إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ أحمد حطيبة
  3. شرح الترغيب والترهيب - الترهيب من بخس الكيل والميزان

شرح الترغيب والترهيب - الترهيب من بخس الكيل والميزانللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد حذر الإسلام من جميع التعاملات التي تؤدي إلى فساد الأخوة بين المسلمين، وتقطع روابط المحبة بينهم، ومن ذلك بخس الكيل والميزان وتطفيف الكيل، وقد رتب الله جل في علاه على ذلك عقوبات عاجلة تصيب أصحابها في الدنيا قبل الآخرة.

    1.   

    ما جاء في الترهيب من بخس الكيل والوزن

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الحافظ المنذري رحمه الله: [ الترهيب من بخس الكيل والوزن:

    عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا معشر المهاجرين! خمس خصال إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله بأن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله يتخيروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم)، رواه ابن ماجة واللفظ له ورواه البزار والبيهقي ].

    هذا الحديث العظيم عن النبي صلوات الله وسلامه عليه يذكره الحافظ المنذري في الترهيب من بخس الكيل والوزن.

    وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلاً)، يعني: أهل المدينة والأنصار رضوان عليهم قبل أن يأتيهم النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يتعاملون في البيع والشراء وكانوا أخبث الناس كيلاً أو من أخبث الناس في الكيل يعني: يطففون في الكيل والميزان ويبخسون الناس أشياءهم في ذلك.

    فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم أنزل الله سبحانه وتعالى عليهم من القرآن فكان مما نزل: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ [المطففين:1-3]، فتلى النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ذلك فكانوا من أحسن الناس وزناً بعد ذلك.

    شرح حديث: (خمس خصال إذا ابتليتم بهن...)

    في حديث ابن عمر رضي الله عنهما: (أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا معشر المهاجرين خمس خصال إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن)، يعني: خمسة أوصاف.

    إذا وقعتم فيها جاء من وراء ذلك العذاب من عند الله سبحانه معجلاً في الدنيا.

    وهذه الأشياء ينبغي على المسلمين أن يجتنبوها، وينبغي عليهم أن يتدبروا هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الأحاديث ليعلموا مواطن الداء الموجود في أمة الإسلام ليعرفوا لماذا أمة الإسلام الآن ذليلة عند الكفار، ولماذا أذل الكفار المسلمين في كل مكان؟ فالعيب من أنفسهم: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30].

    فالمرء بما كسبت يداه يبتليه الله سبحانه وتعالى بما يستحق من عقوبة عاجلة أو آجلة.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن قد مضت في أسلافهم الذين مضوا).

    وهذه بلية ومصيبة يبتلى بها الناس فإذا ابتلوا بهذه المعصية كان من وراء ذلك بلاء آخر وهي: المصائب والأوجاع.

    وهذه البلية هي الفاحشة، فإذا ظهرت بين الناس وظهر التبرج عند النساء وظهر من الرجال بسبب ذلك الوقوع في الزنا واستحلال ما حرم الله تبارك وتعالى من الزنا واللواط، فانتشر بين الناس وشاع ذلك استحق الناس أن يبتليهم الله سبحانه بأوجاع لم تخطر على بالهم قط ولم يروها قبل ذلك.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع)، لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها ويظهروها، فيظهر الرجل أنه يفعل الفاحشة وتظهر المرأة كذلك ويتستر عليهم الناس ثم يعلنون بها ولا يهتمون بأن يراهم أحد، ويمشي الرجل مع المرأة في الطريق على شاطئ البحر وفي الشارع ويفعل ما يشاء من معاص ولا أحد ينكر عليه، حتى يعلنون بها وتشجعهم الحكومات على ذلك؛ فيسنون لهم الأحكام الوضعية لإباحة الزنا وأنه يجوز هذا الشيء طالما المرأة بالغة ورشيدة فمن حقها وما أحد له دخل في شأنها، والوحيد الذي من حقه أن يشكو هو زوجها فقط كما تفعل حكومات الكفر في بلادهم ويقلدهم المسلمون في بلادهم، والآن يسعون إلى سن القوانين للناس فهم يبحثون عن قوانين إباحة زواج المثلين المرأة بالمرأة والرجل بالرجل.

