إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أحمد حطيبة
  4. محاضرات الحج
  5. شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة و الحج و الزيارة
  6. شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - أحكام الأضحية والهدي

شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - أحكام الأضحية والهديللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الأضحية مشروعة لمن قدر عليها، وينبغي أن تسمن، وأن تكون سليمة من العيوب المانعة من الإجزاء التي بينها النبي صلى الله عليه وسلم في سنته، وللذبح آداب وسنن ينبغي مراعاتها حتى يكون الذبح على ما ورد في الشريعة المطهرة.

    1.   

    ذكر ما لا يجزئ من الأضاحي وأحكامها

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    روى أصحاب السنن عن عبيد بن فيروز قال: سألت البراء بن عازب رضي الله عنه ما لا يجوز في الأضاحي فقال: (قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصابعي أقصر من أصابعه، وأناملي أقصر من أنامله، فقال: أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء بين عورها، والمريضة بين مرضها، والعرجاء بين ضلعها، والكسير التي لا تنقي، قال: قلت: فإني أكره أن يكون في السن نقص، قال: ما كرهت فدعه ولا تحرمه على أحد).

    وفي لفظ للنسائي (لا يجوز من الضحايا العوراء البين عورها، والعرجاء البين عرجها، والمريضة البين مرضها، والعجفاء التي لا تنقي)، وقد وردت أحاديث للنبي صلى الله عليه وسلم فيها بيان ما الذي لا يجوز من الأضاحي، فإذا أردت أن تضحي فخذ الشيء الذي يرضي ربك سبحانه لتتقرب به إليه.

    وهذا الشيء الذي تتقرب به إلى الله لابد أن يكون جميلاً في منظره، سيمناً، ويكون في السن المجزئة التي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكرها فيه.

    فهنا في حديث البراء بن عازب يذكر أربعاً لا تجوز في الأضاحي، أولها: (العوراء بين عورها)، والعور قد تبقى معه العين، لكنها تضيع، أي: لا تبصر، فالعوراء قد يكون في بصرها شيء ولكنه غير مؤثر، لكن الحديث ذكر الشيء المؤثر، وهو البين عورها، إذاً: فما فيها عور بين لا تجوز في الأضاحي، أما العور الغير بين أي: الشيء البسيط الذي ما له قيمة فتجزئ مع وجوده.

    ثانيها: (والمريضة البين مرضها)، المرض إما أن يكون مرضاً يسيراً فهي مجزئة معه، أما المرض الذي يؤثر فيها ويهزلها فغير جائز أن يضحى بها.

    ثالثها: (والعرجاء البين ضلعها)، معنى: ضعلها أي: الاعوجاج، والمعنى: العرج البين في اليد أو الرجل بحيث يبدو في مشيتها، فهذا الاعوجاج مؤثر فلا تصح في الأضاحي، والضلع يكون في اليد أو في الرجل، أما إذا كان العرج غير بين فتجزئ في الأضاحي.

    رابعها: (والكسير التي لا تنقي)، معناها: المنكسرة الرجل، ومعنى: لا تنقي، أي: لا نقي لها، فقد صارت هزيلة فلا لحم فيها ولا شحم، وهي التي لا مخ لها فلا شحم بداخلها، فهي هزيلة جداً ما فيها إلا جلد على عظم، فهذه لا تجزئ.

    وفي الرواية الأخرى قال صلى الله عليه وسلم: (لا يجوز من الضحايا: العوراء البين عورها، والعرجاء البين عرجها، والمريضة البين مرضها، والعجفاء التي لا تنقي)، فذكر الكسير وذكر العجفاء، وكأن المعنى متقارب، أي: في كل هذه الحالات يراد أن تكون هزيلة لا تقدر على الأكل، فلا تجزئ في الأضحية.

    حكم التضحية بمقطوعة الأذن

    روى الترمذي عن حجية بن عدي عن علي رضي الله عنه قال: البقرة عن سبعة. فهذا من قول علي رضي الله عنه قال: قلت: فإن ولدت البقرة؟ فقال: اذبح ولدها معها. أي: طالما أنك جعلت البقرة أضحية ومعها ولد ولدته حين التضحية فابنها ضحية معها، قال: قلت: فالعرجاء؟ قال: إذا بلغت المنسب. والمعنى: إذا كان هذا العرج طرأ عليها في المكان التي تذبح فيه فصاحبها معذور في ذلك، قال: قلت: فمكسورة القرن؟ قال: لا بأس.

    هذا كله من قول علي رضي الله تعالى عنه، ثم رفع الحديث للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (أمرنا أو أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العينين والأذنين)، والاستشراف أن تنظر إلى الشيء من علو، فعندما تنظره تقول: أستشرف على كذا، أي: أنك تنظر إليه من بعيد، أو تدقق النظر على الشيء البعيد.

    وكأن المعنى هنا: أنك تنظر إليها وتجيد النظر وتبحث فيها عن هذه الأشياء والصفات في العينين والأذنين، أي: ينظر إلى العين أعوراء هي أم لا؟ أما العمياء فترد من باب أولى، وكذلك تنظر إلى الأذنين حتى لا تكون مشقوقة أو مقطوعة الأذن، فيستشرف لذلك.

    وهذا الحديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وجاءت رواية أخرى توضحه وإن كان إسنادها ضعيفاً، وفيها: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العينين والأذنين)، إلى هنا صحيح، ثم قال: (ولا نضحي بعوراء، ولا مقابلة، ولا مدابرة، ولا خرقاء، ولا شرقاء)، هذه الأشياء تكون في الأضحية فنهي عنها، وإن كان هذا الجزء -أي: الثاني- من الحديث ضعيف الإسناد، ولكن يستحب للإنسان أن يراعي هذه الأشياء، أي: ألا يضحي بعوراء، وهي التي بعين واحدة.

    قوله: (ولا مقابلة)، المقابلة: التي طرف أذنها مقطوع، قوله: (والمدابرة)، أي: التي آخر أذنها مقطوع، إذاً: فالمقابلة: مقطوعة الأذن من الأمام، والمدابرة: مقطوعة الأذن من الخلف.

    قوله: (الشرقاء)، أي: مشقوقة، فإذا كانت الأذن مشقوقة فهي الشرقاء.

    قوله: (والخرقاء)، وهي التي فيها خرق، أي: أنها مثقوبة الأذن على هيئة كبيرة، بحيث يكون وسماً بكي ونحوه ليعرفوا أن هذه أضحية من غيرها.

    وهذا الجزء الزائد من الرواية هذا الذي فيه التفصيل ضعيف إسناده، لكن الحديث الذي عند الترمذي أمرنا فيه النبي صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العينين والأذنين، أي: ننظر لسلامة العينين والأذنين، فما كان من مرض أو عاهة بسيطة غير مؤثرة فلا تؤثر، أما إذا كانت بينة كما في الحديث الآخر فإنها تؤثر.

    قال الخطابي : في الحديث دليل على أن العيب الخفيف في الضحايا معفو عنه، إلا أن الحديث قال لنا: البين، إذاً: يوجد فرق بين البين الواضح الجلي وبين غير البين، الذي هو غير الواضح وهو الخفي؛ لأن في الحديث: بين عورها، وبين مرضها، وبين ضلعها، فالقليل منه غير بين فكان معفواً عنه.

    حكم التضحية بالمعيبة

    قال النووي : أجمعوا على أن العيوب الأربعة المذكورة في حديث البراء لا تجزئ التضحية بها، وكذا ما كان في معناها، أو أقبح منها.

    بمعنى: إذا كان الحديث يذكر لنا لا يجوز التضحية بالعوراء بين عورها، فالعمياء لا تجزئ من باب أولى.

    فالأضاحي فيها تقرب إلى الله عز وجل بهذه اللحوم، فتخرج الشيء الجميل المنظر، التي لحمها كثير، وكذا شحمها أيضاً، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يتقرب إلى الله عز وجل بما كان على هذه الصفات.

