إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أحمد حطيبة
  4. محاضرات الحج
  5. شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة و الحج و الزيارة
  6. شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - شروط وجوب دم التمتع وصفته وما يتعلق به من أحكام

شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - شروط وجوب دم التمتع وصفته وما يتعلق به من أحكامللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من مناسك الحج التي ينبغي للحاج معرفتها: الهدي المترتب على الحج بنية التمتع أو القران، ومتى يجب هذا الدم على الحاج، ومتى يثبت البدل عن الهدي وهو صيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله، والحكم إذا مات الحاج بعد الانتهاء من مناسك الحج وهل عليه هدي أم صوم بدل الهدي.

    1.   

    أنواع الإحرام

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    ذكرنا في الحديث السابق: أن الإحرام بالحج يجوز على وجوه: إما أن يكون محرماً بالحج، أو يكون متمتعاً بالعمرة إلى الحج، فيأتي بالعمرة في أشهر الحج، ثم يتحلل منها، ثم يحرم بالحج بعد ذلك، فهذا المتمتع، وهذا جائز، كذلك القارن الذي يخرج بحج وعمرة معاً يلبي في وقت الإحرام فيقول: لبيك عمرة وحجة أو حجة وعمرة، ويجوز كذلك الإحرام المطلق والإحرام المعلق.

    الإحرام المطلق أن يقول: لبيك اللهم لبيك، ثم بعد ذلك قبل أن يطوف بالبيت يحول هذا الإحرام إما إلى عمرة وإما إلى حج وإما بحسب ما يريد أن يصنع في المنازل، والإحرام المعلق أن يقول: لبيك إحراماً كإحرام فلان، كأن يكون حج مع إنسان هو أعلم منه ويريد أن يقتدي به فيقول ذلك، فهذا الإحرام المعلق ذكرناه قبل ذلك، وفعله بعض من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مثل علي بن أبي طالب رضي الله تبارك وتعالى عنه، فجعله النبي صلى الله عليه وسلم يمسك ويظل محرماً؛ لكونه ساق الهدي فجعله قارناً معه صلى الله عليه وسلم.

    وذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في حجة الوداع خرجوا من المدينة: منهم من أهل بعمرة، ومنهم من أهل بحج، ومنهم من أهل بالاثنين معاً، وكان النبي صلى الله عليه وسلم عند خروجه من المدينة قد أهل بالحج، وجاء له في وادي العقيق جبريل بعد ذي الحليفة وقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة؛ فصار قارناً صلوات الله وسلامه عليه.

    وفيه: أنه أدخل العمرة على الحج، ولكن قبل أن يصل إلى البيت جلس في وادي العقيق، ولذلك اختلف العلماء فيمن أراد إدخال العمرة على الحج بعدما بدأ في الطواف بالبيت، فالذي عليه الجمهور: أنه لا يجوز ذلك، لأنه لن يزيد شيئاً في أعمال الحج التي يعملها، ولو كان العكس يعمل أعمال عمرة فأدخل عليها الحج فإنه أدخل الكثير على القليل، فالجمهور على أنه لا يجوز؛ لأنه لم يفعل ذلك صلى الله عليه وسلم إلا بعد إحرامه في ذي الحليفة، فأحرم بالحج ثم أدخل العمرة عليه وهو هناك في وادي العقيق.

    وذكرنا: أنه يجوز لمن أحرم بالحج وقبل الطواف بالبيت أن يفسخ ذلك إلى عمرة، وبعد ما ينتهي من أعمال العمرة يتحلل ثم يحرم بالحج بعد ذلك، وهذا جائز باتفاق، والخلاف: أنه إذا بدأ بالطواف وأكمله وسعى بين الصفا والمروة فهل يمكن أن يفسخ هذه الأعمال التي كان نوى بها الحج، فنوى بالسعي سعي الحج وكان الطواف بالبيت للقدوم، فهل يجوز أن يفسخ ذلك ويجعله عمرة؟

    أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك فدل على الجواز، فهو لما طاف بالبيت كان طوافه للقدوم، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اجعلوها عمرة، فدل على أنه يجوز ذلك، فيكون هنا خرج عن الأصل، من كونه بدأ بشيء لم ينوه ركناً في الحج ولا ركناً في العمرة، وصار ركناً فيها بجعله له ذلك، وهذا نص النبي صلى الله عليه وسلم: (اجعلوها عمرة) فيجوز لثبوت النص عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.

    1.   

    أحكام التمتع والقران للمقيم بمكة والآفاقي

    الذي يعتمر ثم يحل وهو معتمر في أشهر الحج وبعد ذلك يحرم بالحج، فهذا هو المتمتع، فيجوز للمكي ولغير المكي أن يتمتع، والمكي: الشخص الذي يكون من أهل مكة، أو المستوطن المقيم بها، فهذا المكي يجوز له أن يتمتع بالعمرة إلى الحج وغيره يجوز له ذلك، لكن يفرق بين أن المكي ليس عليه دم في ذلك، وغير المكي عليه دم واجب في ذلك، ولا يكره للمكي التمتع والقران، وإن تمتع لم يلزمه دم؛ لأن الله عز وجل قال: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة:196] فأهل الحرم لا يلزمهم دم في التمتع لهذه الآية.

    فإن قال قائل: إنما كان النسك قربة وطاعة في حق المكي أو غير المكي، فلم لزم الدم الغريب لاختياره التمتع؟ فنقول: إن الإنسان المقيم في مكة الله سبحانه تبارك وتعالى جعل له ميزة، وهي أنه مقيم في الحرم فهو يطوف بالبيت في كل وقت يقدر على ذلك، والذي يأتي من بعيد بالنسبة له لا يطوف إلا مرة في العمر بحسب ما يتيسر له، فهذا هو الذي عليه الدم؛ لأنه ترفه بالتمتع فيلزمه الدم، والمكي أحرم بحجة وعمرة من ميقاته أي: من مكة، وإن كان هو لا تلزمه عمرة، فإن فعل ذلك فلا يلزمه الدم بتمتعه من العمرة إلى الحج، وإن جاز له أن يفعل ذلك.

    والآية معناها: فمن تمتع فعليه الهدي إذا لم يكن من حاضري المسجد الحرام، فإن كان من حاضري المسجد الحرام فلا دم عليه، والقارن كذلك يلزمه الدم إلا أن يكون مكياً، فالمكي ليس عليه دم.

    والقارن هو الذي يأتي بعمرة وحج، أما المتمتع: فيأتي بعمرة وحج، لكنه يحل بين العمرة والحج فترة، ويترفه بإسقاط أحد السفرين، فهو لم يسافر مرة للحج ولا مرة أخرى للعمرة، والقارن كذلك يعتبر أسقط أحد السفرين بكونه أدى مناسك الحج ودخلت فيه أعمال العمرة، والمكي لم يسافر، وإنما أحرم من مكانه فإذا كان في التمتع لا يلزمه دم فالقران كذلك لا يلزم المكي فيه الدم، قال الله تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196]، والقارن متمتع على هذا المعنى.

