إسلام ويب

تفسير سورة الحج الآية [25]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد رفع الله قدر وشأن بيته الحرام، فأضافه إلى نفسه، وذكره في كتابه، وجعل له حرمة إلى يوم القيامة، وتوعد من أراد الإلحاد في بيته الحرام بالقتال والمعاصي بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، وقد أمر الله إبراهيم ببناء بيته الحرام، ودعوة الناس إليه ليطوفوا حوله، ويقوموا بمناسك الحج والعمرة، طاعة لله وامتثالاً لأمره سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الحج: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج:25].

    ذكر الله تعالى في كتابه الكريم المسجد الحرام، وأنه جعله للناس سواء العاكف فيه والباد، فالناس يستوون في أمر المسجد الحرام، وليس أحد أحق من أحد بشيء فيه، فمن سبق إلى مكان فهو أحق به، سواء في المسجد الحرام أو في المناسك في الحج أو في العمرة، حتى ينتقل من هذا المكان، والكل سواء في تعظيم الحرمة وقضاء النسك، ويستوي في ذلك الحاضر الذي هو موجود، أو الباد وهو الذي يأتي من البادية أو القرى، أو يأتي من مكان بعيد إلى هذا البيت الحرام.

    قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ [الحج:25]، خبر (إن) في هذه الآية مقدم وتقديره: لهم عذاب أليم، أو: إن الذين كفروا قد خسروا خسراناً مبيناً، ويلاحظ أن الله لم يذكر الخبر في هذه الآية هنا فقد قال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [الحج:25]، أي: جزاء الذي يفعل ذلك العذاب من الله عز وجل وهو معلوم، فاكتفى بذكر ذلك ولم يذكر الخبر؛ لأنه معلوم.

    فضل البيت الحرام

    ذكر الله عن المسجد الحرام أنه مسجد وأنه حرام، فهو أعظم بيوت الله سبحانه وتعالى وهو مكان السجود، فيسجد فيه المؤمن لله عز وجل مطيعاً له، عابداً له، يذل نفسه في عبادة ربه سبحانه. وهذا المسجد يحرم على الناس أن يلحدوا فيه، ويحرم عليهم أن يعصوا ربهم سبحانه وتعالى فيه، وهو أعظم المساجد، والصلاة فيه بمائة ألف صلاة في غيره من المساجد، فأجره عظيم، ولذلك فالذي يلحد فيه ذنبه عظيم.

    خطر الاستهانة بالبيت الحرام

    قال سبحانه وتعالى: الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ [الحج:25]، قوله: (ومن يرد) أي: أصبح يريد، وجزمت كلمة يرد هنا بحذف حرف العلة، وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج:25]، أي: من يريد في المسجد الحرام أن يلحد فيه ظالماً، والإلحاد: هو الميل والزيغ والبعد عن الحق. ومن صور الذي يلحد في المسجد الحرام أن يظلم نفسه ويظلم غيره، أو يقع في الشرك بالله سبحانه، أو في الكبائر والفواحش والذنوب، فالله عز وجل يتوعد هذا الملحد بالعذاب الأليم، حيث قال: نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج:25].

    وجاء في صحيح البخاري عن ابن عباس قال: قال صلى الله عليه وسلم: (أبغض الناس إلى الله ثلاثة)، يعني: أبغض العصاة إلى الله رب العالمين ثلاثة، (ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريقه)، فهؤلاء أبغض الناس إلى الله سبحانه وتعالى، وأبغض العصاة: هو من يلحد في الحرم، يعني: يقع في الفواحش، أو يقع في كبائر الذنوب، أو يريد الظلم فيه، وكذلك الإنسان الذي يشرك بالله سبحانه وتعالى، فهؤلاء هم أبغض الناس إلى الله عز وجل.

    وقوله: (ومبتغ في الإسلام سنة جاهلية) أي: بعد أن دخل في الإسلام عاد يعمل ما كان يعمله أهل الجاهلية ويعتقدونه من شرك، وكهانة، وعرافة، وسحر، وأشياء كانوا يفعلونها في الجاهلية، فكذلك الذي يريد أن يرجع إلى دعوى الجاهلية، ويتعصب بعصبية الجاهلية، ويدعي دعوى الجاهلية، فهو من أبغض الناس إلى الله عز وجل.

    وذلك أن من سنن الجاهلية أن الإنسان إذا قتل إنساناً أتى أهل القتيل فقتلوا القاتل، وقتلوا معه من هو أعظم منه من قبيلته، فيأخذون بدم الواحد دماء أناس مظلومين لم يفعلوا شيئاً، ولعلهم يتركون القاتل احتقاراً له ويقتلون أكبر رجل في قبيلته، إذ لعلهم يحتقرون القاتل ويقتلون زعيم القبيلة مثلاً، فهذا هو الذي يبتغي في الإسلام سنة الجاهلية، وما كان يصنعه أهل الجاهلية من محاسبة غير الظالم، فيأخذون مظلوماً بذنب إنسان ظالم.