    وقوله: (فالعوراء البين عورها)، العادة في الحيوان إذا عورت إحدى عينيه أن يصير نظره في جهة واحدة، أي: في العين الأخرى، ولعل الطعام موضوع للشاة في مكان وعينها التي في اتجاهه عوراء، فلا يرى الطعام، فيكون الطعام موضوعاً لها جاهزاً وهي لا تذهب إليه بسبب العور، فالغالب أن تكون العوراء هزيلة، ولا يمنع أن تكون العوراء غير هزيلة، فقد تكون العوراء أو العمياء يعلفها صاحبها ويهتم بها أن تبقى أفضل من غيرها، ولكن فيها عيب من العيوب، والنبي صلى الله عليه وسلم ما كان يحب أن يضحي بما فيها عيب من العيوب، وإنما يضحي بالشيء السليم.

    وكأنه استبشار أن هذه الأضحية لله عز وجل؛ لعل الله عز وجل أن يعتق بها صاحبها، فإذا تقرب إلى الله تقرب بسليمة الأعضاء، أي: التي أعضاؤها كلها سليمة؛ لعل الله أن يعتق أعضاء صاحبها من النار بما قربه لله تبارك وتعالى.

    وهناك ما يمكن أن تكون عرجاء وصاحبها يهتم بها لكونها عرجاء، وهذا ممكن أن يكون، ولكن في النهاية فيها عيب، فلا تتقرب إلى الله بما فيه عيب، وهذه الأشياء المعيبة عندما تبيعها من يشتريها سيقول لك: هذه فيها عيب، فتباع بثمن أقل، فيبخس الثمن فيها، فإذا كان هذا في الناس فكيف تتقرب لرب الناس بما فيه عيب يراه الناس؟!

    إذاً: فالعرج إذا كان يسيراً بحيث لا يجعلها تتخلف عن الماشية لا يضر، لكن إذا كان كثيراً فهو يضر.

    وكذلك إذا كانت الأضحية عوراء فالتضحية بها ممنوع، والعمياء من باب أولى.

    إذا عين أضحية أو نذرها ثم تعيبت

    أما إذا أوجب أضحية سليمة من العيوب، ثم حدث بها عيب يمنع الإجزاء ذبحها صاحبها وأجزأته، وقولنا: (إذا أوجب أضحية) الإيجاب يكون بالنذر، أي: أن يقول: لله علي نذر أن أذبح هذه الأضحية، فهذا أوجبها على نفسه، أو على قول آخر أن الإيجاب أن يعين ويقول: هذه أضحية، كما لو اشترى الأضحية، وما اشتراها إلا للتضحية بها، فهذا لا يلزمه أن يذبحها إلا إذا تلفظ وقال: هذه أضحية، فهذا ملحق بالنذر على ما ذكره بعض أهل العلم، وهذا الأحوط في ذلك، أي: إذا عين فقال: هذه أضحية صارت أضحية بهذا القول الذي قاله.

    فإذا عينها إما بالنذر أو بالتحديد بالقول ثم حدث بها عيب بعد ذلك فلا شيء عليه، وجاز له أن يضحي بها، لكن إذا كان العيب قبل أن يشتريها، فيختار العجفاء أو المريضة لأن ثمنها قليل، فهذه لا تجزئ في التضحية.

    والعيب قد يكون بقضاء الله وقدره وهي في وسط الغنم، كأن وطأتها الغنم فصارت عجفاء، أو انكسرت فصارت عرجاء، أو صار فيها عور أو نحو ذلك، وقد تكون تعيبت بفعل صاحبها، بأن أتى بهذه الأضحية وربطها ربطاً شديداً بحيث انكسرت رجلها من شدة الربط، أو أنه دفعها من السيارة على الأرض فانكسرت رجلها، إذاً: فصاحبها هو الذي تسبب في ذلك فيلزمه بدلها.

    حكم الأضحية إذا تعيبت وقت الذبح

    ولو حدث هذا العيب وقت الذبح بأن أتى بالأضحية ثم نومها من أجل أن يذبحها فتحركت واضطربت فحدث هذا العيب بسبب منها، ففي هذه الحالة لا شيء على صاحبها، ويكمل ذبحها.

    وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم -أي: أنه لو حدث هذا العيب وقد أضجعها لذبحها-: فذهب البعض من الأحناف إلى أنها لا تجزئه؛ باعتبار أن الأضحية عندهم واجبة، وهذا نقله ابن قدامة عنهم فقال: قال أصحاب الرأي: لا تجزئه؛ لأن الأضحية عندهم واجبة، فلا يبرأ منها إلا بإراقة دمها.

    وهذا الكلام ليس على إطلاقه، فليس كل الأحناف قالوا بهذا، ولكن هناك خلاف عندهم لو أضجعها ليذبحها فحدث بها هذا العيب، فعند البعض منهم أنها تجزئه، وعند البعض الآخر: لا تجزئه.

    فمن قال من الأحناف أنها تجزئه: عثمان بن علي الزيلعي الحنفي ، يقول: لو أضجعها ليذبحها يوم النحر فاضطربت فانكسرت رجلها فذبحت أجزأته استحساناً، ولهذا قالوا: كأن الأصل أنها لا تجزئ، فمعنى (استحساناً) أي: أن هنا مخالفة للنص؛ لأن النص قال: لا تجزئ لو جاء البين ضلعها والكسير التي لا تنقي، ولا تجزئ العرجاء البين ضلعها، فهم قالوا: استحساناً، أي: كأننا خالفنا النص لنص آخر، أو خالفناه لعلة أخرى؛ لأن حالة الذبح ومقدماته ملحق بالذبح، فصار كأنه تعيب للذبح حكماً، إذاً: دليل الاستحسان عندهم: أن المضحي سيقطع رقبتها، فإذا كان قطع الرقبة ليس عيباً لها فكسر عضو من أعضائها ملحق بذلك؛ لأنها ستذبح الآن، ولا يوجد وقت للجمال وهو يذبحها، فاستحسنوا ذلك.

    وعند الشافعي لا تجزئ إذا تعيبت عند أن يذبحها صاحبها؛ وكذا لو تعيبت في هذه الحالة فانفلتت ثم أخذت من فورها وشدها صاحبها من أجل أن يذبحها وهي تقاوم فانكسرت رجلها، ثم فلتت منه أخرى فأدركها وذبحها، قالوا: المسافة بين ما حدث لها وبين ذبحها بسيطة، وعلى ذلك فلا شيء على المضحي بها، وهذا عند محمد بن الحسن خلافاً لـأبي يوسف .

    يقول النووي في المجموع: إذا أضجعها ليذبحها فعالجها فأعورت حال الذبح -أي: صارت عوراء حال الذبح- فلا تجزئ، وقال أبو حنيفة وأحمد : تجزئ، وقد عرفنا أن في مذهب الأحناف خلافاً، فليس على الإطلاق المذكور هنا.

    إذاً: فعند بعض العلماء: أنها لا تجزئ إذا تعيبت في حال ذبحها، وعند البعض الآخر: أنها مجزئة، وهو الراجح؛ لأن المضحي عمل ما عليه، طالما أنه ليس هو المتسبب في ذلك بتفريط، أما إذا تسبب في ذلك بتفريط منه فهي غير مجزئة، فلابد أن نفرق في تعيب الأضحية حال ذبحها بسبب تفريط وتقصير من الرجل، كأن نزعها ورماها على الأرض فانكسرت رجلها أو نحوها، فهي في هذه الحالة غير مجزئة في الأضحية، أما إذا كان يشدها وهي تقاوم فحدث فيها شيء، كأن رفعت رأسها مثلاً فجاءت السكينة في عينها، ففي هذه الحالة يعذر المضحي، والأضحية مجزئة.

