إسلام ويب

شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية [6]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يعتبر المنافقون أخطر من الكفار على المسلمين، ولذلك أكثر الله تعالى من ذكر أوصافهم التي تبين مفارقة الإيمان لقلوبهم، وتربصهم بالمؤمنين الدوائر، وفي سورة المائدة كثير من هذه الأوصاف، أما سورة التوبة فقد فضحتهم حتى كادت أن تعينهم بأسمائهم.

    1.   

    ذكر صفات المنافقين في سورة المائدة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال تعالى في سورة المائدة: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ [المائدة:41].

    وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة:51]، إلى قوله: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ [المائدة:52-53].

    وقال تعالى: وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ * وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [المائدة:61-62].

    وقال تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [المائدة:77] إلى قوله: تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [المائدة:80-81] ].

    مسارعة المنافقين في الكفر

    هذه الآيات في سورة المائدة تذكر أوصاف المنافقين حيث يقول سبحانه: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ [المائدة:41].

    فالله تعالى ينهى رسوله عن أن يحزن على الذين يسارعون في الكفر بالله وبرسوله ولا يبالون، وهؤلاء الذين يسارعون إلى الكفر ويركضون ويجرون حتى يصلوا إليه؛ إنما فعلوا ذلك بسبب تركهم الحق وعنادهم بعد وضوح الحق لهم، فهم لما تركوا الحق وأعرضوا عنه بعد وضوحه، ووالوا الكفار، وأعرضوا عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولم يعزروا الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يوقروه صاروا يسارعون إلى الكفر ويركضون إليه ركضاً، ولهذا قال الله سبحانه: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ [المائدة:41]، فهذا وصف المنافقين، فهم يقولون: آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ [المائدة:41] أي: بألسنتهم وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ [المائدة:41] أي: أن قلوبهم مكذبة، وألسنتهم مصدقة.

    وهذا كما قال سبحانه في الآية الأخرى في أول سورة البقرة: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ [البقرة:8] أي: بألسنتهم، وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة:8] أي: بقلوبهم.

    وكما قال سبحانه في سورة المنافقين: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ [المنافقون:1] يعني: بألسنتهم، وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون:1] أي: بقلوبهم.

    فالله تعالى يقول لنبيه: لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ [المائدة:41] من المنافقين واليهود، مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ [المائدة:41] وهؤلاء هم المنافقون، وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا [المائدة:41] وهم اليهود، سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ [المائدة:41] .. إلى آخر تلك الأوصاف.

    ثم وصفهم في آخر الآية فقال: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ .. [المائدة:41-42] إلى آخر الآيات في وصف اليهود.

    المنافقون يتخذون اليهود والنصارى والكفار أولياء

    قال المؤلف رحمه الله: [ وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة:51] ].

    في هذه الآية ينهى الله سبحانه وتعالى المؤمنين عن أن يتخذوا اليهود والنصارى أولياء يحبونهم بقلوبهم، ثم ينشأ عن تلك المحبة في القلب المساعدة والمعاونة بالرأي أو بالسلاح على المسلمين، فتولي الكفار ردة؛ ولهذا قال سبحانه: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة:51]، وتوليهم هو محبتهم في القلب، فحكم على من تولى الكفار بأنه كافر مثلهم.

    وقال: بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [المائدة:51]، فالكفار بعضهم أولياء بعض، كما قال سبحانه في الآية الأخرى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [الأنفال:73]، وقال: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71]، فالمؤمن ولي لأخيه المؤمن، والكافر ولي لأخيه الكافر، فلا يجوز للمسلم أن يتخذ الكافر ولياً، فإذا اتخذه ولياً وأحبه لدينه، ونشأ عن هذه المحبة المساعدة والمعاونة فإن هذه ردة عن الإسلام، فتولي الكفرة ومحبتهم ردة عن الإسلام.

    وأما الموالاة بمعنى المعاشرة والمصادقة بدون محبة القلب فهذه كبيرة من كبائر الذنوب، كما قال سبحانه في آية الممتحنة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ [الممتحنة:1]، وهذا غير البيع والشراء والمعاملة، فلا يلزم منها الموالاة، فإذا باع الإنسان أو اشترى من الكفار عند الحاجة فليس ذلك من الموالاة في شيء إذا كان ذلك مع بغضه لهم ولدينهم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد عامل اليهود، فعاملهم على شطر ما يخرج من أرض خيبر من ثمر أو زرع، واشترى غنماً من مشرك، ومات ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعاً من شعير، فالمعاملة شيء والموالاة شيء آخر.

