسلمين.

    وفي صحيح البخاري في كتاب الأدب وفي كتاب الطب أن عائشة رضي الله عنها وأرضاها أتت تزور أباها وبلالاً، وقد أصابتهم حمى المدينة؛ لأنهم عندما وصلوا المدينة أصابتهم حمى، والحمى تحدث عند المرء شبه الوسوسة والهلوسة من كثرة ما تهزه وترجه، فيتكلم بكلام لا يعيه، فدخلت عائشة تزور بلالاً فسلمت عليه وقالت: يا بلال! كيف تجدك؟ فرفع صوته وكان صوته جميلاً وقال:

    ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة     بواد وحولي إذخر وجليل

    وهل أرِدن يوماً مياه مجنة     وهل يبدون لي شامة وطفيل

    وهذه جبال في مكة، يقول: أيا ليتني أصحو من هذا الحمى وأعود إلى مكة، فتركته وأتت إلى أبي بكر وقالت: كيف تجدك يا أبتاه؟ قال:

    كل امرئ مصبح في أهله     والموت أدنى من شراك نعله

    رضي الله عنهم وأرضاهم.

    حكم ضرب الدف للنساء

    المسألة الخامسة في هذا الدرس: ضرب الدف للنساء

    ما هو حكم ضرب الدف؟ وهل هو وارد أم لا؟

    أما ضرب الدف ففي السنن وغيرها أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: {أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدف} وهذا للنساء، فإن للنساء في مناسبات الأعراس والأعياد أن ينشدن ويغنين ويضربن بالدف. أما الغناء الذي يحدث في بعض الأماكن: أن تأتي مغنية عاهرة فاجرة خسيسة خبيثة تجر القبح والزنا والفاحشة وتغني وتضرب الوتر فهذا حرام، وهذا أمر يغضب الله عز وجل، ولا يرضي رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو أمر منكر وجريمة شنعاء.

    لكن أن يجتمع النساء في مكان لا يخالطهن ولا ينظر إليهن رجال، فيأخذن دفاً ويصفقن ويغنين وينشدن ويرقصن فلا بأس بذلك، بل قد يكون من السنة، فلا يتشدد الإنسان لكثرة الحرص حتى يخرج من السنة، فلا ينكر الإنسان أن تفعل النساء مثل هذا الفعل بل عليه أن يكون مع السنة، وأن يكون مع سيرته صلى الله عليه وسلم مسهلاً ميسراً، فالدف للنساء وليس للرجال، ولا يرى أهل العلم لهذه الأدلة أن الرجل يقف بطوله وعرضه ويرقص على الدف والمزمار، ويكفيه أنها تشغل عن ذكر الله، لكن له أن ينشد أو يستمع نشيداً مباحاً أو يستمع ما خلا من دف أو آلة لهو أو لعب.

    حكم نظرة المرأة إلى الرجال

    المسألة السادسة: نظر المرأة إلى الرجال من غير ريبة:

    تقول عائشة: {وضعت خدي على خد الرسول صلى الله عليه وسلم وأنا أنظر إلى الحبشة} فهل في هذا جواز نظر المرأة إلى الرجال؟

    أولاً: قال الإمام النووي: نظر المرأة إلى الرجال بشهوة حرام بالإجماع، ولذلك قال أعز من قائل: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ [النور:31] فالغض هنا واجب إذا كانت هناك ريبة وشهوة. وأما عند انتفاء الريبة فقال: في المسألة خلاف والأصح ألا تنظر، ولكن الذي يبدو لي أنه إذا لم يكن هناك ريبة؛ فلها أن تنظر، إلى الرجال، فإن النساء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كن ينظرن إلى وجه الرسول صلى الله عليه وسلم، وكن ينظرن إلى وجه أبي بكر على المنبر وهو يخطب وكذلك عمر، ولو كان لا يجوز للمرأة أن تنظر كان أمر الرجال أن يحتجبوا وأن يغطي الرجل على وجهه حتى لا تنظر إليه المرأة كما تفعل المرأة في جبال الطوارق في الجزائر حيث يتغطى الرجال والنساء سافرات! يسمون قبائل الملثمين، هم مغطون ويرون الطريق بحفظ الله ورعايته لكن المرأة لها أن تنظر كاشفة عن وجهها.

