إسلام ويب

سعد بن أبي وقاصللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • هل تعرفونه؟ رجلٌ دخل في الإسلام مبكراً، جاهد مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه، بل وفداه بأبيه وأمه، وله من الكرامات الكثيرة منها إجابة دعوته، ومنها معركة القادسية وعبوره النهر، كان رجلاً شجاعاً اعتزل الفتنة ليلقى الله عبداً تقياً خفياً نقياً هل عرفتموه؟!

    إنه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.

    1.   

    ترجمة سعد بن أبي وقاص

    الحمد لله.. الحمد لله القائل: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمْ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمْ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ * وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عَابِدِينَ [الأنبياء:101-106].

    والصلاة والسلام على رسول الله القائل: (الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضاً، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم) والقائل: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مدَّ أحدهم ولا نصيفه) رضي الله عنهم وأرضاهم.

    وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصبحه وسلم تسليماً كثيراً.. أمَّا بَعْد:

    فمعنا اليوم: صاحبٌ من أصحاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا الصاحب، هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، وأحد أهل بدر الذين قال الله لهم: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) وأحد أهل بيعة الرضوان، الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، فقال الله عنهم: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح:18].

    هو خال رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه: (هذا خالي فليرني كلاً خاله) هو سعد بن أبي وقاص، هو أبو إسحاق، مدمر امبراطورية كسرى، ومبيد جيوش الضلالة من دولة المجوس، عبدة النار، ورافع راية التوحيد على الرافدين، على دجلة والفرات.

    فسلامٌ على سعد بن أبي وقاص، يوم أسلم لله، وسلامٌ عليه يوم توفي ومضى لله، وسلامٌ عليه يوم يبعث حياً، وإنما المقصد من سيرة هؤلاء الامتثال، وأن يتوجه شباب الأمة وشيبها إلى التأسي بمثل هؤلاء الأبطال، فـسعد رضي الله عنه وأرضاه، من أولئك النفر البررة السعداء، الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه:

    أسدٌ يقدم في يوم الوغى      لا يخاف الموت إن خاف الأسد

    جسدٌ لفف في أسماله      رحمة الله على ذاك الجسد

    كان ثالث ثلاثة في الإسلام، ترتيبه في الإسلام الثالث، أسلم وعمره سبع عشرة سنة، ووضع يده في يد النبي صلى الله عليه وسلم فعاهده على أن يرفع لا إله إلا الله، وأن يعيش لا إله إلا الله، وأن ينصر لا إله إلا الله، حتى يلقى الله، فلما أسلم، غضبت أمه العجوز، الذي ما فهمت رسالة الله، ولا أتقنت ولا عرفت ما هي لا إله إلا الله، وحاولت أن تصده عن الإسلام، ولكنه رفض أن يعود خائباً إلى دين الوثنية، بعد أن بصَّره الله بالإسلام، فأضربت عن الطعام والشراب، ورفضت أن تأكل وتشرب، وأقسمت بلاتها وعزاها ألاَّ تأكل حتى تموت، فقال لها: [[يا أُماه، والله لو أن لك مائة نفس، فخرجت النفس بعد النفس ما عدتُ عن ديني حتى تموتي، فكلي أو دعي]] فلما رأت الصدق أكلت..!!

    لقد كان رضي الله عنه وأرضاه صادقاً مع الله، فأتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أول يومٍ عده صلى الله عليه وسلم ثلث الإسلام، يقول: (يا رسول الله! ادعُ الله أن يجعلني مستجاب الدعوة..، فقال له صلى الله عليه وسلم: يا سعد! أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة).

    إن المطعم الحلال، هو الذي يجعل المؤمن طيباً في كلامه، وصلاته، طيباً في دعائه وعبادته مع الله، ثم قال عليه الصلاة والسلام: (اللهم أطب مطعمه.. اللهم أجب دعوته، وسدد رميته).

    فكان إذا رمى بسهمٍ في سبيل الله لا يخطئ هذا السهم، حتى يقول علي رضي الله عنه وأرضاه: [[رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، والحرب تستعر، وهو يشرف على الأعداء وعلى الكفار، وسعد يرمي بالسهام، فتقع في نحور الكفار، فيقول: ارمِ سعد فداك أبي وأمي]].