    العلماء ذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مفرداً، وذكروا أنه كان قارناً، وذكرواً أنه كان متمتعاً صلوات الله وسلامه عليه.

    فالقول أنه كان مفرداً هذا صحيح، ولكن لما خرج من المدينة كان مفرداً ثم صار قارناً في وادي العقيق، فأدخل العمرة على الحج فصار قارناً.

    والقران يسمى بالتمتع أيضاً للمعنى الذي فيه، نقول: التمتع: الترفه بالشيء، والتسهيل, وتعريف التمتع هنا على المعنى اللغوي، وعلى ذلك القارن يطلق عليه متمتعاً على هذا المعنى، فيكون المتمتع عليه دم سواء كان متمتعاً على هذا المعنى في النسك بأنه اعتمر في أشهر الحج ثم تحلل، ثم أحرم بالحج بعد ذلك في أيام، أو أنه قرن بين العمرة والحج، فكأنه ترفه بإسقاط أحد السفرين، وكذلك عمل نسكاً واحداً - وهو نسك الحج - فأجزأ عن العمرة والحج.

    والقارن: هو المتمتع بالعمرة إلى الحج بدليل أن علياً رضي الله عنه لما سمع عثمان ينهى عن المتعة أهل بالحج والعمرة؛ ليعلم الناس أنه ليس بمنهي عنه، وكأنه حمله على المعنى اللغوي من أن القران فيه التمتع على ما ذكر، وفي الصحيحين عن سعيد بن المسيب أنه قال: اجتمع علي وعثمان رضي الله عنهما بعسفان فكان عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة، وهذا اجتهاد من عثمان رضي الله تبارك وتعالى عنه، وقبله اجتهد في ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه فكان ينهى عن المتعة، وكان يخشى أنه لو أذن لهم أن يعتمروا ثم يتحللوا ثم يحرموا بالحج أنهم عندما يتحللوا بين العمرة والحج ولا يزالون على ذلك حتى يفسد أحدهم على نفسه حجه، فـعمر نظر إلى ذلك من أنه لو أبيح لهم أمر النساء لفسد حجهم، فأرادوا أن يكونوا بعيدين عن النساء حتى ينتهوا من حجهم، ولكن العلة التي نظر إليها عمر رضي الله عنه عرفها النبي صلى الله عليه وسلم، بل قد قالوها له على وجه التعجب، ومع ذلك أمرهم بالتمتع صلوات الله وسلامه عليه، فيكون الذي نهى عنه عمر رضي الله عنه، وهذا اجتهاده منه رضي الله تبارك وتعالى عنه، وليس نسخاً لما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، فليس من حق أحد أن ينسخ ما قاله النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    كذلك عثمان رضي الله عنه عندما قال بذلك ونهى عن المتعة أو عن العمرة في هذا الوقت فقال علي : ما تريد إلى أمر فعله النبي صلى الله عليه وسلم تنهى عنه؟! أي: تريد أن تنهى عنها والذي فعلها هو النبي صلى الله عليه وسلم؟! فقال عثمان : دعنا منك، فـعثمان كان مجتهداً رضي الله عنه، فاجتهد في شيء لشيء رآه، ولكن علياً رأى أن هذه سنة النبي صلى الله عليه وسلم ولا ينبغي أن تترك، فلما رأى علي ذلك أهل بهما جميعاً.

    فالصورة صورة القران، وكأن هذا القران كان يطلق عليه المتعة لهذا المعنى الذي ذكرناه، ولأنه ترفه بسقوط أحد السفرين، والقارن كذلك بدل ما يسافر للعمرة لوحدها ثم يسافر ثانية للحج فجمعهما في سفر واحد فهذا ترفه، فلزمه دم كالمتمتع، وإذا عدم الدم فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله كالمتمتع سواء.

    ومن شرط وجوب الدم عليه ألا يكون من حاضري المسجد الحرام على قول جمهور العلماء، فالمكي إذا تمتع بالعمرة إلى الحج أو كان قارناً فلا يجب عليه الدم في ذلك، ويجوز منه القران، ويجوز منه التمتع قال تعالى: ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة:196] الحاضر والمقيم والمستوطن كلهم من أهل الحرم، فالذين قدموا واستوطنوا ومكثوا فهؤلاء أهل الحرم، وكذلك من بينه وبين مكة دون مسافة القصر، أي: الذي يعتبر من أهل مكة هو من كان دون مسافة القصر، ليس أن يقول: إنه مسافر من مكان إلى مكان.

    فنقول: يجب على المتمتع الدم؛ لقوله تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196].

    ولوجوب دم التمتع شروط منها:

    الأول: ألا يكون من حاضري المسجد الحرام كما ذكرنا، وهم من مسكنه دون مسافة القصر من الحرم، فمن قيل في حقه: مسافر من مكان كذا إلى الحرم فهذا ليس من حاضري المسجد الحرام، وهذا الإنسان إذا كان له مسكنان أحدهما في مكة أو قريب منها والآخر بعيد عنها -في المدينة أو في غيرها- فإذا كان مقامه في أحدهما فله حكمه، فمن الممكن أن يكون له بيت في مكة مقيم فيه وبيت آخر في المدينة يذهب له كل ما يسافر فهنا الأصل أنه مكي، وإذا استوى مقامه بهما وكان أهله وماله في أحدهما كأن يكون أهله وأولاده وماله في مكة فيعتبر هذا مكياً، وإن كان أهله وأمواله وأولاده في المدينة فهذا مدني وليس مكياً، فالحكم يكون للمكان الذي أهله وماله فيه.

    وإذا استوى ذلك وكان عزمه الرجوع إلى أحدهما فالحكم له، كأن يكون له مال وأهل في مكة وكذلك في المدينة وهو عازم أنه سيعيد في المدينة فالحكم تابع لهذا العزم، فإن عزم أن يقيم في مكة بعد ذلك فهو لهذا المكان، وهذا خلاف من ذهب ليستوطن، كإنسان في موسم الحج نوى أن يعمل في الحج ويستوطن هناك، فهذا ليس من حاضري المسجد الحرام، إلا إذا أقام بمكة بعد ذلك.

    ولو استوطن غريب بمكة فهو حاضر، يعني: جاء من بلده وقعد في مكة سنين ونوى أن يمكث فيها فهذا يطلق عليه من حاضري المسجد الحرام، لكن إنساناً آخر ذهب في موسم الحج ونيته أن يقيم بعد ذلك، فلا يطلق عليه أنه من حاضري المسجد الحرام إلا إذا أقام بعد ذلك.