    قال: (ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريقه)، وهو الذي يقتل إنساناً من غير حق أو سبب، أو هو من يقتل غير القاتل، أو يقتل الإنسان المظلوم.

    فهؤلاء أبغض الناس إلى الله عز وجل، ولهم العذاب الأليم عند الله رب العالمين سبحانه.

    ذكر أقوال الصحابة في معنى الإلحاد

    قوله تعالى: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ [الحج:25] قلنا: الإلحاد: هو الزيغ والميل عن طاعة الله سبحانه، والدخول في المعاصي وأعظمها الشرك بالله سبحانه، وجاء عن الصحابة في تفسير ( من يرد فيه بإلحاد ) تفسيرات كلها تعود لهذا المعنى، فيقول ابن عباس رضي الله عنه: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ [الحج:25] قال: الشرك، وهذا نوع من أنواع الإلحاد في البيت الحرام، والشرك سواء في المسجد الحرام أم في غيره فهو لا يغفره الله عز وجل إلا أن يتوب العبد ويراجع التوحيد، فالذي يذهب للمسجد الحرام ويدعو غير الله عز وجل يستحق هذه العقوبة الشديدة.

    قال عطاء : الشرك والقتل، يعني: الذي يلحد في الحرم هو الذي يقتل مظلوماً أو يشرك بالله عز وجل، وقيل: بل معناه صيد الحمام، وقطع شجر الحرم، ودخول الإنسان غير محرم، وهذه كلها من المعاصي التي قد يفعلها الإنسان، فيذهب مسافراً إلى مكة ثم يدخل الحرم بغير حج ولا عمرة، وكأنه يستهين بهذا المكان الذي شرفه الله سبحانه وعظمه، ولا يرى عليه لله عز وجل حقاً أن يدخل هذا المكان محرماً. ومثله الذي يستهين فيصيد حمام الحرم أو يقطع شجرة مستهيناً بالعقوبة في ذلك المكان، فصيد الحمام وقطع الشجر في ذلك المكان من الإلحاد بظلم، فكيف بالإنسان الذي يظلم أخاه المؤمن؟!

    قال ابن عمر رضي الله عنهما: كنا نتحدث أن الإلحاد فيه أن يقول الإنسان: لا والله، وبلى والله.

    فكلام ابن عمر يدل على أنه بمعنى اللغو في الكلام، فالمقام العظيم في المسجد الحرام يمنع الإنسان أن يتكلم باللغو أو بغير ما ينبغي عليه.

    ولذلك كان ابن عمر رضي الله عنه يجعل لنفسه فسطاطين، أي: خيمتين، خيمة في الحل وخيمة في الحرم، فإذا أراد أن يأتي أهله ويتكلم معهم في أمور الدنيا ذهب إلى الخيمة التي في الحل، وإذا أراد العبادة ذهب إلى الحرم، ولا يخلط بين هذه وتلك، وهذا من ورع ابن عمر رضي الله عنه.

    ومثله أيضاً عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه حيث كان له فسطاطان: أحدهما في الحل، والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل، وإذا أحب أن يؤدب عياله أدبهم في الخيمة التي في الحل، وإذا أراد أن يصلي صلى في خيمة الحرم، فقيل له: لماذا تفعل هذا الشيء؟ فقال عبد الله بن عمرو : إنا كنا لنتحدث أن من الإلحاد في الحرم أن نقول: كلا والله، وبلى والله، يعني: المنازعة في الكلام، فخاف عبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم من الوقوع في ذلك في الحرم.

    الأدلة على أن الهم بالسيئة والعزم عليها سيئة وإن لم يعلمها

    قال العلماء: المعاصي تضاعف بمكة كما تضاعف الحسنات، فالحسنات تكون عظيمة ومضاعفة، وكذلك السيئات، ومن ذلك ما ذكره الله عز وجل بقوله: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ [الحج:25]، وليس الوعيد على الذي يفعل فقط، بل الذي يريد أن يفعل الإلحاد في الحرم، فالله عز وجل يذيقه من عذاب أليم.

    وهنا يقول العلماء: هناك فرق بين الخاطر في رأس الإنسان ثم يكف عن ذلك ولا يفعل، وبين أنه يريد أن يفعل الخطأ ويعزم عليه ثم يقدم فيمنعه قضاء الله وقدره سبحانه وتعالى، فالذي يهم ثم يمتنع لأنه يخاف من الله فهذا تكتب له السيئة حسنة، وقد جاء حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى.

