إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ أحمد حطيبة
  3. شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - زكاة الفطر

شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - زكاة الفطرللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شرعت للمسلم بعض العبادات شكراً لله سبحانه بنوع من الشكر مغاير لما تعود عليه، ومن ذلك شرعية زكاة الفطر بعد صيام رمضان، ففيها شكر لله على نعمة الصيام، والتطهير من اللغو والرفث، والمواساة للفقراء، ولقد نظمها الإسلام فحدد من تجب عليه، ومتى تجب، وما مقدارها، ولمن تعطى، وهل تجوز الاستعاضة عنها بالقيمة، وغير ذلك مما يتعلق بها من أحكام.

    1.   

    الأدلة على وجوب زكاة الفطر

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    زكاة الفطر تسمى: زكاة، ويسمونها: صدقة الفطر، ويسمونها: الفطرة، وهذا كله في كتب الفقهاء، والمقصد منها زكاة خلقة الإنسان، وكأن الفطرة: الخلقة، فهي زكاة على بدن هذا الإنسان في يوم العيد؛ حتى يطهر المسلم نفسه مما قد أصابه في خلال شهر رمضان من لغو ونحو ذلك.

    وزكاة الفطر فريضة، والعلماء كلهم على ذلك، فالجمهور على أن الفريضة هي الواجبة، وعند أبي الحنيفة أن هناك فرقاً بين الفرض والواجب، بناءً على أصله أن الفرض ما ثبت بالدليل المتواتر، والواجب ما ثبت بسنة الآحاد، وزكاة الفطر ثبتت بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك فهو يسميها واجبة، وإن كان عنده أنه إذا لم يخرجها الإنسان أثم، فاتفق الجميع على أنه إذا أخرجها فقد أخذ ثوابها، وإذا لم يخرجها مع علمه بوجوبها وقدرته عليها أثم على ذلك.

    ودليل وجوب زكاة الفطر ما في الصحيحين عن ابن عمر قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر -فسماها فريضة- صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين).

    ففرضها النبي صلى الله عليه وسلم عليهم طعاماً حتى يجد الفقير في يوم العيد ما يطعمه، وأعياد المسلمين أعياد عظيمة، فيها يفرح المسلم، وقد جعل الله عز وجل لنا عيدين في السنة، وفيهما ما فيهما من اللهو المباح.

    وأهم شيء أن الأعياد تبدأ بذكر الله سبحانه وتعالى، ويكون فيها الصدقات، ففي الفطر تكون زكاة الفطر، وفي الأضحى تكون الأضحية.

    فزكاة الفطر قبلها شهر رمضان فيكون العبد قد صام وتقرب إلى الله عز وجل بما استطاع من أعمال الخير في أعظم شهر في السنة، وفي الأضحى قبله العشر الأول من ذي الحجة، وهي أعظم أيام السنة، فقبل العيد عبادة، وإذا أكمل المسلم هذه العبادة أخذ الأجر من الله عز وجل ففرح في يوم عيد الفطر، وفي يوم عيد الأضحى وثلاثة أيام التشريق، فهذا فضل من الله يفرح به المسلمون وبالعبادة التي أدوها له سبحانه وتعالى.

    ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كان لأهل المدينة يومان يلعبون فيهما، فقال: (قد أبدلكم الله خيراً منهما)، فهذه أعياد جاهلية أبدلهم الله بما هو خير منها: عيد الفطر وعيد الأضحى، وهما عيدان لأهل الإسلام.

    فصار العيد عند المسلمين: عيد الفطر وعيد الأضحى، فقبل عيد الأضحى عبادة، ثم يوم العيد يبدأ فيها بصلاة العيد، ثم يتقرب إلى الله بالهدي والأضحية ونحو ذلك.

    فهنا فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعاً من تمر، وهذا كان قوتاً لأهل المدينة، ففي المدينة حدائق كثيرة فيها النخيل وأنواع التمور التي تزيد على الثلاثمائة نوع.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم فرض من الشيء الذي يجدونه والقوت الذي عندهم، وهو صاع من تمر أو شعير، والشعير لم يكونوا يزرعونه، وإنما كان يأتيهم من الشام، ويسمونه: درمك، فكان الرجل يعزله لنفسه، لأنه كان قليلاً ولم يكن كثيراً، وكان عيشهم غالباً هو عيش الشعير.

