إسلام ويب

تفسير سورة الحج [40 - 45]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بدأ تاريخ الدعوة الإسلامية بالصبر والكف عن القتال، حماية للدعوة، وصوناً عن الأذى، ولما تمادى الباطل في غيه، وصلب عود الحق، أذن الله لعباده وشرع لهم جهاد أعدائه؛ لردعهم، وكفهم عن تماديهم وغرورهم، ووعد الله عباده المؤمنين بالنصر والتمكين إن نصروا دين الله وتمسكوا بكتابه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ...)

    الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    فقد قال الله عز وجل في سورة الحج: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ [الحج:39-41].

    لما أخبرنا الله سبحانه تبارك وتعالى عن المؤمنين أنهم أخرجوا من ديارهم وأموالهم وهاجروا في سبيل الله سبحانه بعدما أوذوا وفتنوا وظلموا، فأذن لهم الله سبحانه وتعالى بأنهم مظلومون، وأن الله عز وجل ناصرهم.

    فقال تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ أي: هؤلاء المؤمنون المهاجرون الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق، ولكنهم كانوا يقولون: لا إله إلا الله، ويقولون: ربنا الله.

    ثم قال سبحانه: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ وكأن هذا كالإعلام بفرض الجهاد على المؤمنين، ولأمرهم بدفع الكفار، فإنهم لو تركوا هؤلاء الكفار وما يصنعون بالمؤمنين من أذى ولا يردعهم شيء لزاد طغيانهم في الأرض، فلا يقدر عليهم أحد، ولكن الله سبحانه يدفع أمثال هؤلاء الكفار بالمؤمنين المجاهدين في سبيله، فالجهاد والدفع شريعة ربنا سبحانه وتعالى في الأديان السابقة، وفي دين الإسلام.

    فالأنبياء يدعون أقوامهم إلى طاعة الله رب العالمين، فيكذب الأقوام، فيشرع الله عز وجل للمؤمنين على ألسنة أنبيائه أن جاهدوا في سبيل الله، فيجاهدون، فينصرهم الله سبحانه وتعالى، فلولا ذلك الجهاد لتمكن الكفار من المؤمنين، ولكان الكفار هم الذين يسودون الأرض، ويفعلون ما يحلو لهم، ولكن الله عز وجل فرض الجهاد؛ تأديباً لهؤلاء الكفار، وإعزازاً لدينه، وإظهاراً للمؤمنين ولشعائر دينه سبحانه وتعالى، ولولا ذلك لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً، فكأن الله عز وجل شرع الجهاد في الأديان السابقة، فجاهد المؤمنون مع أنبيائهم الكفارَ، فجاهدوا مع موسى عليه الصلاة والسلام، وجاهدوا مع إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ومع غيره من الأنبياء.

    يدفع الله بالجهاد الناس بعضهم ببعض، فيكف به شر الأشرار وكيد الكائدين لدين رب العالمين، وينصر الله عز وجل دينه، فيتمكن العباد المؤمنون مع أنبيائهم من عبادة الله سبحانه تبارك وتعالى.

    قوله: لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ [الحج:40]، الصوامع: أماكن العبادة التي كان يتعبد فيها الرهبان، وهي جمع صومعة، وكانت مختصة برهبان النصارى. والمعنى: أنه لولا جهاد الكفار لما تمكن المؤمنون من النصارى في عهد المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام من أن يعبدوا ربهم سبحانه وتعالى، ولما تمكن المؤمنون الذي كانوا مع موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام من عبادة ربهم سبحانه وتعالى ... وهكذا.

    فلولا فرض الجهاد ودفع الله عز وجل الكفار بالمؤمنين لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا [الحج:40].

    ثم يأتي وعد الله سبحانه بقوله تعالى: وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ [الحج:40]، وهذا النصر مقيد بأسبابه التي منها: قوله تعالى: إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ [محمد:7]، وقوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال:60]، وغير ذلك من أسباب كالتوكل على الله سبحانه.

    إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:40] أي: أن الله قوي لا يغلبه شيء، وهو العزيز الغالب الذي لا يقهر، فلا يقدر أحد على أن يعترض على أمره؛ لأنه مهما اعترض الإنسان ومهما جحد فإنه يأتي عليه قضاء الله وقدره، فيذله الله سبحانه تبارك وتعالى ويؤدبه، ويرجعه إلى التراب حقيراً ويعذبه ربه سبحانه، وهو لا يملك أن يدفع عن نفسه شيئاً؛ لأن الله قادر على كل شيء، فهو القوي العزيز سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة...)

