إسلام ويب

سلسلة لطائف المعارف [المعلقات]للشيخ : صالح بن عواد المغامسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الشعر يهز المشاعر، ويهيج الخواطر. رب قصيدة حقنت دماء، ورب قصيدة أرملت نساء. كم من بيت شعري جعل البخيل كريماً، والجبان شجاعاً، والظالم الجبار وديعاً عادلاً. من أعظم ما اشتهر من الشعر الجاهلي: المعلقات العشر، فقد تداولها الناس عبر العصور، فحفظها الحفاظ، وعلق عليها الأدباء النقاد.

    1.   

    التقسيم التاريخي للأدب

    الحمد لله على فضله والصلاة والسلام على خير خلقه.

    أما بعد:

    فإن هذا اللقاء -الذي هو ضمن لقاءات لطائف المعارف- أشبه بالسياحة الأدبية، وعنوانه: المعلقات.

    والمعلقات عنوان عام أطلق على قصائد طوال في الجاهلية، قالها الشعراء آنذاك، وقبل أن نعرج أو على بعض أبياتها وعلى التعليق على تلك الأبيات فإننا نقول: إن أهل الصناعة الأدبية والذين يعنون بتاريخ الأدب يقسمونه إلى أطوار فتلك الحقبة التي كانت قبل البعثة اصطلح على تسميتها بالأدب الجاهلي أو الأدب في العصر الجاهلي، ثم يقولون: الأدب في صدر الإسلام وبني أمية، وبعضهم يفصل ما بين الأدب في صدر الإسلام والأدب في العصر الأموي. وينتقلون بعد ذلك اتفاقاً إلى العصر العباسي الذي كان فيه العمالقة الكبار: أمثال المتنبي ، وأبو تمام ، والبحتري .

    ثم كانت تلك الفترة التي حكم فيها المماليك والعثمانيون وغيرهما، وهذه الفترة تسمى عند أهل الصناعة الأدبية -في الغالب- بعصر الانحطاط، ثم هيأ الله جل وعلا للشعر العربي أن بعثه محمود سامي البارودي من مرقده، وما كان من البارودي وما بعده إلى عصرنا الحالي يسمى كله: بالعصر الحديث، هذا التقسيم التاريخي للأدب.

    والذي يعنينا هنا أن عنوان إن المعلقات من تلك القصائد الطوال التي كانت تقولها العرب في الجاهلية أو قالها بعض شعراء العرب في الجاهلية، والحديث عنها ذو شجون لكننا سوف نتكلم عن بعضها.

    هناك شعراء أعطوا قدرة على العطاء الشعري، ولهم مطولات، لكن لماذا سميت بالمعلقات؟ قيل: لأنها علقت في الصدور، وأن الناس حفظوها، وهذا قول قوي، وقيل: إنها كانت تكتب بماء الذهب وتعلق على الكعبة، وهذا عندي بعيد، وإن قال به بعض النقاد، لكن كون الأبيات تكتب بماء الذهب في ذلك الزمن الغابر الذي قل ما يوجد فيه مثل هذه الآلة يصعب الحكم على هذا بالصحة.

    وقيل: لأنها كانت تعلق في الأسواق التي كانت تجتمع فيها العرب، كسوق عكاظ وسوق المجاز وغيرهما.

    هذه المعلقات حفظها أكثر من رووا الشعر، ودخل بعضها شيء من اللحن، لكن الذي يعنينا أن هذه المعلقات كانت صورة ناطقة لحياة العرب التاريخية والاجتماعية وكثير مما كان عليه العرب في عادتهم وتقاليدهم وأعرافهم.

    1.   

    وقفة مع معلقة امرئ القيس

    أشهر شعراء المعلقات امرؤ القيس ، يقول أصحاب الأدب: أنه أول من وقف واستوقف وبكى واستبكى وهو القائل في معلقته:

    قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل

    وقوفاً بها صحبي عليّ مطيهم يقولون لا تهلك أسىً وتجلد

    وفيها الأبيات الشهيرة:

    وليل كموج البحر أرخى سدوله علي بأنواع الهموم ليبتلي

    فقلت له لما تمطى بصلبه وأردف أعجازاً وناء بكلكل

    ألا أيها الليل الطويل ألا انجل بصبح وما الإصباح منك بأمثل

    المشهور عن امرؤ القيس أنه كان ابن أحد ملوك كندة، وكان الملوك آنذاك، يأنفون أن يقول أبناؤهم الشعر فكان نوع من الجفوة بينه وبين أبيه، فلما مات أبوه قال قولته الشهيرة:

    ضيعني صغيراً وحملني دمه كبيراً

    وقد مات في الطريق إلى بلاد الروم وهو يطلب من يعينه على استرداد ملك أبيه.

    وأكثر شعره كان في الغزل وشرب الخمر أو في اللهو والركب والصيد، وهذه الأمور تجتمع بعضها إلى بعض في حياة الجاهليين آنذاك.

    1.   

