إسلام ويب

تفسير سورة الفرقان [71 - 72]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من صفات عباد الرحمن: أنهم يتوبون إلى الله توبة نصوحاً، ويتبعون هذه التوبة بالعمل الصالح الذي يقربهم إلى الله سبحانه وتعالى، ومن صفاتهم أيضاً: أنهم لا يشهدون الزور، أي: لا يحضرونه، فضلاً عن العمل به، فهم ينزهون أنفسهم عن ذلك، وعن اللهو بسائر أنواعه، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( ومن تاب وعمل صالحاً فإنه يتوب إلى الله متاباً )

    الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين:

    قال الله عز وجل: وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا [الفرقان:71].

    يخبرنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآية وما قبلها وما بعدها عن صفات عباد الرحمن، وذكر في خلال الآيات التوبة إلى الله سبحانه وتعالى، وقال: وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ، والتوبة: هي الرجوع عن الذنب، والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، والإنسان التائب توبة نصوحاً هو الذي يندم على ذنبه الذي وقع فيه، ويعزم ألا يرجع إليه مرة أخرى، ويستغفر ربه سبحانه وتعالى من هذا الذنب، ويعيد الحقوق لأصحابها، ويستحل أصحابها مما عليه لهم، فمن تاب هذه التوبة النصوح التي أمر الله بها بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا [التحريم:8]، فقد تاب توبة خالصة لله سبحانه وتعالى.

    قوله: وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا أي: أن التوبة ليست كلمة يقولها المرء باللسان، ولكن لا بد أن تكون عن اعتقاد في القلب، وعزم على ألا يرجع إلى المعصية، وندم على هذه المعصية التي وقع فيها، ثم يعمل صالحاً حتى يبدل الله عز وجل عمله من عمل سيئ إلى عمل حسن، فيبدل الله السيئات إلى حسنات، فهذه هي التوبة المقبولة التي يستحق بها العبد أن يكفر الله عز وجل عنه سيئاته، قال: فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا [الفرقان:71] ، يعني: يتوب إلى الله توبة حقيقية، توبة خالصة، يرضى الله عز وجل عنه بها.

    جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه ابن ماجة عن ابن مسعود مرفوعاً: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) ، وهذا من فضل الله العظيم سبحانه، فإذا تاب العبد توبة بشروطها فهذا كأنه لم يأت ذنباً، وكأنه لم يقع في الذنب، وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث فقال: (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون) ، فالإنسان الذي يقع في المعصية، ولكن يستدرك ذلك ويراجع نفسه، ويرجع إلى ربه سبحانه وتعالى بالتوبة، فهذا يتوب الله عليه، وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه أبو داود من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من عبد يذنب ذنباً، ثم يقوم فيحسن الطهور، ثم يقوم فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله إلا غفر الله له، ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ [آل عمران:135]).

    فالإنسان المؤمن يذكر الله عز وجل، فيستغفر لذنبه الذي وقع فيه، فإذا تاب تاب الله عز وجل عليه، وأخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح فقال: (من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها، تاب الله عليه)، يعني: أن باب التوبة مفتوح إلى أن تظهر العلامات الكبرى للساعة، فإذا ظهرت العلامات الكبرى، والتي منها: طلوع الشمس من مغربها، وهذه من أكبر العلامات التي تدل على أن الساعة على وشك، فإذا تاب العبد قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عز وجل عليه، أما بعد طلوعها من المغرب فلا تقبل.

    كذلك إذا تاب المرء قبل أن يغرغر فإن التوبة مقبولة قبل الغرغرة، يعني: قبل أن تصل الروح إلى حلق الإنسان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراماً )

    قال الله تعالى: وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا [الفرقان:72]، فهنا شهد الزور بمعنى: أنه أتاه، أو أنه حضره ونظر إليه، ومن حضره فكأنه فعله.

    فالإنسان المؤمن الذي هو من عباد الرحمن لا يشهد الزور، فإذا كان لا يحضر الزور فمن باب أولى ألا يشهد شهادة زور، فإذاً: على ذلك هنا (لا يشهدون الزور) أعم من كلمة (لا يشهد بالزور).