    إذاً: إن تعيبت بفعله وبتقصيره فعليه بدلها إذا كان عينها بالنذر أو نحوه.

    حكم العشواء والثولاء والفحل

    وقد سبق معنا: أنها لا تجزئ العمياء ولا العوراء، وتجزئ العشواء، والعشى: هو عدم الإبصار بالليل، فالعشواء التي لا تأكل بالليل، وإنما تأكل بالنهار، فعلى ذلك تكون مجزئة؛ لأنها تبصر في النهار طعامها.

    وكذا مر معنا: أن العجفاء التي ذهب مخها من الهزال وبقي الشحم موجوداً داخل عظم اليدين والرجلين، فهذه العجفاء لا تجزئ، إذاً: كلمة (مخ) هنا بمعنى الشحم الذي داخل عظم اليدين والرجلين، هذا العجف.

    والثولاء: وهي المجنونة، فإذا كانت مجنونة، فلا تجزئ؛ لأنها تضطرب كثيراً، فالعادة: أن مثل هذه الحالة لا تأكل، فيؤدي بها الأمر إلى الهزال، إذاً التي تستدبر الرعي ولا ترعى إلا قليلاً فتهزل لا تجزئ.

    ويجزئ الفحل من الغنم والبقر والإبل، والفحل: هو الشديد النزوان على الأنثى، حتى وإن كثر ذلك منه، والغالب: أنه إن كثر ذلك يضعفه، ولكن لن يصل إلى درجة الهزال.

    حكم التضحية بمقطوعة الأذن والمخلوقة بلا ضرع

    ولا تجزئ مقطوعة الأذن؛ لقول علي رضي الله عنه: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العينين والأذنين)، ومعنى نستشرف: ننظر، فإذا كان في العين أو في الأذن عيب فهي غير مجزئة، فإن قطع بعض أذنها فلم تنفصل بل شق طرفها وبقي متدلياً لم يمنع من التضحية بها وإن أبين منه.

    فإن الأذن إذا شقت من الأمام أو من الخلف فهي غير مجزئة، لكن المسألة فيها خلاف، والراجح: أن الحديث الذي ذكر في المقابلة والمدابرة ضعيف، وعلى ذلك إذا كانت الأذن موجودة لكن فيها شق بسيط لم يجاوز النصف ولم يعيبها فالراجح أنها تجزئ مع ذلك.

    أما إذا كانت الأضحية صغيرة الأذن، أو ليس لها أذن أصلاً فهنا يفرق بين التي تعيبت والتي هي مخلوقة على هذه الهيئة، فالتي هي مخلوقة على هذه الهيئة لا شيء فيها، فيجوز التضحية بها.

    كذلك المخلوقة بلا ضرع إذا كانت أنثى من الغنم وغيرها، أي: خلقت ليس لها ضروع أو بلا ألية مثل: الخرفان الاسترالية التي تكون إليتها صغيرة، وفيها هيئة الذيل فقط، فالراجح: أن هذه خلقة فتكون مجزئة.

    حكم التضحية بمكسورة القرن

    وتجزئ التي لا قرن لها، وكذا مكسورة القرن، فالتي لا قرن لها هي الجماء كما جاء في الحديث، فإذا كانت الجماء مجزئة فالمكسورة القرن أيضاً مجزئة؛ لما جاء في السنن عن حجية بن عدي عن علي رضي الله عنه قال: (البقرة عن سبعة، قال: قلت: فإن ولدت؟ قال: اذبح ولدها معها، قلت: فالعرجاء؟ قال: إذا بلغت المنسك؟ قال: قلت: فمكسورة القرن؟ قال: لا بأس، أمرنا أو أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العينين والأذنين).

    وذهب جمهور أهل العلم إلى أن المكسورة القرن غير مجزئة، فإذا أردت أن تشتري أضحية فلا تشتري مكسورة القرن خروجاً من الخلاف في ذلك، فالجمهور يمنعون؛ لحديث جري بن كليب عن علي رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يضحى بعضباء الأذن والقرن)، ومعنى: (عضباء) أي: مقطوعة الأذن والقرن، ولكن الحديث في إسناده ضعف، فعلى ذلك فالأولى للإنسان أن يضحي بالسليمة التي ليست مكسورة القرن، لكن إذا كان المقطوع بعض القرن فالراجح أنها مجزئة، وذات القرن أفضل؛ لما في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قال: (ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده صلى الله عليه وسلم وسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما)، والأملح: هو الأبيض الذي هو ليس خالص البياض، لكن فيه بعض طبقات من سواد أو من حمرة، ومعنى: (أقرنين)، أي: مستويا القرنين، ذبحهما بيده، عليه الصلاة والسلام، وسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما، والصفحة: هي الجانب، والمعنى: على صفحة العنق جانب العنق، وصفحة الوجه جانبه، فكأنه مدد الخروف على الأرض وأمسك بيده اليسرى صلى الله عليه وسلم رأسه، ووضع رجله على صفحته على جانبه الأيمن، أو من ناحية رقبته؛ من أجل أن يثبته على الأرض، وذبحه بيده صلوات الله وسلامه عليه، وقال في رواية: (ورأيته واضعاً قدمه على صفاحهما وسمى وكبر عليه الصلاة والسلام).

    حكم التضحية بما ليس لها أسنان ومن أخذ الذئب شيئاً منها

    وتجزئ ذاهبة بعض الأسنان، لكن لو انكسرت جميع أسنانها فهذا معناه: أنها لا تأكل، وكيف تأكل وهي مكسورة كل الأسنان؟! فالغالب أن تكون هذه عجفاء وهذا يكون عيباً فيها فلا تجزئ في الأضحية.

    ولا تجزئ التي أخذ الذئب مقداراً بيناً من فخذها، أي: لو أن الذئب عدى عليها فأكل شيئاً منها، وكان هذا الشيء يسيراً غير بين فلا شيء في ذلك، لكن إذا أخذ جزءاً بيناً من فخذها فتكون غير مجزئة.

    ولا يمنع قطع الفلقة اليسيرة من العضو الكبير، فإذا كان العضو كبيراً كالفخذ وأخذ منه مقدار صغير إما بفم الذئب أو الكلب العقور ونحوهما فهذا مجزئ، لكن إذا كان المأخوذ شيئاً بيناً فهذا غير مجزئ، والشيء البين كما لو قطع الذئب أو نحوه إليتها كلها أو ضرعها أو عضواً منها فهي غير مجزئة.

    حكم التضحية بالجرباء ومقطوعة بعض اللسان والموجوء والخصي

    ولا تجزئ الجرباء، فلو أن الشاة فيها جرب أو الناقة أو العجل أو البقرة، فلا تجزئ في الأضاحي؛ لأن العادة أن الجرب إن كثر فيها أفسد لحمها، لكن إن كان شيئاً يسيراً فلا شيء فيه؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (البين عورها.. البين مرضها)، وهكذا.

    ولا تجزئ مقطوعة بعض اللسان؛ لأن الغالب أنها لا تستطيع الأكل إلا به.

    ويجزئ الموجوء والخصي، أي: إذا كان الخروف أو العجل أو الجمل خصياً أو موجوءاً فالراجح: أنه يجزئ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يضحي اشترى كبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موجوءين، فليس هو صلى الله عليه وسلم الذي فعل بهما ذلك، بل قد جاء عنه أنه نهى عن ذلك، وإنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون، وهو عليه الصلاة والسلام اشتراه على هذه الهيئة، فدل ذلك على أن هذا ليس عيباً يمنع شراء الأضحية التي فيها ذلك.

    فذبح أحدهما عليه الصلاة والسلام عن أمته، لمن شهد لله بالتوحيد وشهد له بالبلاغ عليه الصلاة والسلام، وذبح الآخر عنه وعن آله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث من الأدلة على عدم وجوب الأضحية، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم لرحمته وحنانه رفع عن الأمة جميعها الحرج، فضحى بكبشين وقال: (هذا عن محمد وآله عليه الصلاة والسلام)، فدل على أن الخروف يجزئ عن الرجل وعن أهل بيته، ثم إنه عليه الصلاة والسلام ذبح كبشاً آخر وقال: (هذا عمن لم يضح من أمتي).