    عندما يفعلون ذلك يبتليهم الله سبحانه وتعالى بالأمراض التي لم تكن على بالهم فيأتيهم الطاعون، والكوليرا والإيدز، ويأتيهم فيروس الكبد الوبائي فيروس (a) وفيروس (b) وفيروس (c) والله أعلم ما الذي سيأتي بعد ذلك من بلاء ومصائب، وكلما قيل: اكتشفنا علاجاً لهذا المرض جاء مرض ثانٍ.

    ولا يزال الأمر على ذلك طالما الإنسان يعارض الله سبحانه وتعالى، ويحاربه، فالله سيبتليه بالعلل والأمراض التي لا يقدر أن يقاومها أبداً، فتجد هؤلاء الناس يصيبهم الله بالبلاء من عنده وإذا نزل البلاء فإنه يعم ولا يخص، فتجد إنساناً مريضاً بالإيدز قد ينقل منه الدم لآخر وهو ليس له ذنب فينتقل الإيدز إليه دون أي ذنب.

    أو مريض بالتهاب الكبد الوبائي وهو بسبب معصية من المعاصي التي يعملها ونقل الدم إلى غيره ويصيبهم بالمرض فيأتي البلاء على هؤلاء جميعهم، قال تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال:25]، فلن يأتي البلاء على الظالم فقط وإنما على الجميع.

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ولم ينقص المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين، وشدة المؤنة، وجور السلطان)، فمن أعمال الناس يسلط الله عز وجل عليهم من يذيقهم الأمرين.

    فالناس يظلمون ويرتكبون المعاصي والمنهيات الشرعية، وقد يلقوا بالملامة على الحكام بحجة أنهم ظلمة وما ينظرون إلى نفسهم وإلى ما يعملون، فلو أن الإنسان أصلح من حاله لولى الله عز وجل عليه من ينصفه ومن يكون صالحاً، ولكن من ظلم فإن الله يولي عليه من يشدد عليه ويؤذيه ويجور عليه.

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (ولم ينقصوا المكيال والميزان)، فكم من الناس ينقصون الميزان والمكيال؟! وكم من التجار؟! إلا من رحم الله سبحانه، وصدق النبي صلى الله عليه وسلم حين يخاطب التجار بقوله: (إن التجار هم الفجار)، وأكثر أهل المدينة كانوا تجاراً يتاجرون ويقول النبي صلى الله عليه وسلم لهم ذلك: (إن التجار هم الفجار)، فيخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن السبب ويقول: (إن أحدهم يحلف فيكذب ويعد فلا يوفي).

    فمن فجورهم أن أحدهم يحلف بأن هذه السلعة من أجود السلع وهو كاذب فيما يقول، فيحلف بالله ويحلف بغير الله وهو كاذب فيما يدعي.

    والشياطين تخدع أمثال هؤلاء فتجد بعض التجار الحمقى والمغفلين يحلف كذباً وإذا أنكر عليه أحدهم قال: عندما طلعت من البيت قلت في نفسي إن كل يمين أحلفها اليوم فهي كذب، وهو يظن أن هذا الشيء يبرر حلفه الكاذب، فهو بذلك يضحك على نفسه ويخدع نفسه.

    وقد سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً حلف أنه لا يبيع سلعة ثم باعها بعد ما حلف فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه باع آخرته بدنياه)، فيا ترى كم من الناس يبيعون أخراهم بدنياهم.

    عقوبة نقص المكيال والميزان

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ولم ينقصوا المكيال والميزان لأخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان) وأخذوا بالسنين، أي: القحط، فيمنع الله عز وجل عنهم المطر، وإذا أنبتت الأرض فإن الله يبتليهم بالحشرات والديدان والأوبئة التي تضيع الزروع، وإذا أثمرت الزروع والثمار فليس فيها ذلك الطعم الحلو والمذاق الرائع.

    فكم من الناس يغشون فتكون فاكهتهم بلا طعم، وقد يكون الغش والخداع في السموم التي يصنعها بعض الفلاحين والتي تساعد على نمو النبات بشكل سريع، وهي في حقيقة الأمر مضرة أشد الضرر.