    فما فدى صلى الله عليه وسلم أحداً كما فدى سعداً، فأخذ يهيل لهم، ويرميهم حتى هزمهم الله، وردهم الله على أعقابهم خائبين خاسرين، لقد عاش الجوع في أول الإسلام، يقول عن نفسه: [[والله لقد مرت عليَّ ليالٍ ثلاث، ما أكلتُ فيها أكلة، ولقد بحثتُ عن أوراق الشجر، فأكلنا ما حولنا من أوراق الشجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووالله لقد ذهبتُ ليلةً دامسة ظلماء أبحث عن طعام، فما وجدت إلا جلد ميتة، فأخذت الجلد، فأحرقته على النار، ثم سحقته، ثم خلطته بماءٍ وشربته]].

    ويقول رضي الله عنه وأرضاه: [[لما توفي صلى الله عليه وسلم ما نفضنا التراب عن قبره حتى أنكرنا قلوبنا]].

    عاش وفياً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع صاحبيه، أبي بكر وعمر، وكان صلى الله عليه وسلم إذا رآه تبسم، وقال للصحابة: (هذا خالي فليرني كلٌ خاله).

    ولما تولى عمر رضي الله عنه وأرضاه، خلافة الإسلام سمع أن المجوس وآل كسرى، يعدون العدة لاجتياح الجزيرة العربية، كان قصدهم إبادة الإسلام، والهجوم على عاصمة الإسلام، فنادى عمر رضي الله عنه وأرضاه، في الصحابة وفي المسلمين استنفاراً عاماً وجهاداً في سبيل الله، وتضحيةً لرفع لا إله إلا الله، فاجتمع المسلمون، وخرج عمر رضي الله عنه وأرضاه من المدينة ليقود الحرب الطاحنة مع فارس، وخيم حول المدينة، وخلف على المدينة بعده أبا الحسن علي بن أبي طالب فلما نزل عمر ونزل معه المسلمون في المخيمات، جلس رضي الله عنه وأرضاه يستشير الناس، وإذا بـعلي يقدم من المدينة، فيقول عمر: [[ما أقدمك يا أبا حسن، قال: يا أمير المؤمنين! إنك إن ذهبت وقتلت في أرض فارس يوشك أن يأخذ أهل فارس بيضة الإسلام، وأن يدخلوا عاصمة الإسلام، فأرى أن تولي رجلاً بعدك يقود المعركة وأن تبقى في المدينة، فاستأنس عمر لهذا الرأي، واستشار الصحابة، فأجمعوا على رأي علي رضي الله عنه وأرضاه، فقال عمر: فمن أستخلف إذاً؟ فذهب كل إنسانٌ في خيمته يفكر، وإذا بـعبد الرحمن بن عوف يرفع صوته ويولول، ويقول: يا أمير المؤمنين! وجدت الأسد في براثنه، سعد بن أبي وقاص، فيقول عمر: صدقت حياً بك أهلاً وسهلاً]] فيأخذ الراية ويسلمها لـسعد، ويوصيه بتقوى الله ويتباكى هو وسعد رضوان الله عليهم عند الفراق، ويقول له: [[ملْ معي الطريق يا سعد]]! فيميل معه، فيتباكيان فيقول ابن عوف: مالكما؟ قال عمر: تخلفنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخشى أن نهلك، أو أن نفتن، أو أن نرتد على أعقبانا، ثم قال له عمر: [[يا سعد! يا سعد بن وهيب! يا سعد بن أبي وقاص! لا يغرنك قول الناس: إنك خال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الله ليس بينه وبين أحد من عباده نسب، فاتقِ الله يا سعد! في جيش المسلمين، واتقِ الله في خاصة نفسك]] فأغض سعد رضي الله عنه وأرضاه رأسه وطرفه وقال: [[سمعاً وطاعةً يا أمير المؤمنين!]].

    وخرج رضي الله عنه وأرضاه معه جنود الله، مهللةً مكبرة، ليخوض القادسية وللقادسية حديثٌ آخر، ومقامٌ آخر.

    1.   