    ووضع الندى في موضع السيف بالفتى      مضر كوضع السيف في موضع الندى

    فلو كان النظر إلى وجه الرجل حرام؛ كان الرجال أمروا بأن يضعوا شيئاً على وجوههم، لكن للمرأة في حالة عدم الريبة لها أن تنظر من وراء حجابها إلى من يعلم ويدرس في حلقة العلم إذا لم يكن هناك ريبة والأولى أن تترك، لكن هنا نبين الحكم ولا يحملنا الحرص على أن نتجاوز السنة.

    وأما حديث عائشة فقال أهل العلم فيه: أن هذا قبل الحجاب، أي: أن نظر عائشة رضي الله عنها وأرضاها كان قبل الحجاب، ولكن ليس هناك دليل، وإذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال، فمن يدلل لنا بحديث صحيح أنه قبل الحجاب أو بعد الحجاب فيبقى على أنه ليس هناك دليل، ويبقى على الأصل أنها نظرت إليهم.

    وقال بعضهم: لأنها صغيرة رضي الله عنها وأرضاها، لكن حقق الحافظ ابن حجر أن هذا النظر كان في السنة السابعة وعمرها رضي الله عنها وأرضاها خمسة عشر عاماً فدل على أنها كبيرة.

    وقال النووي وبعض الشافعية: نظرت إلى سلاحهم ولم تنظر إلى وجوههم. لكن ليس هناك دليل على أنها نظرت إلى السلاح والحراب ولم تنظر إلى الوجوه.

    وأحسن الأجوبة أن يقال: نظرت ولم يكن فيها ريبة ولا شهوة رضي الله عنها وأرضاها، فجاز لها الأمر وأقرها صلى الله عليه وسلم في ذلك، فليعلم هذا، لأن هذا كأنه أقرب الأجوبة مما ظهر من كلام أهل العلم.

    الحث على التدريب على القتال

    المسألة السابعة: التدريب على القتال قبل نزوله ومنها المسابقة بين الخيل:

    يقول عز من قائل: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ [الأنفال:60] فكان صلى الله عليه وسلم يقر التهيؤ للمعركة والاستعداد، ومن هؤلاء أخذ أهل العلم أن على الناس أن يتثاقفوا بالسلاح، ويريشوا سهامهم، ويجردوا سيوفهم، وأن يتدربوا على المنازلة قبل المعركة.

    لما التقى سعد رضي الله عنه وأرضاه في القادسية بـرستم قائد فارس قبل بداية المعركة بليلة، أرسل رستم الفارسي جاسوساً له، وقال: اذهب فادخل في جيش المسلمين وانظر ماذا يفعلون في ليلهم؟ وعد وادخل في جيشنا وانظر ماذا يفعلون في ليلهم؟

    فذهب هذا الجاسوس إلى جيش المسلمين، فدخل في أوساطهم، فرأى فرقة تتدارس القرآن في الليل، ورأى كتيبة تتلو القرآن وتذكر الله عز وجل، ورأى آخرين يدعون الله ويناجونه ويبكون ويسألون الله النصر، ورأى آخرين يصلون، ورأى آخرين يتدربون يريشون السهام ويجردون السيوف ويتثاقفون بالرماح، فخرج من جيش المسلمين ودخل في جيش فارس فرأى أناساً قد سكروا وفقدوا وعيهم من الخمر، وأناس يعاقرون، وأناس على الفاحشة، فعاد فأخبر رستم فعض على أنامله وقال: هزمنا من الآن. وهزموا بأمر الله فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:45].

