إسلام ويب

تفسير سورة الروم [50 - 60]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بقيام الساعة تنكشف الحقائق، وينجلي الزيف، ويدرك المفتونون عظيم خسارتهم وفداحة جرمهم، فمرة ينكرون طول مكثهم في الدنيا، وأخرى ينكرون شركهم ويقسمون على إنكاره، وثالثة يطلبون العودة حين لا عودة، وهم لا يستعتبون ولا يعتبون، فقد بين الله لهم تمام البيان بكتابه فضرب للناس فيه من كل مثل لعلهم يهتدون، إلا أن قلوبهم طبع عليها بظلمهم فلا تنتفع بالآيات.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    قال الله عز وجل في آخر سورة الروم: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ * فَيَوْمَئِذٍ لا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ * وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ * كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ [الروم:55-60].

    يذكر الله سبحانه تبارك وتعالى في هذه الآيات أمر الساعة وقيامها، وما الذي يحدث في هذا اليوم العظيم الذي ذكره الله عز وجل في مواضع كثيرة من كتابه، ونزل هذا القرآن العظيم ليحذر الناس من هذا اليوم العظيم، فهو يوم يقومون بين يدي رب العالمين سبحانه ليسألهم: هل عبدوه -وقد أمرهم بعبادته- أو لم يعبدوه؟

    وليسألهم: ماذا كنتم تعملون في هذه الحياة الدنيا؟

    وحين جاءتكم الآيات هل أخذتموها مأخذ الجد فعملتم بها أم أنكم اتخذتم هذا القرآن وراءكم ظهرياً، وتركتموه وسخرتم بأنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام؟

    قال تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ [الروم:55] في السياق تفخيم وتهويل لهذا اليوم العظيم، بما يجعل السامع يتسائل: ما الذي يكون يوم تقوم الساعة؟

    فيجد الإجابة أمامه: يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ [الروم:55] حين تأتي على كل إنسان ساعته، وتأتي القيامة الكبرى، فيموت من على هذه الأرض قال تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ [الرحمن:26] ثم يأمر الله سبحانه بعد ذلك بالنفخ في الصور؛ فيبعثون من القبور ويقفون بين يدي رب العالمين سبحانه تبارك وتعالى، وحينها ينظر الناس في أعمالهم، ويتساءلون عن لبثهم كم كانت مدته؟ قال تعالى: قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ [المؤمنون:112] واختلف في السائل، فقيل: يسألهم ربهم سبحانه، وقيل: تسألهم الملائكة، وقيل: يسأل بعضهم بعضاً: كم لبثنا في هذه الحياة الدنيا؟ والأولى حمل الآية على الجميع، وهم حين يسألون: كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ [المؤمنون:112] يجيبون كما ذكر الله عنهم: قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ [المؤمنون:113] والعادون: من كانوا يحسبون ويعدون أيامهم ولياليهم، بل ويعدون حتى أنفاسهم، وفي الآية إشارة إلى جهلهم بمدة لبثهم.

    وفي قوله سبحانه: يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ [الروم:55] يخبر عن المجرمين إذا قاموا من القبور أنهم يقسمون أنهم ما لبثوا غير ساعة، وهذا اللبث إما أن يكون المقصود به في الدنيا كما سئلوا: كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [المؤمنون:112-113] أي: على ظهر الدنيا أو في باطنها، فإذا كان يوم القيامة إذا بهم ينظرون إليه أنه لا شيء، وأن لبثهم فوق الأرض -وإن عاش أحدهم ستين سنة أو مائة سنة أو حتى ألف سنة- لا شيء إذا قورن بيوم القيامة، فهو يوم واحد قدره خمسون ألف سنة، فلذلك قالوا: لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ [المؤمنون:113] .

    ثم يبين الله مدى استحقارهم لتلك الفترة التي لبثوها في الدنيا فيقول سبحانه: يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ [الروم:55] إذاً يحلف المجرمون يوم القيامة أنهم ما لبثوا غير ساعة، وهذا في توهمهم وظنهم، وإن كان الأمر أنهم عمروا سنيناً من سنين الدنيا، ولكن لما نظروا إلى طول الموقف قالوا: لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [المؤمنون:113]، وعلى أن اللبث الذي أخبروا عنه في القبور يكون المعنى: أنهم حين يموتون، ويكونون في القبور، والقبر إما روضة من رياض الجنة وإما حفرة من حفر النار، ثم يقومون منها يقيسون ما كانوا فيه على ما يكون يوم القيامة، فيظنون أن ما فات كان أهون، وأنه كان شيئاً يسيراً، ويزعمون أنهم ما لبثوا في القبور إلا يوماً أو بعض يوم، أو يقولون: ما لبثنا غير ساعة، كما في هذه الآية، وهذا الظن الذي يقسم عليه المجرمون باطل في الحقيقة.