    فالمعاملة كأن يبيع ويشتري منهم عند الحاجة، ولا حرج في ذلك إذا كان الكافر ليس بحربي، وأما الموالاة فمعناها أن يتخذه صديقاً يزوره، ويجيب دعوته من دون حاجة بيع ولا شراء ولا غيرها، وأما محبته بالقلب فهذه ردة عن الإسلام، وهي التولي لهم، وأصل التولي المحبة بالقلب، ثم ينشأ عنها المساعدة، فمن أحب كافراً لدينه كأن يحب يهودياً أو نصرانياً أو وثنياً فهو كافر مثله، كما قال الله في هذه الآية: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة:51]، وأما الموالاة والمعاشرة والمصادقة لهم من دون محبة في القلب فهذه كبيرة من كبائر الذنوب، وهي فسق ومعصية، وتدل على ضعف الإيمان ونقصه.

    ثم ذكر أوصاف المنافقين فقال سبحانه: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ [المائدة:52]، قوله: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [المائدة:52] هو مرض الشك والنفاق والشبهة.

    وقد سبق أن ذكرنا أن المرض مرضان: مرض شك، ومرض شهوة، فمرض الشهوة هو مرض المعصية، قال سبحانه وتعالى في خطاب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب:32]، فهذا هو مرض المعصية، وهو مرض الزنا ومرض الشهوة.

    وأما مرض الشك والكفر والنفاق فكما قال سبحانه في سورة البقرة: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا [البقرة:10]، وهذا أشد من مرض الشهوة؛ لأن هذا مرض في العقيدة.

    وقال تعالى: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم [المائدة:52] أي: يضعون أيديهم مع الكفار من اليهود والنصارى، فإذا قيل لهم: كيف توالون اليهود والنصارى وتكونون معهم؟ قالوا: نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ [المائدة:52] أي: نخشى أن ينهزم المسلمون، فإذا انهزموا لجئوا إلى الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم، وإن حصل للمسلمين فتح ونصر وغنيمة لجئوا إلى المسلمين وقالوا: نحن معكم، فشاركوهم في الغنائم، فيجعلون يداً مع هؤلاء ويداً مع هؤلاء، كما قال الله تعالى: لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ [النساء:143].

    قال الله: فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ [المائدة:52] أي: للمسلمين، أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا [المائدة:52] أي: المنافقون، عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ [المائدة:52] من موالاتهم للكفار.

    المنافقون يسارعون في الإثم والعدوان وأكل السحت وتولي الكفار

    قال سبحانه: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ [المائدة:53] وهم المنافقون، قال الله عنهم: حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ [المائدة:53].

    وقال تعالى في نفس السورة في وصف المنافقين: وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ [المائدة:61]، أي: إذا جاء المنافقون إلى المسلمين قالوا: آمنا وأظهروا لهم الإسلام، وإذا ذهبوا إلى رؤسائهم وإلى الكفار قالوا: نحن معكم كما قال الله سبحانه وتعالى عنهم: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ [البقرة:14]، وهنا قال سبحانه: وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ * وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [المائدة:61-62]، فهذه أوصافهم: المسارعة في الإثم والعدوان، وأكل السحت.

    وقال بعدها: لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [المائدة:63] .

    وقال تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [المائدة:77]، فنهى الله أهل الكتاب عن الغلو في الدين، والغلو: هو مجاوزة الحد، ومن الغلو في الدين أن النصارى غلوا في عيسى حتى جعلوه إلهاً يعبد مع الله.

    قال تعالى: وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [المائدة:77]، فنهاهم الله عن اتباع الضالين.

    ثم قال سبحانه: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [المائدة:78] إلى قوله: تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا [المائدة:80]، فمن وصف المنافقين تولي الكفرة.

    لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ [المائدة:80]، لعدم إيمانهم، حيث إنهم يريدون أن يخادعوا هؤلاء وهؤلاء، قال الله: أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ [المائدة:80]، أي: سخط الله عليهم بسبب موالاتهم الكفرة، فخلدهم في النار.

    ثم بين سبحانه أن اتخاذ الكفار أولياء ينافي الإيمان، فلا يجتمع الإيمان واتخاذ الكفرة أولياء، قال سبحانه: وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [المائدة:81] أي: لو كانوا يؤمنون بالله ورسوله حقيقة ما اتخذوا الكفار أولياء يحبونهم ويساعدونهم ويعينونهم على المسلمين، وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [المائدة:81].