    مواقف وعبر من القادسية

    ولكن نأخذ منها بعض النماذج عن أولئك النفر:

    مواقف عزة المؤمن

    لما حضر رضي الله عنه وأرضاه خطب جيشه وكانوا ثلاثين ألفاً، وقال: [[إن العدو لا ينتصر علينا إلا بالمعاصي، فالله الله اتقوا الله وذروا المعاصي، فإنَّا إن عصينا الله غضب علينا ثم أهلكنا]] وخيَّم رستم وراء دجلة، ومدت الجسور، ليعبر أحد الجيشين، لتكون النهاية المحتومة، بين جيش لا إله إلا الله، وبين جيش الضلالة، بين الذين يريدون أن تنصر راية الله، وبين من يريد أن ينصر الباطل، ولكن أرسل رستم في الصباح، قائداً فارساً، أرسله إلى سعد: أن أرسل إليَّ أحد أصحابك، فأرسل سعد رضي الله عنه وأرضاه ربعي بن عامر، شابٌ كالسيف، صادق كالفجر، قويٌ كالحق، عميقٌ كالصدق، وقال: [[اذهب إليهم ولا تغير من هيئتك شيئاً]].

    أي: اذهب في ثيابك.. وفي صدقك، وفي وضوحك، ولا تغير ولا تدين لهم بكلمة، فذهب ربعي على فرسٍ هزيلٍ ضعيف عليه أسمالٌ بالية، ومعه رمح مثلم:

    من ذا الذي رفع السيوف ليرفع      اسمك فوق هامات النجوم منارا

    كنا جبالاً في الجبالِ وربما     صرنا على موج البحارِ بحارا

    فقدم ربعي ودخل على رستم، وإذا تيجان الذهب على رأس رستم ووزرائه، فلما رآه رستم ضحك، وقال لـربعي جئتم تفتحون الدنيا بهذا الفرس المعقور، وبهذا الرمح المثلم، وبهذه الثياب البالية؟! فقال ربعي ورفع صوته، وأخذ صوته يدوي كالصاعقة: [[إي والله.. إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام]].

    وفي الصباح بدأت المعركة، ونصر الله جنده، ومدت الجسور، وأخذ سعد ينادي الكتائب أن تعبر إلى أعداء الله، فلما عبرت أول كتيبة، كان من دهاء أهل فارس عبدة النار، أن قطعوا الجسور، فوقعت أول كتيبةٍ في النهر، فغرق كثير منهم، فلما رأى سعد هذا المشهد، رفع صوته، والتفت إلى السماء، وقال: [[اللهم كن سندنا ومددنا وعضدنا، حسبنا الله ونعم الوكيل]] يا خيل الله اعبري، فلما سمعت الخيول دعاء سعد بالعبور، أخذت تتوجه وتقتحم بأنفسها في النهر، وأخذ الجيوش ينزلون فجمد الله لهم نهر دجلة، فإذا هو ليس بالثلج الذي تنزلق عليه الأقدام، وليس بالماء الذي تغوص فيه الأقدام أيضاً، فأخذوا يلتفتون ويبتسمون بعضهم في بعض، وأخذ قائدهم من ورائهم يسوقهم ويقول: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر:51] فما أن وصلوا إلى عبدة النار، المجوس، إلا وعملوا فيهم بسيوف الله، فأخذ أولئك يتساقطون وراءهم في النهر ويذعنون ويُقتَلون، ويهربون ويفرون، وارتفعت لا إله إلا الله.

    ومضى سعد إلى مدينة المدائن عاصمتهم، فلما رأى قصر كسرى، قصر الضلالة والجهالة والبطالة والعمالة، قال سعد ودموعه تهراق تواضعاً لله: [[الله أكبر كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِين ) [الدخان:25-28]]].

    وعاد رضي الله عنه وأرضاه فكَّوف الكوفة، وبنى تلك المدينة، وولاه عمر أميراً عليها، فكان من خيرة الأمراء، يخاف الله في رعيته، لا يشبع حتى يشبعون، ولا يرتاح حتى يرتاحون، ولا ينام حتى ينامون، يتفقدهم، ويأوي إلى ضعيفهم، وينصف مظلومهم، ولكن أهل الكوفة قومٌ غشمة ظلمة، مشاغبون، شكوه إلى عمر رضوان الله عليه وأرضاه، وقالوا: هذا سعد ظالم، لا يحسن حتى يصلي، فتبسم عمر رضي الله عنه من هذه الكذبة التي لا تدمغها الأدمغة، ولا تهضمها واستدعى سعداً، وقال: [[يا سعد!. يا أبا إسحاق، إن أهل الكوفة، يقولون: إنك لا تحسن أن تصلي]] وتبسم الصحابة وتبسم سعد، وإذا لم يحسن سعد الصلاة، فمن يحسن الصلاة إذاً؟

    وإذا لم يعرف الفقه في الدين فمن الذي يفقه في الدين إذاً؟!!