    إذاً: فالأمة فيها من يضحي وفيها من لم يضح، سواء بعذر أو بغير عذر؛ ولذا قال: (هذا عمن لم يضح من أمتي).

    حكم من نذر التضحية بالمعيبة

    وإذا نذر التضحية بحيوان معين فيه عيب يمنع الإجزاء لزمه، أي: لو كان عنده خروف مقطوع الأذن أو مكسور القرن، أو كان فيه عجف، ففيه شيء مما لا يجزئ، فهذا الكبش لا ينفع للأضحية، ولكنه نذر أن هذا بعينه سأذبحه أضحية، فلو قال: إن شفى الله مريضي فلله علي نذر أن أذبح الخروف الموجود عندي في البيت، والموجود عنده على هذه الصورة، وجاء النذر على هذه الصورة، فهذا يلزمه أن يذبحه في الأضحية.

    إذاً: إن نذر التضحية بحيوان معين فيه عيب يمنع الإجزاء لزمه، أو قال: جعلت هذه أضحية، لزمه ذبحها للالتزام، ويثاب على ذلك، ويكون ذبحها قربة، وتفرقة لحمها صدقة، ولا تجزئ عن الهدايا والضحايا المشروعة.

    إذاً: فهذا من أجل النذر فقط، فأصبح مجزئاً، لكن ليس هو الأضحية التي أمرنا بها النبي صلوات الله وسلامه عليه، فلابد أن نفرق بين من وجب عليه أن يذبح هذا نذراً وله أجره في ذلك، وليس له أجر الأضحية التي أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم، وبين الأضحية المشروعة؛ لأن الضحايا المشروعة من شروطها السلامة، أما النذر: فلو أشار إلى ضبية أو دجاجة وقال: هذه لله علي أن أذبحها أضحية، فيكون نذراً، لكن ليست أضحية؛ لأن الأضحية لابد أن تكون من بهيمة الأنعام.

    إذاً: فلو قال: علي دجاجة أن أذبحها أضحية، فهذا له أن يذبحه، ويتصدق به، لكنها ليست أضحية شرعية؛ لأنه لابد في الأضحية أن تكون من بهيمة الأنعام، من الإبل، أو البقر، أو الغنم، وإذا قلنا: الغنم فسيدخل فيها الماعز؛ لأن الله عز وجل ذكر أن بهيمة الأنعام ثمانية أزواج: من الضأن اثنين، ومن الماعز اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين، فهذه هي بهيمة الأنعام.

    1.   

    أحكام ذبح الأضحية

    ويستحب أن يذبح أضحيته بنفسه إذا كان يجيد الذبح والقطع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في الحديث المتقدم، وينوي عند ذبحها أن هذه أضحية، وتجزئ النية المتقدمة قبل ذلك، وإذا كان قد اشتراها للأضحية وجاء العيد فذبحها ولم يستحضر النية في الذبح، وإنما كبر وسمى أو سمى وكبر وذبح، فتجزئ بالنية السابقة، فإن كان منذوراً نوى الذبح عن أضحيته المنذورة، وإن كان تطوعاً نوى التقرب بها.

    جواز التوكيل في ذبح الأضاحي

    ويجوز الذبح للرجل وللمرأة، ويجوز أيضاً أن يوكلا فيه، فقد روى جابر في صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم (أنه نحر ثلاثاً وستين بدنة بيده الكريمة عليه الصلاة والسلام، ثم أعطى علياً فنحر ما غبر -أي: ما بقي- وأشركه في هديه).

    وإذا أراد أن يوكل في الذبح فليوكل رجلاً مسلماً فقيهاً، أي: يفهم فقه الذبح، وعنده علم بالأضاحي، أو فقيهاً بباب الذبائح والضحايا، وما يتعلق بذلك؛ لأنه أعرف بشروطه وسننه.

    ولو أنه وكل امرأة تقوم بذلك فالراجح أنه يجزئ ويجوز، ولو وكل كتابياً -يهودياً أو نصرانياً- وهو الموجود عنده ولا يوجد أحد غيره، فالصحيح: أنه يجوز ذلك، أي: أن يوكل، وإن كان الأفضل ألا يفعل، وأن يوكل مسلماً، لكن إذا احتاج إلى ذلك فله أن يوكل كتابياً.

    وكذلك الصبي يجوز له أن يذبح إذا كان يجيده، ويوكله صاحب الأضحية في الذبح إذا كان لا يجيد الذبح.

    والمرأة الحائض والنفساء والصبي أولى من الكتابي، فلو كنت مخيراً فيمن يذبح له، فالمرأة أولى من الكتابي حتى ولو كانت حائضاً أو نفساء، والصبي أولى منه، ولو كان مخيراً بين صبي عمره عشر سنوات أو تسع ويجيد الذبح، وبين كتابي -يهودي أو نصراني- فيختار الصبي فهو أولى في ذلك.

    ويستحضر النية صاحب الهدي أو الأضحية أو النذر عند الدفع إلى الوكيل الذي يقوم بالذبح، ويستحب إذا وكل أن يحضر ذبحها، ويجوز ألا يحضر، سواء ذهب بضحيته إلى جزار ليذبحها عنده ويعطيه لحمها فيما بعد أو أنه يحضر وقت الذبح، والأولى أن يكون حاضراً، لكن إذا لم يفعل فهذا شيء يرجع إليه.

    ويستحب أن يتولى توزيع اللحم بنفسه، ويجوز أن يوكل من يقوم بذلك.

    النية في الأضحية

    والنية شرط لصحة التضحية، ويجوز تقديمها على وقت الذبح، فسواء نوى وقت الذبح أن هذه أضحية أو قبل الذبح بساعة أو عندما اشتراها نوى ذلك فلا حرج، ولو وكل غيره ونوى عند ذبح الوكيل كفى ذلك، ولا حاجة إلى نية الوكيل، أي: أن صاحبها أعطاها للوكيل وهو ينوي أنها أضحية، والوكيل لا توجد عنده نية ولا غيرها، ولكن قال: باسم الله، الله أكبر وذبح، فنية الموكل مجزئة في هذا الأمر، أي: أنه نوى بها أضحية.

    التضحية عن الغير وعن الميت

    ولو ضحى عن غيره بغير إذنه لم يقع عنه التضحية، فلو فرضنا أنك أتيت بشاة وتريد أن تذبحها عن فلان، فلابد من إذنه وموافقته على هذه العبادة، وإذا ذهبت لفعل ذلك فسيكون لك منة عليه، وقد لا يقبل منك هذه المنة، إذاً: فلا تذبح عن إنسان إلا مع نيته ذلك، وإنما تذبح عن نفسك أو من يلزمك أن تذبح عنه.

    وتجوز التضحية عن الميت، وهذه فيها خلاف بين أهل العلم، أي: هل يمكن أن أذبح أضحية وأقول: هذه عن والدي المتوفى؟ هذه المسألة مبنية على مسألة الصدقة عن الميت، وهل يصل الثواب للميت أو لا يصل؟ والراجح: أنه يجوز لإنسان أن يتصدق عن آخر ميت، والأضحية لا تخرج عن ذلك، أي: أنها صدقة عن الميت، فإذا ثبت النص عن النبي صلى الله عليه وسلم فيمن سأله: (إن أمي انفلتت نفسها وأراها لو نطقت لتصدقت، أفيجزئ أن أتصدق عنها؟ قال: نعم)، إذاً: فالأضحية كذلك؛ لأنها باب من أبواب الصدقة، فيجوز للإنسان أنه يذبح الأضحية ويقول: هذه عن فلان المتوفى.