    قال الله سبحانه: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ [الحج:41]، أي: من صفات المؤمن أنه إن مكنه الله عز وجل أظهر دين الله سبحانه وتعالى، وعامل الخلق كلهم بالعدل الذي شرعه الله سبحانه، فلا يظلم أحداً؛ لأنه يخاف من الظلم، بعد أن عرف أن الله قد حرم الظلم على نفسه وجعله بين الناس محرماً، قال صلى الله عليه وسلم: (قال الله تعالى: يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)، فلا يحل للمؤمن أن يظلم أحداً، وإنما يحكم بشرع الله سبحانه تبارك وتعالى، فيدعو إلى دين الله سبحانه، ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وهذه هي صفات مجتمع الإسلام العظيم.

    حرية الإنسان مقيدة بضوابط الشرع

    إن مجتمع الإسلام فيه الحرية المقيدة بطاعة الله سبحانه، ولا يوجد في الإسلام حرية مطلقة بحيث إن الإنسان يفعل ما يشاء بدون ضوابط، وإنما حريتك محدودة فيما أباحه لك ربك سبحانه، والإنسان العاقل يتأمل في ذلك، فيعرف قدر هذا الإسلام العظيم، وقدر هذا الدين العظيم.

    إذاً: ليس للإنسان أن يفعل ما يريد، فليس من حقه أن يطلع على ما يريد، أو يتجسس على الجيران وينظر إلى العورات، وإذا اعترض عليه أحد قال: أنا حر، أعمل ما أشاء، وإنما يقول لك الدين: لا، أنت لست حراً، وليست لك حرية إلا أن تنظر إلى ما أحل الله عز وجل لك، فإذا نظرت إلى ما حرم الله عز وجل عليك، عاقبك الله في الدنيا والآخرة.

    أما في الدنيا فبالتعزير، فيعزر الإنسان الذي يصنع ذلك.

    وأما في الآخرة فبالنار والعياذ بالله، ولذلك يجعل الله في قلب الإنسان ما يخيفه ويمنعه من الوقوع في الحرام، فلا يتأذى غيره به. فلو قال شخص: أنا حر، ومشى في الشارع رافعاً صوته ويسب ويعمل ما يريد لقال له الإسلام: لا، لست حراً في ذلك، لا ترفع صوتك فتؤذي غيرك، فإذا فعلت ذلك عزرك الحاكم، وعزرك القاضي؛ لأنك تؤذي غيرك، وحريتك لا تعني أن تؤذي غيرك، ولكن كونك تأكل أنت حر، ومع ذلك بدون إسراف قال عز وجل: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [الأعراف:31]، فأنت مقيد بعدم الإسراف في الأكل والشرب أيضاً، كذلك تأكل وتشرب مما أحل الله عز وجل لك، وليس مما حرمه الله سبحانه، فتجد أن الإسلام يعطيك حرية، ولكنها مقيدة بشرع الله سبحانه تبارك وتعالى، فأما الحرية المطلقة بحيث تعمل الذي تريده، فلا.

    وانظر إلى الإنسان عندما يصل إلى الحرية المطلقة التي يريدها فإنه في النهاية يلغي شريعة ربنا سبحانه، ويشرع لنفسه ما يريد، ولا يحكمه في ذلك إلا شهواته وشبهاته، وما يريده من أسباب القوة، حتى لو ضيع غيره.

    فالإنسان عدو لنفسه ولزوجه ولولده. فإذا نظر إلى شهواته فإنه ينظر إلى مصلحته، ولا يهتم بغيره، ولكن الإسلام جاء ليقيدك بحدود الله سبحانه، فتلك حدود الله فلا تعتدوها. فلا تتعدى الحلال فتقع في الحرام، ولا تقرب من الحرام وإلا أوشكت أن تواقعه وتقع فيه. فحدود الله عز وجل عظيمة، تجعل الإنسان المسلم يستشعر أنه عبد لله سبحانه وتعالى، ويستشعر أنه يحب غيره ويحترم غيره، وأن له حقوقاً وعليه واجبات، كما أن لغيره حقوقاً وعليه واجبات.

    ولذلك المجتمع المسلم يعيش في تكافل وفي احترام ومحبة، وفي حرية مقيدة بشرع الله سبحانه تبارك وتعالى.

    وأما الإنسان الكافر فلا شيء يحده، فإذا به يخرج عن دين الله سبحانه، ويريد أن يأخذ ملاذ الدنيا جميعها، فتستعبده شهواته شيئاً فشيئاً، فيحصل على المال ولا يشبع، ويحصل على شهوات الجنس ولا يشبع، ويحصل على شهوات الدنيا إلى غاية النهاية ولكنه يجد نفسه مهموماً ولا يجد في الدنيا راحة، فيريد الموت، فيبدأ الأطباء يخترعون له الموت المريح، ويقولون: إن من حق الإنسان أن يموت موتاً مريحاً، ويصنعون له أدوات للموت؛ ليختار لنفسه كيف يموت، ومتى يموت.