    1.   

    ما جاء في سورة براءة من كشف المنافقين وذكر صفاتهم

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وأما سورة براءة فأكثرها في وصف المنافقين وذمهم، ولهذا سميت الفاضحة والمبعثرة، وهي نزلت عام تبوك، وكانت تبوك سنة تسع من الهجرة، وكانت غزوة تبوك آخر مغازي النبي صلى الله عليه وسلم التي غزاها بنفسه، وتميز فيها من المنافقين من تميز، فذكر الله تعالى من صفاتهم ما ذكره في هذه السورة ].

    لقد أكثر الله في سورة براءة من صفات المنافقين، ولهذا سميت هذه السورة: الفاضحة؛ لأنها فضحت المنافقين، وتسمى المبعثرة؛ لأنها بعثرتهم، فلم تزل تذكر: ومنهم ومنهم ومنهم ومنهم حتى خاف المنافقون أن يسموا بأعيانهم.

    قال تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ [التوبة:58] ، وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ [التوبة:61]، قال ابن عباس : لم تزل الآيات تذكر أوصافهم ومنهم ومنهم حتى خافوا أن يسموا بأعيانهم؛ ولهذا سميت هذه السورة سورة الفاضحة؛ لأنها فضحتهم.

    قال سبحانه فيها: انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [التوبة:41]، ثم بين وصف المنافقين فقال: لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ [التوبة:42]، أي: لو كان السفر قريباً لاتبعوك، لكن كان السفر بعيداً، أي: أن السفر إلى تبوك في ذلك الوقت كان سفراً بعيداً، وكان في شدة الحر في وقت نضوج الثمار، فلا يستطيع المنافقون الخروج؛ لأنهم ليس لديهم إيمان يدفعهم إلى الجهاد، ولهذا تخلف كثير من المنافقين.

    وهذا بخلاف المؤمنين الذين يبعثهم إيمانهم بالله ورسوله على التضحية بالأموال والراحة وبكل شيء، وأما المنافقون فليس لديهم ما يبعثهم، فالسفر بعيد ومتعب وطويل المسافة، والمدة طويلة، فالسفر قديماً يحتاج إلى امتطاء ظهور الإبل، وليس كالسفر في وقتنا الحاضر، فقد صار قصيراً، ولهذا قال سبحانه وتعالى: لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ [التوبة:42] أي: لو كانت الغنيمة سهلة، والسفر قريباً لاتبعوك؛ لأنهم ليس لهم هم إلا الدنيا، لكن السفر بعيد، ولا يدرون هل سيحصلون على الغنيمة أو لا، ولم يكن عندهم إيمان يبعثهم.

    لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ [التوبة:42] أي: إذا رجع الرسول صلى الله عليه وسلم من الغزو، لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [التوبة:42] .

    ثم قال سبحانه وتعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ [التوبة:43].

    ثم قال في أوصافهم: لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ * إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ * وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ [التوبة:44-46] أي: إلى غزوة تبوك لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ [التوبة:46].

    وقد بين الله سبحانه الحكمة في تثبيطهم وعدم خروجهم، فقال: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا [التوبة:47]، فلو خرج المنافقون فإنهم لا يألون المؤمنين خبالاً وشراً وتشويشاً وإدخالاً للهلع والضعف في نفوسهم، وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ [التوبة:47] أي: سعوا في الشر والفساد بينكم، يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ [التوبة:47] أي: فيكم من يسمع لهم، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي [التوبة:47-49] أي: ومن المنافقين مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ [التوبة:49] .

    أي: أن أحد المنافقين قال: يا محمد! ائذن لي فأنا لا أستطيع وأخشى على نفسي، فإني إذا رأيت بنات بني الأصفر فسأفتن ولا أستطيع أن أمتنع، فأنزل الله فيه: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي [التوبة:49]، قال الله: أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ [التوبة:49].

    ومن أوصافهم: إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَهُمْ فَرِحُونَ [التوبة:50]، وقال سبحانه: لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ [التوبة:57]، فهذه من أوصافهم.

    ثم قال سبحانه: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ [التوبة:58] .

    ثم قال سبحانه: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة:61] ، ثم قال سبحانه: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ * يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ [التوبة:62-66].

    ثم ذكر من أوصافهم: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [التوبة:67]، فمن صفات المنافقين أن بعضهم ولي لبعض، فينصر بعضهم بعضاً، وهذا فيه تحذير من الاتصاف بهذه الصفات، فالمؤمن ينصر أخاه المؤمن ويوالي أخاه المؤمن.