    ولو قصد الغريب مكة فدخلها متمتعاً ناوياً الإقامة بها بعد فراغه من النسكين أو من العمرة أو نوى الإقامة بها بعدما اعتمر فليس بحاضر، ولا يسقط عنه الدم.

    يقول ابن المنذر: أجمع العلماء على أن من دخل مكة بعمرة في أشهر الحج مريداً للمقام بها ثم حج من مكة أنه متمتع وعليه دم، ولو كان هو أصلاً استوطن مكة قبل هذا النسك لقلنا: هذا من حاضري المسجد الحرام، لكن هذا ذاهب إلى النسك فيكون حكمه الآن أنه غريب قادم من الآفاق، فهذا يلزمه دم، فإذا أقام وحج بعد ذلك من قابل فهو مقيم، فإذا اعتمر بعد ذلك فهذا متمتع ومن أهل المسجد الحرام فلا يلزمه الدم.

    1.   

    شروط وجوب دم التمتع

    أما شروط وجوب دم التمتع فهي:

    ألا يكون الحاج من حاضري المسجد الحرام

    الشرط الأول: ألا يكون من حاضري المسجد الحرام.

    أن يحرم الحاج في أشهر الحج

    الشرط الثاني: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج: فلو أحرم بها وفرغ منها قبل أشهر الحج فلا يلزمه الدم، وأشهر الحج هي: شوال، وذو القعدة، والعشر الأول من ذي الحجة، فهذه أشهر الحج، ولو أنه اعتمر في رمضان فهو ليس من أشهر الحج، لكنه بعد ذلك يبدأ في الحج في أيام الحج ويكون مفرداً نقول: هذا مفرد للحج، وعلى ذلك لا يلزمه دم، لأنه ليس متمتعاً، ولو أن شخصاً اعتمر في آخر يوم من رمضان قبل غروب الشمس، وآخر اعتمر في أول يوم من شوال أو أول ليلة من شهر شوال، فالأول يكون مفرداً إذا حج من سنته، والآخر يكون متمتعاً إذا حج من سنته، وإذا أحرم بالعمرة وفرغ منها قبل أشهر الحج ثم حج في سنته لم يلزمه دم، لأنه لم يجمع بين نسكين في أشهر الحج، فلم يلزمه دم كالمفرد، ولو أحرم بها قبل أشهر الحج وأتى بجميع أفعالها في أشهر الحج لم يجب عليه الدم.

    وهنا المقصد: أنه أحرم في هذه العمرة قبل أشهر الحج، كأن يكون ذهب للعمرة في الليالي الأخيرة من رمضان، وأراد أن يقوم بالعمرة فما تمكن لمرض ألم به، فظل محرماً حتى انتهى رمضان، وجاء العيد فابتدأ المناسك، لكن إحرامه كان في غير أشهر الحج، وصار يعمل المناسك في أشهر الحج، ولكن البدء كان في غير أشهر الحج، فلو أحرم بها قبل أشهر الحج وأتى بجميع أفعالها في أشهر الحج لم يجب عليه دم، لأن الإحرام نسك لا تتم العمرة إلا به، فلا تتم العمرة بغير الإحرام، وإحرامه من المناسك كان في غير أشهر الحج، فلم يلزمه دم التمتع كالطواف.

    وهذه المسألة ليست متفقاً عليها وفيها خلاف، ولذلك يقول الإمام أحمد : عمرته في الشهر الذي أهل، واحتج بقول جابر السابق، ولأن الإحرام نسك من أعمال العمرة، فهذا قول الإمام أحمد رحمه الله.

    وعند أبي حنيفة: إن طاف للعمرة أربعة أشواط في غير أشهر الحج فليس متمتعاً، وكأنه ينظر إلى الأغلب، فهذا الذي ذهب وأحرم في رمضان قائلاً: لبيك عمرة، ثم طاف بالبيت أربعة أشواط، ثم بعد ذلك حدث له شيء فلم يطف وتأخر حتى دخل عليه شهر شوال فأكمل الثلاثة الأشواط الباقية، يقول: إن طاف للعمرة أربعة أشواط في غير أشهر الحج فليس متمتعاً، لأنه لا يفسدها بوطء بعد ذلك إن وطئ وكأنه ينظر أن الأربعة عمل أكثر مناسك الطواف، والطواف ركن عند أبي حنيفة ، والسعي بين الصفا والمروة واجب عنده وليس ركناً من الأركان، فكأنه نظر إلى أنه الركن الأعظم في العمرة، فما دام أنه أحرم وطاف بالبيت فقد عمل أكثر الطواف فلو وطئ أهله بعد الانتهاء من الطواف للعمرة فعمرته صحيحة، باعتبار أن السعي بين الصفا والمروة عنده واجب وليس ركناً من الأركان.

    يقول النووي : إذا أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج وفعل أفعالها في أشهره فالأصح عند الشافعية أنه ليس عليه دم التمتع، وبه قال جابر بن عبد الله وقتادة وأحمد وإسحاق وداود والجمهور.

    وقال الحسن والحكم وابن شبرمة: يلزمه، وهنا بعض العلماء قالوا: إنه يلزمه، كالإمام أبي حنيفة وقبله الحسن وابن شبرمة ، وذهب الجمهور إلى أنه لا يلزمه، وهو الراجح؛ وذلك أن الإحرام بالعمرة نسك، والذي لم يحرم لم يدخل في النسك بعد، فهذا فعل نسكاً للعمرة في غير أشهر الحج فيكون الحكم له.

    ولو أنه أهدى للبيت هدياً خرج من هذا الخلاف، لكن الراجح هو ما ذكرنا، من أنه إذا أحرم في أشهر الحج فيلزمه الدم، وإذا أحرم في غير أشهر الحج حتى لو عمل المناسك كلها بعد ذلك فلا شيء عليه.

    وهنا مسألة: إنسان ذهب إلى مكة فأحرم قبل غروب الشمس في آخر ليلة من رمضان فلما بدأ بالطواف كان بعد غروب الشمس وجاءه الخبر أن العيد غداً، فصار الآن في ليلة العيد من شوال، فيكون دخل في الأشهر الحرم أو في أشهر الحج فيكون الحكم أنه أتى بالإحرام في رمضان وليس في أشهر الحج فلا دم عليه.

    أن تقع العمرة والحج في سنة واحدة

    الشرط الثالث: أن تقع العمرة والحج في سنة واحدة، وهذا واضح فنقول: هذا مترفه بإسقاط السفر، فلو أنه اعتمر في هذا العام في شهر شوال، والعام الذي يليه حج، فهذا لا يسمى متمتعاً، بل لابد أن يكون قد عمل الاثنين في سنة واحدة، ولو اعتمر ثم حج في السنة القابلة فلا دم عليه سواء أقام بمكة إلى أن حج أو رجع وعاد.