    فشهادة الزور بأن يشهد كذباً، وتكون مرة وتكون مرات، ولكن لا يشهدون الزور أي: لا يحضرونه، ولا يسمعونه، ولا يكونون في مكان فيه زور، وأصل الزور: الكذب، أو الشيء المزور المزخرف، يعني: الشيء المايل من الازورار، أو من التزوير، فزور المقالة بمعنى زخرفها وزينها، وازور عن الحق بمعنى مال عن الحق، فهؤلاء لا يشهدون الشيء المائل عن الحق والشيء الباطل، يعني: لا يحضرون باطلاً ولا يشاهدونه، ولا يخوضون فيه، فهم قد نزهوا أنفسهم وأكرموا أنفسهم عن ذلك.

    أقوال المفسرين في معنى قوله تعالى: ( والذين لا يشهدون الزور )

    قوله تعالى: وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ [الفرقان:72] جاء عن المفسرين في معنى هذه الآية أقوال، ومن ذلك: ما روي عن ابن عباس أنه قال: هو أعياد المشركين. أي: من ضمن شهادة الزور أن الإنسان يشهد ويحضر أعياد المشركين، ويوافقهم في أعيادهم.

    ويقول عكرمة: لعب كان في الجاهلية. يعني: أياماً كانوا يلعبون فيها في الجاهلية.

    وقال مجاهد: يعني: الغناء. وذلك بأن يجلس ويغني ويعزف ويسمع الموسيقى والألحان ونحو ذلك.

    وقال ابن جريج : الكذب.

    وقال علي بن أبي طلحة ومحمد بن علي: لا يشهدون بالزور. وكأنها من الشهادة، وليس من المشاهدة، وكل هذا صحيح، وكله مراد.

    والمعنى: أن الإنسان المؤمن ينزه نفسه أن يوجد في مكان يغضب الله عز وجل على أهل هذا المكان، فلا يحضر شهادة زور، ولا يحضر مكاناً فيه زور وفيه لغو وفيه ما ينبغي أن يطرح وأن يلغى، ولا يتكلم بمثل ذلك.

    فظاعة شهادة الزور والتحذير منها

    شهادة الزور من أعظم وأفظع المنكرات، فهو هنا لم يقل: لا يشهدون بالزور، وإنما قال: لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ سواء قل أو كثر، فشهود الزور بأن يحضر مجلساً فيه لغو ولعب، وإن كان لن يعمل معهم ذلك، ولكنه لا ينكر عليهم، فهذا شهد مشهداً باطلاً لا ينبغي له أن يشهده.

    فالإنسان الذي يتكلم بالكذب مصاب بمصيبة، ولذلك جاء في شهادة الزور في الصحيحين من حديث أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر، قالوا: بلى يا رسول الله! قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس، فقال: ألا وشهادة الزور، ألا وقول الزور، أو قال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، يقول أبو بكرة: فما زال يقولها حتى قلت: لا يسكت)، يعني: كررها عدة مرات لتوعية الناس وتحذيرهم من قول الزور وشهادة الزور، وهناك فرق بين الاثنين، فقول الزور: أن يتكلم الإنسان من غير شهادة عند القاضي أو غيره ويكذب في الكلام، فهذا قول الزور وقول الكذب، أي: ينمق القول ويزخرفه على من معه فيدلس عليه ويكذب عليه.

    أما شهادة الزور: فهي أن يكذب في الشهادة عند القاضي أو عند الحاكم في الدعاوى أمام الناس، فهنا حذر من الكذب في الكلام، وهذه شهادة الزور، قوله: (وكان متكئاً فجلس، فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور)، فما زال يكررها صلوات الله وسلامه عليه بياناً أن هذا شيء فظيع، وشيء عظيم، والله عز وجل يعاقب عليه أشد العقوبة.

    فشاهد الزور واقع في أكبر الكبائر؛ لأن الإثم فيها ليس على نفسه فقط، ولكن على هذا الذي شهد عليه زوراً، فقد ضيع حقه، فبدل أن يأخذ الحق بشهادة هذا، يضيع الحق منه إلى غيره.

    فلذلك الإنسان الذي يحلف كذباً ليقتطع مال المسلم، هذا حلف يميناً غموساً تدخله في النار وتغمسه فيها، وتسمى: يمين الغموس، فكيف بمن يشهد بالزور حتى يضيع حق الإنسان فيأخذه غيره؟ هذا شاهد زور، فله العقوبة الأليمة عند الله سبحانه وتعالى، قال النبي صلى الله عليه وسلم هنا: (ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور).