    فلم يكلفهم النبي صلى الله عليه وسلم ما لا يجدونه، ولكن أمرهم بإخراج ما هو موجود في أغلب البيوت، وهو التمر والشعير.

    قال: (على العبد والحر، والذكر والأنثى)، والعبد لا يخرج عن نفسه ولكن يخرج عنه سيده، وأما الحر فيخرج عن نفسه، إلا إذا كان غيره يلي أمره فيخرج عنه، وكذلك الأنثى والصغير والكبير من المسلمين. وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة.

    1.   

    متى فرضت زكاة الفطر

    فرضت الزكاة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك في السنة الثانية قبل فرض رمضان، ثم فرضت زكاة الفطر في رمضان، وفرض الزكاة بعد فرض الصلاة، والزكاة كزكاة أموال فرضت في مكة، قال الله عز وجل: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا [الأنعام:141].

    أي: حق المال، ولكن تحديد هذا الحق كمقدار ونصاب فإنه لم يحدد في مكة، وإنما كان ذلك في المدينة، فهذا فيه ربع العشر، وهذا فيه نصف العشر، وهذا فيه العشر، فحدد الله عز وجل الأنصبة في المدينة.

    والعلة في زكاة الفطر أنها تطهر المسلم من الرفث واللغو.

    1.   

    شروط وجوب زكاة الفطر

    حتى تجب زكاة الفطر على العبد لا بد من ثلاثة شروط:

    الأول: الإسلام، الثاني: الحرية، الثالث: اليسار، فتؤدى عن الصغير والكبير، والذكر والأنثى من المسلمين، ولا تؤدى عن غير المسلمين، فلو كان للمسلم أبوان كافران فلا يجب عليه أن يخرج عليهما، ولا على أبنائه وزوجته إذا كانوا غير مسلمين، ولو كان عنده عبيد غير مسلمين فلا يخرج عنهم كذلك، وإنما تخرج الزكاة عن المسلم.

    الحر فالذي يملك مالاً يلزمه أن يخرجها بشرط اليسار.

    واليسار: هو أن يجد المسلم ما يزيد عن قوت يومه وليلته، وأما زكاة المال فإنها لا تجب إلا إذا بلغ هذا المال نصاباً، ومر عليه الحول، فعندما يكون المسلم غنياً، والأنصبة حددتها الشريعة الحكيمة.

    فشرط زكاة الفطر ليس ملك النصاب، ففي يوم العيد لا بد أن تعم الفرحة جميع المسلمين، فلا يأكل أحد والثاني إلى جانبه جائع، فمن كان عنده في يوم العيد ما يزيد على قوت يومه وليلته فليخرج هذه الزيادة، وهذا من الرحمة والتكافل الاجتماعي في الإسلام، ففي يوم العيد لا يبقى أحد فقيراً، فالكل يأكل، ولذلك كانت هذه الزكاة طعاماً، وهذه حكمة عظيمة، فقد لا يكون في البلد دكاكين يباع فيها الطعام يوم العيد، فيعطى الفقير طعاماً، ولا يعطى نقوداً؛ لأنه قد لا يجد من أين يشتري الطعام فيبقى جائعاً.

    فالاعتبار باليسار والإعسار حال الوجوب، فمن فضل عنه قوته وقوت من تلزمه نفقته ليلة العيد ويومه ولو صاع فهو موسر. والصاع مكيال يتسع حوالي كيلو ونصف تمراً، فلا هو قليل ولا كثير يشق على الناس.

    وفي ذلك رفق ومواساة، فهو رفق بالإنسان الذي يخرج المال فلا يخرج ماله كله، والمواساة للفقير، فيأكل كما تأكل الناس.

    فلو أن المسلم يملك صاعاً زائداً فيخرج عن نفسه ولا يلزمه أكثر من ذلك؛ لأن هذا هو الذي توفر عنده، فإذا كان لا يملك زيادة على قوت يومه وليلته لا يلزمه شيء، كما لا يجب عليه أن يستدين ليخرج زكاة الفطر، ولا تستقر في ذمته بعد ذلك؛ لأن وقت الوجوب قد انتهى، بخلاف من كان قادراً ولم يفعل فإنها تلزمه وتصير ديناً في عنقه.