    ومن أوصافهم: يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ [التوبة:67]، إذاً المنافق يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف، والمؤمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ [التوبة:67] أي: عن النفقة في سبل الخير، فليس عندهم إيمان يدفعهم إلى ذلك، فلا ينفق إلا المؤمن، نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [التوبة:67] .

    ومن أوصافهم: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [التوبة:75-78].

    ومن أوصافهم: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة:79]، فالمنافقون لا يتصدقون، ولما حث النبي على الصدقة تصدق بعض الصحابة بصدقة كبيرة فقالوا: هذا مراء، ثم جاء بعضهم بالقليل فقالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا، فأنزل الله: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ [التوبة:79] أي: لا يجدون إلا القليل، فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة:79].

    وقد ذكر الله تعالى من أوصافهم في هذه السورة ما لم يذكره في غيرها، قال: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:79-80].

    ثم قال بعد ذلك: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ [التوبة:84].

    وقال سبحانه: وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة:90] ، ثم قال بعد ذلك: يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [التوبة:94] .

    وقال بعد ذلك في وصف الأعراب: الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [التوبة:97-98].

    ثم قال في آخر السورة: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ * أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ * وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ [التوبة:124-127].

    فهذه الآيات العظيمة التي بينت صفات المنافقين في هذه السورة، فينبغي للمسلم أن يتدبرها، ولا نستطيع الآن أن نتوسع في شرحها؛ لكن يكفي أن أقرأها عليكم قراءة من باب التنبيه والإشارة، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (ولهذا سميت سورة الفاضحة والمبعثرة؛ لأنها فضحتهم حتى خافوا أن يسموا بأسمائهم، لم تزل الآيات: (ومنهم ومنهم ..) حتى قالوا: ما بقي إلا يسموا بأسمائهم، وكانت غزوة تبوك آخر ما نزل، وهي آخر مغازي النبي صلى الله عليه وسلم التي غزاها بنفسه، وتميز فيها من المنافقين من تميز، فذكر الله من صفاتهم ما ذكر في هذه السورة ).

    1.   

    الأسئلة

    حكم التحاكم إلى من لا يحكم بشريعة الله تعالى لغرض استرداد الحقوق

    السؤال: ما حكم التحاكم عند من لا يحكم بشريعة الله لغرض استرداد الحقوق؟

    الجواب: لا يجوز للإنسان أن يتحاكم إلى غير شرع الله، ولكن يأخذ حقه ويطالب به من دون أن يتحاكم إلى من لا يحكم بشريعة الله.

    حكم لبس الصليب

    السؤال: هل يكفر من لبس الصليب أو لا؟

    الجواب: لا يكفر إلا إذا رضي بدينهم، وأما إذا لبسه من باب التشبه بهم فالتشبه بهم محرم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من تشبه بقوم فهو منهم)، فهو محرم ومن الكبائر.

    قال شيخ الإسلام رحمه الله: يدل هذا الحديث على أن أقل أحواله هو التحريم، فإذا تشبه بهم في لباسهم أو في أعيادهم فهذا منكر عظيم، ولكنه لا يصل إلى درجة الكفر إلا إذا أحب دينهم، أو رضي به، أو والاهم، نسأل الله السلامة والعافية، ولكنه يخشى عليه إذا لبس الصليب، فقد يوصل هذا التشبه في الظاهر إلى التشبه في الباطن فيصل إلى الكفر، نعوذ بالله.

    حكم ترك إنكار المنكر مع القدرة

    السؤال: نرى انتشار طلاب العلم -ولله الحمد- وكذلك أهل الخير، فما رأيكم في ضعفهم في إنكار المنكر، وعدم القيام به على الوجه المطلوب؟

    الجواب: الواجب على المسلم أن ينكر المنكر بقدر استطاعته، فيزيله باليد إذا كان مستطيعاً كأن يكون المنكر في بيته، أو كالأمير أو كرجال الهيئة في حدود صلاحياتهم فيغيرون المنكر باليد.

    فإن كان لا يستطيع تغيير المنكر باليد فينكر باللسان، فإن عجز عن ذلك كما إذا كان يترتب على إنكاره باللسان ضرر محقق في بدنه أو ماله أو أهله فإن ينكر بقلبه، بمعنى أنه يكره المنكر بقلبه ولا يجالس أهله، بل يقوم عنهم، ولتكن علامات الإنكار على وجهه، فيقطب وجهه وتظهر عليه علامات الكراهة، فقد ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم من حديث أبي سعيد الخدري : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان).