    فقال سعد: [[يا عجباً لأهل الكوفة!! يعيرونني بأنني لا أحسن الصلاة، والله لقد أدخلتهم في الإسلام بسيفي هذا]] وصدق رضي الله عنه، فقد أدخلهم بسيفه كما تدخل قطيع الضأن في الإسلام، ولكن لما علم الله أنهم ظلمة، ابتلاهم بظالمٍ مثلهم، فابتلاهم بـالحجاج بن يوسف الثقفي: وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأنعام:129].

    وأرسل عمر رضي الله عنه وأرضاه لجنةً من الصحابة يستقصون الحقائق، ويبحثون عن النتائج، فمروا بمساجد الكوفة مسجداً مسجداً، يسألون عن الصادق من الكاذب، يسألون عن سعد عن سيرته وعدله، وكلهم يثني عليه خيراً، وكلهم يمدحه، ويدعوا له، إلا رجلاً واحداً، ومع أنه كبير في السن، إلا أنه ظالمٌ غاشم، قام فقال للصحابة: أما إن سألتمونا عن سعد، فإنه لا يعدل في القضية، ولا يقسم بالسوية، ولا يخرج في السرية ".

    فقام سعد ومد يديه إلى السماء.. إلى علام الغيوب، وقال: [[اللهم إن كان هذا الشيخ كاذباً قام رياءً وسمعة، فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه للفتن]] فاستجاب الله دعوة المخلص الصادق، الذي أطاب مطعمه مع الله، والذي حصن مدخله ومخرجه مع الحي القيوم.

    قال أحد الرواة: والله لقد رأيت ذاك الشيخ -وهذا في صحيح البخاري - وقد أطال الله عمره، وأطال فقره، ورأيته يتعرض للجواري في سكك الكوفة، يغمزهن وقد سقط حاجباه على عينيه ويقول: شيخٌ مفتونٌ أصابتني دعوة سعد.

    فقد كان مستجاب الدعوة رضي الله عنه وأرضاه، وصلى بالناس صلاة الجمعة، ثم خرج من المسجد، وإذا بالناس مجتمعين على رجل، فقال: ما لهم، قالوا: هذا الرجل يسب علي بن أبي طالب، فالتفت إليه سعد وقال: لا تسب أخي علي بن أبي طالب، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: {أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي} فقال الرجل: والله لأسبنه، فقال سعد: والله لأدعون عليك، قال: ومن أنت حتى يجيب الله دعاءك؟! فتوضأ سعد، وصلى ركعتين، ورفع يديه، وقال: [[اللهم أرنا فيه عجائب صنعك]] وما انتهى من دعائه إلا بجملٍ شرود أقبل من الكوفة لا يلوي على شيء، كأنه يبحث عن شيء، والناس يفرون من طريقه، حتى أتى إلى هذا الرجل، فضربه برجله، فإذا هو ميت. فقال سعد: [[الحمد لله الذي أرانا فيه آيته الظاهرة]].

    موقف المؤمن من الفتن

    وعاد رضي الله عنه وأرضاه إلى المدينة بعد أن توفي عمر، ولما بدأ الخلاف بين الصحابة، في عهد علي ومعاوية رضوان الله عليهم جميعاً، اعتزل الفتنة، وخرج إلى الصحراء رضي الله عنه وأرضاه، ترك الدنيا وهي مقبلةٌ إليه، ترك زينتها وزخرفها، وترك كل ما يمت إلى الدنيا، وقد أدى مهمته في الحياة ورسالته، ونصب له خيمةً في الصحراء، أما نهاره فصيام، وأما ليله فقيام، يسبح الله في الصباح والمساء، لا يفتر عن ذكر الله، معه قطيعٌ من الغنم، استغنى بما عنده من التقوى والزهد وعبادة الله عن الدنيا، وترك الفتنة لأصحابها والباحثين عنها، وجاءه ابنه عمر وقال: [[يا أبي يتقاتل الناس على الملك، وأنت في هذه الصحراء، قال: يا بنيَّ! والله إني أولى بالخلافة مني ببردي هذا، ولكني تركتها خوفاً من الله، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {إن الله يحب العبد الغني الخفي التقي}]].