    والمجرمون هم الذين وقعوا في الجرم، أي: في المعاصي والفواحش الكبرى، ونعتوا بذلك؛ لأنهم عصوا الله سبحانه تبارك وتعالى، وخرجوا عن طاعته وعن دينه، وفي الآية إشارة إلى أنهم يوم القيامة يكونون في حالة ذعر شديد، حتى يقسم أحدهم على الشيء وهو خلاف ما يقسم عليه، قال تعالى: يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ [الروم:55] .

    قوله: كَذَلِكَ كَانُوا الإشارة هنا إلى ما هم فيه من انصراف عن الحق وبعد عن الصواب، والمعنى: كذلك كانوا في الدنيا، فهم كانوا في الدنيا وفي الآخرة على هذا الحال من البعد عن الحق. ومن البعد عن الصواب.

    وقوله: يُؤْفَكُونَ يؤفك الإنسان بمعنى: يصرف عن توحيد الله، ويصرف عن الحق، وهو حين ينصرف عن الحق يقع في الكذب، وحديث الإفك أي: حديث الكذب، وإفكهم في الدنيا أي: أنهم كانوا يصرفون عن الخير، ويصرفون عن الصدق، ويبتعدون عن تصديق رسل الله عليهم الصلاة والسلام، فهم كما كانوا في الدنيا منصرفين عن الحق فكذلك يوم القيامة لا ينطقون بشيء ينفعهم، ولا يتكلمون بشيء فيه صواب، فكما صرفوا في الدنيا صرفوا يوم القيامة.

    فقوله سبحانه: كَذَلِكَ أي: كذلك الذي تسمع في هذه الآية من أنهم يقولون: لبثنا ساعة، ويقسمون على ذلك، وكذبوا وما صدقوا كما كذبوا الآن وأقسموا وقالوا: والله ما لبثنا في الدنيا إلا ساعة واحدة، فكهذا الكذب كانوا يصرفون في الدنيا عن توحيد الله وعن طاعة الله سبحانه تبارك وتعالى، فيكذبون في الدنيا على الله، وعلى رسل الله عليهم الصلاة والسلام، فكذبوا في الدنيا وكذبوا في الآخرة.

    بل قام المنافقون بين يدي الله سبحانه تبارك وتعالى يحلفون قال تعالى: فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ [المجادلة:18]، فهم لجرأتهم يكذبون على الله سبحانه يوم القيامة، والله يملي لهم، ويتركهم ليكذبوا، وذلك ليذوقوا أشد العذاب وأشد الويل يوم القيامة، فيحلفون لله سبحانه كما يحلفون في الدنيا: والله ما عصينا، والله ما أشركنا، والله ما عملنا كذا، قال تعالى: فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ [المجادلة:18]، وقد تركهم الله فحلفوا وتركهم فكذبوا وأخرسهم فنطقت عليهم جوارحهم تكذبهم فبهتوا وخذلوا، فكانوا إلى النار بل إلى الدرك الأسفل من النار والعياذ بالله.

    وككذب المنافقين وحلفهم يحلف هؤلاء، قال تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام:23] أي: أنهم عندما يقفون بين يدي الله عز وجل ويسألهم: أأشركتم بي؟ فيقولون: والله ما كنا مشركين، ويحلفون لله سبحانه تبارك وتعالى يوم القيامة ويكذبون ليكون ذلك زيادة في عذابهم يوم القيامة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقال الذين أوتوا العلم والإيمان ...)

    قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ [الروم:56] أي: أن أهل العلم وأهل الإيمان يوم القيامة من رسل الله عز وجل، ومن أولياء الله، ومن ملائكة وغيرهم يردون على هؤلاء الكذابين فيقولون: لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ [الروم:56] أي: لبثتم في حكم الله سبحانه إلى يوم البعث، فقد مضت عليكم فترة طويلة، وعشتم في الدنيا سنيناً ثم نقلتم إلى القبور فلبثتم فترة طويلة، حتى بعثكم الله عز وجل الآن.

    فهم نظروا إلى الفترة التي من ولادتهم إلى أن بعثوا يوم القيامة، فزعموا أنها ساعة واحدة فقط، وقد تكون هذه الفترة آلاف السنين؛ ولذا يجيبهم الذين أوتوا العلم فيقولون: بل إنكم قد لبثتم في حكم الله سبحانه منذ أن خلقتم إلى أن يبعثكم الله سبحانه.