    إذاً: فدرجات التغيير ثلاث: باليد ثم باللسان ثم بالقلب، فالإنكار بالقلب معناه كراهة المنكر والبعد عن أهله، فإذا كان يكره بقلبه فإنه لا يجلس وهو يستطيع البعد، فإذا كان يستطيع القيام فإنه يجب عليه أن يقوم، فإن لم يقم فليس صادقاً في إنكار المنكر، ولابد أن تظهر علامات المنكر على وجهه، ولينصرف عنهم، فإن جلس فحكمه كحكمهم، ودعواه أنه أنكر المنكر كذب وليست صحيحة، كما قال تعالى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ [النساء:140].

    فمن جلس في مجلس يكفر فيه بالله وهو يستطيع القيام ولم ينكر ولم يقم فحكمه حكمهم، ومن جلس في مجلس يشرب فيه الخمر ولم ينكر عليهم وهو يستطيع الإنكار فحكمه كحكم شارب الخمر في الإثم، ومن جلس في مجلس يغتاب فيه الناس وهو يستطيع القيام ولم ينكر عليهم ولم يقم فحكمه كحكم المغتابين.

    حكم محاباة الكفار

    السؤال: ما حكم مجاملة الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم؟

    الجواب: ليس هناك مجاملة، فاليهود والنصارى وغيرهم إذا كان بيننا وبينهم عهد فهم أهل عهد، وإن لم يكن بيننا وبينهم عهد وكان المسلمون أقوياء فتفرض عليهم الجزية، وإن كانوا وثنيين فإنهم يقاتلون مع القدرة.

    كيفية الوصول إلى مرتبة عبادة الله كأنك تراه

    السؤال: كيف الوصول إلى مرتبة أن تعبد الله كأنك تراه؟

    الجواب: هذه مرتبة الإحسان ومرتبة السابقين، أي: أن تعبد الله على المراقبة والمشاهدة، بأن تعبد ربك كأنك تراقبه وتشاهده في تأديتك الصلاة والزكاة والصوم، فهذه هي المرتبة الأولى.

    والمرتبة الثانية: إذا ضعفت (فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، أي: أن تعبده على أنه يراك.

    حكم القول بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دخول فيما لا يعني

    السؤال: هل يكفر من يقول عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: إنه تدخل فيما لا يعني؟

    الجواب: لا يكفر؛ لأنه قد يكون جاهلاً، وأما إذا أنكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقال: لسيا من الدين وهو يعلم ذلك، أو جحده أو استهزأ به أو بالنصوص التي فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهذا كفر وردة، وأما إذا قال ذلك جهلاً فينبه ويبين له ويحذر من هذا الكلام.

    حكم من يتحاكمون إلى الأعراف دون الشريعة

    السؤال: ما الحكم فيمن يلجئون إلى أحكام القبائل دون حكم الشريعة؟

    الجواب: هذا من أنواع الكفر، فبعض الناس يتحاكمون إلى أعراف وعادات القبائل، فيذهبون إلى شيخ القبيلة ويتحاكمون إليه، فإذا وقع شخص في الزنا ذهبوا إلى شيخ القبيلة فحكم بينهم بالطاغوت، فيقول لهم: الأمر سهل، ائتوا بذبيحة فاذبحوا، ثم يتصالحون، أو يقول: يدفع كذا من الدراهم ويعفى عنه، وكذلك في القتل وما أشبه ذلك، فالحكم بالأعراف والأسلاف والتحاكم إلى الطاغوت من أنواع الكفر الأكبر المخرج من الملة، نعوذ بالله.

    ضابط الإكراه على الكفر

    السؤال: ما هو ضابط الإكراه على الكفر؟

    الجواب: ضابطه ألا يكون له مخرج، وذلك مثل أن يوضع السيف على رقبته ويقال له: اكفر وإلا قتلناك، فهذا هو المكره، فيجوز له أن يتكلم بكلمة الكفر تخلصاً من الإكراه، بشرط أن يكون قلبه مطمئناً بالإيمان، ولا يضر هذا، قال الله تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106] .

    وأما إذا تكلم بكلمة الكفر وانشرح صدره بالكفر فهو كافر نعوذ بالله من ذلك، فلابد أن يتكلم باللسان تخلصاً من الإكراه وقلبه مطمئن بالإيمان، نسأل الله السلامة والعافية.