    وقد ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى جواز التضحية عن الإنسان المتوفى، إلا أن المالكية أجازوا ذلك مع الكراهة، والشافعية يقولون أيضاً بالجواز فيها، فإنه يتصدق عن الميت حتى ولو كان الأمر أضحية، أما ما جاء أن علياً كان يضحي عن النبي صلى الله عليه وسلم فإسناده ضعيف، وفيه: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصاني أن أضحي عنه فأنا أضحي عنه)، لكن عموم جواز الصدقة عن الميت يدل على ذلك، وما الأضحية إلا باب من أبواب الصدقة.

    1.   

    آداب الذبح

    عندما تذبح الأضحية أو يذبحها الجزار فهناك آداب وسنن في ذلك، من هذه الآداب ما يلي:

    حد السكين وإراحة الذبيحة

    الأول: يستحب تحديد السكين وإراحة الذبيحة؛ لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم أنه قال: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته)، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن تحسن الذبح، وأخبر أن الله سبحانه أمر بذلك، أي: أمر الله بالإحسان في كل شيء، فإذا قتلت -أي: في الجهاد في سبيل الله عز وجل- فلا تعذب أحداً من خلق الله بالتمثيل ونحوه، وإنما تجاهد وتقاتل لإعلاء كلمة الله على وفق شرع الله، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح) أو (أحسنوا الذبحة)، كما هي في رواية أخرى، ثم قال: (وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته)، إذاً: فتحد الشفرة التي هي السكين وتريح ذبيحتك.

    وجاء في حديث السيدة عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: (هلمي المدية، ثم قال: اشحذيها بحجر)، فأمر بسن المدية التي هي السكين، قالت: (ففعلت، ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه ثم ذبح).

    إذاً: فيستحب أن يحد السكين عند إرادة الذبح، وهذا من الآداب العظيمة الجميلة في ديننا الذي يقتضي الرحمة بالحيوان، والرحمة في ديننا شيء حقيقي ينبع من قلب المؤمن، وليست أموراً إعلامية فنظهر لأجلها في التلفزيون، أو من أجل أن نقول: نحن عندنا رحمة، وعندنا ديمقراطية، وعندنا كذا، وإنما هي آداب عظيمة من ديننا، نتقرب إلى الله عز وجل بها، ليس كما يفعل من إذا كان أمام الناس يظهر الرحمة وأنه من أسمح الناس خلقاً، وإذا كان بعيداً عنهم يعذب ويقتل ويفعل ما يشاء، إذاً: فنستفيد من هذا الرحمة بالحيوان.

    وانظر في الحديث الذي رواه الطبراني في الكبير والبيهقي في السنن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل واضع رجله على صفحة شاة وهو يحد شفرته)، الرجل كان مضجعاً للشاة ووضع رجله عليها، ويسن السكين وهي تلحظ إليه ببصرها، وتعرف أنه سيذبحها بهذه السكين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أفلا قبل هذا؟!)، أي: هلا سننت السكين قبل إضجاعك لها بعيداً عنها؟! (أتريد أن تميتها موتتين؟!)، أي: بهذا الذي تفعل، فهنا النبي صلى الله عليه وسلم نهاه أنه يسن سكينه أمام الذبيحة.

    وفي رواية قال: (أتريد أن تميتها موتات؟! هلا حددت شفرتك قبل أن تضجعها؟!)، أي: فتسن السكين قبل أن تضجعها.

    إذاً: فيستحب ألا يحد السكين بحضرة الذبيحة، وألا يذبح واحدة بحضرة أخرى، إلا أن يضيق المكان، أما إذا كثرت الذبائح وضاق المكان فلا بأس، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ذبح أو نحر ست أو سبع بدنات وكلهن يزدلفن -أي: يتقربن- بأيتهن يبدأ، وكذلك نحر إبله فما كان يجعل واحدة وراء الثانية، ولكن إذا تيسر للإنسان أن يذبح الذبيحة وليست أمام الأخرى فهذا الأفضل.

    سرعة الذبح

    الثاني: يستحب ألا يجرها إلى مذبحها بعنف وشدة، ويستحب إمرار السكين بقوة وتحامل ذهاباً وعودة، وتعجيل إمرارها؛ ليكون أسرع وأسهل في ذبحها.

    الثالث: يستحب أن يكون الذابح متمرساً متدرباً على ذلك، فيذبح بيد قوية وينزل بالسكين مرة واحدة.

    استقبال القبلة عند الذبح وتوجيه الذبيحة إليها

    الرابع: يستحب استقبال الذابح القبلة، وتوجيه الذبيحة إليها، وهذا مستحب في كل ذبيحة، لكنه في الهدي والأضحية أشد استحباباً، أن تكون الذبيحة موجهة إلى القبلة، وهذا بحسب ما يتيسر للإنسان الذي يذبح، فقد تكون الذبيحة سهلة، وقد تكون صعبة لا يقدر الذابح أن يذبحها بهذه الصورة المستحبة، إذاً: فحسبما يتيسر، لكن إن تيسر له استقبال القبلة فهو السنة وهو أفضل.

    نحر الإبل وذبح البقر والغنم

    الخامس: يسن نحر الإبل وذبح البقر والغنم، وإن نحر البقر والغنم أو ذبح الإبل كره ذلك وأجزأ عنه، ودليل النحر قول الله عز وجل: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2]، ونحر الإنسان معروف، فينحر الذابح بأن يطعن في لبة الذبيحة، والذبح من الأشياء التي فيها الرحمة بهذا الحيوان، أي: مجرد أن يذبح الحيوان أو ينحره فالدم ينقطع عن المخ، فيذهب الإحساس من الحيوان، ولذلك العلماء الذين يتكلمون في أمر الإعدام بأن يكون إما بأن يأخذ المعدوم الإبرة التي فيها سم فيموت، أو أن يضرب بالرصاص، أو نحو ذلك، يقولون: أفضل شيء -وهذا باعتراف الغربيين والأمريكان وغيرهم- في الإعدام وأرحم شيء فيه هو الذبح؛ لأن الذبح مجرد أن تنقطع منه العروق فليس هناك دم يصل إلى المخ فيذهب الإحساس.

    أما الخنق بأن يشد الحبل على رقبة الإنسان فما زال الدم يصل فيه إلى المخ، فينتظر عشر دقائق أو ربع ساعة وقلبه ما زال ينبض ويتألم ألماً شديداً.

    والسم الذي يوضع للإنسان -أي: حقنة سم- ينتظر الإنسان نصف ساعة وروحه ما زالت تخرج، إلى غاية أن تذهب في النهاية، ويتعذب عذاباً شديداً.

    وكلما فكروا في خلاف ما ذكره الله عز وجل كان شيئاً باطلاً باعترافهم هم، وإن كانوا يعاندون في مسألة الذبح الإسلامي، يعاندون وهم أكثر من يعرف أن هذا الذبح أرحم بالحيوان من غيره، وإن كان الآن -على استحياء- يقولون: نحن نذبح فقط بعدما نضربها بالرصاص أولاً، فإما أن تضرب بطلقة في دماغها لتخديرها ثم تذبح، أو نحو ذلك، ولما ناقشهم بعض المسلمين من الأطباء قالوا: نحن يمكننا أن نذبح مباشرة، لكن ما الذي يعرفنا أنها هي الذبيحة، وقد تتخلص من يد الذابح وتقتل أحداً من الموجودين.

    إذاً: كأن نظراتهم ليست لرحمة الذبيحة، وإنما من أجل ألا تهلك أحد الناس، وكانوا في الماضي يمنعون الذبح أبداً، ثم نظروا نظرة اقتصادية مالية نظرة طمع، فقالوا: الحيوان بدمه وزنه أثقل، وإذا ذبحناها نخرج دمها فتصير خفيفة، إذاً: فنجعلها أثقل من أجل أن تأتي لنا بمال أكثر، فهذه نظرتهم، فأخزاهم الله عز وجل بأن جعل الدم الذي بداخلها يعفن فيها ويفسد اللحم، ولا يبقى اللحم صالحاً الزمن الذي يريدونه، فتراجعوا قليلاً قليلاً ثم قالوا: دعنا نذبح، لكن قبل الذبح الذي فيه رحمة نطلق عليها رصاصاً ثم نذبح بعد ذلك.