    فاشترط العلماء أن يكون هذا المال الزائد زائداً على طعام يوم العيد وليلته، فائضاً عن حاجته، فقد يكون عنده مال ولكنه يحتاجه للعلاج مثلاً أو لإيجار المسكن أو غيره من حوائجه الأصلية، ففي هذه الحالة لا تجب عليه زكاة الفطر، فبعد أن يقضي هذه الحاجات يخرج الزكاة، ولو لم يبق معه فاضلاً عن حاجته إلا الشيء القليل أخرجه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم).

    1.   

    عمن يخرج المسلم زكاة الفطر

    حكم إعطاء الزكاة للمطلقة

    لو أن رجلاً طلق امرأته طلقة رجعية وهي مقيمة معه في البيت، فالمعلوم أن علاقتها لم تنفك بعدُ، فيلزمه النفقة عليها في فترة عدتها، ويلزمه كذلك الزكاة عنها، وأما إذا طلقها طلقة ثالثة وبانت منه فلا يلزمه الزكاة عنها، وفيما لو كانت المرأة حاملاً لا يلزمه أن يخرج عنها، وإنما يلزمه أن ينفق من أجل الجنين، والجنين ليس عليه زكاة فطر، وعلى ذلك لا يلزم أن يخرج عنه، ولا يلزمه أن يدفع عنها الزكاة في هذه الحالة.

    ولا تجب زكاة الفطر حتى تفضل عن نفقته ونفقة من تلزمه نفقته، قال النبي صلى الله عليه وسلم (أبدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء، فهكذا وهكذا يقول: فبين يديه وعن يمينه وعن شماله) والمعنى: أخرج بحسب قدرتك، فأخرج عن نفسك وبعد ذلك عمن يلزمك: الأدنى فالأدنى.

    وفي الصحيحين من حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول) أي: أن الإنسان المؤمن ينبغي أن يعود نفسه على أن تكون يده هي اليد العليا، وصاحب اليد العليا هو المعطي، وصاحب اليد السفلى هو الآخذ، فليخرج ولينتظر من الله عز وجل السعة والبركة والرزق من وراء ذلك.

    وقال صلى الله عليه وسلم: (خير الصدقة عن ظهر غنى) أي: ما أبقى غنىً لصاحبه، فلا ينبغي أن يتصدق بماله كله ثم يظل مفلساً لا طعام له، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغني يغنه الله.

    وقت وجوب زكاة الفطر

    أما متى تجب على الإنسان هذه الزكاة، أو ما هو الوقت الواجب بحيث إن من كان موجوداً في هذا الوقت: فعليه زكاة الفطر؟

    فالجواب: أنه قد صح عن ابن عمر أنه قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان على الناس)، فيكون وقت الوجوب هو بعد فطر الصائم في آخر يوم من رمضان، فإذا غربت الشمس على الصائم وقد جمع بين اليوم وبين غروب الشمس لزمته هذه الزكاة، فلو أن إنساناً توفي قبل غروب شمس أخر يوم من رمضان فليس عليه زكاة، وأما إذا غربت عليه الشمس ثم مات بعد ذلك فيلزم إخراج هذه الزكاة عنه؛ لأنه كان حياً في وقت الوجوب.

    وهذه الزكاة كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث)، وقوله: طهرة للصائم، متعلقة بالصوم، فكأن الصائم إذا أفطر من رمضان ثم أخرج زكاة الفطر طهر صومه مما عسى أن يكون قد حدث فيه من لغو، أو رفث.

    قوله: (وطعمة للمساكين) إطعام للمساكين، (من أدها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أدها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات).

    سبق أن ذكرنا أن غروب شمس أخر يوم من رمضان هو بدء وقت الوجوب، فلو ولد لرجل ولد، أو تزوج امرأة، أو ملك عبداً، أو أسلم الكافر بعد غروب الشمس، ولم يدرك شيئاً من رمضان فلا تلزمه زكاة الفطر، فلكي نقول عن فلان: إنه يلزمه إخراج زكاة الفطر لا بد أن يكون الذي يُخرَج عنه موجوداً في رمضان، وغربت عليه شمس أخر يوم من رمضان، فلو ولد له ولد قبل غروب شمس آخر يوم من رمضان لزم من ينفق عليه أن يخرج عنه زكاة الفطر.