    حكم السلام على الرافضة والشيعة والأكل معهم

    السؤال: أنا مدرس في منطقة ما والغالب على أهلها الرفض والتشيع، فماذا يجب علي من أحكام من حيث الأكل معهم، وهل إذا دخلت عليهم الفصل أسلم عليهم أم أكتفي بالترحيب مع أنني القدوة، أفيدوني أفادكم الله؟

    الجواب: إذا كانوا يظهرون الإسلام ويخفون كفرهم فإنهم يعاملون معاملة المسلمين، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعامل عبد الله بن أبي وغيره معاملة المسلمين، حتى إنه عليه الصلاة والسلام أعطى عبد الله بن أبي قميصه، ونفث عليه من ريقه، وصلى عليه قبل أن ينهى عن ذلك، فلما أراد النبي صلى الله عليه وسلم -كما في صحيح البخاري- أن يصلي عليه أخذ عمر بثوبه وقال: تصلي على المنافق، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أخر عني يا عمر ! فإني خيرت وقيل لي: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ [التوبة:80]، فلو أعلم أني إذا زدت على السبعين غفر له لزدت على السبعين).

    وإنما قال ذلك عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لم ينه ذلك ولعل الله أن ينفعه، ومراعاة لقومه ولابنه عبد الله بن عبد الله ، فإنه كان من أصلح المؤمنين، وأبوه رئيس المنافقين، وهذا قبل أن يُنهى، وأعطاه قميصه مكافأة له على إعطائه قميصاً لعمه العباس لما أسر يوم بدر، ثم بعد ذلك أنزل الله: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ [التوبة:84]، فلم يصل بعد ذلك على منافق. رواه البخاري في صحيحه.

    وهؤلاء إذا كانوا يظهرون الإسلام ولا يظهرون كفرهم فإنك تعاملهم، وأما إذا كانوا يظهرون كفرهم فلا تبدأهم بالسلام إذا كانوا مجتمعين، وأما إذا كان معهم غيرهم فسلم عليهم، ويكون السلام للمؤمنين، فقد ثبت: (أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على مجلس فيه أخلاط من المؤمنين واليهود وعبدة الأوثان فسلم عليهم) .

    حكم صلاة الجمعة في السفر

    السؤال: سافرت إلى بلد وحضرت صلاة الجمعة فصليتها مع الجماعة، فقال لي أحدهم بعد عودتي: لا يجوز لك ذلك، ويجب عليك صلاتها ظهراً، وعليك الآن قضاء الظهر، فأصبحت لا أصلي الجمعة في أسفاري، فما حكم ذلك؟

    الجواب: هذه الفتوى خاطئة، والصواب: أن المسافر إذا مر ببلد وصلى معهم الجمعة فإنها تجزئه، ولذلك قال العلماء: إن حضرها مسافر أجزأته، فإذا حضر المسافر والمريض والمرأة صلاة الجمعة أجزأتهم، فالمرأة ليس عليها صلاة جمعة ومع ذلك لو صلت مع الناس الجمعة فإنها تصح منها، وإن صلت في بيتها صلتها ظهراً أربع ركعات، والمسافر إذا صلى في السفر صلاها ركعتين، وإن صلى مع المقيمين أجزأت، وكذلك المريض الذي لا يستطيع الذهاب إلى المسجد لا تجب عليه الجماعة، وإذا حضر الجماعة أو الجمعة وصلى معهم أجزأت.

    فالمسافر إذا صلى الجمعة مع المقيمين أجزأته وصحت صلاته.

    حكم التشبه بالكفار في الكلام وغيره

    السؤال:

    سؤال قد تطاول فيه قوم فلم يجدوا لسؤلهم جواباً

    فبلغنا كلام الله فيهم وحكم رسوله حقاً صواباً

    نرى منا أناساً أهل رطن بغير كلامنا عجماً غراباً

    يحاكون النصارى بلا اضطرار ويرجون التشبه واقتراباً

    أجبنا يا رعاك الله فيهم بقول إن أتى فصل الخطابا

    الجواب: الذي يفهم من هذه الأبيات أنهم قوم يشابهون الكفار من اليهود والنصارى في الرطانة ويحاكونهم ويتشبهون بهم، وهذا حرام من كبائر الذنوب، قال عليه الصلاة والسلام: (من تشبه بقوم فهو منهم)، قال شيخ الإسلام رحمه الله: أقل أحواله التحريم وإلا فظاهره الكفر، فيخشى عليهم من هذا التشبه في الظاهر أن يوصلهم إلى التشبه في الباطن، والتشبه بالكفرة في أعمالهم وأقوالهم وعاداتهم وتقاليدهم واحتفالاتهم وموالدهم ورطانتهم.. إلى غير ذلك، من كبائر الذنوب.