    فالمثاقفة والتدريب وارد عند المسلمين، ولذلك يقول ابن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين: {سابق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الخيل التي ضمرت والخيل التي لم تضمر} -الفرس يضمر عند العرب أي: يجوع حتى يصبح خصره كالقوس، أي: يترك من الأكل أربعين يوماً، ويسقى ماءً ويعطى بعض الأمور الخفيفة حتى يبقى خفيفاً يصبح خصره كالقوس؛ فيصبح سريعاً كمر الريح، فضمر صلى الله عليه وسلم بعض الخيل وبعضها لم يضمرها، ثم أتى في استعراض حافل يستعد للمعارك عليه الصلاة والسلام فطلب من شباب الصحابة أن يتسابقوا ويرى صلى الله عليه وسلم- فذهبوا إلى الثنية وبدأت الخيل التي ضمرت تتسابق والرسول صلى الله عليه وسلم مع الصحابة عند مسجده في المدينة، وبدأ السباق من ثنية الوداع، فكان ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه في الخيل التي ضمرت فأتى فرسه يقذف به قذفاً قال: فلما وصلت إلى المسجد كان الرسول صلى الله عليه وسلم مع الصحابة ينتظرون السابقة منا، حاولت أن أحبس فرسي عند المسجد وكان للمسجد جدار فما استطعت من سرعة الفرس فاقتحم بي ودخل بي المسجد..! والرسول صلى الله عليه وسلم ينظر، حاول أن يحبسه بلجامه وأن يحد من سرعته لكنه لم يأخذ حذره من ذاك الموقف فأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم يتبسم هو والصحابة، فلما قرب الفرس؛ ما استطاع أن يرده الجدار، فقفز به من على الجدار، حتى دخل به داخل المسجد، فكان ابن عمر فيمن سابق.

    وتسابق الناس على الأقدام كما في صحيح البخاري عن سلمة بن الأكوع قال: نادى مناد: من يسابق؟ من يسابق؟ أعرابي عنده جمل فقال سلمة: أنا أسابقك. فكان سلمة رضي الله عنه وأرضاه يسابق على الأرض وذاك على الجمل، فسبق بإذن الله، وسلمة أسبق صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول أهل السير: كان يصيد الغزلان من سبقه، وكان يطارد الأرنب حتى يمسكها برجلها!

    وثبت في صحيح البخاري في حديث الغابة أنه لما أتى السبعة العرنيين أكرمهم صلى الله عليه وسلم وأنزلهم في المدينة ورأى بطونهم قد ذربت من الوباء والسقم، فأمرهم أن يذهبوا إلى الغابة فيشربوا من أبوال إبل الصدقة ومن ألبانها علهم يصحون.

    وهذا علاج للسقيم أن يشرب من بول الناقة ومن لبنها، وهذا يعرفه العرب، فلما ذهبوا ومَنَّ الله عليهم بالشفاء -انظر إلى جزاء المعروف- قاموا إلى الراعي مولى الرسول صلى الله عليه وسلم، فقتلوه وجدعوا أنفه وقطعوا أذنيه وكفروا بالله وارتدوا عن الإسلام وساقوا الإبل معهم! وكلها مخازٍ وفضائح بعضها على بعض ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا [النور:40].

    فأتى خادم من موالي الرسول صلى الله عليه وسلم ففر منهم وأتى وأخبرهم في المدينة فسمعه سلمة وهو في الطريق فقال: ماذا حدث؟ فأخبره الخبر، فقام سلمة على جبل أحد قال: فصوت حتى أسمعت ما بين لابتيها قبل صلاة الفجر، ثم أخذ وراء هؤلاء يريد أن يلاحقهم قبل أن يصبحوا في قومهم في غطفان، وإذا دخلوا في غطفان منعتهم غطفان، قال: فلحقتهم بعد طلوع الشمس بعد أن ارتفع النهار، قال: فكنت أرميهم بالحجارة وأعطلهم فيعودون إلي فأفر إلى الجبل، فإذا رجعوا؛ شددت وراءهم، قال: فأثخنتهم بالجراح، حتى أخذوا ينزلون بردهم من عليهم ويقولون: ماذا لقينا منك هذا اليوم؟ قال: فحاججتهم وعلمت أن الرسول صلى الله عليه وسلم سوف يرسل سرية ورائي وظللت أريد أن أمهلهم وأثبطهم حتى تأتي السرية، فلما أتوا يريدون الماء وقت الظهيرة وقد عطلهم أن يصلوا ديارهم، قال: وإذا بالغبار ينقاد من وراء الجبل؛ فعلمت أنها سرية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظرت وإذا به كرز بن عبد الرحمن أحد الأبطال والشباب من شباب محمد صلى الله عليه وسلم يقود كتيبةً قوامها ثلاثمائة مقاتل، فطوقت المكان واستسلم هؤلاء الخونة، وأتى صلى الله عليه وسلم فلقيه سلمة فقال: يا رسول الله! أعطني هذا الجيش أصبح به غطفان؛ فتبسم صلى الله عليه وسلم وقال: ملكت فاسجح. أي: أنك توليت فاعفوا واصفح، انتهى الأمر، فأخذ صلى الله عليه وسلم هؤلاء السبعة فألقاهم في الحرة فقطعهم من خلاف إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [المائدة:33] وسمل أعينهم صلى الله عليه وسلم بالمسامير الحارة، وتركهم يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا عطشاً.