    حكم تعجيل زكاة الفطر

    عندما يتكلم العلماء على زكاة المال فإنهم يقولون: إن زكاة المال يجوز تعجيلها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم استلف من العباس زكاة سنتين، فكأن فقراً شديداً ألم بالمسلمين فاحتاجوا للمال، فما وجد النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن يبحث عمن عليه زكاة مال لم تجب بعد، فأخذ من العباس زكاة سنتين لا زكاة سنة واحدة، والسؤال هنا هل زكاة الفطر تلحق بزكاة المال؟ اختلف العلماء في ذلك، فذهب الإمام أبو حنيفة إلى قياس زكاة الفطر على زكاة المال، فقال: طالما أن زكاة المال يجوز إخراجها من أول الحول، فلتكن زكاة الفطر كذلك، وهذا القول وإن كان قياساً لشيء على مثيله فإنه قياس مع الفارق، فصحيح أن كليهما زكاة، لكن العلة في زكاة الفطر أن تغني الفقراء عن السؤال في يوم العيد، فهي طعمة للمساكين في هذا اليوم كما جاء في الحديث: (طهراً من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين)، فكيف تؤدى قبل العيد أو قبل رمضان، كما أنها إن تقدمت قد تتعرض للتلف.

    وأما الإمام الشافعي رحمه الله فيقول: يجوز أن تخرج هذه الزكاة في رمضان كله، وما قيل في الرد على القول السابق يقال هنا أيضاً، فإذا أعطيت الزكاة في أول رمضان لمستحقها فقد يأكلها في أول رمضان، فإذا جاء يوم العيد لم يجد ما يغنيه، فنكون قد حرمناه من المال في يوم العيد، ولذلك فالراجح أن هذا لا يصلح أيضاً.

    وللحنابلة قولان في ذلك: الأول: يجوز أن نخرج من بعد نصف رمضان، وسيقال فيه ما قيل في الأقوال السابقة. والقول الثاني للحنابلة وهو قول الإمام مالك : أنها تخرج في ليلة العيد، أو عند الغدو إلى صلاة العيد، فاستحب الإمام مالك أنها تخرج عندما تغدو إلى صلاة العيد، وهذا ما اختاره ابن حزم أيضاً، وهو أن تخرجها وأنت خارج للصلاة، ولكن ثبت أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يخرجونها قبل العيد بيوم أو يومين كما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه أخرجها قبل العيد بيوم أو بيومين، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يعطيها للذين يقبلونها وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين، والحديث في صحيح البخاري وفيه أنه يجوز أن تخرج قبل العيد بيوم أو يومين، وابن عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه هو من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه فرض صدقة الفطر على الذكر والأنثى، والحر، والمملوك، صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير)، وعلى هذا فيجوز أن تخرج وتعطى لمستحقها قبل يوم العيد بيوم أو يومين، وهذا أقصى ما يمكن أن يقال في تقديمها، وكلما تأخرت كان ذلك أفضل؛ لأجل أن ينتفع بها الفقير في العيد.

    وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة)، وقد أخذ من ذلك ابن حزم وغيره أن وقت الوجوب هو عند صلاة العيد أو بعد الفجر، فمن طلع عليه الفجر فهذا وقت الوجوب، وبنوا عليه كل المسائل التي ذكرناها قبل ذلك، لكن الراجح هو ما جاء في حديث: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان)، وهذا أوجه؛ إذ يقال إذا أفطرت من رمضان فإفطارك بغروب شمس أخر يوم من رمضان.

    حكم تأخير زكاة الفطر عن صلاة العيد

    لا يجوز تأخير زكاة الفطر عن صلاة العيد، ففي حديث ابن عباس الذي رواه أبو دواد قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات)، فلذلك لا يجوز تأخير الزكاة عن صلاة العيد إلا للضرورة، كما لو أن إنساناً كان قد أحضر الزكاة ليعطيها الفقراء قبل صلاة العيد فعاجله وقت صلاة العيد كأن لقى الناس قد شرعوا في الصلاة فالأولى في حقه أن يصلي أولاً، ثم يعطيها لمن يعطيها له بعد الصلاة؛ لأنه معذور.