    وأما إذا تشبه بهم حباً لدينهم فهذه ردة، وأما إذا تشبه بهم وهو لا يحب دينهم فهذه معصية صغيرة، فيخشى أن تتدرج به الحال من تشبه إلى تشبه حتى يصل إلى الكفر نعوذ بالله من ذلك، فنسأل الله السلامة والعافية، وفق الله الجميع إلى حسن الخاتمة، وثبت الله الجميع على الهدى.

    التحذير من التنقيب عن نيات الناس ومقاصدهم

    بعض الإخوان لما خرجنا من الدرس أمس قال: إن بعض الأسئلة التي أجبت عليها يقصد بها كذا وكذا فلابد أن تنبه، فقلت: أنا أجبت على السؤال ولا أدري من يقصد؟ فقال: هؤلاء يقصدون كذا وكذا، قلت: كيف تدخل هذا الشخص في المقاصد والنيات؟ فمن الذي علمك هذا؟ وهل شققت عن قلبه؟

    وهذا يحصل كثيراً، ففي ببعض الأحيان يقول بعضهم: هذا السائل يقصد فلاناً من العلماء أو من المحدثين، أو يقصد فلاناً من الملوك أو من رؤساء الجمهوريات، فنقول لهذا: كيف تقول هذا الكلام؟ سؤال هذا الأخ واضح ليس فيه أي إشكال وقد أجبنا عليه، فكيف تقول: إن مقصوده كذا وكذا أشققت عن قلبه؟ فهذه من المصائب التي لم تعرف إلا في هذا الزمان، أعني: الدخول في المقاصد والنيات.

    فـأسامة بن زيد رضي الله عنه لما قتل ذلك الرجل الذي قال: لا إله إلا الله، أنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: (أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟ قال: يا رسول الله! إنما قالها متعوذاً يخشى الموت، قال: أشققت عن قلبه؟ كيف تفعل بلا إله إلا الله يوم القيامة إذا جاءت؟ فما زال يكرر ذلك عليه حتى تمنى أنه لم يسلم قبل ذلك اليوم)، وقد نبهت في أول يوم وقلت: ينبغي للإنسان ألا يسأل إلا أسئلة مفيدة، وليترك الأسئلة التي فيها تعنت وإحراج للمسئول، والتي فيها دخول في المقاصد والنيات، فاتقوا الله يا إخوان! فهذا لم يعرف إلا في هذا الزمن.

    لقد انتشرت الآن التحزبات عند بعض الشباب، فترى بعضهم يقول: هذا جهمي، وهذا سروري، وهذا كذا، وهؤلاء تكفيريون يريدون كذا وكذا، فنقول لهؤلاء: هؤلاء إخوانك وزملاؤك فكيف تقول عنهم: إنهم تكفيريون؟ وما هذه التحزبات، فكلكم طلبة علم، وكلكم إخوان، وكلكم من أهل السنة والجماعة، وكلكم درستم التوحيد، فدرستم العقيدة الواسطية، ودرستم الحموية، فكيف هذه التحزبات؟!! فكيف يقول بعضهم: هذا جامي، وهذا تبليغي، وهذا سروري، وهذا تكفيري؟

    فينبغي لكم أن تتحدوا وتكون كلمتكم واحدة، فكلكم أهل سنة وجماعة، وكلكم يقول: أنا على معتقد أهل السنة والجماعة، وعلى معتقد الصحابة والتابعين، وعلى ما دلت عليه النصوص من كتاب الله وسنة رسوله، وأنا على عقيدة الرسل والأنبياء والصحابة والتابعين والعلماء، فما هذه التحزبات التي يخشى أن تقضي على كثير من الحسنات؟! فهي سوء ظن واتهامات وتحزبات صرفت الكثير عن طلب العلم.

    فبعض الشباب يريد أن يطلب العلم فيذهب إلى بعض الحلقات فيقولون له: أنت إخواني أم سلفي؟ فإذا كان إخوانياً فإنهم يطردونه، والعكس أيضاً إذا ذهب إلى آخرين يقولون له: أنت سلفي، ويطردونه، فيبقى في حيرة ولا يدري أين يذهب فهؤلاء ويطردونه وهؤلاء ويطردونه!!