    روى ابن أبي شيبان عن سعيد بن المسيب قال: (كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتمرون في أشهر الحج، فإن لم يحجوا من عامهم ذلك لم يهدوا شيئاً) فهذا هو الدليل على أن الذي المتمتع الذي يلزمه الهدي هو الذي يعتمر في أشهر الحج ويحج من عامه الذي هو فيه.

    ألا يعود المعتمر الذي يريد الحج إلى الميقات

    الشرط الرابع: ألا يعود إلى الميقات، وذلك بأن أحرم بالحج من نفس مكة واستمر، لكن لو أن هذا الإنسان أحرم بعمرة في أشهر الحج ثم خرج من مكة ورجع إلى بلده أو رجع إلى الميقات أو توجه إلى المدينة ومكث حتى أيام الحج، ثم أحرم من ميقات المدينة، فيكون هذا قد سافر سفراً آخر وما جمع بين النسكين في سفر واحد فيكون مفرداً.

    فيكون الشرط الرابع: ألا يعود إلى الميقات، فيحرم بالحج من نفس مكة ويستمر، فلو عاد إلى الميقات الذي أحرم منه بالعمرة أو إلى مسافة مثله وأحرم بالحج فلا دم عليه، أو إلى مسافة مثله أو مسافة أكبر من مسافة الميقات، فلو أنه أحرم بالعمرة من الجحفة، وتوجه من هنالك فأدى العمرة في شهر شوال ثم خرج من مكة وتوجه إلى المدينة ثم أحرم من ذي الحليفة فأدى مناسك الحج فتكون ذو الحليفة أبعد من الجحفة فمسافة (450 كيلو) هو ما بينها وبين مكة، والجحفة فبينها وبين مكة حوالي (220 كيلو) فتكون المسافة أطول، فيكون على ذلك مفرداً وليس متمتعاً.

    فلو عاد إلى الميقات الذي أحرم منه بالعمرة أو إلى مسافة مثله وأحرم بالحج فلا دم عليه، ولو أحرم به من مكة ثم ذهب إلى الميقات محرماً سقط عنه الدم، وهذا فيه خلاف بين الشافعية والحنابلة، فعند الحنابلة أنه إذا جاوز الميقات وأحرم بعده ثم رجع إليه بعد ذلك فهذا صار عليه الدم؛ لأنه جاوز الميقات غير محرم.

    وقلنا: إنه إذا جاء عند الميقات وأراد أن يحرم بعمرة ثم لم يحرم، فجاوز الميقات ثم بعد ذلك أحرم بالعمرة فالراجح: أنه بين أمرين: إما أن يكمل وعليه دم؛ لأن جاوز الميقات من غير إحرام، أو أنه يرجع إلى الميقات، فلو أنه لم يحرم لا لبى ولا لبس لباس إحرام، ولم يعقد النية ثم رجع إلى الميقات فاتفق الجميع على أنه ليس عليه دم في ذلك.

    وهذه صورة أخرى: لو أنه أحرم من مكة ثم ذهب إلى الميقات محرماً، سقط عنه الدم على الراجح، ولو دخل القارن مكة قبل يوم عرفة ثم عاد إلى الميقات فأحرم فهنا القارن صار مترفهاً بإسقاط أحد السفرين، وكذلك أحد النسكين دخل في الآخر، فعلى هذا المعنى: لو أن القارن دخل مكة قبل يوم عرفة ثم عاد إلى الميقات مرة ثانية، فيكون سافر مرتين فلا دم عليه، ولو أنه أحرم بالعمرة من الميقات ودخل مكة، ثم رجع إليه قبل الطواف وقبل فواته فأحرم بالحج فيكون أدخل الحج على العمرة فهذا قارن في هذه الصورة.

    ولو أنه طاف طواف العمرة ثم سافر إلى الميقات فالراجح أنه ليس عليه دم.

    ولا يشترط وقوع النسكين عن شخص واحد، وقد ذكرنا تفصيل ذلك في الحديث أنه يجوز أن يحج عن إنسان ويعتمر عنه، فإذا كان برضا الاثنين فيكون إما قارناً وإما متمتعاً وفي الحالتين عليه دم.

    فلو أنه استأجر شخصاً وقال له: أد عني عمرة وآخر قال له: حج عني، فيكون اعتمر عن هذا وحج عن هذا، وهو في أشهر الحج فيلزمه الدم ويوزع على الاثنين، لكن لو أنه لم يخبر واحداً من الاثنين فاعتمر عن هذا وحج عن هذا فيلزمه الدم على الأجير نفسه، ولا تشترط نية التمتع؛ لأن الدم يتعلق بترك الإحرام بالحج من الميقات وذلك يوجد من غير نية.

    وإذا ذهب فأدى عمرة في أشهر الحج، ثم بعد ذلك أحل، ثم أهل بالحج بعد ذلك، وهو لم ينو تمتعاً ولا يعرف التمتع، لكن الصورة صورة تمتع فيلزمه الدم.

    وإذا فرغ المتمتع من أفعال العمرة صار حلالاً، يعني: تحلل الآن بعد العمرة فحل له الطيب واللباس والنساء وكل محرمات الإحرام سواء أكان ساق الهدي أم لم يسق، فهذا الذي ذهب ناوياً العمرة وساق معه الهدي، فلما انتهى من العمرة حتى ولو كان معه الهدي فقد تحلل، بخلاف من ذهب ينوي الحج أو ذهب ينوي القران بين العمرة والحج، فيبقى محرماً سواء أساق الهدي أم لم يسق، وكيف نصنع بالحديث الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لولا الهدي لأحللت؟) وهذا دليل للحنابلة، أن الذي يسوق الهدي لا يجوز له أن يتحلل حتى يفرغ من أعمال الحج، واحتجوا بأنه جاء في الصحيحين عن عائشة قالت: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحجة حتى قدمنا مكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحرم بعمرة ولم يهد فليحل، ومن أحرم بعمرة وأهدى فلا يحل حتى ينحر هديه، ومن أهل بحج فليتم حجه) وهذا دليل على عكس ما نذكره، والذي نذكره: أنه إذا نوى التمتع وساق معه الهدي فله أن يحل، ولكن هذا حديث واضح يدل على أنه ليس له حق أن يحل هنا، وكأن هذه رواية مختصرة من روايتيين، ذكرهما البخاري ومسلم وفيه قالت: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة).