    خذوا كل دنياكم واتركـوا     فؤادي حراً طليقاً غريباً

    فإني أعظمكم ثروةً وإن      خلتموني وحيداً سليباً

    وأتاه الموت في الصحراء، فمات كما يموت الناس، ولكن عمله محفوظ عند الله!!: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ [آل عمران:30] يجد عمله وإخلاصه وصدقه عند الله، الذي لا تضيع ودائعه، عند علام الغيوب، الذي يثيب بالحسنة عشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعافٍ كثيرة.

    وحضرته الوفاة، واقتربت ابنته عائشة منه، وكانت تبكي وتقول: [[يا أبي!! أتموت هنا وحدك في الصحراء بعد صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر..؟!!

    فقال لها: لا تبكي علي فوالله إني من أهل الجنة]].

    قال الذهبي معلقاً: صدق رضي الله عنه وأرضاه، فهنيئاً له، ومريئاً، نُشهد الله ونُدين الله بأنه من أهل الجنة، وارتفعت جنازته إلى المدينة ليصلى عليها هناك، وخرج الصحابة يتباكون، ويقولون: رضي الله عنك يا أبا إسحاق! عشت حميداً، ومت حميداً وتلقى الله يوم القيامة سعيداً، وخرج أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم متحجباتٍ من الحجرات يبكين، ويقلنَ: [[مروا بـسعد علينا سقى الله سعداً من سلسبيل الجنة نصلي عليه]] فمروا به عليهن بعد أن صلوا عليه، فصلين عليه كذلك ودعون له، ووقف أحد الصحابة على جثمان سعد، وهو في أكفانه وقال: [[والله ما أعلم أشجع منك، والله ما أريد أن ألقى الله بعمل رجلٍ كعملك، ذهبت عن الفتنة نظيفاً سليماً رضي الله عنك وأرضاك]] رضي الله عنكم يا أصحاب محمد ورضي الله عنكم يا من اتبع محمداً صلى الله عليه وسلم:

    كن كالصحابة في زهدٍ وفي ورعٍ     القوم هم مالهم في الناس أشباهُ

    عبادُ ليلٍ إذا جن الظلام بهم     كم عابدٍ دمعه في الخد أجراه

    وأسدُ غابٍ إذا نادى الجهاد بهم     هبوا إلى الموت يستجدون لقياه

    يا رب فابعث لنا من مثلهم نفراً     يشيدون لنا مجداً أضعناهُ

    أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم، ولجميع المسلمين فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.

    1.   

    دروس وعبر من حياة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه

    الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، ورسول رب العالمين، وحجة الله على الناس أجمعين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.. أمَّا بَعْد:

    فمن سيرة هذا الإمام الكبير نأخذُ دروساً في الحياة:

    أولها: من موقفه مع أمه يوم رفضت أن تسلم، وأضربت عن الطعام والشراب، فرفض هو أن يعود عن دينه، نأخذ من ذلك ألا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق، وأن بر الوالدين شيء، وطاعة الله شيءٌ آخر، وأنه لا يطاع مخلوقٌ في معصية الله، مهما كان هذا المخلوق، من أبٍ أو أمٍ أو مسئولٍ أو معتمد، فإن الله عز وجل، هو الذي يطاع بحقٍ، فلا ينبغي لأحدٍ من الناس أن يطيع والديه في معصية الله، بل يصاحبهما في الدنيا معروفاً، ويحسن صحبتهما، ولكن لا يتبعهما على ما أرادا من ضلالةٍ أو معصية، أو مخالفة، فعلى المسلم أن يكون دائماً ثابتاً، كما فعل سعد بن أبي وقاص مع أمه، وقال لها: [[والله لو كان لك مائة نفس، فخرجت الواحدة تلو الأخرى ما رجعت عن ديني فكلي أو دعي]].