    فلو ترك الإنسان ونفسه فإنه في النهاية ينتحر ويضيع نفسه ويفني نفسه بنفسه، هذا لو ترك الإنسان وحده، ولكن تأتي شريعة رب العالمين سبحانه لتحافظ له على حياته وعلى بقائه، وعلى دوام الإنسانية، حتى يأتي أمر الله سبحانه تبارك وتعالى.

    شروط التمكين في الأرض

    المؤمنون يمكنهم الله عز وجل في الأرض، قال تعالى: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ [الحج:41]، فهم لا يستعلون على غيرهم ولا يتجبرون ولا يطغون ولا يبطرون، ولكنهم يقيمون الصلاة.

    ثم قال تعالى: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ [الحج:41]، فهذه علاقة مع الله سبحانه تبارك وتعالى، وعلاقة مع الخلق ذكرها لنا ربنا سبحانه تبارك وتعالى هنا، فعلاقتك مع الله أن على بدنك واجباً، وعلى مالك واجباً، ومن علاقتك مع الله عز وجل إقامة الصلاة، وتأدية الحج وجميع العبادات التي فرضها الله سبحانه من صيام، وجهاد في سبيله، وغير ذلك.

    فمن صفات المؤمنين أنهم يقيمون الصلاة التي هي أعظم أركان الدين، فيقيمونها، ليس بأنهم يصلون فقط، وإنما هم يصلون ويأمرون غيرهم بهذه الصلاة كما أمر الله سبحانه تبارك وتعالى.

    ولا يوجد في المجتمع المسلم أحد لا يصلي، إلا أن يكون غير مكلف، كأن يكون مجنوناً أو صغيراً، أو تكون امرأة حائضاً أو نفساء، أما كون المجتمع المسلم يوجد فيه من لا يصلي فلا؛ لأن الذين تمكنوا في الأرض لهم السلطان ولهم الحكم في الأرض، بشرط أن يقيموا الصلاة، وأن يكون شغلهم الشاغل أن يكون الناس مطيعين لرب العالمين سبحانه تبارك وتعالى؛ وذلك بأن يقيموا الصلاة ويأمروا الناس بالصلاة والمحافظة عليها، ويراعوا حدود الله عز وجل في ذلك.

    فقوله تعالى: وَآتَوُا الزَّكَاةَ [الحج:41] أي: بذلوا أموالهم، وأمروا الناس بذلك، فهم في أنفسهم يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، ومع الخلق يأمرونهم بالمعروف أي: جنس المعروف، وينهونهم عن المنكر، أي: جنس المنكر، فيأمرونهم بالصلاة، وبالزكاة، وينهونهم عن معصية الله سبحانه تبارك وتعالى.

    فإن المؤمن إذا مكنه الله سبحانه من أن يكون حاكماً أو يكون سلطاناً فإنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويقول بالحق أينما كان، وينتظر الأجر من الله سبحانه، ولا ينتظر النتيجة من الناس، مهما بلغ الناس، استجابوا أو لم يستجيبوا؛ لأنه فعل ما يجب عليه من أمر الله سبحانه.

    قال تعالى: وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ [الحج:41] أي: مرجع الأمور إلى الله، والرجوع إلى الله؛ ليحاسب العباد على ما صنعوا وما فعلوا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح...)

    يقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ [الحج:42] يعني: أنت لست أول رسول يكذبه قومه عليه الصلاة والسلام، فإن يكذبك هؤلاء القوم فقد كذبت قبلهم أقوام: قوم نوح، وقوم عاد، وقوم ثمود، وكل قوم أرسل الله عز وجل إليهم نبيهم ورسولهم عليه الصلاة والسلام يدعوهم إلى الله. فقد رأينا كيف دعا نوح قومه إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاماً، ولم يستجب له إلا عدد قليل جداً من هؤلاء الأجداد والآباء والأبناء والأحفاد، قال تعالى: وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ [هود:40]، فالذين ركبوا معه السفينة عدد قليل.

    وقد نصره الله عز وجل، ونصر من معه من المؤمنين، وأغرق الأرض بمن عليها، فالله سبحانه كأنه يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: نحن نصرنا نوحاً ولم يكن معه إلا عدد قليل، ولكنه صبر وثابر فنصرناه في النهاية.