    فيكون في الحديث الأول: أن المعتمر إذا كان معه هدي فإنه يظل على إحرامه حتى ينتهي من أعمال الحج والعمرة، ولكن الرواية الثانية في الحديث توضح أن الذين كان معهم هدي وأرادوا الاعتمار أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن يدخلوا الحج على ذلك فقال: (من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة) فهم كانوا ناوين عمرة لكن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يهلوا بالاثنين الحج والعمرة، ثم لا يحل هذا الذي معه الهدي وأحرم بالحج والعمرة معاً حتى يحل منهما جميعاً، فهذه رواية مفسرة من الرواية الأولى.

    ففيهما ذكرنا: أن الذي أهل بالاثنين هذا هو القارن الذي ليس له أن يحل من إحرامه حتى ينتهي وينحر هديه، لكن الذي نوى عمرة فقط وساق الهدي معه، وإن كان الآن هذا نادر جداً -أي: أن أحداً ينوي العمرة ويسوق معه الهدي- ولكن لو فرضنا أنه فعل هذا الشيء فالراجح: أنه إذا نوى العمرة فقط يجوز له بعد أدائها أن يتحلل حتى ولو كان معه الهدي؛ لأن نيته لم تكن إلا العمرة، ونيته أن يتحلل بعد الفراغ منها، فيستحب له ألا يحرم بالحج إلا يوم التروية، وهذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه معه، حيث أمر أصحابه أن يحلوا، وهذا أمر منه أنهم لا بد أن يتحللوا من العمرة ويمكثوا حتى يجيء يوم الحج فيهلوا بالحج، وإن كان هو محرم قبل ذلك ولم يفك إحراماً صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    حكم تقديم الإحرام بالحج من أجل الصوم

    هنا السنة: الإهلال بالحج في يوم التروية، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة هذا إن كان يجد الهدي يعني: يقدر أن يشتري الهدي أو هو معه أو يدفع الشيكات لمن يهدي عنه، فيكون على ذلك لا يوجد بدل من الهدي وهو الصوم، لكن إذا عدم الهدي كأن يكون فقيراً غير قادر على شرائه، فيلزمه الآن البدل، وهو الصيام، فيستحب له أن يقدم الإحرام بالحج احتياطاً وخروجاً من الخلاف، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت عنه أنه أمر أحداً من الصحابة أن يقدم الحج على يوم التروية، ولكن اخترنا ذلك احتياطاً في المسألة؛ لأن العلماء اختلفوا في معنى الآية: فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ [البقرة:196] ما هي الثلاية الأيام في الحج، فكثير من العلماء على أنه ما دام متلبساً بمناسك الحج فيبقى على ذلك، ويصوم من قبل يوم التروية، يصوم يوم السادس والسابع والثامن سواء أحرم بالحج أم لم يحرم، ومن هؤلاء الحنابلة، وقالوا: إنه يستحب له أن يقدم الإحرام خروجاً من الخلاف في هذه المسألة، وعند الشافعي وغيره فسروا ذلك على أنه ثلاثة أيام في الحج وهو متلبس بالمناسك، فيجب عليه إذا كان سيؤدي البدل وهو الصوم أن يحرم بالحج ابتداء ويصوم ثلاثة أيام وهو متلبس بالإحرام، لذلك قلنا هنا: إنه إذا كان عادماً للهدي يستحب له، والقول الآخر: أنه يجب عليه ذلك، والراجح: أن هذا استحباب فقط؛ لأنه مبني على تفسير الآية، فالراجح في معناها: أنه يصوم ثلاثة أيام في أشهر الحج إن كان عادم الهدي، ويستحب له تقديم الإحرام بالحج قبل اليوم السادس؛ لأن فرضه الصوم، وواجبه ثلاثة أيام في الحج وسبعة أيام إذا رجع، فقلنا: يستحب تقديم الإحرام بالحج، قال الإمام مالك والشافعي وإسحاق وابن المنذر : لا يجوز الصيام إلا بعد الإحرام بالحج، واحتجوا بقول الله عز وجل: فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ [البقرة:196] قالوا: لأنه صيام واجب.

    والحنابلة احتجوا بأنه أحرم بالعمرة فيكون هنا يلزمه الهدي لسببين:

    السبب الأول: العمرة التي كانت في أشهر الحج. السبب الثاني: الحج، فعلى ذلك يلزمه الصيام، وإن كان سيشكل على قولهم تصويبهم لقول الشافعية في أنه يجوز له أن ينحر هديه قبل يوم العيد، فطالما أنه أحرم بأحد النسكين وتقدم أحد النسكين فيجوز له أن يذبح قبل العيد، وهو اختيار الشافعية، وإن كانوا يستحبون ألا يذبح إلا يوم العيد، فهذه المسألة في النحر قبل العيد باعتبار أن سبب النحر هو للعمرة والحج.

    والجواب -وهو الذي عليه الجمهور-: أنه صحيح تقدم أحد السببين وأن الهدي سببه الاثنان، فلما وجد أحدهما فلا بد من هدي، لكن مع ذلك لم تلتفت الشريعة إلى ذلك، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أحداً من أصحابه أن ينحر قبل يوم العيد، فوجد السبب، ووجد المقتضي لذلك، ومع ذلك لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أحداً أن ينحر، فدل ذلك على أن الذبح مختص بالعيد، لكن يصح أن يصوم قبل ذلك، وهل يجب أن يكون متلبساً بالإحرام؟ مع كثرة من كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فلم يثبت عنه أنه أمر أحداً منهم أن يقدم الإحرام لأجل الصيام، والقليل منهم كان معهم الهدي، فيكون وجب عليهم الصيام، فلو كان يجب تقديم الإحرام حتى يصوموا لأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، أو أمر هؤلاء أن يقدموا الإحرام ويصوموا الثلاثة الأيام حتى لا تفوت أيام الحج، فلما لم يأمر بذلك دل على أن هذا ليس واجباً، فسنة المتمتع أن يحرم بالحج يوم التروية، وبذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه حين أحلوا من إحرامهم بعمرة، وفي الصحيحين عن جابر رضي الله عنه: (أنه حج مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ساق البدن) البدن يعني: الجمال، وسميت البدن لأنها أبدان ضخمة (وقد أهلوا بالحج مفرداً فقال لهم: أحلوا من إحرامكم بطواف البيت وبين الصفا والمروة وقصروا، ثم أقيموا حلالاً حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج واجعلوا التي قدمتم بها متعة، فقالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج؟! فقال: افعلوا ما أمرتكم، فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم، لكن لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله) وهنا قوله (ثم أقيموا حلالاً حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج) مع إن الكثيرين كانوا ليس معهم هدي، والذي معه هدي هو النبي صلى الله عليه وسلم ومجموعة من أصحابه، لكن الأغلبية ليس معهم هدي، وكلهم أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن يتمتعوا، فكان الأكثرون هم المتمتعون مع النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك لم يأمر أحداً أن يقدم الإحرام قبل يوم التروية حتى يصوم، فدل على أن تقديم الإحرام ليس واجباً، والصيام الواجب يجوز ولو لم يقدم الإحرام.