    والإسلام ليس فيه هذه التمثيليات وهذه الخيالات التي يزعمونها، وفي النهاية يقرون بأن الحق في الإسلام، وأن الذبح أسهل ما يكون، والإسلام يقول لنا: إما أن تذبح وإما أن تنحر، فإما الذبح الذي هو قطع وفري الأوداج، فهناك عرقان عرق في الشمال وعرق في اليمين، وهما الاثنان في الرقبة، ومهمتهما: أن يوصلا الدم إلى مخ الإنسان والحيوان، وهناك في نصف الرقبة القصبة الهوائية التي توصل الهواء والأكسجين، ووراءها المريء الذي يبتلع به الطعام.

    فمن إكمال الذبح أن تقطع هذه الأربعة الأشياء، فإذا قطعت بعضها جاز الذبح، فإذا قطعت العرقين اللذين يوصلان الدم، أو قطعت الحنجرة التي توصل النفس فقد زهقت روح البهيمة، ولا شعور لها بعد ذلك بشيء، وإن كان فيها حركة واضطراب فإنما هي لدفع الدم الذي بداخلها للخروج إلى الخارج، ومن رحمة رب العالمين أن تقطع أكبر العروق الموجودة بحيث إن الدم الذي بالداخل يخرج كله أو أكثره بهذه الطريقة.

    والنحر: هو الطعن في اللبة، واللبة: ثغرة العنق في الحيوان الذي تنحره وهو الجمل، فتكون السكينة لها نصل طويل تطعن به داخل اللبة، فيصل إما للقلب مباشرة، أو إلى الشرايين الرئيسية التي تخرج من القلب، بحيث إنه يقطع الشرايين، فلا يوجد دم يصل إلى المخ في هذه الحالة وتستريح الذبيحة بذلك.

    فهذه الطريقتان في الإسلام: طريقة النحر، وطريقة الذبح للبهيمة، فيستحب في الإبل أن تنحر، ويستحب في البقر والغنم أن تذبح، وإذا عكس فالراجح أن ذلك صحيح.

    استحباب نحر البعير قائماً معقولاً اليد اليسرى وإضجاع البقرة والشاة

    السادس: يستحب أن ينحر البعير قائماً على ثلاث قوائم معقول اليد اليسرى، قال الله عز وجل: وَالْبُدْنَ [الحج:36]، أي: الإبل جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ [الحج:36]، إذاً: فتنحر الإبل وهي قائمة؛ لقوله تعالى: (صَوَافَّ)، أي: قائمة على أيديها وأرجلها، وقال ابن عباس (صَوَافَّ)، قياماً وكلمة (صواف) أو (صافنة) بمعنى: قائمة أيضاً، ولكن معقولة اليد اليسرى، قائمة على ثلاث أرجل أو ثلاث قوائم واليد اليسرى معقولة مربوطة.

    جاء في سنن أبي داود عن جابر رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى، قائمة على ما بقي من قوائمها)، إذاً: فهذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عندما ينحرون الجمال أو الإبل ينحرونها وهي واقفة على القوائم، ثم يأتي على يدها اليسرى فيثنيها ويربطها، فتبقى على هذه الحالة، أي: واقفة على اليد اليمنى وعلى الرجلين الخلفيتين، فإذا نحره على هذه الحالة فلعل الجمل يثور عليه فيقع، إذاً: فالسنة في نحر الجمل أن يكون على هذه الحالة، وجاء عن ابن عمر أنه أتى على رجل قد أناخ بدنته ينحرها فقال: (ابعثها قياماً مقيدة سنة محمد صلى الله عليه وسلم).

    فإن لم يتيسر نحرها قائمة فباركة، فينظر الإنسان الأيسر فيها، وقد ذكر بعض العلماء ومنهم الخرشي المالكي : أن السنة أخذ الشاة برفق، وتضجع على شقها الأيسر، ورأسها مشرف، وتأخذ بيدك اليسرى جلدة حلقها من اللحي الأسفل بالصوف أو غيره، فتمده حتى تتبين البشرة، وتضع السكين في المذبحة، ثم تسمي الله، وتمر السكينة مراً مجهزاً من غير ترديد، ثم ترفع، ولا تنخع ولا تضرب بها الأرض.

    فقد جمع الآداب في هذه الجملة في شرحه لمختصر خليل في صفة الذكاة، قال: والسنة أخذ الشاة برفق، فيأخذ الشاة ومن ثم يضجعها على جانبها الأيسر، ويوجهها إلى القبلة، ورأسها مشرف، أي: مرتفع من أجل أن يطول لكي تذبح بسهولة.

    وتأخذ بيدك اليسرى جلدة حلقها من اللحي الأسفل ذي الصوف أو غيره -واللحي: هو عظم الفك الأسفل- بحيث يشد الجلد حتى يبعد الصوف ويتبين الجلد الذي الصوف موجود فيه، وقول الخرشي : وتضع السكين في المذبح، أي: تحت الحلق، وفوق الجوزاء، وسواء كان فوق الجوزاء أو تحتها فالراجح أنه مجزئ في الحالتين.

    وقوله: ثم ترفع ولا تنخع، النخع معناه: قطع العمود الفقري الذي يصل الرقبة كلها على بعضها، والنخع: مخ أبيض في فقرات العنق، أي: الأعصاب الموجودة داخل فقرات عنق الإنسان.

    ثم قال: وإلا كنت قد قتلتها قبل ذكاتها، وهذا محمول على العكس، أي: على أنه من ظهرها، فلو أنه أمسك الشاة وبدأ الذبح من قفاها فقد بدأ الذبح، ويكون قد قطع فقرات رقبتها من الخلف، فلن يصل إلى الأمام إلا وقد ماتت على هذه الحال، وحكم هذه الحالة ما قاله الخرشي : تكون قتلتها، إلا أن يكون المر مراً سريعاً فيكون قد ذبحها بذلك، وهذا خطأ، أي: أن يبدأ بالقفا قبل أن يبدأ من الأمام، ولو فرضنا أن السكين كانت حامية جداً فمجرد أن نزل بها من على الرقبة قطعت الرقبة كلها، فالراجح: أن الذبح صحيح، وقد أساء في ذلك.

    السابع: يستحب أن يضجع البقرة والشاة على جنبها الأيسر؛ لما جاء في حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم فعل ذلك.

    التسمية عند الذبح

    الثامن: يجب أن يسمي عند الذبح؛ لحديث أنس : (ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما)، أي: على جانب كل واحد منهما.

    فيجب أن يسمي عند الذبح والنحر مع التذكر والقدرة، ومعنى القدرة: أي: أنه يمكن أن يكون الذابح متذكراً لكنه أخرس، أي: لا ينطق، فعلى هذا يكون غير مستطيع لذلك، وذبحه صحيح.

    ومما يدل على تحتم التسمية قوله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ * وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [الأنعام:118-119]، وقوله سبحانه: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ [الأنعام:121]، فلا تأكل مما لم يذكر اسم الله عليه، أي: الذي تعمد ألا يذكر اسم الله فذكر اسم غيره سبحانه وتعالى.

    أما اليهودي أو النصراني إذا ذبحا ولم يذكرا اسم الله عز وجل، فهل تصح الذبيحة؟

    الراجح: أنها تصح ذبيحته، ويؤكل منها، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (سم أنت وكل)، فالإنسان الذي يذبح وهو متذكر للتسمية غير متأول فيها -على مذهب من المذاهب- ورفض أن يذكر اسم الله عز وجل فلا تؤكل ذبيحته.