    فكم يؤذي هؤلاء الناس بعضهم بعضاً لبعدهم عن الله سبحانه ولجشعهم وطمعهم، فيطمع المزارع ويريد أن يأخذ أكثر ما يقدر عليه، والتاجر يريد أن يأخذ السلعة بثمن بخس ويبيعها بأعلى ما يكون، فيبيعها فاسدة تالفة، المهم أن يكسب، ويخدع المشتري بأن ينقص في الكيل والميزان، فيكون له ميزانان: ميزان يشتري به وميزان يبيع به، فهنا يبين النبي صلى الله عليه وسلم أن هؤلاء الظلمة يستحقون أن يؤخذوا بالسنين وشدة المؤنة أي: أن الحياة تصير شديدة عليهم، والأسعار تغلى على مثل هؤلاء الناس بسبب أعمالهم، ويصبح كل منهم يقول: ليس عندي الحاجة الفلانية؛ لأنها صارت غالية.

    ويسلط الله عليهم الحاكم الذي يجور عليهم، ويفرض عليه الضرائب الباهضة، ويكلفهم ما لا قدرة لهم عليه.

    فمن يطالب بالتغيير عليه أن يبدأ بتغيير نفسه أولاً قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11]، فغير ما في قلبك من غش وخداع وطمع وجشع ومن حسد للناس على ما آتاهم الله عز وجل من فضله.

    عقوبة منع الزكاة

    يقول صلى الله عليه وسلم في الحديث: (ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء)، إذا منع الناس الزكاة ولم يخرجوها وتحايلوا عليها فالله سبحانه وتعالى يمنع عنهم القطر، ولكن برحمته سبحانه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ولولا البهائم لم يمطروا)، لولا وجود البهائم ما نزل عليهم المطر من السماء؛ لأنهم لا يستحقونه.

    عقوبة نقض العهد والميثاق

    قال صلى الله عليه وسلم: (ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم فيأخذ بعض ما في أيديهم)، نقض العهد والميثاق وهو الخيانة التي اشتهر بها العرب الآن بعدما كانوا يوفون بالعهود فقد رجعوا إلى جاهليتهم مرة ثانية، فإذا بهم يعاهد بعضهم بعضاً وينقض بعضهم عهد بعض، ويحالفون أعداءهم على إخوانهم المسلمين، ويغدر المسلم بأخيه المسلم من أجلهم، قال الله سبحانه وتعالى: فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [الفتح:10].

    فالذي ينكث العهد إنما ينكثه على نفسه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم)، يعني: من غير المسلمين أعداء يتسلطون فيأخذون بلاد المسلمين مثلما أخذوا العراق وفلسطين.

    والسبب في وجود المصائب في بلداننا وقلة الخيرات من زروع وثمار هو الجور والظلم، بينما نجد أن لديهم الكثير من الجنات والبساتين والسبب في ذلك كله أن عندهم عدالة في بلادهم فأعطاهم الله سبحانه وتعالى الرزق، بينما عندنا ظلم بيننا وبين أنفسنا، فنظلم أنفسنا، ويظلم بعضنا بعضاً، وبسبب هذه المعاصي حُرمنا من فضل الله سبحانه إلا برحمة ربنا لبعض الصالحين وللبهائم التي في الأرض كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    عقوبة الحكم بغير ما أنزل الله

    قال صلى الله عليه وسلم: (وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا فيما أنزل الله)، أي: إذا لم يحكموا بحكم الله سبحانه، ويتخيروا بمعنى: يأخذون الخير من كتاب الله وسنة النبي صلوات الله وسلامه عليه إلا (جعل الله بأسهم بينهم).

    فإذا تركوا القرآن وتركوا السنة وصاروا يحكمون بغير ما فرضه الله، وبغير ما أنزل الله جعل الله بعضهم أعداء لبعض؛ لأنه صار أمرهم على الدنيا فنزع من قلوبهم الخير، وحلت عليهم عقوبة رب العالمين سبحانه.

    نسأل الله عز وجل العفو والعافية،وأن يهدي المسلمين في كل مكان،وأن يؤلف بين قلوبهم حتى يراجعوا أمر دينهم.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2736540431

    عدد مرات الحفظ

    684488683