إسلام ويب

شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في الصلاة في أول وقتهاللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن شوق المؤمن لمناجاة ربه غالبة إن صدقت محبته له، ولذا لا يفرط في الصلاة عموماً، بل لا يفرط في الجماعة ويحرص عليها أتم الحرص، وليس ذلك فحسب، بل لا تفوته تكبيرة الإحرام، وقد يتقدم إلى المسجد قبل الصلاة ولا عجب في ذلك، إنه الشوق.

    1.   

    فضل الإتيان بالصلاة في أول وقتها

    الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الإمام المنذري رحمه الله:

    الترغيب في الصلاة في أول وقتها.

    روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: الصلاة على وقتها، قال: قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قال: قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قال: حدثني بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو استزدته لزادني).

    وروى أبو داود عن أم فروة رضي الله عنها وكانت ممن بايع النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: (سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة لأول وقتها).

    وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمساً وعشرين ضعفاً؛ وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج من المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه مادام في مصلاه ما لم يحدث، اللهم صل عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة).

    يذكر الإمام المنذري رحمه الله أحاديث منها: حديث ابن مسعود رضي الله تبارك وتعالى عنه في سؤاله النبي صلى الله عليه وسلم: (أي العمل أحب إلى الله ؟)، وفي رواية أخرى: لرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: (أي العمل أفضل؟)، يريد من الأعمال التي يتعبد بها العبد لربه سبحانه وتعالى، وكأنه يقول: ما هي الأعمال الفاضلة التي هي أحب إلى الله سبحانه وتعالى؟

    فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم: (الصلاة على وقتها)، وهذا الحديث يوضحه حديث أم فروة بعده المروي في سنن أبي داود وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصلاة لأول وقتها)، أي: إذا نودي للصلاة استحب أن يذهب المسلم حيث ينادى بالصلاة، ثم يصلي هذه الصلاة فيصلي مع الجماعة، وجعل هذا العمل هو المقدم على غيره من أعمال، بل هو أول الأعمال، ويليه بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله.

    والمتأمل في هذا الترتيب يعلم فضيلة الصلاة، وكيف أنها أفضل العمل الذي يعمله العبد متقرباً به إلى الله سبحانه وتعالى، ويؤكد هذا المعنى ما روي عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي العمل أفضل؟ قال: (الصلاة لوقتها، وبر الوالدين، والجهاد).

    1.   

    فضل صلاة الجماعة وأهمية المحافظة عليها

    ومن الأحاديث المذكورة: حديث لـأبي هريرة رضي الله عنه، وفيه الحث على صلاة الجماعة، إذ أن صلاة الجماعة واجبة على الرجل، ولذا ينبغي أن يذهب إليها حيث ينادى بالصلاة، ولابد أن يعلم أن أمر صلاة الجماعة من الأهمية بمكان، فإن الشأن في صلاة الجماعة أنها تجمع المسلمين في بيت الله سبحانه وتعالى، ومن ثم تكون سبباً أن يحدث بين المسلمين التعارف، وقد قال تعالى: وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا [الحجرات:13]، وأفضل الأماكن التي يتعرف المسلم فيها على أخيه المسلم هي بيوت الله سبحانه وتعالى، فيعرفه بالتقوى، ويعرفه بمواظبته على الصلاة وحرصه على دين الله سبحانه، كما أن المسلم إذا فقد أخاه في صلاة الجماعة سئل عنه فربما كان مريضاً، أو محتاجاً، فإذا كان في حاجة من الحوائج أعانه وكان معه.

    وفي الحديث يخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم: أن الصلاة في بيت الله سبحانه تضعف على صلاة الإنسان في بيته وفي سوقه خمساً وعشرين ضعفاً، قال صلى الله عليه وسلم: (صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمساً وعشرين ضعفاً؛ وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة) أي: خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة، قال: (لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة)، ثم قال: (فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه)، إذ الإنسان إذا كان خارجاً لصلاة الجماعة، بعد أن توضأ في بيته، فخرجت بعض خطاياه بوضوئه، ثم خرج من بيته يريد الصلاة فكلما خطا خطوة رفع بها درجة، أو كتب له بها حسنة، أو حط بها عنه خطيئة، حتى يصل إلى المسجد، فإن صلى لله عز وجل أو انتظر الصلاة فهو في صلاة، فإن انتهى من الصلاة ومكث في المسجد يسبح الله عز وجل ويذكره كان في صلاة، وكتبت له فضيلة الصلاة مادام في بيت الله عز وجل.