    وقفة مع معلقة طرفة بن العبد

    من شعراء المعلقات طرفة بن العبد البكري ، وهو أصغرهم سناً، وقد مات صغيراً.. يقال: إنه قد مات وعمره 26 سنة، وله أبيات خلدها التاريخ؛ لأنها جرت مجرى الحكمة، فيقول في مطلع معلقته:

    لخولة أطلال ببرقة ثهمد تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد

    ومن شعره ما جرى مجرى المثل والحكمة:

    ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ويأتيك بالأخبار من لم تزود

    وكذلك قوله:

    وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند

    فهذا البيت صورة ناطقة لحياة اجتماعية تتكرر، أو حدث اجتماعي يتكرر على مر الدهور وكل العصور، والبيت إذا كان يلامس الواقع ويشهد له فإن الواقع والتاريخ والشواهد تبقي ذلك البيت؛ لأن الناس يستحضرون ذلك البيت عند الأحداث التي تمر بهم.

    وكل من ظلم من قرابته يرد بقول طرفة :

    وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند

    1.   

    وقفة مع معلقة لبيد بن ربيعة

    من شعراء الجاهليين: لبيد بن ربيعة ، ولبيد بن ربيعة يختلف عن بقية الشعراء الجاهليين أصحاب المعلقات؛ لفارق عظيم وهو أنه أدرك الإسلام، فأسلم، أما الأعشى فقد أدرك الإسلام -كما سيأتي- لكنه لم يسلم، أما لبيد فقد من الله عليه بالإسلام وهو القائل:

    الحمد لله الذي لم يأتني أجلي إلا وقد كسيت من الإسلام سربالا

    هذا لبيد من المعمرين، حتى قيل: إنه مل من طول حياته، وأن الناس كلما قابلوه، قالوا له: كيف أنت؟ كيف حالك؟ ما أخبارك؟ ولهذا قال:

    ولقد سئمت من الحياة وطولها وسؤال هذا الناس كيف لبيد؟

    قال في مطلع معلقته:

    عفت الديار محلها فمقامها بمنى تأبد غولها فرجامها

    وله فيها بيت خالد في تصوير فني بديع:

    وجلا السيول عن الطلول كأنها زبراً تجد متونها أقلامها

    ويزعم أهل الأدب والرواة الإخباريون أن الفرزدق الشاعر الأموي الشهير مر ذات يوم على مسجد لبني زريق في البصرة أو في الكوفة، فلما مر سمع منشداً ينشد الشعر والناس حوله، فأتى المنشد على قول لبيد :

    وجلا السيول عن الطلول كأنها زبراً تجد متونها أقلامها

    فخر الفرزدق ساجداً، وتعجب الناس، فلما رفع رأسه قالوا: يا أبا فراس ما هذا؟ قال: أنتم تسجدون لجيد القرآن وأنا أسجد لجيد الشعر، والمعنى أن هذا البيت فيه صورة بديعة تبين اتصال الجاهليين عموماً بالبيئة وأثرها في شعرهم، وفي لبيد أكثر وصفاً، وله في معلقته أبيات جميلة جداً، لكن المقام لا يتسع للإطالة في حقه أكثر من غيره.

    1.   

    وقفة مع معلقة زهير

    من شعراء المعلقات زهير بن أبي سلمى ،وقد عرف بالحكمة وعرف بالحواليات، وكان يتأنى ويتروى في إخراج قصائده للناس وهو القائل في صدر معلقته:

    أمن أم أوفى دمنة لم تكلم بحومانة الدراج فالمتلثم

    ومن ضمن معلقته أبيات جرت مجرى الحكم والأمثال، وهي تردد إلى اليوم أكثر من شعر طرفه:

    من لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم

    ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله عن قومه يستغنى عنه فيذمم

    هذا من روائع ما قاله زهير بن أبي سلمى ، وقد كان عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه فيما يرون عنه يحب شعر زهير ؛ لأن زهيراً كان يتمثل الحكمة وواقع الناس في أشعاره.

    1.   

    وقفة مع معلقة الأعشى

    من شعراء المعلقات: الأعشى وقد قلنا: إن لبيبداً أدرك الإسلام وأسلم، أما الأعشى فقد أدرك الإسلام، وهيأ قصيدة يمدح فيها النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لا يقع في الكون إلا ما أراد الله، والهداية بيد الله. قال في قصيدته التي يمدح فيها النبي صلى الله عليه وسلم:

    ألم تغتمض عيناك ليلة أرمد وبت كما بات السليم المسهد

    وما ذاك من عشق النساء وإنما تناسيت قبل اليوم حلة مهددا

    إلى أن قال في مدح نبينا صلى الله عليه وسلم:

    نبي يرى ما لا ترون وذكره أغار لعمر في البلاد وأنجد

    متى ما تناخي عند باب ابن هاشم تريحي وتلقيى من فواضله يدا

    يخاطب ناقته.