    إذا الشاهد من هذا أن التدريب على القتال قبل نزوله ومنها المسابقة بين الخيل، والمصارعة، وأن هذا من أسباب القوة ومن إظهار الاستعداد لقتال الكفار، والرسول صلى الله عليه وسلم -كما تعرفون في السيرة- صارع ركانة، ولو أن بعض أهل الحديث له كلام في هذا لكن هكذا ورد في السيرة أنه صلى الله عليه وسلم صارع ركانة وقد كان من أقوى الناس وأشد العرب، فأتى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يريد أن يسلم، فطلب معجزة؛ فأعطاه صلى الله عليه وسلم المصارعة، فصارعه أول مرة فصرعه صلى الله عليه وسلم، ومرة ثانية فصرعه، وثالثة فأسلم ودخل في دين الله.

    وصح أنه صلى الله عليه وسلم تسابق هو وزوجه عائشة رضي الله عنها وأرضها، وهذا من كمال خلقه ومن حسن عشرته صلى الله عليه وسلم، فإن الذي نشعر فيه بالتقصير في الغالب سوء العشرة مع النساء، فإن بعض الناس يكون ضحاكاً بساماً مزاحاً مع الناس، فإذا دخل بيته؛ كشر وتزمت وغضب، وفي كتاب الأدب المفرد للبخاري قال زيد بن ثابت رضي الله عنه: [[الدعابة مع الأهل، والوقار مع الناس]] وقال بعض السلف: كن كالطفل إذا دخلت على أهلك. وقالت عائشة رضي الله عنها: {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل علينا دخل علينا ضحاكاً بساماً مزاحاً صلى الله عليه وسلم}.

    جواز التوسع في اللعب المباح الذي لا يصد عن ذكر الله

    المسألة الثامنة: التوسع في بعض اللعب المباح الذي لا يصد عن ذكر الله ولا يشغل عن طاعته سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في مثل المناسبات والأعياد، كالرمي والنضل والمسابقة وإنشاد الشعر والمساجلة والمطارحة وبعض المزاحات التي لا يدخلها كذب ولا غيبة ولا استهزاء بالمسلمين ولا تقسي القلب. والصحابة مزحوا بل مزح سيدهم صلى الله عليه وسلم، قيل لـسفيان الثوري: المزح هجنة. قال: بل سنة. فكان صلى الله عليه وسلم يمزح ولكن لا يقول إلا حقاً، وكانت تعجبه الدعابة صلى الله عليه وسلم.

    وورد في السيرة: أن ابن النعيمان كان يضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رجلاً مزاحاً من الأنصار.

    أتى أعرابي في المدينة بسمن وعسل فأخذ السمن والعسل منه، وقال: اطلب قيمته من ذاك الرجل (يقصد الرسول صلى الله عليه وسلم) ثم ذهب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: هذه هدية أهديتها لك يا رسول الله. فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أصلاً يريد الدعوة، وأما الحساب وقضية الحساب فأمر آخر، فدعا له صلى الله عليه وسلم فلما انتهى وخرج وإذا بالأعرابي يقول: اعطني مالي. قال: وما مالك؟ قال: قيمة السمن والعسل؛ فتبسم صلى الله عليه وسلم وأعطاه.