    وكذا لو أن إنساناً أراد أن يعطيها لجاره فذهب إليه ليعطيه قبل العيد فلم يجده، فاحتفظ بها حتى حضر الظهر فلما رجع أعطاها له، فمثل هذين يجوز لهما أن يؤخرا إلى بعد الصلاة، وأما التأخير اختياراً إلى بعد صلاة العيد فإن صاحبها قد ضيع من فضيلتها من كونها زكاة فطر، بل صارت صدقة عادية من الصدقات.

    لذلك لا بد على الإخوة الذين يتلقون الزكاة لكي يخرجونها للفقراء أن يهتموا بأن يخرجوها قبل صلاة العيد، حتى لا تتأخر عن الفقراء.

    وقد يرد سؤالٌ هنا وهو: لو أن المرء وكل غيره بإخراج هذه الزكاة، فمتى يجوز له أن يعطيه أياها؟

    والجواب: يجوز له أن يعطيه إياها في أي وقت شاء سواءً قبل رمضان، أو في رمضان على ألا يؤخرها عن صلاة العيد، فكونك توكل الوكالة شيء والإخراج للفقير شيء آخر، فلو أن رجلاً أراد السفر ثم أتى إلى المسجد وأراد أن يعطي زكاة فطره لمن يأخذها ليعطيها الفقراء، فإنه بذلك قد وكل إنساناً يخرجها عنه، وصار من أخذها مؤتمناً عليها، فعليه أن يحفظها إلى أن يأتي وقتها، ثم يخرجها وينوي عن صاحبها.

    مقدار زكاة الفطر

    جاء في الحديث أنها صاع بصاع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: (كنا نخرج زكاة الفطر صاعاً من طعام، أو صاعاً من شعير).

    قوله: (صاعاً من طعام)، لعله قصد عموم الطعام، ثم فصل بعد ذلك، أو يقصد من طعام القمح إذ كان موجوداً عندهم القمح وكانوا يخرجون القمح أو الدقيق.

    قال: (أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من أقط أو صاعاً من زبيب)، والملاحظ أن هذه الأشياء كلها مما يكال بالصاع، ولما لم يكن الصاع موجوداً في عصرنا، فقد حول هذا الصاع إلى وزن ومقداره حوالي: اثنين كيلو وربع من القمح، ويكون التمر حوالي: كيلو ونصف الكيلو، وإذا كان من الرز سيكون حوالي: اثنين كيلو ونصف الكيلو تقريباً، وإن كان الرز ليس مذكوراً في حديث أبي سعيد الخدري.

    والأقط: هو لبن الغنم أو الماعز يأتوا به الأعراب ويجففونه ثم يصنعون منه أقراصاً صغيرة، تحسباً أن تحصل مجاعة. أو انعدام زرع.

    وقد راعت الشريعة أن يخرج المسلم مما يتوفر عنده ويقدر عليه، فمن كان عنده زبيب فيخرج زبيباً، ومن كان عنده تمر فيخرج تمراً، وهكذا الذي عنده شعير والذي عنده قمح والذي عنده أقط، بحيث إن الفقير يجد أنك طالما تأكل شيئاً فعليك أن تعطيه مما تأكله، فإذا أعطيت للفقير ذلك فقد فعلت الذي قاله النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    قال أبو سعيد : (وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر)، كأنه يقول: فرض علينا النبي صلى الله عليه وسلم أن نخرج من الموجود عندنا، فهذا طعامنا الذي كنا نأكله، فقد كنا نخرج منه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك نعلم أن على الناس أن يخرجوا ما يناسب الناس وما هو أنفع لهم، وما يقتاتونه في زمنهم، إذ أن ما كان يقتات عليه في زمن أبي سعيد بعضه لا يناسب الناس اليوم كالإقط مثلاً، كذا لو خير أحد الناس اليوم بين أن يعطى أرزاً أو قمحاً لاختار الأرز، وهكذا ينبغي أن يقاس على هذه الأشياء ما كان قوتاً للناس، فيعطي للفقير من قوت أهل البلد؛ لأنه الأنفع للفقير، فتبرأ ذمة المعطى إذا أعطى أرزاً، أو فولاً، أو عدساً، أو تمراً، أو زبيباً، وبحمد الله قد رسمت جداول معلقة في المسجد بهذه الأشياء وقيمة هذه الأشياء، ولذا فإنه يجوز إخراج الحبوب والثمار التي نص عليها النبي صلى الله عليه وسلم، وما ألحق بها أيضاً والنظر في ذلك إلى العلة؛ إذ المراد أن يُغني الفقير في يوم العيد، فيجد الطعام الذي يأكله.