    ففي الصحيحين من حديث ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: (إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك) أي: بين الله عز وجل ذلك، يقول: (فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإذا هو هم بها فعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة)، وانظر إلى قوله: (هم بسيئة ولم يعملها) أي: لم يعملها خوفاً من الله عز وجل، وهنا فرق بين أنه امتنع من السيئة لأنه خاف من الله سبحانه فتكتب له حسنة كاملة، وبين أنه امتنع منها لعجزه فتحسر على كونه لم يفعلها، فهذا يؤاخذ على هذا الهم وعلى الإرادة بالفعل، فقال هنا صلى الله عليه وسلم: (فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة).

    والحديث هذا ذكر ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربه، وكان اللفظ المسوق هنا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن جاء في رواية أخرى في صحيح البخاري أن الله عز وجل قال: (إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه -يعني يقول للملائكة- حتى يعملها).

    وجاء من حديث أبي هريرة : (إذا أراد أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة)، فلاحظ هنا أنه قال: (إذا ترك السيئة من أجلي) فهذا تكتب له هذه السيئة التي كاد أن يفعلها حسنة.

    وجاء حديث آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم في سنن الترمذي ورواه الإمام أحمد أيضاً من حديث أبي كبشة الأنماري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ثلاثة أقسم عليهن، وأحدثكم حديثاً تحفظوه) أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم يخبر عن ثلاثة أشياء ويقسم عليهن، ويحدثنا حديثاً ويأمرنا أن نحفظ هذا الحديث صلوات الله وسلامه عليه.

    قال: (ما نقص مال عبد من صدقة) أي: إذا تصدقت فإن المال لا ينقص أبداً من الصدقة، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نحتاج أن يقسم لنا فهو الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه.

    قال صلى الله عليه وسلم: (ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر)، بمعنى: أن أي إنسان بدأ يفتح على نفسه باب السؤال ويمد يده للناس، فإن الله عز وجل يفتح عليه باب الفقر، حتى وإن جمع أموالاً كثيرة وكنزها من سؤال الناس، إذ يملأ الله قلبه فقراً، فلا يزال يشعر بالفقر عمره أبداً، حتى يأخذه الله سبحانه وتعالى.

    قال صلى الله عليه وسلم: (ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله عزاً)، أي: ما من عبد يظلم مظلمة ويعفو عنها ويصبر إلا فتح الله له باب عز، وزاده عزاً إلى عزه سبحانه وتعالى.

    قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (وأحدثكم حديثاً تحفظوه، إنما الدنيا لأربعة نفر) أي: يعيش فيها أربع أصناف من الناس، قال: (عبد رزقه الله مالاً وعلماً فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقه، فهذا بأفضل المنازل) أي: عبد رزقه الله مالاً وعلماً، فبعلمه يعمل في ماله فيتقي ربه في هذا المال، ويصل به رحمه بهذا المال، ويعلم لله فيه حقه من زكاة ونحوها، فهذا بأفضل المنازل؛ إذ جمع الله له علماً ومالاً وطاعة لله.

    قال: (وعبد رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً فهو صادق النية، يقول: لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان، فهو بنيته فأجرهما سواء) أي: أن هذا الفقير لم يؤت مالاً، ولكن تمنى أن يؤتيه الله عز وجل مالاً فيعمل كهذا.

    الرجل الأول صاحب العلم والمال والتقوى، فأجرهما سواء.

    قال: (وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً فهو يخبط في ماله بغير علم، ولا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله تعالى فيه حقه، فهذا بأخبث المنازل)، وهذا رجل جاهل ليس على علم، ومعه مال كثير يسرف به، فلا يترك شيئاً من حرام إلا وبذل فيه هذا المال، فهو يصرف ماله في كل شيء، ويريد بذلك أن يحصل على الدنيا، ويستمتع فيها، فبجهله يظن أن الأولى والأخرى هي هذه الدنيا، فلذلك ينفق ماله في الملاذ والحرام ولا يهمه شيء، فليس عنده علم، وليس عنده ورع يمنعه من معصية الله عز وجل، فهذا بأخبث المنازل وشرها وهي نار جهنم والعياذ بالله.

    قال: (وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علماً)، وهذا جاهل آخر لكنه فقير (فهو يقول: لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته ووزرهما سواء)، فالعلم يشرف بأهله، والجهل قبيح بأهله، وانظر إلى الإنسان العالم الذي عرف لله حقه، فلما أعطاه المال عمل بطاعة الله في هذا المال، فلما منعه صبر على هذا الأمر وتمنى الخير، فالتمني تجارة مع الله سبحانه وتعالى، فالله عز وجل هو الذي منعه من المال، وعلم الله أنه لو أعطاه المال لعمل كهذا الذي عمله، فمنعه المال وأعطاه الأجر، وهذا فضل الله سبحانه وتعالى، بل ويجعل الإنسان الفقير يوم القيامة يدخل الجنة قبل الغني بخمسمائة عام، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء سبحانه تبارك وتعالى.