    أما الذي نسي فذبح، أو الذي له مذهب في ذلك كمذهب الشافعي رحمه الله: أن التسمية سنة وليست فرضاً، أو أنه يرى أنه لو سمى على ذبح شاة واحدة فيجزئ؛ لأنه سيذبح مائة مثلاً، فبدأ بالأولى وقال: باسم الله والله أكبر، ولم يسم بعد ذلك، فالراجح: صحة الذبح؛ لأنه متأول في ذلك.

    ولا عذر لمن يذبح غير متأول وهو متعمد ألا يذكر اسم الله سبحانه ويذكر اسم غيره، فهذا لا تؤكل ذبيحته.

    استحباب عرض الماء على الذبيحة قبل ذبحها

    التاسع: استحب العلماء عرض الماء عليها قبل ذبحها؛ فلعلها أن تكون عطشانة فتشرب في هذه الحالة، وذكروا علة في ذلك فقالوا: هذا أعون على سهولة سلخ جلدها، فعندما تكون شاربة للماء تنتفخ قليلاً وهذا يساعد على سهولة سلخ الجلد.

    سلخها بعد أن تبرد

    العاشر: يستحب ألا يقطع أعمق من الودجين والحلقوم، وألا يكسر العنق، ولا يقطع شيئاً منها قبل أن تخرج روحها، أي: إذا ذبحت فاصبر عليها إلى أن يخرج كل الدم الذي فيها، فلا تسلخ إلا عندما يكمل خروج الدم الذي فيها، فانتظر إلى أن تسكن الذبيحة، ثم ابدأ في السلخ بعد الذبح.

    استحباب الأكل والتصدق من الأضحية

    الحادي عشر: بعدما ذبحت وقطعت فوزعها على من يستحقها، وقسمة الهدي والأضاحي قال الله عز وجل فيها: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الحج:36].

    فأمر الله عز وجل فيها: فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ [الحج:36]، وفَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ [الحج:36].

    إذاً: فالسنة أن تأكل منها وتطعم القانع والمعتر، كما قال الله سبحانه، وأكثر أهل العلم على أن الأكل منها مستحب، فلو لم تأكل منها فلا شيء عليك.

    وجاء في صحيح مسلم عن ثوبان قال: (ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحيته ثم قال: يا ثوبان ! أصلح لحم هذه، فلم أزل أطعمه منها حتى قدم المدينة)، فهذا فيه أنه ذبح أضحية وأكل منها صلوات الله وسلامه عليه، وكذلك جاء في الصحيحين عن جابر رضي الله عنه قال: (كنا لا نأكل من لحوم بدننا فوق ثلاث، فرخص لنا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كلوا وتزودوا وادخروا فأكلنا وتزودنا).

    فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم منعهم من أجل أن جماعة من الأعراب نزلوا المدينة دافة، وكانوا في غاية المسكنة والضعف وكانوا محتاجين إلى الطعام، فلو أن كل واحد من أهل المدينة ذبح أضحيته وأكل وادخر فلن يأكل الأعراب شيئاً، فالنبي صلى الله عليه وسلم في هذه السنة نهاهم أن يتزودوا منها فوق ثلاث، فحدد ثلاثة أيام للأكل من الأضحية، وما زاد عن ذلك يعطي لهؤلاء الأعراب، ثم نسخ ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (كلوا منها وتزودوا).

    ومن لم يأكل من هديه وأضحيته فلا شيء عليه؛ فالأمر في الآية ليس للوجوب، وثبت في سنن أبي داود عن عبد الله بن قرط أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أعظم الأيام عند الله تبارك وتعالى يوم النحر، ثم يوم القر)، إذاً: يوم النحر أعظم الأيام؛ لأن فيه أغلب المناسك، من صلاة الفجر في المزدلفة، والوقوف عند المشعر الحرام، ورمي الجمرة، والحلق وهو نسك، والذبح والنحر، والطواف بالبيت، وهي كلها مناسك تكون في يوم العيد، فهو أعظم الأيام عند الله عز وجل، ثم يليه يوم القر الذي هو أول أيام التشريق وثاني أيام العيد.

    قال: (وقرب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بدنات خمس أو ست)، أي: في هذا اليوم يوم النحر قرب للنبي صلى الله عليه وسلم بدنات خمس أو ست بدن (فطفقن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ)، وهذه كرامة من كراماته صلى الله عليه وسلم، ومعجزة من معجزاته، فالبدن أو الجمال كل منها يقرب للنبي رافع رقبته من أجل أن يبتدئ النبي صلى الله عليه وسلم بذبحه أو بنحره، (فلما وجبت جنوبها قال: فتكلم كلمة خفية لم أفهمهما)، يقول الراوي ذلك، (فقلت: ما قال؟ قال: من شاء اقتطع)، فكأنه نحر هذه الجمال وتركها ولم يأخذ منها شيئاً، وهذا دليل على أنه لا يجب أن يأكل من لحم الأضحية، فقد نحرها النبي صلى الله عليه وسلم وتركها للناس، وقال بصوت خفيف أو منخفض: (من شاء اقتطع)، أي: من يريد أن يأخذ فليأخذ، ولماذا ما قال بصوت عال؟ لعله خشي أن يحصل هجوم عليها، فلعله خفض صوته ليأخذ كل واحد منهم شيئاً بسيطاً فيكفي الجميع.

    إذاً: فلا يلزم الأكل منها سواء من الأضحية أو من الهدي، بل يجوز التصدق بالجميع وألا يأكل منها شيئاً، والأفضل: أن يتصدق بأكثرها، فإن تصدق بأدنى جزء منها كفاه؛ لأن اسم الإطعام والتصدق يقع عليه، فإن أراد الأكل من الأضحية أو من المنذورة أو من المتطوع بها فنقول: لك أن تأكل منها الثلث، وأن تهدي الثلث، وأن تعطي الفقراء البعض منها الذي يطلق عليه أنه صدقة، فإن لم تجد ما تعطي الفقراء فتأتي بلحم مثل القدر الذي أكلته وتوزعه على الفقراء.

    فأدنى الكمال: أن يأكل الثلث ويتصدق بالثلثين، وأكمله أن يأكل شيئاً ويتصدق بالباقي، ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما نحر مائة بدنة في حجة الوداع أخذ من كل جمل قطعة لحم، وكان المجموع الذي أخذه شيئاً يسيراً أمام ما ذبح، إذ تصدق بالجميع وأخذ من كل جمل قطعة بحيث وضعها في قدر، وهي للنبي صلى الله عليه وسلم ولمن معه، فأكلوه، والباقي كله للناس، فهذا هو الكمال.

    أما أدنى الكمال: فهو أن يأخذ شيئاً ويتصدق بشيء، فيأكل الثلث ويتصدق بالثلثين، أو يأكل الثلث ويتصدق بالثلث على المساكين ويهدي الثلث إلى الأغنياء، ولا يوجد حديث ذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم هذا التقسيم، أي: ثلث للمضحي وثلث يتصدق به وثلث يهديه، ولكن أخذ من معنى هذه الآية، قال الله عز وجل: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ [الحج:36]، فقوله: (فَكُلُوا مِنْهَا)، أي: يأكل جزءاً منها، وقوله: (وأطعموا القانع) وهو المسكين السائل، وهذا جزء ثانٍ، وقوله: (وَالْمُعْتَرَّ)، أي: الذي لم يسأل فتهدي إليه، فجعلها أثلاثاً، وإن كان لا يشترط قسمة ثلاثية بالعدل، فقد تقل نصيبك أنت وتزيد في الباقي.

    1.   