    وأجمع العلماء على أن من أهل بعمرة في أشهر الحج فله أن يدخل عليها الحج ما لم يفتتح الطواف بالبيت، والذي أهل بعمرة في أشهر الحج له أن يدخل عليها الحج، والذي فعل النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج من المدينة مهلاً بالحج وأدخل العمرة صلى الله عليه وسلم والعمرة أقل، ولكن فعله صلى الله عليه وسلم كان عند الميقات أو بعد الميقات بشيء يسير، فإذا كانت العمرة - وهي الأقل - أدخلت على الأكثر فيجوز إدخال الأكثر على الأقل وهو الحج، والعلماء أجمعوا على أنه يجوز إدخال الحج على العمرة، فمن أهل بعمرة في أشهر الحج فله أن يدخل عليها الحج ما لم يفتتح الطواف بالبيت، وأما بعد افتتاح الطواف فليس له ذلك، أي: فليس له أن يدخل عليها الحج، فإدخال الحج على العمرة إجماع على أنه جائز بشرط ألا يكون بدأ في الطواف، والعكس إدخال الأقل على الأكثر يعني: أراد الحج ولبى هل يدخل عليه العمرة؟ الظاهر من فعل النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعل ذلك ولكن أيضاً يقال: إنه كان من وادي العقيق، وهذا قريب من ذي الحليفة، وكأنه عند إحرامه صلى الله عليه وسلم لم يعمل شيئاً من المناسك وإنما هو مجرد الإحرام فأمر بذلك، فيجوز مثل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان عند الميقات وقال: لبيك حجة، فجاز له أن يدخل عليه العمرة فيقول: لبيك حجة وعمرة، أما بعد ما يصل إلى البيت فليس له أن يدخل العمرة على الحج، وعند أبي حنيفة يجوز أن يدخل العمرة على الحج مطلقاً، ويصير قارناً وعليه دم القران.

    1.   

    وقت وجوب دم التمتع

    ودم التمتع واجب بإجماع المسلمين، ووقت وجوبه الإحرام بالحج، وهذه مسألة مختلف فيها، لكنه هنا دخل في مناسك الحج وأحرم فيؤدي العمرة ليتحلل بين العمرة والحج، فهو دخل في الحج، وربنا سبحانه وتعالى ذكر لنا قوله: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196] فجعل الهدي له غاية، لكن من تمتع بالعمرة إلى الحج، هل المراد إلى ابتداء الحج ويكفي أم لابد من الانتهاء من مناسك الحج حتى يجب عليه دم المتعة؟ هذا فيه خلاف بين العلماء، والراجح: أنه طالما أدى العمرة وتحلل ثم بدأ في الإحرام فقد أصبح متلبساً بالحج، فيجب عليه ما أوجب الله سبحانه وتعالى، ولا يشترط أن يكمل المناسك حتى يجب عليه ذلك، فيكون وقت الوجوب هو الإحرام بالحج.

    وفرق بين أن نقول: إنه وقت وجوب دم التمتع وبين وقت ذبح الهدي، فذبح الهدي شيء آخر فنقول: أنت وجب عليك الدم من وقت ما أحرمت بالحج، فيقول: أنا أديت العمرة وتحللت وصرت حلالاً في هذا الوقت بين الحج والعمرة وكان من الممكن أن أسافر ولا أرجع مرة أخرى، وقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فقد اعتمر في ذي القعدة ثلاث عمرات صلى الله عليه وسلم، وما مكث حتى أدى الحج، نقول: لو أن إنساناً فعل ذلك لم يجب عليه الهدي لأنه اعتمر فقط، لكن لو مكث حتى الحج وأحرم بالحج فلا يجوز له فسخ هذا الإحرام بعد ما تلبس به، فيصير محرماً طالما أنه عقد الإحرام في الحج، فليس له أن يتحلل منه إلا بالانتهاء منه، فطالما أنه ليس له التحلل منه إلا بالانتهاء من أفعاله فيجب عليه الآن دم التمتع، فيكون المراد بقول الله عز وجل: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196] المتمتع أحرم بالحج من دون الميقات، فيلزمه الدم، كما لو وقف أو تحلل.

    والعلماء لهم أقوال في هذه المسألة: فالذين قالوا بوجوب دم التمتع بوقت الإحرام بالحج أبو حنيفة والشافعي وأحمد وداود ، وعن أحمد قول آخر: أنه يجب عليه هذا الدم وقت الوقوف بعرفة، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الحج عرفة)فعندما يقف بعرفة يجب عليه دم التمتع، وتصبح المناسك تابعة له، ويلزمه الحج الآن، ولكن الراجح الرواية الأولى عن الإمام أحمد رحمه الله، وهو قول الجمهور، فيكون وجد الشرط الذي ذكره الله عز وجل: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ [البقرة:196].

    وبعض أهل العلم ذهبوا إلى أن هذا الدم يجب إذا رمى جمرة العقبة، والجمهور كما ذكرنا ذكروا أن قوله تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ تفيد الغاية ويكتفى بأولها، كما في قول الله عز وجل: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187] والليل له أول وله آخر، وينتهي الصيام في أول الليل، كذلك هنا: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فالحج له أول، وهو الإحرام، وله آخر بالتحلل، فيكون المعنى على ذلك: إلى الابتداء بالحج، وهذا هو الأحوط فيها.

    ولا يجوز نحر الهدي قبل يوم النحر وقلنا: يجوز ذلك للإنسان المتمتع عند الشافعية باعتبار أنه تمتع بالعمرة إلى الحج، فهذا يجوز له بوجود أحد السببين أن ينحر الهدي.

    وقلنا: لا يجوز؛ لأن ما قبل يوم النحر لا يجوز فيه ذبح الأضحية، وهذا بالاتفاق، فكذلك الهدي قياساً عليه، فلا يجوز ذبح هدي التمتع قبل العيد؛ لأنه لم يثبت أن أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نحر قبل يوم النحر، ولا أمروا بذلك، فيكون الراجح فيه أنه لا يجوز قبل يوم النحر؛ لأنه لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أحداً من أصحابه بفعل ذلك، وإن جاز أن يكون البدل قبله، أي: أن يصوم ثلاثة أيام قبل العيد، لكن الهدي نفسه لا يذبح إلا في العيد؛ لأنه يوم النحر ويوم الهدي ويوم العيد، وهو الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، ولم يأمر أحداً أن يذبح قبل.

    1.   