    قوله: (فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه مادام في مصلاه ما لم يحدث، تقول الملائكة: اللهم صل عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة)، أي أنه إذا أكمل صلاة الفريضة ثم جلس حتى أتت الفريضة التي تليها تكتب له جلسته صلاة، وهكذا ما بين الصلاتين يكتب له كأنه يصلي، وشرط ذلك: أن يكون على وضوء، وأن يجلس في مصلاه.

    ومن الآثار الواردة: أثر لـابن مسعود رضي الله عنه، وفيه يبين أهمية صلاة الجماعة، وأنها ليست بالبساطة التي يعتقدها الناس الذين يتهاونون عنها أو يتركونها، بل ربما قد يترك أحدهم الصلاة من أصلها، والأثر يرويه الإمام مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن ابن مسعود أنه قال: من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات، ويدل على هذا الكلام حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)، يقول ابن مسعود : فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن -أي في المسجد- فإن الله تعالى شرع لنبيكم صلى الله عليه وسلم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم، ولو تركتم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطُهور، ثم يعمِد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة.

    وقد أثر عن ابن مسعود أنه قال: (ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق) أي: أنه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يتخلف عن هذه الصلاة إلا رجل موسوم بالنفاق معلوم عند الناس بالنفاق.

    ثم يقول: (ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين رجلين حتى يقام في الصف) وهذا من حرصهم على صلاة الجماعة، فيكون أحدهم متعباً لا يستطيع المشي إلا أن يستند على اثنين فيسندوه ويوقفوه في الصف، كل ذلك حرصاً على صلاة الجماعة ألا تضيع منه، ومع أن له عذره بسبب المرض؛ لقوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ [النور:61]، ولكن مع اعتيادهم على صلاة الجماعة، وحبهم لصلاة الجماعة، كان الواحد منهم يفضل أن يستند على غيره ليصلي في المسجد على أن يصلي في بيته، وقد رأينا النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهو في آخر حياته، كيف أنه سأل عن الصلاة في يوم من الأيام، وكان مريضاً وعكاً صلوات الله وسلامه عليه: أقيمت الصلاة؟ فقالوا: لا، فأراد أن يقوم ليصلي صلى الله عليه وسلم، فلما قام سقط صلى الله عليه وسلم ولم يقدر على القيام، فقال: ائتوني بماء، فأتوا له بطست فيه ماء، فصب على النبي صلى الله عليه وسلم من الماء ليغتسل فيصحو من الحمى، ويذهب إلى الصلاة صلى الله عليه وسلم، فلما قام أراد أن يذهب ناء صلى الله عليه وسلم ولم يقدر -أي: سقط مرة ثانية- فأتوا بماء مرة أخرى وصبوا عليه صلى الله عليه وسلم، وهكذا مرة بعد أخرى وهو لا يستطع أن يقوم، حتى قدر في مرة أن يقوم فخرج متكئاً على عمه العباس وابن عمه علي رضي الله تبارك وتعالى عنهما، ورجلاه تخطان في الأرض، يريد أن يصلي بالناس صلوات الله وسلامه عليه.

    فقد يكون الإنسان مريضاً، لكن حبه لصلاة الجماعة يجعله يواظب عليها، مع أن له العذر أن يصلي منفرداً في بيته، ولكن شدة حبه لصلاة الجماعة والمحافظة عليها تجعله يأتي إلى بيت الله كما صنع هذا الذي ذكره ابن مسعود رضي الله تبارك وتعالى عنه اقتداء بالنبي صلوات الله وسلامه عليه.

    وقول ابن مسعود : لقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق قد علم نفاقه أو مريض. بمعنى: أن المريض الذي يجهد نفسه، ويأتي المسجد مأجور، ولكن لو أنه لم يأت أيضاً مأجور، وأجره كأجر الجماعة؛ لأنه معذور، وقوله: إن كان الرجل ليمشي بين رجلين حتى يأتي إلى الصلاة، معناه: مستند على رجلين.