    قوله: فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ [الروم:56] أي: هذا يوم بعث الإنسان، حيث خرج من موت في قبره إلى حياة ونشور، وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ [الروم:56] فمع أن الرسل بلغوا هؤلاء المجرمين، وحذروهم من هذا وأقاموا عليهم الحجة كما قال تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15]، إلا أن علمهم كان كلا علم، بل علمهم محصور على ما ذكر سبحانه تبارك وتعالى في أول هذه السورة فقال: يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم:7]، فمع أنهم علموا من الرسل بوقوع يوم القيامة إلا أنهم لم يستيقنوا، ولم يدخل الإيمان في قلوبهم، فكان علمهم كجهل، حيث لم ينتفعوا به، فيكون معنى قوله تعالى: وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ [الروم:56] أي: لا تعلمون علماً ينفعكم حيث لم تستيقنوا، ولم تصدقوا الرسل، فكان علمكم معرفة، عرفتم أن هناك يوم قيامة فلم تعملوا له.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم...)

    بين الله عدم جدوى اعتذارهم يوم القيامة فقال سبحانه: فَيَوْمَئِذٍ [الروم:57] أي: يوم القيامة، لا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ [الروم:57]، وقراءة الكوفيين عاصم وحمزة والكسائي وخلف: ( لا ينفعُ )، وأما قراءة الباقين فهي: ( لا تنفع ) على التأنيث، والمعذرة يجوز أن تذكر فيقال: (لا ينفع)، ويجوز أن تؤنث فيقال: (لا تنفع).

    وإذا كان الاعتذار والاستعتاب والرجوع إلى رب العالمين ينفع الإنسان في الدنيا ولا ينفع في الآخرة؛ لأن الدنيا دار تكليف، أما الآخرة فهي دار جزاء، ولا ينفع أن يقول فيها الإنسان: آمنت وصدقت. فقد صار الغيب شهادة.

    قوله: لا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا [الروم:57] أي: ظلموا أنفسهم في الدنيا بشركهم بالله سبحانه، وظلموا غيرهم.

    وقوله: مَعْذِرَتُهُمْ [الروم:57] أي: اعتذارهم.

    وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ [الروم:57] أصل الاستعتاب: طلب إزالة العتب، يستعتب أي: لا يطلب منه إزالة العتب، يقال: استعتبني فأعتبته، يعني: طلب مني إزالة العتب فأزلته عنه، والمعنى: استرضاني فوافقته على ذلك.

    فهؤلاء لا يستعتبون أي: لا يطلب منهم إزالة غضب الله عليهم بالطاعة، أو لا يطلب منهم ولا يقال لهم: ارضوا ربكم الآن، إذ إن طلب الرضا كان في الدنيا، أما في الآخرة فلا يطلب منهم ذلك، إذ الآخرة ليست بدار تكليف وإنما هي دار جزاء وحساب، فلا ينفعهم فيها الاعتذار، ولا يطلب منهم أن يتوبوا إلى الله، ويرجعوا إليه، ويزيلوا الغضب الذي من الله عليهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل...)

    قال تعالى: وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ [الروم:58] بين الله سبحانه تبارك وتعالى هذا القرآن العظيم بكل طريقة من شأنها أن تنفع الإنسان فيفهم ما فيه، وحتى لا يكون له عذر عند الله عز وجل يوم القيامة، فقد ضرب المثل بأقل الأشياء، فذكر البعوضة، وذكر الذبابة، وضرب المثل بأعظم الأشياء فذكر الجبال، وذكر السماوات، وذكر الأرضين، وضرب الأمثلة بالأحياء والأموات، فضرب من كل مثل لعل الناس يتذكرون ويعتبرون، قال تعالى: وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ [الروم:58].

    معنى قوله تعالى: (ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون...)

    قوله سبحانه: وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ [الروم:58] أي: مما طلبوا من الآيات، والله أعلم سبحانه تبارك وتعالى يعلم، بطبيعة هؤلاء، فكم طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم من آية، فقالوا: نريد آية ونؤمن بما أتيتنا به من هذا القرآن، وبأنك رسول رب العالمين، على أن تكون هذه الآية كعصا موسى، أو تحيي الموتى كما كان يصنع عيسى عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، وقد جاءهم بآيات عظيمة صلوات الله وسلامه عليه، ولكن لم تكن هذه الآيات آيات عامة؛ لأنه لو جاء بآية عامة يراها الجميع أمامهم فكذبوا لأتاهم العذاب من عند رب العالمين.