    مسائل متفرقة في الأضاحي

    الأولى: ليس له أن يتلف من لحم المتطوع بها شيئاً؛ بل يأكل ويطعم، فإذا تعمد إتلاف شيء غرم ما أتلفه؛ لأن هذه يتقرب بها لله عز وجل، فليس له أن يتلف شيئاً منها، فإذا تعمد أن يبيع شيئاً منها غرم ما باعه، فيتصدق بثمن الذي أخذه، أو يغرم مكان ما باعه منها.

    الثانية: يجوز أن يصرف القدر الذي لا بد من التصدق به ولو إلى مسكين واحد، فلو فرضنا أنه ذبح ووجد مسكيناً عنده عشرون ولداً فيعطيه ثلث الأضحية، وإن أعطى الأضحية كلها لهذا الفقير فله أن يفعل ذلك، فيعطي المساكين ولو حتى المسكين الواحد جميع الواجب الذي عليه.

    الثالثة: إن أعطى الجازر من الأضحية شيئاً أجرة له ضمنه؛ لأن الأجرة لا تعطى منها ولا حتى الجلد، ولذلك في حديث علي رضي الله عنه: (أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنه، وأن أتصدق بلحمها وجلودها وأجلتها وألا أعطي الجزار منها، قال: نحن نعطيه من عندنا).

    إذاً: إذا كان على وجه الإجارة فلا يجوز، لكن إذا أعطاه على وجه الهدية وقد دفع له الأجرة جاز، ولو أعطى له الجلد هدية منها فجائز، وكذا لو أعطى له صدقة لفقره جاز، لكن أن يعطي الجزار منها على وجه الإجارة مقابل ما ذبح فهذا غير جائز.

    الرابعة: إن أطعم غنياً منها على سبيل الهدية جاز، وإن أتلف أجنبي منها شيئاً ضمنه، أي: يدفع قيمتها، ولو جاء إنسان أجنبي وأتلف جزءاً منها بأن رماه ونحو ذلك فأتلفه فعليه أن يضمن هذا الجزء الذي أتلفه.

    الخامسة: يجوز أن يدخر من لحم الأضحية، وقد كان ادخارها فوق ثلاثة أيام منهياً عنه؛ لما قلناه سابقاً: أن جماعة من الأعراب نزلوا عند النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة وكانوا فقراء، فلو أن أهل المدينة ادخروا من لحوم الأضحية فالأعراب لن يحصلوا شيئاً، فنهاهم في هذه السنة عن الادخار، ثم أباح لهم بعد ذلك صلوات الله وسلامه عليه.

    وإن أراد الادخار فالمستحب أن يكون من نصيب الأكل لا من نصيب الصدقة والهدية.

    أما بالنسبة للأضحية فالراجح: أنه إذا نذر أضحية فله أن يأكل منها، سواء كانت أضحية أو نذراً، فإن ضحى بها فيجوز له أن يصرفها مصرف الأضحية، لكنه أوجب على نفسه ذلك بكلمة النذر، فالأصح إذاً أنه يأكل منها ويطعم غيره؛ لأن النذر محمول على المعهود، والمعهود من الأضحية الشرعية ذبحها والأكل منها، والنذر لا يغير من صفة المنذور، إلا إذا كان نذره أن هذا لله وليس أضحية، فمثلاً: إذا قال: إن شفى الله مريضي فلله علي أن أذبح الشاة الفلانية، فذبح هذه الشاة، فعليه أن يتصدق بجميعها، فإن قال: أذبحها أضحية، فمصرفها مصرف الأضحية.

    السادسة: الهدي الواجب له أن يأكل منه، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أكلوا من هدي التمتع الذي ذبحوه، لكن ليس له أن يأكل من الهدي المنذور، ولا من هدي الكفارة، ولا من جزاء الصيد.

    فمثلاً: إذا كان لبس الثياب في أثناء الإحرام فعليه دم في ذلك، فإذا ذبح فليس له أن يأكل منه، وكذلك إذا صاد صيداً في الحرم، كأن صاد حمامة في الحرم فقتلها، فعليه أن يطعم فقراء الحرم، فيذبح لهم شاة ويطعمهم، وليس له أن يأكل من ذلك.

    إذاً: هدي القران ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من الجمال التي ذبحها، وهدي التمتع أهدى النبي صلى الله عليه وسلم عن أزواجه -وكن متمتعات- البقر، وأرسل إليهن من لحمها عليه الصلاة والسلام.

    ولا يجوز بيع شيء من الهدي والأضحية نذراً كان أو تطوعاً؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (من باع جلد أضحيته فلا أضحية له)، فالذي يبيع الجلد فلا أضحية له، حتى ولو زعم أنه سيبيع ويتصدق بالمال، ولكن لك أن تنتفع بهذا الجلد أو أن تهديه أو تتصدق به، ومن تصدقت بالجلد عليه فله أن ينتفع به بأي شيء، حتى ولو بالبيع، إذاً: فلو تصدقت به لمسجد من المساجد يجمع جلود الأضاحي فلك ذلك، ولك أن تعطيه الإسعاف ليأخذوه ويبيعوه ثم يصنعوا بثمنه للفقراء في المستشفيات أشياء يشفون بها، فهذا يجوز، إذاً: فإذا تصدقت به فإنه يكفي، والذي أعطيته صدقة له أن يتصرف به بما يشاء ولو ببيعه.

    السابعة: يستحب أن يتصدق بجلال الهدي -أو الجلال: هي الأكسية التي تبقى موجودة على الهدي-؛ لحديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولا يكفي التصدق بالجلد والقرن، أي: لو أتى بأضحية كخروف وذبحه، وقال: علي أن أتصدق بشيء منه وسأتصدق بجلده وقرنه، فهذا لا ينفع؛ لأن الله عز وجل قال: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا [الحج:28]، وأنت لم تطعم بهذه الصورة.

    الثامنة: يجوز أن ينتفع بجلدها، فيصنع منه النعال والخفاف والفراء، ومن نذر الأضحية في عام فأخر عصى، أي: إذا نذر بقوله: لله علي أن أضحي هذا العام، وقدر، إن أخرها فيعصي بذلك ويلزمه القضاء، كمن أخر الصلاة.

    موضع الأضحية هو البلد الذي أنت فيه، ولكن الراجح: أنه يجوز لو كنت في بلد ووكلت إنساناً في بلد آخر أن يضحي عنك جاز لك ذلك، كبعض الناس يكون مسافراً في بلد ما، ثم يتصل بأهله في مصر مثلاً: اذبحوا الأضحية في العيد ووزعوا على الفقراء، فهذا جائز.

    والأفضل أن يضحي في داره بمشهد أهله، ويجوز نقل الأضحية بحسب الحاجة، والأفضل للإمام أن يضحي في المصلى، والإمام المراد به إمام المسلمين الذي هو الحاكم أو أمير الناس، فإذا صلى بهم فيستحب له أنه يضحي في مكان الصلاة.

    ويجوز للوصي أن يشتري لليتيم أضحية، أي: لو كان هناك يتيم وأنت تربيه وهو غني وله مال فيجوز أن تشتري له أضحية من ماله، ففيها جبر لقلبه وتطييب لخاطره.

    ويجوز إطعام الجيران من أهل الذمة من أضحية التطوع دون الواجب، فصدقة التطوع يجوز أن تعطي منها ولو للفقراء من أهل الذمة من اليهود أو النصارى من الجيران، وهذا في التطوع، أما الصدقة الواجبة كالزكاة والأضحية الواجبة والمنذورة فلا يجوز أن تعطى إلا للمسلمين، وجاء في حديث عند الترمذي عن مجاهد أن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه: ذبحت له شاة في أهله، فلما جاء قال: أهديتم لجارنا اليهودي؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه).

    إذاً: ففهم من حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه يجوز أن يهدى لأهل الذمة، لكن أهل العلم على أن الصدقة الواجبة كالزكاة أو النذر الواجب لا يجوز أن يعطى منها إلا للمسلمين، والله أعلم.

    نكتفي بهذا القدر، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.