    وكذلك عاد، قال تعالى: وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا [الأعراف:65] أي: أرسلنا هوداً إلى قومه يدعوهم إلى الله سبحانه، فكذبوه، وقد أنعم الله عز وجل عليهم بالنعم العظيمة، فقال لهم نبيهم عليه الصلاة والسلام: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [الشعراء:128-130] يعني: أنهم في غاية القوة والجبروت، وبدلاً من أن يعبدوا ربهم الذي مكنهم استكبروا على خلق الله سبحانه، عصوا وأبوا إلا العناد والاستكبار، فجاءهم عذاب الواحد القهار سبحانه تبارك وتعالى، فإذا به يرسل عليهم حاصباً، أي: ريحاً تقتلع هؤلاء القوم، فجعلهم كأعجاز نخل خاوية.

    وكذلك ثمود، فقد أرسل إليهم صالحاً يدعوهم إلى الله سبحانه، فطلبوا منه آية يرونها بأعينهم، وانتقوا هذه الآية، بأن تكون ناقة تخرج ومعها فصيلها، والقصة معروفة، فالله عز وجل أعطاهم هذه الآية، فلم يصبروا لأمر الله، ولم يصدقوا رسولهم عليه الصلاة والسلام التصديق الذي يفترض عليهم؛ لأنهم رأوا هذه الآية، وعرفوا أنها آية من عند الله، ولكن مع ذلك لم يدخلوا في دين هذا الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام.

    قال تعالى حاكياً ذلك: قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ * فَعَقَرُوهَا [الشعراء:155-157]، فلما عقروا هذه الناقة أخبر الله عز وجل أنهم أصبحوا نادمين، ولم ينفعهم ندمهم، وقال لهم رسولهم عليه الصلاة والسلام: تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ [هود:65] فهددوا رسولهم إذا لم يأت العذاب بعد ثلاثة أيام، وانتظروا ثلاثة أيام وإذا بالعذاب يأتيهم، فما نفعتهم توبة، وما نفعهم ندم، وأخذهم الله سبحانه وتعالى.

    إذاً: قوم نوح عليه السلام أغرق الله عز وجل الأرض جميعها بسببهم، وقوم عاد كانوا في جنوب الحجاز، وقوم ثمود في شمال الحجاز. وكان الله عز وجل يقول لأهل مكة: تدبروا شمالكم وجنوبكم وجميع الأرض قد أهلك الله عز وجل الكفار، أفلا تعتبرون؟!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقوم إبراهيم وقوم لوط)

    قال الله تعالى: وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ [الحج:43]، فقد ناظر إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام النمرود ودعاه إلى الله، بعد أن قال عن نفسه: إنه الرب، وقال: أنا أحيي وأميت. فقال إبراهيم: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ [البقرة:258]، أي: إن كنت صادقاً فافعل هذا الشيء، فلم يقدر على ذلك، وحرم إبراهيم من الطعام ولم يعطه، وقد جاء ليشتري منه طعاماً فرفض أن يعطيه؛ لأن إبراهيم أفحمه أمام الناس، ورجع إبراهيم، وأهلك الله عز وجل هذا الجبار بجنوده سبحانه وتعالى، فقد أرسل عليه سبحانه وتعالى الدبابير، أو البعوض، فأخذته وأهلكته، فجعله آية للخلق.

    وكذلك قوم لوط، فقد كان لوط يدعو قومه إلى دين الله سبحانه، وهم في أرض الشام، فدعاهم إلى الله، وكانوا يأتون الفاحشة، قال: أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ [الشعراء:165-166]، فاستكبروا عليه، قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ [الشعراء:167] أي: قالوا كما قال قوم نوح لنوح قبل ذلك: قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ [الشعراء:116] فقوم نوح قالوا: نرجمك، وقوم لوط قالوا: نخرجك، فإذا بالله عز وجل يهلك قوم لوط الذين كانوا يأتون الذكران من العالمين، فقال: وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى [النجم:53-55].

    فكانت العقوبة أن أرسل عليهم سبحانه حجارة من سجيل من نار جهنم، فأهلك الجميع وأبادهم، بعدما رفعهم واقتلع أرضهم وقلبها على رءوسهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأصحاب مدين وكذب موسى...)