    فكان يطلع على الآية من الآيات جموع منهم تتراوح بين العشرة والمائة والألف، ولكن لا يطلع عليها جميعهم في وقت واحد، وهذا من رحمة الله سبحانه تبارك وتعالى بهذه الأمة، فمن آياته التي جاء بها صلوات الله وسلامه عليه: أنه شُق القمر بدعائه صلى الله عليه وسلم وبإشارته إليه، فرأى ذلك عشرات من أهل مكة، كما رآها مسافرون كثيرون ورجعوا وأخبروا بذلك ولم يؤمنوا، ولو كانت هذه آية عامة يتحدى بها النبي صلى الله عليه وسلم الجميع ثم كذبوا بعدها؛ لأهلكهم الله سبحانه، ولكن جعلها بالليل يراها البعض ولا يراها الجميع حتى لا يهلكهم جميعهم سبحانه تبارك وتعالى بتكذيبهم.

    ومن الآيات ما رآه المؤمنون من النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية إذ وضع في البئر سهمه صلوات الله وسلامه عليه، ودعا ربه سبحانه؛ فجاشت البئر بالماء، وشرب منها الجيش كله!

    وفي غزوة أخرى من غزواته صلى الله عليه وسلم أُتي بكوز ماء لا يكفي لوضوئه صلى الله عليه وسلم فوضع يده في هذا الكوز، فنبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم، فشرب الجيش كله مع النبي صلى الله عليه وسلم، وسقوا إبلهم، وتزودوا بهذا الماء الطيب الطاهر في سفرهم!

    وغيرها من الآيات رأوها من النبي صلوات الله وسلامه عليه، ومع أنها كانت آيات، إلا أن الله لم يعدها من الآيات في قوله تعالى: وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ [الروم:58]؛ لأن المراد بالآية هنا هي الآية العامة التي طلبوها كما طلب الحواريون من المسيح عليه الصلاة والسلام أن ينزل عليهم مائدة من السماء، فهم يريدون أن يروا آية عامة، لكن الله منعهم إياها، وجعل القرآن الكريم هو الآية العظمى، أما غيره من الآيات فكان يراها البعض ولا يراها الجميع.

    ثم يخبر سبحانه بما سيكون منهم لو أعطوا آية عامة وهو أعلم فيقول سبحانه: وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ [الروم:58]، فالله رحيم بعباده سبحانه تبارك وتعالى، وهو يعلم أنه لو جاءهم بآية كما طلبوا حيث قالوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا [الإسراء:90-92]؛ لكذبوا بها، ولم يؤمنوا، فتكون النتيجة أن يهلكهم الله سبحانه بسبب تكذيبهم.

    والمبطلون في قوله تعالى: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ [الروم:58] جمع مبطلٍ والمبطل: هو المتبع للباطل، فيقال: هذا مبطل: كأنه صانع للباطل ومتبع له.

    كأنهم إذا جاءهم بالآية التي طلبوها سيكذبونه، ويدعون أن ما جاء به سحر كما قالوا في انشقاق القمر، ولذلك الله لم يأتهم بما طلبوا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون....)

    قال سبحانه: كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الروم:59] .

    قوله: كَذَلِكَ أي: كهذا الطبع الذي تراه على قلوب هؤلاء فلم يفهموا آيات الله سبحانه، ولم يتدبروا موعظته وكتابه؛ يطبع الله على كل قلب لا يستيقن بالله سبحانه ولا يصدق المرسلين.

    قال سبحانه: كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الروم:59] قوله: (لا يعلمون) أي: الذين لا يعلمون علماً ينفعهم فيتعظون به.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فاصبر إن وعد الله حق....)

    قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ [الروم:60] أي: اصبر إذا كذبوك، فـإِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ [الروم:60] أي: أن القيامة آتية، والساعة لا ريب فيها.

    ثم نهاه أن يستخفه المشركون فقال: وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ [الروم:60] الاستخفاف من الخفة، يقال: فلان أغضبني فاستخفني بمعنى: استفزني، فلما استفزني صار بي خفة، وطيش، وتهور، وكأنه يقول: لا تتهور، ولا تطيش، ولا يذهب عقلك بسبب ما يصنع هؤلاء في إجرامهم، فالله سبحانه يثبت النبي صلى الله عليه وسلم ويعظه: ألا تخرج عن حدك، ولا عن طبعك، ولا عن إيمانك العظيم، ولا عن هدوئك الذي أنت فيه، ولا يستخفنك هؤلاء بباطلهم؛ فإنهم لا يوقنون.

    وهذه الآية قرأها رويس : (ولا يستخفنْك الذين لا يوقنون)، وباقي القراء: وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ بمعنى: الذين لا يستيقنون بما جاء في هذا الكتاب العظيم.