    ويجوز دفع الزكاة إلى فقير واحد، فلو كانت العائلة خمسة أفراد أو ستة أفراد فأخرج كل واحد صاعاً ثم أعطيت لفقير واحد جاز، كما يجوز أن يقسم الفرد الواحد زكاته على أكثر من فقير، ويشترط أن يكون من يعطاها مستحقاً، ولا ينبغي أن يعطى الزكاة من لا يستعين بها على طاعة الله، ولا من يعصي الله سبحانه وتعالى! كأن يكون إنساناً لا يصلي أو لا يصوم أو لا يحترم شعائر دين الله سبحانه وتعالى، وإنما تعطى الزكاة لمن يطيع الله سبحانه وتعالى، فتعطى لمن يصلي، وتعطى لمن يصوم، وأما الإنسان الذي يستهين بدين الله عز وجل فلا يستحق أن يأخذ هذه الزكاة.

    ولو انعدمت الأشياء التي نص عليها النبي صلى الله عليه وسلم في بلد ثم أخرجوا طعاماً آخر ليس هو الأنفع والأفضل من ذلك؛ فنص بعض الحنابلة منهم أبو عبد الله بن حامد على أنه إذا أخرج جبناً، أو لبناً، أو لحمة مع عدم وجود هذه الأشياء، أو مع وجودها، وكانت هذه أصلح وأنفع للفقير، فأعطى بمثل هذا القدر أجزأ ذلك عنه.

    وقد يتسائل البعض هل يجوز أن يخرج المرء قيمة هذه الأشياء المنصوص عليها؟ وهذه مسألة أختلف فيها الفقهاء على قولين، قول الجمهور منهم مالك والشافعي وأحمد وابن حزم وداود بن علي وغيرهم على أن ذلك لا يجوز فلا يجوز، وإذا أخرجت لم يجزئ.

    وقول أخر وهو قول عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، وقول أبي حنيفة ، وقول الإمام البخاري ، وهو قول معاذ : أنه يجوز إخراج القيمة، وقد نظرو هنا إلى الأنفع للفقير، فما كان أنفع للفقير يجوز أن يعطيه إياه، والراجح في هذه المسألة أن الأمر واسع فيها، فيجوز أن تخرج الأشياء التي نص عليها النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا أخرجت مكانها قيمتها للفقير وكانت أنفع له أو احتاج إليها، أو هو طلبها مكان هذا الشيء، جاز أن تخرجها في ذلك، ولا يحتاج الأمر لكثير كلام فيها ولا كثير جدلٍ، فمن أخرج الأشياء المنصوصة فهذا حسن، وإذا وجد أن الفقير يحتاج إلى المال وهو أفيد له، كأن يكون لا يريد أن يأكل التمر أو القمح، بل يحتاج إلى أكل أخر غير هذا الشيء جاز أن يأخذ غيره، ولكن لا بد أن يكون بقيمة الأشياء المنصوصة، فمن وجد قيمة التمر أخرج قيمته، ومن وجد قيمة الزبيب وكان يريد أن يخرج قيمته جاز أن يخرج قيمته، وهكذا، وفي ذلك كلام جيد لـشيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله يقول: إخراج القيمة للحاجة أو المصلحة أو العدل لا بأس بذلك، وضرب لها مثال فقال: كأن يكون المستحقون بالزكاة طلبوا منه أعطاء القيمة؛ لكونها أنفع، فيعطيهم أيها، فيقول: لو أن الفقراء قالوا: أنفع لنا أن تعطينا القيمة لا أن تعطينا ذلك، وكان هذا هو الأنفع لهم، أو أن الفقير سيعطى من القمح أو من غيره من الأشياء فيأخذها ثم يبعها فالأنسب أن الفقير يعطى المال، وله أن يشتري لنفسه ما يريد، وعلى ذلك فالأمر واسع في ذلك، فإذا أخرجت المنصوص عليها أجزأ عنك وكان أفضل لك، وإذا كان الأنفع للفقير بطلبه الآخر أعطيته الأخر، ولا نقول أنه لا يجزئ، والله أعلم.