    وهذا الرجل الرابع رجل مسكين، حرمه الله عز وجل المال في الدنيا وهو جاهل، فبجهله لم ينظر إلى أمر الله عز وجل وطاعته، وإنما نظر إلى الدنيا، ونظر إلى مال ذاك الإنسان الجاهل، فلقد أتعب نفسه بنفسه، وأشقى نفسه بعقله وبجهله، فهو ينظر إلى الدنيا أنها كل شيء، ويتمنى أن معه مالاً فيعمل به كذا وكذا من المعاصي، فهو يتمنى المعاصي، والله يكتب عليه السيئات بتمنيه لهذه المعاصي، فهو بأخبث المنازل عند الله عز وجل كهذا الإنسان الجاهل صاحب المال.

    فهذا هو الفرق بين من خطر بباله أنه يفعل معصية ثم تراجع عن ذلك خوفاً من الله؛ فتكتب له حسنة، وبين من أراد فعل معصية ثم لم يفعلها ونسي أمرها، فهذا لا حسنة له ولا سيئة، وآخر أراد فعل معصية ومنع من هذه المعصية، فإذا به يتحسر على فوات هذه المعصية، كمن أراد أن يسرق شيئاً فوجد الباب مقفلاً، فرجع حزيناً، وصار يتمنى معرفته لفتح الأقفال، فالتمني موجود في قلبه، ولو تمكن لفعل، فهذا كالذي يفعله.

    ومن ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، فقالوا هذا القاتل، فما بال المقتول؟! فقال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه).

    فحرصه على قتل صاحبه وإن كان لم يقتله جعله في النار مع صاحبه القاتل.

    فهذا مما يؤيد أن الإصرار على المعصية معصية، ومن ذلك قول الله سبحانه: وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135]، فالمؤمنون إذا حدثتهم أنفسهم بالفاحشة أو المعصية تراجعوا خوفاً من الله عز وجل، ولم يصروا على هذا الأمر، وسواء فعلوا أو لم يفعلوا فالله عز وجل يعفوا ويغفر لهم.

    ومن ذلك قول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [النور:19]، فهؤلاء أحبوا ولم يعملوا، فهم يحبون بقلوبهم أن تنتشر الفواحش بين الناس، ومع ذلك لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة، فكيف إذا فعلوا وأباحوا الفواحش للناس؟!

    ومن ذلك قول الله عز وجل: اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [الحجرات:12]، والظن هو فعل العقل، فالإنسان يفكر في الشيء بعقله، ولم يحقق شيئاً من ذلك، فقال الله عز وجل: اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ [الحجرات:12]، فإن الظن منه الكثير ومنه القليل، والقليل من الظن غالباً يكون في الخير، والكثير منه يكون ظن سوء، وعلينا أن نجتنب هذا الظن السيء، فإذا رأيت من أخيك شيئاً فاحمله على المحمل الحسن، فإذا لم تفعل وظننت ظن السوء فإن الله يقول: إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [الحجرات:12] أي: إن بعضاً من هذا الظن الذي ظننته في أخيك تأثم عليه وتعاقب عليه عند الله عز وجل.

    والغرض من هذا كله بيان ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من أن الإنسان إذا هم بسيئة كتبت عليه هذه السيئة إن كان همه بعزم، ويعلم الله عز وجل أنه لو تركه في ذلك لأتى الفاحشة وفعلها.

    ولذلك نقول: قول الله تعالى: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ [الحج:25] يدل على عظمة الحرم وقدره، فالإنسان الذي يفعل المعصية فيه يأثم إثماً عظيماً، والذي يريد أن يفعل المعصية ويعلم الله عز وجل من قلبه أنه يريد فعلها ويصر عليها فهذا داخل في قوله تعالى: نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج:25].

    وجاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اجتنبوا السبع الموبقات، فقيل: يا رسول الله! وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات).

    والحديث نفسه رواه أبو داود وذكره عن عبيد بن عمير وذكرهن تسعاً، فزاد على السبع هؤلاء قوله: (وعقوق الوالدين المسلمين، واستحلال البيت الحرام، قبلتكم أحياءً وأمواتاً)، فزاد على السبع الموبقات: عقوق الوالدين، وهذه من أكبر الكبائر، وكذلك استحلال البيت الحرام بالمعاصي، والمعاصي حرام في الحرم وغيره، إلا أنهن في الحرم أشنع.

    واستحلال البيت الحرام يكون بأوجه: فهو إما أن يشك بالله عز وجل، أو يستبيح الدماء في هذا المكان، أو يعصي الله عز وجل متهاوناً بهذا المكان، فاستحلال البيت الحرام من الإلحاد في الحرم الذي توعد الله صاحبه بالعذاب الأليم.

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2987043180

    عدد مرات الحفظ

    716219897