    هذا الأعشى اشتهر بحبه للخمر وكثرة شربه لها، ولهذا عني في شعره كثيراً بالخمر والتلذذ بالنساء، وفي مطلع معلقته الشهيرة:

    ودع هريرة إن الركب مرتحل وهل تطيق وداعاً أيها الرجل

    غراء فرعاء مصقول عوارضها تمشي الهوينا كما يمشي الوجي الوحل

    كأن مشيتها من بيت جارتها مر السحابة لا ريث ولا عجل

    من أبياته التي جرت مجرى المثل والحكمة في معلقته قوله:

    كناطح صخرة يوم ليفلقها فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل

    فـالأعشى ويقال له: أعشى قيس ، وهو من أشهر شعراء المعلقات، وكانوا يقولون: إن الأعشى إذا طرب أبدع كما يقولون: إن امرؤ القيس إذا ركب أي: خرج للصيد يلحقه الإبداع أو يأتيه الإبداع، ثم يثلثون بـالنابغة إذا رهب -أي: إذا خاف- فإنه يضطر للاعتذار، وكأن هذه الحالة النفسية تنعكس على أبياته، فيبدع ويقول ما لم يقله في فن آخر.

    و النابغة أحد شعراء المعلقات الكبار. وقد اعتذر للنعمان بن المنذر في وقيعة وقعت بينهما، نجم عنها قوله لتلك الأبيات.

    1.   

    وقفة مع معلقة عنترة

    الأعشى ، والنابغة ، وامرؤ القيس كل هؤلاء أكبر رموز شعراء الجاهليين، ويمكن أن يضاف إليهم عنترة ، وهم أكثر من ذلك، والبعض أوصلهم إلى العشرة، وبعضهم يقف عند السبعة.

    إن عنترة اشتهر بشجاعته، وله قصيدة مشهورة مطلعها:

    هل غادر الشعراء من متردم أم هل عرفت الدار بعد توهم

    يا دار عبلة بالجواء تكلمي وعمي صباحاً دار عبلة واسلمي

    دار منعمة غليظ طرفها طيق العناق لذيذة المتنسم

    هذا عنترة من أكثر الناس ذيوعاً، ومن الناس إلى اليوم في تاريخنا العربي ينسبون كل شجاعة إلى عنترة ، كما ينسبون كل سخاء إلى حاتم ، وكما ينسبون كل ذكاء إلى إياس ، وكما ينسبون كل فكاهة إلى أشعب ، وغير ذلك. وهذا شيء بدهي أن يجعل الناس رمزاً من الرموز فتفيء إليه بكل ما يتعلق بالرمز الذي وضع له.

    إن عنترة عرف بشجاعته، ولده أبوه من جارية، والإنسان من حيث انتسابه ينسب إلى أفضل أبويه ديناً، وينسب إلى أمه حرية أو عبودية، وفي المطعم والمشرب كما في الدواب ينسب إلى الأخبث، ولذلك لحم البغال لا يؤكل؛ لأنه ينسب إلى الحمار ولا ينسب إلى الخيل.

    تعلق عنترة بـعبلة كما هو مشهور ذائع، لكن الذي يعنينا هو الأبيات التي قالها، والتي كان يبين فيها شجاعته وعفة نفسه في نفس الوقت:

    هلا سألت الخيل يا ابنة مالك إن كنت جاهلة بما لم تعلم

    يخبرك من شهد الوقيعة أنني أغشى الوغى وأعف عند المغنم

    أغش الوغى أي: الحرب، وأعف عند المغنم: هذا مدح عظيم، فإذا اقتسم الناس الغنائم وهبوا إلى فتات الدنيا عفت نفسي وأحجمت، أما عندما يكون الموضع ساحة قتال لا يبرز فيه إلا الشجعان ولا يتقدم إلا الفرسان يقول: كنت أقرب منه؛ لأنه يجد في ذلك راحة نفسية.

    يقول:

    ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها قيل الفوارس ويك عنتر أقدم

    وقد نسب إلى عنترة حادثة طريفة بصرف النظر عن صحة هذه الحادثة، فالعاقل يزن خطواته ولا يضع قدمه اليمنى حتى يعلم قبل أين سيضع قدمه اليسرى.

    كان العبسيون إذا داهمهم العدو يدعون عنترة ، كما قال في شعره، فيفزع إليهم ويفك ما أصابهم، وفي يوم خرج ثور هائج فتنحى عنترة إلى جبل هارباً من الثور، فقيل له: يا عنترة مثلك يفر من الثور! قال: ومن يفهم الثور أني أنا عنترة !

    هذه الحكاية على طرافتها لها معان عظيمة: وهي أن الإنسان ينبغي أن يكون عاقلاً، وليس كل ميدان يقتحمه، وليس كل مقال يصلح لكل مقام.

    هذا ما تهيأ إيراده حول المعلقات وتيسر إعداده.

    وفقني الله وإياكم لما يحبه ويرضى، وألبسني الله وإياكم لباسي العافية والتقوى، وصل الله على محمد وعلى آله والحمد لله رب العالمين.