    قال الله تعالى: وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ [الحج:44]، أي: قوم شعيب، وكانوا في نعم عظيمة، ومع ذلك كانوا ينقصون الكيل والميزان وهم كفار، فدعاهم شعيب عليه السلام إلى التوحيد فرفضوا، ودعاهم إلى أن يوفوا الكيل والميزان، فقال: أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ [الشعراء:181-183]، فأبو ذلك، ثم قال لهم نبيهم: وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ * قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ [الشعراء:184-185] أي: أنت جئت تدعونا، وأنت رجل مثلنا، لك صدر ولك جسد ولك بدن أو (أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ) أي: ممن سُحر فلم يعرف الحق من الباطل. يقولون ذلك لشعيب، وكان من أفصح الناس في الدعوة إلى الله سبحانه، وكانوا يقولون له عليه الصلاة والسلام: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ [هود:87] يعني: أنت تزعم أنك حليم وأنك رشيد وأنت سفيه! كانوا يقولون عنه ذلك، فهم يعرضون بالكلام، فإذا بالله عز وجل يهلك هؤلاء الأقوام، بما أرسل عليهم من الرجفة، وبما أرسل عليهم من عذاب.

    قال الله تعالى: وَكُذِّبَ مُوسَى [الحج:44] أي: كذبه فرعون، وقد رأى تسع آيات بينات.

    قال سبحانه: فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ [الحج:44] أي: أمهلتهم وأنظرتهم. فلما أصروا على طغيانهم أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ [الحج:44] فكيف كان نكيري هذه قراءة يعقوب فقد كان يقرؤها هكذا ويقف عليها بالياء، يعني: كيف كان إنكاري عليهم، أي: كان إنكاراً عظيماً، وكان إنكاراً فظيعاً شديداً، والله عز وجل أنكر عليهم وقال لهم: لا تفعلوا، فنهاهم في البداية ثم أخذهم أخذ عزيز مقتدر، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:40]، وقال: ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ [الحج:44].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة...)

    قال الله تعالى: فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ [الحج:45] أي: كم من قرية، وهذه فيها قراءتان: قراءة ابن كثير : (فكائن من قرية)، ومثله أبو جعفر ولكن سهل مع المد والقصر، يقول: (فكائن من قرية)، أي: كم قرى كثيرة!

    أَهْلَكْنَاهَا [الحج:45]، بنون العظمة وهي قراءة الجمهور، وقراءة البصريين: أبي عمرو ويعقوب : أهلكتُها أي: أن الذي تولى إهلاكها الله سبحانه، فإذا به يرسل عليهم ملائكته، ويرسل عليهم العذاب.

    قال سبحانه: وَهِيَ ظَالِمَةٌ [الحج:45] أي: فبسبب أنهم ظلموا أنفسهم وظلموا غيرهم أهلكهم الله سبحانه.

    قال: فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا [الحج:45]، الخواء بمعنى الخلاء، أي: أنها خالية، والخواء يأتي بمعنى السقوط أيضاً، فهي خاوية ليس فيها أحد، وهي ساقطة جدرانها على سقفها، أي: أن عروشها ساقطة على سقوفها.

    وكلمة العروش والعُرش والعَريش بمعنى البناء الذي يكون من خشب أو من غيره، وقد يطلق على الخيمة، أو على الأعمدة التي فوقها سقف، وأحياناً يطلق على العروش البيوت، فقوله هنا: فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا [الحج:45] أي: تكون بمعنى السقوف وبمعنى البيوت، يعني قد تهدمت أو صارت كما هي، وأهلكنا أهلها، فصارت خالية.

    قوله تعالى: وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ [الحج:45]، فكأنه يقول: إن الهلاك يأتي على المستكبرين أينما كانوا، سواء كانوا في الحضر أصحاب بيوت فسيأتي إليهم العذاب، أو كانوا في البراري أصحاب آبار فسيأتيهم العذاب.

    فالله عز وجل انتقم منهم؛ بسبب كفرهم وظلمهم، فماتوا وبقيت الآبار على ما هي معطلة لا أحد ينتفع بها، والآبار في الصحراء كنز عظيم جداً، فإن الذي يكون له بئر في الصحراء فإنه ملك في الصحراء، فعندما يوجد البئر يوجد حوله أهله، ويجتمع الناس إليهم.

    وإذا بهم يكفرون بنعم الله سبحانه، ويكذبون رسل الله عليهم الصلاة والسلام، فيأتيهم العذاب، فيهلكهم الله، وتظل البئر وحدها، عليها بكرتها وحبالها، ولا يوجد أحد يسقي منها، أهلكهم الله، فقال سبحانه: فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ [الحج:45] أي: لا تستخدم.

    قال تعالى: وَقَصْرٍ مَشِيدٍ [الحج:45] القصر المشيد: هو مبنى عظيم، أو: مشيد من الشيد، بمعنى الدهان، يعني: مدهون، فجملة أصحاب القصر أهلكهم الله، وبقي القصر على ما هو عبرة للخلق! فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ [الحشر:2].

    نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من المعتبرين.