    يعجب الله تعالى من صلاة الجماعة

    ومن الأحاديث التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم: ما روي عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله تبارك وتعالى ليعجب من الصلاة في الجمع)، أي: صلاة الجماعة، والمعنى: أن الله عز وجل يعجبه ذلك، ويفرح به، ويحب عبده الذي يواظب على صلاة الجماعة، فصلاة الجماعة والمواظبة عليها ينبغي أن يحرص عليها المسلم أشد الحرص، كما ينبغي أن يحرص على أن يسمع تكبيرة الإحرام من الإمام، وهي أول تكبيرة في الصلاة، وقد ورد في فضيلة المحافظة عليها حديث رواه الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صلى لله أربعين يوماً في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتبت له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق)، قوله: (من صلى لله أربعين يوماً)، كأن العدد فيه مقصود، ففي قصة سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام حين واعده ربه سبحانه أن ينزل عليه التوراة، فواعده أن يتعبد لله ثلاثين يوماً، ثم أتبعها بعشر قال تعالى: وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ [الأعراف:142]، فجعلها أربعين يوماً، فكأن هذا العدد له مزية في العبادة والمواظبة على العبادة، وكأنه إذا وصل إليه الإنسان في المواظبة على العبادة، كانت له العبادة بعد ذلك عادة فلا تشق عليه.

    فقوله في صلاة الجماعة: (من صلى لله أربعين يوماً في جماعة)أي: مائتي صلاة، لا أربعين صلاة، وهي عدد الصلوات في أربعين يوماً، ويشترط لنيل هذا الفضل: أن (يدرك التكبيرة الأولى) وهي تكبيرة الإحرام، أي: يسمع الإمام وهو يكبر تكبيرة الإحرام.

    وقوله: (كتبت له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق)، فيه فضيلة عظيمة جداً تجعل الإنسان يحرص قدر المستطاع على أن يواظب على صلاة الجماعة في بيت الله عز وجل من أجل أن ينال هذه الفضيلة.

    وقوله: (براءتان: براءة من النفاق)، أي أن الله عز وجل يؤمنه أن يقع في النفاق، ويعصمه من أن ينافق نفاق عقيدة، أو نفاق عمل بفضل هذه المواظبة، فالمعلوم أن المنافقين كما أخبر الله عنهم: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى [النساء:142]، فالبراءة المذكورة في الحديث أنها من النفاق أي: لا يقوم كسلان، إذ كيف يقوم كسلان وهو جاهد أن يدرك تكبيرة الإحرام، فالفرق كبير بين هذا الإنسان وبين هؤلاء، بل لا يوجد تناسب بين الإنسان المؤمن والإنسان المتكاسل عن الصلاة.

    وقوله: (وبراءة من النار)، أي أنه لا يكون من أهل النار يوم القيامة، وليس معنى الحديث: أن من أدرك تكبيرة الإحرام أربعين يوماً لا يواظب عليها بعدها، أو يجلس في البيت ولا يصلي متوهماً أنه مادام قد أخذ جائزته فله أن يترك الصلاة، بل المراد: المواظبة على تكبيرة الإحرام.

    ولذلك جاء عن السلف رضوان الله عليهم: أنهم كانوا إذا فاتت أحدهم تكبيرة الإحرام يعزي نفسه ويعزونه الناس ثلاثة أيام، أما الصلاة فهو مدركها، لكن فاتته تكبيرة الإحرام.

    أما إذا فاتت أحدهم الصلاة في وقتها، فإنهم يعزونه أسبوعاً على ما فاته، وكأن مصيبة نزلت به، كالمصيبة التي تنزل بالإنسان فيعزى من أجلها، كموت أحد أقاربه.

    لذلك ينبغي على الإنسان المسلم أن يحرص على المواظبة على تكبيرة الإحرام، ولعله لا يدرك ذلك من أول مرة، كأن يواظب أسبوعاً ثم يقطعها، فينبغي عليه أن يعيد ذلك مرة ثانية وثالثة حتى يوفقه الله، قال تعالى: إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ [الأنفال:70]، فالله سبحانه وتعالى أدرى بمن يستحق ذلك الفضل، إذ الأمر ليس هيناً يمكن أن يدرك بسهولة، كما أن كثرة المشاغل في الدنيا تحول في الغالب دون الاستمرار في ذلك، ولكن الله عز وجل قد يعلم من نية العبد المواظبة فيكتب له الأجر والثواب حتى ولو فاتته تكبيرة الإحرام في بعض الصلوات، ولكن العبد يعامل نفسه بما جاء في الحديث، وينتظر رحمة الله سبحانه وتعالى من وراء ذلك.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مواد ذات صلة

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    الأكثر استماعا لهذا الشهر

    عدد مرات الاستماع

    3038269177

    عدد مرات الحفظ

    728599770