    كذلك جاء في حديث آخر في أمر الإنسان الذي يتعبد ويصوم لله سبحانه، ثم مع ذلك يتكلم بالزور، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل؛ فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)، يعني: الإنسان الذي يقول: أنا صائم سواء كان صيام تطوع أو فريضة، وحياته كلها زور وكذب وغش وأكل لأموال الناس، نقول له: صائم عن الطعام والشراب، ومفطر على أعراض الناس، ومفطر على الزور وأكل أموال الناس، فليس لله حاجة في أن تدع طعامك وشرابك.

    فالإنسان المؤمن يصلي صلاة تمنعه من الفحشاء والمنكر، ويصوم صوماً يمنعه من ذلك، قال تعالى: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45]، وكذلك الصوم، فقال هنا: (من لم يدع قول الزور والعمل به، والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه).

    أيضاً: جاء عن عمر رضي الله عنه، أنه أتي بشاهد زور، فأوقفه أمام الناس يوماً إلى الليل؛ وقد أوقفه أمام الناس من أجل أن يفضحه أمام الناس؛ لأنه شاهد زور، ثم قال: هذا فلان يشهد بزور، فاعرفوه، ثم حبسه عمر رضي الله تعالى عنه. وفي رواية: أنه ضربه أحد عشر سوطاً، ثم قال: لا تأسروا الناس بشهود الزور.

    يعني: لا تحبسوا الناس بسبب إنسان يشهد عليهم بالزور، واتقوا الله سبحانه وتعالى في الناس، وذلك بأن تتحروا من الشاهد الحق، فمن زكاه الناس فاقبلوه، أما شاهد لا تعرف عنه شيئاً، ويأتي يشهد بالزور وتحبس الناس من أجله، فلا تفعلوا ذلك، ثم قال: فإنا لا نقبل من الشهود إلا العدل.

    معنى اللغو وأقوال المفسرين فيه

    يقول الله سبحانه في صفات عباد الرحمن: وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا [الفرقان:72]، اللغو: هو الكلام اللغو وأفعال اللغو، فعباد الرحمن إذا حضروا مجالس فيها لغو، نزهوا أنفسهم وأكرموها؛ لأن الله عز وجل أعزهم بالإيمان، وبحب الله سبحانه، فهم ينزهون أسماعهم أن تسمع باطلاً، وينزهون ألسنتهم أن تنطق بباطل، وينزهون أبدانهم أن يحضروا مجالس باطل، فهنا قال: وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا أي: الإنسان المؤمن يكرم نفسه فلا يهينها بالمعصية، يكرم نفسه بالطاعة، ويكرم نفسه بمصاحبه الأخيار، ولا يهين نفسه بمصاحبة الفجار والأشرار، فالإنسان المؤمن يبتعد عن أهل الزور، وعن أهل الخيانة وأهل الكذب وأهل الباطل، لا يرافقهم ولا يجالسهم، فإذا مر بمكان فوجد هذا الزور وهذا الباطل نزه نفسه وأكرمها وابتعد عن ذلك.

    يقول المفسرون في ذلك: هو كل ما سقط من قول أو فعل. يعني: الأفعال الساقطة والأقوال الساقطة، فيدخل فيه الغناء، ويدخل فيه اللهو وتدخل فيه الموسيقى ونحو ذلك، ويدخل في ذلك سفه المشركين وأذاهم للمؤمنين، وذكر النساء وغير ذلك من المنكر.

    قال مجاهد: إذا أوذوا صفحوا، يعني: نزهوا أنفسهم عن رد الكلام السيئ بالكلام السيئ، ولكنهم يعفون ويصفحون، قال: وإذا ذكروا النكاح كنوا عنه. يعني: فألفاظهم ألفاظ رقيقة مهذبة، وليست ألفاظاً فاحشة، فهم لا يتكلمون إلا بالكلام الطيب لا بالكلام البذيء، يكنون عما يستقبح ولا يصرحون به.

    قال المفسرون في قوله تعالى: وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا أي: معرضين منكرين لا يرضونه، ولا يمالئون عليه، ولا يجالسون أهله. أي: مروا مرور الكرام، ينزهون أنفسهم أن يخوضوا في باطل هؤلاء، فهذا يكون قد أكرم نفسه أن يهينها بمعصية الله سبحانه وتعالى.

    وقيل: المعنى: أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إذا وجد منكراً، فمروره بالمنكر بأن ينهى عنه، وأن يأمر بالمعروف، وإذا لم يقدر على ذلك فلا يمر به ولا يجلس معه والله أعلم.

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، وأن يجعلنا من عباد الرحمن.

    أقول قولي هذا, وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2994619336

    عدد مرات الحفظ

    717584663