    حكم من وجد الهدي وليس له مال

    وصفة دم التمتع نفس صفة الأضحية، وسيأتي الحديث عن أحكام الأضحية، ويقوم مقامها بدنة أو بقرة كلاً منهما عن سبعة، فيجوز للذي عليه دم التمتع ودم القران أن ينحر شاة أو يشارك ستة آخرين في نحر بقرة أو في نحر جمل أو ناقة.

    وإذا وجد المتمتع الهدي في موضعه فلا يجوز له العدول إلى الصوم؛ لقوله تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ [البقرة:196] فلا يجوز للإنسان المتمتع أن يرجع بهدايا للناس ويقول: إنه سيصوم بعد ذلك، فهذا لا يجوز، فطالما أن معه المال فيلزمه أن يشتري الهدي، وليس له أن ينتقل إلى البدل إلا إن فقد الهدي أو وجد وليس معه المال الذي يدفعه في ذلك، فإن عدم الهدي في موضعه فلا بد أن يصوم عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، حتى ولو كان هذا الإنسان له مال غائب في بلده ولكن في مكة لا يوجد معه مال، فعند ذلك يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله.

    ومن وجد الهدي وثمنه لكنه لا يباع إلا بأكثر من ثمن المثل، فهو كالمعدوم، كأن يتوقع أن ثمن الهدي أربعمائة ريال ومعه أربعمائة ريال فوجده يباع بألف ريال، فيكون حكمه حكم الفاقد، فله أن يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع.

    ولو وجد الثمن وعدم الهدي جاز له الانتقال إلى الصوم، فمن وجد الثمن وعدم الهدي في الحال فقعد ينتظر لعله أن يجد غداً هدي، ثم انتظر في اليوم الثاني ولكن ما جاء الهدي وخشي التأخير فهذا نقول: له أن يصوم ثلاثة أيام التي تلزمه.

    ثم الصوم الواجب عشرة أيام قال تعالى: تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ [البقرة:196] ثم يأمر الله سبحانه وتعالى بقوله: فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ [البقرة:196] فذكر ثلاثة، وذكر سبعة والمجموع: عشرة أيام، وكل إنسان يعرف أن مجموع ثلاثة وسبعة عشرة، والعلة في ذكر هذا: أن الإنسان قد يختان نفسه فيقول ربنا قال: ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ فإما أن نصوم ثلاثة أيام في الحج وإما أن نصوم سبعة أيام فقط لما نرجع، فيظن أن الثلاثة دخلت في السبعة الأيام، فقال تعالى: (تلك عشرة) حتى لا تخون نفسك، فالمطلوب ثلاثة أيام في الحج وسبعة حتى ترجع إلى بلدك.

    وقلنا: الأفضل أن يقدم الإحرام بالحج ليصوم هذه الثلاثة وهو محرم خروجاً من الخلاف.

    والأفضل أنه يبدأ بالإحرام بالحج في اليوم الخامس مثلاً ويبتدئ الصيام الخامس والسادس والسابع أو السادس والسابع والثامن، فيصوم وهو متلبس بمناسك الحج، لكن إن صام من غير ما يتلبس بها فالراجح أنه يجوز، ولا يجوز صوم شيء منها يوم العيد.

    1.   

    حكم صيام أيام التشريق للحاج

    ويجوز صيام أيام التشريق؛ لحديث ابن عمر في صحيح البخاري أنه قال: (لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي) حديث رواه البخاري عن عائشة وابن عمر رضي الله عنهما وفيه: (لم يرخص) والذي يرخص لهم هو النبي صلى الله عليه وسلم فالمراد: أنهم سمعوا ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم، أي: أنه لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي، وأيام التشريق هي الثلاثة الأيام بعد النحر ولها عدة أسماء، حيث إن الحجاج يقيمون فيها بمنى، واليوم الأول يقال له: يوم القر.

    ومعنى التشريق: أنهم يشرقون فيها لحوم الهدايا عندما تذبح في الشمس حتى لا تتعفن، فيملحها صاحبها ويضعها في الشمس حتى لا تتعفن، فاليوم الأول من أيام التشريق اسمه: يوم القر؛ لأن الجميع يقرون فيه بمنى لا يخرج أحد منها، وليس له أن ينفر في اليوم الأول، ويوم العيد اسمه: يوم الأضحى وهو أول الأيام، وهو يوم الحج الأكبر، ويليه ثلاثة أيام للتشريق الأول منها ثاني أيام العيد الذي نسميه يوم القر، اليوم الثاني من أيام التشريق الذي هو ثالث أيام العيد يسمونه: يوم النفرة الأولى، فيجوز لمن تعجل في يومين ولا إثم عليه أن يغادر بعد رمي الجمار.

    اليوم الثالث الذي هو رابع أيام العيد: يوم النفرة الثانية.

    وأيام التشريق هي الأيام المعدودات التي ذكرها الله سبحانه وتعالى حيث قال: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى [البقرة:203].

    1.   

    معنى قوله تعالى: (وسبعة إذا رجعتم)

    ويستحب صيام جميع الثلاثة الأيام قبل يوم عرفة حتى يتفرغ يوم عرفة للدعاء، وله أن يصومها مع يوم عرفة، لكنه يتعب مع الصيام ومع الحر ومع الانشغال بالمناسك والذهاب والإياب.

    وهذه الثلاثة الأيام تفوت بخروج أيام التشريق، فيكون رخص في صومها لأنه ما زال بقي عليه شيء من أعمال الحج، فالحاج إذا لم يقدر على صيامها قبل أيام التشريق يجوز له أن يصومها في أيام التشريق وكأنه الآن يقضي هذه الأيام الثلاثة التي فاتت، فليس له أن يضيعها حتى تنتهي أيام التشريق، فإذا فات صوم الثلاثة في الحج لزمه قضاؤها ولا دم عليه، فهذا يعتبر بدل من هذا الدم فليس عليه دم مرة ثانية، وكان الإمام أبو حنيفة يقول: عليه دمان، يعني: رجع الدم الأصلي عليه وعليه دم آخر بترك هذا الواجب الذي كان عليه.

    والراجح: أنه إما أن يذبح هدياً ويهديه لأهل الحرم، أو أنه غير واجب فيلزمه هذا الصيام على الصورة التي ذكرها الله عز وجل، فإذا فاتته الثلاثة الأيام قضاها بعد ذلك ولا يلزمه شيء آخر.

    قوله تعالى: وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ [البقرة:196] مضمون الآية: إذا رجعتم من الحج -وذلك بانتهاء مناسكه- ولو كنتم في الطريق أردتم أن تصوموا جاز لكم ذلك، سواء في الطريق أو بعد الرجوع إلى أهليكم فالأمر سيان.