    فاتقوا الله، وتوبوا إلى الله عز وجل، واتركوا هذه التحزبات، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10] فهذه التحزبات دخلت فيها أصابع آثمة أرادت تفريق الشباب، وأرادت قتل الصحوة الإسلامية، وفيها أصابع لأعداء الله يريدون من خلالها أن يفرقوا المسلمين، وأن يفرقوا الشباب ويضيعوهم، ويضيعوا عليهم طلب العلم، فلا يجوز للإنسان أن يقول: إن السائل مقصوده كذا وكذا، أأنت تعلم الغيب؟ أشققت عن قلبه؟ هو سأل سؤالاً محدداً فأجبناه عنه، فهل أنت أعرف بالسائل؟ وهل شققت عن قلبه حتى تعرف أنه يريد فلاناً، وأنه يريد رئيس الجمهورية الفلانية، ويريد الملك الفلاني، ويريد المحدث الفلاني؟ فإنه لم يقل شيئاً من هذا في سؤاله.

    فالله تعالى يقول في كتابه العظيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [الحجرات:12] ومنه هذا الذي ليس عليه دليل.

    وقال بعض السلف: لا تظن بكلمة خرجت من أخيك شراً وأنت تجد لها في الخير محملاً، فما دمت تجد لها في الخير محملاً فاحملها على ذلك الخير، وأما أن تحملها على الشر بلا دليل فهذا هو ظن الإثم الذي يحاسب عليه الإنسان، وأما إذا كان هناك دليل على ذلك لا بأس.

    وأما أن تدخل في هذه التحزبات فهذا هو الذي يضيع العلم، وهو يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، ويذهب بركة العلم، ويجعل الناس شيعاً وأحزاباً، وقد أراد الله تعالى من المسلمين أن يكونوا إخوة متحابين فقال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)، وقال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً) .

    وإذا أشكل عليك شيء، أو اختلفت أنت وأخوك في شيء فاسأل أهل العلم الكبار وقل: ما حكم المسألة الفلانية؟ وأما أن تتهم وتظن ظناً ليس عليه دليل، أو تدخل في المقاصد والنيات بغير دليل فهذا لا يجوز لك وهو حرام عليك، وأنت بذلك آثم، فاتق الله واحذر.

    فأرجو ألا يتكلم أحد مثل هذا الكلام، واحذروا هذه التحزبات، فكلكم حزب واحد وهو حزب الله، ومن غلط يرد عليه غلطه، ومن أخطأ يرد عليه خطأه، إلا الشخص الذي يظهر بدعة الخوارج أو بدعة المعتزلة أو بدعة الرافضة أو بدعة المرجئة فهذا يقال له: هذه بدعة، وينصح في ترك هذه البدعة، فنسأل الله للجميع التوفيق والسداد، والسلامة والعافية، فسلامة الصدور لها أثر عظيم.

    فقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالساً بين أصحابه فقال: يمر عليكم رجل من أهل الجنة، فجاء رجل تنطف لحيته، معلقاً نعليه بيديه، وفي اليوم الثاني والثالث قال النبي صلى الله عليه وسلم نفس الكلام فكان يطلع عليهم ذلك الرجل، فصحبه عبد الله بن عمرو وقال: إني لاحيت أبي، وإني أريد أن أبيت عندك إن شئت، فبات عنده ثلاث ليال ولم يجد عنده كثير عمل إلا أنه كان يستيقظ آخر الليل، وكان كلما استيقظ ذكر الله، فلما انتهت الثلاثة الأيام قال: يا أخي! ليس بيني وبين أبي شيء ولكني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يطلع عليكم رجل من أهل الجنة، فطلعت أنت، فأنا أريد أن أعمل مثل عملك، فما هو العمل الذي نلت به هذه المنزلة؟ قال: ما هو إلا ما رأيت، فلما أراد أن يولي قال: إلا أنني أبيت ولا أجد في نفسي شيئاً على أحد من المسلمين.

    فسلامة الصدر لها تأثير عظيم، فهل يصلح أن يحمل طالب العلم في صدره غلاً لأخيه، فيحقد عليه، ويظن به ظن السوء، ويسميه تكفيرياً، وينزل فيه الألقاب السيئة، ويقول: إنه يريد كذا أو يقصد كذا بدون دليل، فهذا حقد وعداوة وبغضاء لا يتصف بها المؤمن فكيف بطالب العلم؟! نسأل الله للجميع السلامة والعافية.