    ابن النعيمان سافر مع أبي بكر إلى دمشق، فلما أصبحوا في الطريق أتى رجل من الأنصار وكان أسمر اللون، وكانت عنده الميزانية: التمر والدقيق والخبز وكل شيء، وكان هو الذي يوزع عليهم الأكل وابن النعيمان كان رجلاً أكولاً، يريد خمس أو ست وجبات في اليوم، وكان هذا الرجل المتصرف يريد أن يوزع عليهم وقت الوجبة فحسب، فكان يطلبه كثيراً يقول: اعطني تمراً، اعطني خبزاً فيرفض فقال ابن النعيمان: والله لأرينك. فلما وصلوا إلى الشام وهناك أسواق يباع فيها الرقيق قبل أن يعتق الرقيق، ذهب ابن النعيمان إلى تجار من أهل الشام قال: عندي مولىً لي وسوف يقول لكم أنه ليس مولى، لقد اتعبني وأشغلني فأريد أن تشتروه مني. قالوا: سمعاً وطاعة. فنازلهم في الدراهم فلما دفعوا له القيمة، قال: تعالوا معي، وسوف يقول لكم: إنه حر فإن كنتم تريدون إشغالي وإشغاله فلا تأخذوه من الآن. قالوا: لا. فأخذوا الحبال واقتربوا منه، فلما قربوا منه قال: إني حر، أعيذكم بوجه الله، لا تقربوا مني. قالوا: أخبرنا قبل أن تخبرنا أنك سوف تفعل، فقيدوه وسحبوه. فلما أتى أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه قال: أين فلان؟ قال ابن النعيمان: بعته يا أبو بكر. قال: ممن؟ قال: بعته قبل قليل في السوق. قال: فعل الله بك وفعل، وضحك أبا بكر حتى استلقى رضي الله عنه وأرضاه فدخل أبو بكر السوق يلتمس وينادي: أين فلان؟ فأجابوه، فلما رأى التجار أبا بكر عرفوا وجهه؛ لأنه كان سفيراً في الجاهلية وفي الإسلام، صبيحاً قائداً زعيماً، فلما رآه قال: هذا فلان من أسرة آل فلان من الأنصار. فأطلقوا له الرجل، قال: فلما وصل إلى الصحابة ضحكوا حتى ترادوا هذه القصة عاماً كاملاً.

    هذا من ضمن ما ورد في المزح المباح، ولكن بعض المزح قد يجحف أو يغضب فعلى العبد أن يتجنبه.

    حكم حمل السلاح في الأعياد

    المسألة التاسعة: كيف يجمع بين لعب الحبشة بالسلاح في العيد وبين النهي عن حمل السلاح في الأعياد؟

    لقد عقد البخاري باب ما يكره من حمل السلاح في العيد والحرم، ويجمع بينهما بأمور:

    أولاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يتألفهم إلى الإسلام فتركهم يلعبون بالحراب في العيد.

    الأمر الثاني: أنه لا يخاف منهم أشراً ولا بطراً ولا تجبراً ولا تكبراً.

    الأمر الثالث: أنه لا يخاف منهم أن يعدو بعضهم على بعض، وإنما منع حمل السلاح في الأعياد لأن بعض الناس والقبائل بينهم ثارات أو بعض الأشخاص قد يأخذونه فرصة فيقتل بعضهم بعضاً في مجمع الناس، والرسول صلى الله عليه وسلم منع من إدخال السلاح في الحرم وحمل السلاح في الأعياد والمناسبات، حتى أتى ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه مكة لما حج الحجاج الطاغية؛ فطعن أحدهم ابن عمر في رجله -رضي الله عنه وأرضاه- برمح، فأتى الحجاج يزوره، ويقول: حسبنا الله ونعم الوكيل. يقول هذا دجلاً ويقول: من طعنك؟ ليتني أدري، وهو الذي أمر بطعنه كما يقول بعض أهل العلم، قال ابن عمر: أنت الذي طعنتني. قال: ولمه؟ قال: أمرت بإدخال السلاح في يوم لا يدخل فيه السلاح، فدعا عليه ابن عمر، ومات منها ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه.

    فهذه مسائل هذا الباب الذي عقده البخاري في كتاب العيدين، والذي أتحفنا به، وكل كتب البخاري وأبوابه حسنة، بل تزداد حسناً كلما تأملها الإنسان وتدبرها، وكأن القائل حينما يرى هذا التبويب وهذا الكلام وهذا الجهد المشكور يقول للبخاري:

    بالله لفظك هذا سال من عسل     أم قد صببت على أفواهنا العسلا

    أم المعاني اللواتي قد أتيت بها     أرى بها الدر والياقوت متصلا

    لو ذاقها مدنف قامت حشاشته     ولو رآها غريب داره لسلا

    اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا ما كانت الوفاة خيراً لنا، اللهم إن نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2710592788

    عدد مرات الحفظ

    683462882