    والدرس الثاني: أن المطعم الحلال هو من أسباب إجابة الدعوة، وأن الله عز وجل، لا يقبل دعاء رجلٍ إلا إذا أحسن مطعمه، وكان مطعمه حلالاً، ولذلك ذكر صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة: (الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء، ومطعمه حرام، ومشربه حرام وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنَّى يستجاب له).

    أي: كيف يستجيب الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى له وقد دنس مطعمه، نأخذ ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم لـسعد: (أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة) فاللقمة الحلال هي من أسباب إجابة الدعاء وإصلاح الذرية والنية والطوية، ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام، كما في صحيح مسلم عن جابر: (لعن الله آكل الربا، وموكله، وكاتبه وشاهديه، وقال: هم في الإثم سواء) لأن عمله مردودٌ عليه، ونأخذ من موقفه رضي الله عنه وأرضاه في الفتنة، واعتزاله للفتنة، وتركه الخوض فيما خاض فيه غيره من الناس، موقفاً ودرساً، وفائدةً لا ينساها المسلم وهو أن من علامات المسلم ومن خصائصه أنه إذا حدث حادثٌ في الناس أو وقع اختلافٌ بين الأمة، أو وقعت مشاكل وحوادث، لا تخدم الدين، وإنما تشتت كلمة المسلمين وتفرق جمع المؤمنين، أن على المسلم أن يعتزل هذه الحوادث، والمشارب، وهذه المشاكل، وليبق في بيته، وليكن حلساً من أحلاس بيته، لا يخرج إلا لصلاة، أو لجمعٍ مبارك، أو لفائدة يستفيدها، فـسعد رضي الله عنه وأرضاه اعتزل الفتنة لما رأى الحوادث المدلهمة والفتن التي تعم الأمة، وتركها وجلس في بيته رضي الله عنه وأرضاه، فإن الذي يحب الفتن، ويستوشي الأخبار والحوادث، ويحب الزعازع والقلاقل، رجلٌ فيه نفاق، مريضٌ قلبه، مريضةٌ روحه، لا يربو ولا يعشعش ولا يفرخ إلا على الكوارث والحوادث، أما سليم القلب، والذي يريد الخير للمسلمين فإن كان هناك جمعٌ مبارك، ونصرة، وتأليفٌ للكلمة شارك، وإن كان هناك خلاف، وحدثٌ وزلازل ومحن اعتزل، وهذا هو المؤمن الحق.

    عباد الله.. فبمثل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم اقتدوا: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ [الأنعام:90] وعلى منهاجهم سيروا، وبأخبارهم نفسوا وعطروا مجالسكم، وعلى ضوءٍ من سيرتهم استضيئوا، في ظلام الحوادث الدامس، وفي ليل الفتن المدلهم، نسأل الله لنا ولكم الثبات والاستقامة حتى نلقاه.

    عباد الله: صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

    وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من صلى عليَّ صلاةً واحدة، صلَّى الله عليه بها عشرا) اللهم صلِّ على نبيك وحبيبك محمد، وارض اللهم عن أصحابه الأطهار، من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين!

    اللهم اجمع كلمة المسلمين، اللهم وحد صفوفهم، اللهم خذ بأيديهم إلى ما تحبه وترضاه، اللهم أخرجهم من الظلمات إلى النور، اللهم اهدهم سبل السلام، اللهم أعز الإسلام والمسلمين.. اللهم أعز الإسلام والمسلمين.. اللهم أعز الإسلام والمسلمين..، وارفع رايتك وانصر كتابك، وأيد سنة نبيك صلى الله عليه وسلم، اللهم وفق إمام المسلمين لما تحبه وترضاه، اللهم ألهمه رشده، وخذ بيده لما تحبه وترضاه يا رب العالمين!

    اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاةُ خيراً لنا.

    اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضى، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنةٍ مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك، اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان وفي فلسطين وفي الفلبين، وفي كل بلاد من بلادك يا رب العالمين!

    اللهم ثبت أقدامهم، اللهم أنزل السكينة عليهم، اللهم أفض عليهم روحاً من روحك، ويقيناً من يقينك، ووفقهم لما تحبه وترضاه يا رب العالمين!

    ربنا إننا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.