    روى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس: (من كان أهدى فإنه لا يحل له شيء حرم منه حتى يقضي حجه, ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل، ثم ليهل بالحج، فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله) فالأفضل إذا رجع إلى أهله صام؛ لحديث النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كانت الآية لم تذكر الرجوع إلى الأهل، فبمجرد الرجوع من الحج يجوز للإنسان أن يصوم؛ لنص النبي صلى الله عليه وسلم.

    ولا يجوز صوم شيء من السبعة في أيام التشريق، فلو أن شخصاً استسهل صوم الثلاثة الأيام قبل العيد وجاء في أيام التشريق ليصوم السبعة الأيام فلا يجوز ذلك، وليست هذه معتبرة، وأيام التشريق لم يرخص فيها إلا صيام الثلاثة الأيام فقط وليس الباقي؛ لأنه لا يسمى راجعاً، ولأنه ما زال في الحج حتى وإن تحلل، وأما من بقي عليه طواف الإفاضة فلا يجوز صيامه؛ لأنه ما زال في الحج، وإنما يصوم السبعة الأيام بعد ذلك إذا رجع من الحج، أما هذا الذي عليه طواف الإفاضة فما زال عليه ركن من أركان الحج، فليس له أن يصوم السبعة الأيام.

    وإن لم يصم الحاج الثلاثة الأيام في الحج ورجع لزمه صوم عشرة أيام، سواء ترك صيامها بعذر أو بغير عذر، فلما يرجع إلى أهله يلزمه صيام العشرة الأيام متواصلة، وإن صام ثلاثة أيام وحدها، ثم صام سبعة أيام وحدها جاز، لكنه لا يجب التفريق بين الثلاثة والسبعة، وكأن التفريق وجب بحكم الوقت وقد فات فسقط كالتفريق بين الصلوات، وهذا قياس، أي: عندما نقول: صلاة الظهر في وقتها، والعصر في وقتها، والمغرب في وقتها، فلو أنك فاتتك هذه الصلاة وأنت نائم فعندما تقوم من النوم نقول لك: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها، فبمجرد ما قمت من النوم يلزمك أن تصلي هذه التي فاتتك، ولا تقل: نؤجلها إلى الغد، ثم نصلي الظهر مع الظهر، والعصر مع العصر، والمغرب مع المغرب، لا، ولكن صل إذا قمت؛ لأنك أنت الآن تقضي هذه الصلاة، فلذا صوم الثلاثة والسبعة الأيام لا يجب فيه التتابع ولكن يستحب، فينوي بهذا الصوم صوم التمتع وإن كان قارناً نوى صوم القران بدلاً من الهدي، وإن صام الثلاثة الأيام في الحج والسبعة بعد الرجوع لم يلزمه نية التفريق، فإذا شرع في صوم التمتع الثلاثة أو السبعة ثم وجد الهدي فقد شرع الآن في البدل، وهل يلزمه أن يرجع ثانية ونقول له: وجب عليك الهدي؟ لا فقد انتهى الأمر، فهو قد تلبس الآن بما وجب عليه فعليه أن يكمل هذا الشيء، ولكن يستحب له أن يرجع للهدي ولا يجب.

    ويجب على القارن دم مثل ما قلنا في المتمتع، وهذا مروي عن ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهم؛ لأنه جمع بين نسكين في وقت، فلأن يجب على القارن وقد جمع بينهما في الإحرام أولى، فالمتمتع قد عمل عمرة كاملة وحجاً كاملاً، ولكنه تمتع بين الاثنين في سفر واحد، والقارن تمتع بنسكين في سفر واحد، وكذلك عمل عملاً واحداً وهو الحج وأدخل فيه العمرة، فإذا كان متمتعاً عليه دم، وكذلك القارن.

    1.   

    حكم من مات بعد أداء الحج وعليه هدي

    وإذا مات المتمتع بعد فراغه من الحج وهو مؤجل للهدي ولم يكن أخرجه فما حكمه؟ فإن كان هذا المتمتع معه مال ولكن مات بعد المناسك فأهله يهدون عنه ما وجب عليه من ماله، وكذلك إن مات في أثناء الحج فلا يسقط الدم؛ لأنه وجب بالإحرام، وفيما ذكرناه قبل ذلك أنه يجب عليه الدم من تركته.

    وإذا رجحنا أنه يجب عليه الدم بإحرامه بالحج، فلو أنه أحرم في الحج وقال: لبيك حجة ثم مات بعد ذلك فهذا متمتع وجب عليه دم بالتمتع ويكون ديناً لله عز وجل يخرجه أهله من ماله، وعلى قول الإمام أحمد يجب الهدي بالوقوف بعرفة، وكذلك يقول الإمام مالك، فحينها لا يجب عليه إلا إذا وقف بعرفة ثم مات بعد ذلك.

    وذكرنا أن الراجح: أنه بتلبسه في الحج صار واجباً عليه الدم، ولو كان يجب عليه الصيام بدل الهدي ثم مات وعليه صيام صام عنه وليه، وهذا وارد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فيستحب للأولياء أن يصوموا عنه، فإن مات قبل تمكنه منه سقط لعدم التمكن، كصوم رمضان ممن كان عليه صوم من رمضان ثم مرض في رمضان فأفطر في آخره وظل مريضاً حتى مات في شهر شوال، فهذا تمكن من القضاء أم لم يتمكن؟ لم يتمكن، وهل يجب عليه صوم؟ إذا مات لا شيء عليه، ولا يجب على ورثته أن يخرجوا من ماله شيئاً، لكن يستحب أن يطعموا عن كل يوم مسكيناً، وكذلك هنا، أي: يستحب أن يهدي عنه الورثة أو يصومون، أما من توفي ولم يتمكن من الصوم لاستمرار مرضه وهو في الحج، وكان معسراً ولا يجد الهدي فهذا لا شيء عليه، فإن صاموا عنه كان حسنة لكن لا يجب، وإن تمكن من الصوم فلم يصم حتى مات فهو كصوم رمضان فيصوم عنه وليه، أو يطعم عنه عن العشرة الأيام التي تركها عن كل يوم مداً أو يطعم مسكيناً عن كل يوم، ويستحب صرفه إلى فقراء الحرم ومساكينه يعني: هذا الإطعام وهذا الهدي يجب ذبحه هنالك في الحرم، لكن الصيام سيصوم في أي مكان، فإذا صام في أي مكان فالإطعام بدلاً من الصيام فيجوز في أي مكان، لكن يستحب صرف هذا الإطعام إلى فقراء الحرم ومساكينه، فإن صرف إلى غيرهم جاز؛ لأن هذا الإطعام بدلاً عن الصوم الذي لا يختص بالحرم فكذا ما كان بدلاً عنه كما قدمنا.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم على وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.